رواية المعلم الفصل الثامن
تفهم تقاسيم وجهها التي انعكست وأسبق بحديثه قبل أن تخطئ في فهمه قائلاً ينبرة رحيمة :-
أخويا رايح يقدم في نفس الكلية اللي هتقدمي فيها وانا كنت فوصله عادي، حبيت اساعد مش أكثر ....
استمع ياسر الحديث زبان وهتف سريعاً :-
روحي معاه دي الطريقة الوحيدة لأن أنا مش هعرف لازم اخلص إجراءات كتب الكتاب .
تعجبت كثيراً من موافقته ألا يغار عليها مع رجل غيره ؟ أهو يثق بذاك الريان لدرجة أن يؤمن على مكونها في منزله وكذلك ذهابها معه للالتحاق بالجامعة ؟ . تنهدت يعمق ثم قالت بفتور مختصرة حديثها ..
تمام ...
أغلقت الخط سريعاً قبل أن يردف بشئ آخر وأغمضت عينيها بعصبية بالغة ساحبة أكبر قدر من الأكسجين ثم أخرجته بتمهل .
فتحت عينيها وتفاجئت به يرمقها متعجباً مما تفعله ، توردت وجنتيها خجلا ثم ناولته الهاتف قائلة بنبرة رقيقة : حضرتك مش مضطر توصلني أي مكان، أنا هروح مع كريم
اتسعت حدقتي زيان وسألها بنيرة صارمة ..
كريم مين ؟
جمجمت بحرج ورددت موضحة بتلعثم :-
ابليكشن كريم للتوصيل لسه عارفاه امبارح من علي جوجل .
لا مفيش مرواح مع كريم ولا حتى حسين أنا اللي هوصلك
هتف بهم ريان بعفوية أثارت ضحكات عنود يصوت عال ، رمقها ريان بنظراته الثاقبة متعجباً من أمرها . توقفت هي شاعرة بحرج شديد من نظراته المثبتة عليها وأردفت معتدرة :-
أنا آسفة بجد مش قصدي
هتلبسي ولا هتكملي ضحك ؟
صاح بها ريان بنبر جدية صارمة ، انتبهت عنود الي نبرته التي تحولت إلى الجدية فأخفضت رأسها بحياء ، حكت جبينها بتوتر وأردفت متعمدة عدم النظر نحوه .
مجهز حالا ...
هرولت مسرعة داخل الغرفة وما أن أوصدت بابها حتي وقفت تتنفس الصعداء ، سحبت زفيرا عميقاً ثم توجهت نحو حقيبتها
وجذبت ثياب لها وارتدتهم في دقائق معدودة .
دلفت الى الخارج بثوبها الفحمي كما اعتادت في الأيام الاخيرة حداداً على والديها ، لكن يوجد بها شئ مختلف عن الأيام الماضية . تلك المرة كان وجهها مفعم بالحيوية والنشاط كما ازداد إشراقاً عن ذي قبل .
نظر إليها ريان بنظرة متفحصة ثم نهض من على الأريكة قائلا بنيرة صارمة ...
يلا بينا .
هتمشي كده من غير فطار ؟
تسائلت عنود بعفوية حيث تفاجئت بسودتاه يخترقاتها ولا ينيس بشئ كأنه لا يدري كيفية الإجابة على سؤالها أو ربما شعر بالحرج حيالها .
فالاولي أن يبادر هو بإعداد الفطور ولا ينتظر طلبها ، استشفت هي خرجه منها وحاولت التخفيف عنه مرددة بنيرة هادئة .. غلط انك تخرج من غير فطار وخصوصاً لو هتسوق عربية ممكن ضغطك يوطي فجاءة، ممكن تدلني على مكان الحاجة وانا هعمل سندوتشات سريعة ، أنا آسفة اني يطلب كده بس ده تعود وبصراحة يتعب لو نزلت من غير فطار ....
حمحم ريان يحرج أكبر لكونه لا يعلم أماكن الأشياء ، تنهد بعمق ثم توجه نحو المطبخ ووقف علي الباب ، عاد ببصره نحوها وأردف بقلة حيلة :-
أنا أخري ادخل المطبخ لكن اماكن الحاجة معرفش هي فين بالظبط .
سارت نحوه بخطي متمهلة ثم ابتسمت ابتسامة عذبة لم يعلم سرها لكن حتما لمست قلبه ، ماذا ؟ قلبه ! ماذا يحدث يا هذا ، هز
راسه يطرد تلك الأفكار اللعينة التي راودته ثم هتف ساخراً ..
مهمتي أكل وبس أكثر من كده مليش فيها
جابت عنود بيضرها على المكان في نظرة سريعة متفحصة ورددت ولازالت الابتسامة لم تفارق شفاها :-
بابا على طول كان بيحضر معظم الوقت الاكل او الشاي والقهوة، وعمره ما شاف إن دي مساعدة ديما يقولي أن دي رغبتي وطلبي
اقوم اعمل لنفسي ليه اتعب اللي يحبهم معايا ..
