رواية الرجل ذو الياقة الزرقاء الفصل الثامن 8 بقلم اسماعيل موسي


رواية الرجل ذو الياقة الزرقاء الفصل الثامن بقلم اسماعيل موسي 

كنت أراه من بعيد دون أن أُعلن عن وجودي وكأن الصعود إلى السطح صار طقسًا يوميًا له لا يريد له شهودًا وكان يقف أمام الحامل الخشبي بثبات من يعرف مكان يده قبل أن تتحرك وكانت اللوحة مثبتة بمشابك معدنية قديمة والقماشة مشدودة بعناية لا يفعلها الهواة والفرش مصطفة على الطاولة الصغيرة حسب المقاسات فرش عريضة للخلفيات وأخرى رفيعة حادة للتفاصيل والباليتة ملطخة بدرجات الأخضر والأزرق والأصفر المغبر وهي ألوان الطبيعة حين تُرى لا حين تُتخيل

كان يرسم ببطء مدروس لا يهاجم اللوحة ولا يتوسلها ويبدأ دائمًا من الكتل الكبرى فيضع المساحات اللونية كأنما يبني جسد المشهد قبل ملامحه فسماء خافتة مشوبة بالرمادي على طريقة كورو وأرض ممتدة بنبض أخضر يشبه حقول بروفانس عند سيزان وأشجار لا تُرسم كورق وأغصان بل ككتلة ضوء وظل كما لو تعلم ذلك من بيسارو أو سيسلي حيث لا خطوط حادة وكل شيء مهذب ومنصهر كأن الطبيعة نفسها توافقت معه

كان يبتعد خطوتين ويميل برأسه قليلًا ويضيق عينيه ليراجع القيم اللونية والتوازن البصري والعلاقة بين الضوء الرئيسي والظل البارد ثم يعود ليكسر انسجامًا متعمدًا بضربة فرشاة جريئة يضع لمسة غير متوقعة أخضر مصفر أو لمعة بيضاء فوق العشب كما فعل مونيه حين خان الواقعية لصالح الإحساس

يده لم تكن ترتجف رغم العكاز ورغم الصمت الثقيل الذي يحيط به وكان يعرف متى يستخدم السكين بدل الفرشاة فيكدس اللون ثم يكشطه ويعري القماشة ثم يعيد البناء كأن اللوحة نزاع صامت بين ما يراه وما يحتمله وأدركت حينها أن الرسم ليس هوايته بل طريقته الوحيدة في التنفس

لم يكن يرسم جمالًا مريحًا بل طبيعة لها وزن وثقل وذاكرة فالشجر عنده ليس خلفية بل شخصيات صامتة والسماء ليست فراغًا بل مساحة توتر وحتى الضوء كان مترددًا كأنه يعرف صاحبه جيدًا

تذكرت لوحات جماعة الباربيزون وذلك الإخلاص للطبيعة دون تزييف لكن بدر لم يكن يقلد بل كان يأخذ منهم الصدق ويضيف عليه وحدته الخاصة وهو ما لا يُتعلم ولا يُنقل ولا يُشرح

لم يتكلم ولم يلاحظ وجودي أو لاحظه وتجاهله ولا فرق لأنني رأيته في تلك اللحظة شيئًا آخر غير سيد البيت وغير الرجل الهادئ وغير الطبيب السابق رأيته رسامًا كاملًا يعرف أن اللوحة لا تُكمل بل تُترك حين تتوقف عن المقاومة

وحين وضع الفرشاة أخيرًا لم يبتسم ولم ينتصر بل غطى اللوحة بقماشة قطنية كمن يحفظ سرًا ونزل السلم ببطء تاركًا الطبيعة معلقة فوق السطح غير مكتملة مثلنا تمامًا


صعدت إلى السطح وكأن قدمي تعرفان الطريق قبلي وكانت الدرجات باردة تحت يدي والهواء أعلى أخف لكنه أثقل في صدري

تقدمت ببطء بين اللوحات المسندة إلى الجدار وبعضها مغطى بالقماش وبعضها عارٍ يواجه السماء بلا خوف ورائحة الزيت والتربنتين عالقة في المكان كأن بدر غادره منذ لحظة فقط

وقفت أمام الأولى ثم الثانية ثم الثالثة وكنت أبتلع دهشتي بصمت لأن ما رأيته لم يكن هواية رجل منعزل بل عمل يد تعرف أين تضع الخط وأين تمتنع عنه ولوحات طبيعة مشغولة بحساسية الضوء وتوازن الكتل وضبط القيم اللونية بلا ادعاء أو استعراض

لمست حافة إطار بإصبع مرتجف وتراجعت سريعًا كأن اللوحات كائنات حية لا تحب أن يُلمس جلدها وتقدمت أكثر أراقب الأشجار المرسومة وهي تتنفس والمروج وهي تمتد بلا نهاية والسماء التي ليست سماء بل حالة

كنت أبتسم دون أن أشعر وأشعر للمرة الأولى أن هذا السطح ليس معزولًا عن العالم بل عالم كامل لا يسمح بالدخول إلا لمن يفهم الصمت

ثم رأيتها

لوحة موضوعة بعيدًا عن الأخريات نصفها مغطى بقماش رقيق كما لو أن بدر لم يحسم بعد إن كانت تُرى أم لا فاقتربت بخطوات محسوبة وسحبت القماش قليلًا

تجمدت

كانت فتاة

وجه غير مكتمل العينان مرسومتان بنعومة حذرة وكأن الرسام خاف أن يجرحهما الأنف لم يُحسم بعد والفم مجرد خط قابل لأن يتحول إلى ابتسامة أو انكسار والشعر ليس شعرًا بل ظلال تتردد حول الرأس

ملامح أعرفها

لم تكن مطابقة لكنها ليست غريبة وكانت تلك المنطقة بين العينين وتحت الوجنة تشبهني على نحو أربكني كأن أحدهم رسم انطباعًا عني لا صورتي كأنني مررت ذات يوم أمام عينيه وتركته بشيء لم يفهمه

مددت يدي ثم سحبتها بسرعة وقلبي يدق بعنف ووقفت أراجع نفسي وأقول إن هذا محض خيال وإن بدر يرسم البشر كما يرسم الطبيعة بالتقاط لا بالنسخ

لكن جسدي لم يصدقني

اقتربت أكثر ورأيت أن اللوحة غير منتهية وأن الخلفية بيضاء تقريبًا كأن الفتاة معلقة في فراغ وأن الجسد لم يُرسم بعد فقط الرأس والكتف وبداية عنق نحيل

شعرت بارتباك غريب خليط من إعجاب وخوف وفضول لا يليق بخادمة تقف أمام سر لا يخصها وتساءلت منذ متى وهو يراني بهذه الطريقة ومنذ متى دخلت إلى لوحاته دون أن يستأذنني

تراجعت خطوة ثم خطوتين وأعدت القماش إلى مكانه بعناية أشد مما أظهرت لأي لوحة أخرى وكأنني أعتذر

نظرت حولي وتأكدت أن لا أحد هناك وأن بدر لن يصعد الآن ومع ذلك شعرت أنه يعرف وأن هذا السطح سيفقد براءته بعد هذه اللحظة

نزلت السلم ببطء وأنا أحمل صورة غير مكتملة لوجه قد يكون وجهي أو قد يكون مجرد احتمال وكنت أعلم أن شيئًا ما انكسر بصمت وأنني لن أنظر إلى لوحات بدر بعد اليوم كما كنت أنظر إليها قبل أن أرى نفسي فيها

الفصل التاسع من هنا

stories
stories
تعليقات