التوي ثغرها بإبتسامة باهنة حزناً ، ترقرقت بعض الدموع في عينيها بألم لم تتعداه بعد ، حاولت أن تتماسك قدر المستطاع فهي لا تريد أن تفسد صفوه بحديثها حتماً لا يعبأ له .
وقفت أمام الثلاجة وعادت ببصرها اليه في حياء وأردفت بخجل ..
تسمح لي أفتحها ؟
ضيق سودناه عليها بغرابة من أمرها وهتف بتريت :-
اه طبعاً اتفضلي خدي راحتك
هزت رأسها بإيماءة خفيفة وشرعت في إعداد بعض الشطائر لهم ، راودها سؤال ما وأرادت أن ترضي فصولها الأنثوي وتسائلت بحرج :-
هي زوجة حضرتك مش بتصحي الوقتي ؟
أماء زبان رأسه ينقي وأجابها بصوته الاجش :-
لا إحنا لسه بدري أوي الساعة 1
هزت رأسها بتفهم ثم ناولته شطيرة ما إن انتهت من تحضيرها ، شرعا كليهما يتناول شطائرهم سريعاً ثم دلفا خارج المنزل . نسي ريان تماماً ما حدث بالأمس وفتح باب المصعد عقوياً منه لكنه سرعان ما تذكر من خلف نظراتها المشتعلة التي قابلته بها .
لم يعلق واغلق الباب سريعاً ثم توجه إلى الدرج مباشر . وقف أمام منزل والده وقبل أن يطرق الباب كان قد فتح من قبل رنا ، تنهد
ريان ممتناً لوجود عنود معه، حتما ستجبر تلك البغيضة على الصمت عندما تراها .
رسم الحدة على تقاسيم وجهه وسألها بفتور شديد ...
الحج صاحي ؟
لم تعياً لسؤاله بل كانت عينيها تتأكل غيظاً من تلك الفتاة التي تقف خلفه ، من تكون ؟ ومن أين جاءت ولما تقف معه في تلك
الساعة المبكرة ؟
خرجت من شرودها على صوته الجهوري الذي صاح بها :-
بقولك الحج صاحي ؟
رفقته ينظرات مشتعلة وهي تسحق أسنانها يغضب واجابته بجدية :-
اه صاحي .
لم تستطيع الصمود لاكثر من ذلك فلقد تأكل جوفها من فرط الفضول ، سألته وهي تطالع عنود بنظرات متفحصة ...
مين دي مش تعرفنا!
اقترب ريان منها بضعة خطوات حتى يجبرها على التنحي جانباً لكي يمر هو للداخل وهتف موجهاً حديثه إلى عنود ...
ادخلي مش هأخرك .....
أماءت رأسها بالايجاب وولجت الى الداخل أسفل نظرات رنا المثبتة عليها وهي تكاد تنفجر غيظاً ، فهي الي الان لم تعرف هويتها . أوصدت الباب وسارت خلفهما ربما تعلم من تكون . جلس زيان بجانب والده وقال بنبرة معاكسة تميل للحنان ..
صباح الخير يا حج اخبارك ايه النهاردة ؟
اجابه ماهر بنيرة رخيمة ...
صباح النور يا بني، الحمد لله في احسن حال، بس انت صاحي بدري ليه كده خير ؟
مرز ريان أنظاره بين والده وعنود اللي تقف على استحياء شديد واجابه مختصراً :-
رحب بضيفتنا الأول يا حج ، عبود بنت عمي سيف الدين وهتكون مرات ياسر النهاردة
شكل ماهر ابتسامة على ثغره ومد يده ليصافحها مرحباً بحفاوة ..
اهلا بيكي يا بنتي نورتي البيت
لاحظت عنود عدم اتزان رؤيته فهو ينظر إلى الجهة المعاكسة لها تماماً، لكنها سرعان ما تحول وجهها إلى الحمرة الصريحة خجلاً لانها وقعت في موقف لا تحسد عليه ، رجل كفيف يمد يده ليصافحها وهي لا تصافح الرجال ، بأي وجه سترفض مصافحته ، ابتلعت ريقها بتوتر بائن قد استشفه زيان وأسرع هو يمد يده وصافح والده قائلا بمزاج :-
معلش بقا يا حج أصلها مش بتسلم على رجالة.
اتسعت شفتي ماهر بسعادة وهتف مهللاً ..
بسم الله ما شاء الله ربنا يبارك فيكي يا بنتي
متشكرة لحضرتك
هتفت بها عنود بنبرة رقيقة ممزوجة بخجلها الصريح ، ابتسم زيان علي ذاك الموقف الطريف وتابع حديثه متسائلاً ...
يحيي فين يا حج ؟
أجابته رنا وهي تقترب منهم لكي تنال شرف الحديث معه حتى لو كان أبعد ما يكون عنها ...
يحيي نزل من بدري
لم يغيرها زبان اهتمام كانها نكرة، دلف هاني خارج غرفته وما إن رأي زيان حتى انعكست تعابير وجهه للحدة والبعض ، لاحظها الجميع حتى عنود التي شعرت بالقرابة لأمر ذاك الرجل التي لا تعلم هويته بعد ، لكنه شديد الغلاظة ولا يعلم عن الدوق شي ولو بمقدار ذرة أهذا إكرام الضيف التي حثنا عليه رسولنا الكريم ...
لم يبالي لهم هاني وولج داخل المرحاض ، هم ريان بالنهوض موجهاً حديثه العنود بصوته الأجش :
يلا بينا عشان منتأخرش
توجه نحو الباب بخطي متريئة كما تبعته عنود على حياء، بينما وقفت رنا كمن يقف على جمر متقد وهي تراها تسير خلفه ، ماذا
تفعل معه هذه الفتاة التي لم تروق لها مطلقاً ١٢
توقف زيان فجاءة عندما تذكر شيئا ما أراد اخباره لوالده ، اصطدمت به عنود بقوة أثر وقوفه المفاجئ - كادت أن تسقط من شدة ارتطمها به لكنه لحق بها وأمسك بطرف ثوبها وأعادها إليه بحركة سريعة منه .
اعتدلت في وقفتها سريعاً وابتعدت عنه وحمدت الله أنه لم يلمسها فقد لمس ثوبها فقط ، لكن لا تدري سر تلك الوخزة التي شعرت بها وهي تقف أمامه ، أيعقل خجلاً من ذلك الموقف اللعين أم شئ آخر لا تعلم ولا تريد أن تعلم لكنها تود فقط مغادرة المكان سريعاً .
حمحم ريان بحرج ثم نظر لوالده وردد بصوت متحشرح :-
يقولك يا حج عايزك تكون ولي العروسة ده بعد أذنها طبعا
استدار إليها زيان وهو يطالعها بنظراته قيد إنتظار إجابتها . لم ترفع بصرها عن الأرضية ولم تصفي من الأساس إلى طلب ربان . فهي غارقة في دوامة أفكارها تجاه ياسر ، لما شعرت فجاءة بالضيق من تلك الزيجة ، تود أن تصرح بشدة وترفض زيجتها التي لا
تعلم إلى أين ستودي بها ، إلى الهلاك حتماً ..
ما يكي يا فتاة منذ متى تفكرين بقلة الايمان تلك ، فالله لن يتركنا تفرق أبدا، سيجبر خاطرنا ويكتب لنا الخير فيما تفعله كما يفعل. دائماً فالله رحيم بعباده سنظل نثق بقرارته ونظن به خيراً فليكن خيراً دائما ....
ايه رأيك في أن الحج يكون ولبيك ؟
هتف زبان متسائلاً وهو يطالعها بقرابة من أمرها ، رفعت عنود بندقيتاها عليه وأردفت بتلعثم ...
ها ؟
تعالت ضحكات ماهر وتحدث من بين ضحكاته وهو ينظر إلى جهة أصواتهم المصدرة :-
العروسة شكلها متوترة
توردت وجنتي عنود خجلاً وكزت على شفاها بارتباك خجل ، هز ريان رأسه مستنكراً أفعال تلك الفتاة المبهمة - أعاد تكرار ما قاله
منذ قليل بنبرة جدية :-
كنت بقول ايه رأيك لو الحج يكون وليبك ؟
عقدت عنود ما بين حاجبيها بغرابة وهي لا تعي ما قاله و تسائلت ببلاهة وكأن رأسها بانت خالية من العقل :-
ولي ليه ؟
رفع ريان أحد حاجبيه وأجابها قائلا باقتضاب :-
مش النهاردة كتب كتابك والمفروض يكون ليكي ولي ؟
شعرت بقصة مريرة في حلقها لا يتقبل عقلها ولا قلبها بتلك الزيجة التي اضطرت على الموافقة عليها ، ودت لو أن تفر هارية
وتترك ما جانت لأجله ، فوالله لولا وصية والدها لما كانت تركت بلدتها التي ترعرت بها وتربت في كنفها .
تنهدت بحرارة وقد سقطت قطرة من عينيها ألماً على ما يحدث ، أخفضت بصرها لكي لا يراها أحدهم وأمسكت بمقبض الباب . أجبرت ريان على التنحي جانباً . ثم دلفت للخارج مسرعة .
دلف ريان خلقها بعد أن أغلق الباب ، بينما هبطت في الأدراج مهرولة . هبط سريعاً لكي يلحق بها وما أن وصل لنهاية الادراج حتي رأها تقف أمام الباب تمسح عبراتها بأناملها الصغيرة ..
اقترب منها وسحب نفساً عميق واردف بنبرة متريتة ...
وافقني ليه طلاما مش مش عايزة تتجوزيه ؟
التفتت إليه ورفعت بندقيناها عليه يحزن جلى ، لاحظ لأول مرة لون عينيها التي تغازله أشعة الشمس ليظهر بهذا الجمال ..
قطعت هي حيال شروده بها بصوتها الرقيق الذي أجبر جميع حواسه على الإنتباه لها ، جمجمت في بحرج واجابته بنيرة موجوعة . مفيش في أيدي غير كده لو موافقتش مش هلاقي مكان أقعد فيه وانا لا يمكن أعرض نفسي لاي خطر حتى لو بنسبة 1% أنا ممكن أرجع بلدي بس هاخد وقت كبير علما اسافر وادور علي بيت أشتريه وطبيعي مقعد في فندق يعني مصرف كثير و علي لما . الاقي بيت يناسبني ممكن ميكنش معايا المبلغ .
تنهدت بحرارة وتمنت لو تجهش في البكاء لكن لا لن تظهر ضعفها أمام أحد . تعجبت من نفسها كثيراً أنها أفصحت عما بداخلها بتلك السهولة والأغرب أنها شعرت ببعض الراحة، من يكون حتى تبوح بما داخلها ، لعنت سذاجتها المفرطة وتابعت حديثها
متسائلة بنيرة محتقنة :-
اخو حضرتك فين مش قولت هيجي معانا ؟
أماء رأسه بالايجاب ، دس يده في جيب بنطاله وجذب هاتفه وقام بالاتصال على أخيه ، انتظر قليلا ثم استمع لصوته فأسرع هو
بالحديث قائلا ..
صباح الخير يا يحيي انت فين ؟
أجابه يحيي بصوت عالي لكي يصل الي مسامع ريان من بين تلك الضجة التي يتوسطها ...
أنا في الجامعة يا حبيبي في حاجة ؟
أوصد زيان عيناه ثم فتحها ببطئ وهو يطالع عنود بنظراته حتماً ستخلق شجار معه ناهيك عن عدم تفتها به بعد الآن . تنهد واجاب يحيي مختصراً ...
تمام هكلمك بعدين
اغلق الخط ونظر إليها وهتف بنيرة متريئة .
يحبي سبق هو وراح على الجامعة وااا
استشفت عنود حرجه وظنت بأنه لا يزيد توصيلها فأسرعت وقاطعته بحرج شديد ..
أنا هروح مواصلات حضرتك مش مضطر توصلني في مكان أنا ...
قاطعها زيان بنيرة صارمة :-
محدش هيوصلك غيري انتي أمانة ياسر عندي ومينفعش أقوله سببتها تمشي لوحدها اتفضلي اركني
ضغط على مفتاح سيارته الحديثة لتفتح ثم جلس على مقعده وتفاجئ بها تجلس في المقعد الخلفي - اغمض عيناه بضجر بائن .
ترجل من السيارة وتوجه نحوها ، فتح بابها وانحني بجسده ليكون بنفس مستواها وقال بصوت هادئ -
اقعدي قدام منظري مش حلو وانتي قاعدة ورا كده ....
رفعت حاجبيها بغرابة وأردفت بنبرة جدية صارمة ...
لا طبعاً مش مقعد جنبك مينفعش
سحق زبان اسنانه بغضب يحاول كبحه حتى لا يتدفع على تلك الفتاة التي تبالغ في كل شئ ، اغمض عيناه لبرهة ثم أغلق الباب وعاد لمقعده مرة أخري .
عدل من وضعية المرأة لكي تظهر وجهها كاملاً فقط لتنال قسطا من نظراته الثاقبة التي اخترقتها ، لاحظت نظراته المثبتة عليها متلاحقت خفقات قلبها في التسارع خجلاً منه . تنهدت وهي تحاول أن تظهر طبيعية ولا تكترث لنظراته التي ستحرقها حتماً .
بالتأكيد سينفجر بها بأول فرصة تسنح له . ابتلعت ريقها وازدردت بخوف، لكنها سرعان ما هدأت من روعها ، شهيق وزفير فعلت
هي ، طالعته بنظرات جامدة وهتفت متسائلة يحلق :-
حضرتك بتبصلي كده ليه ؟ انت متعرفش اني قعدتي معاك في العربية تعتبر خلوة غير شرعية وحرام ومينفعش بس انا مضطرة. وللضرورة أحكام ومش معنى كده الى أقعد كمان جنبك واتحمل ذنب أنا مش قده بسببك
شهقت عنود بذعر عندما أوقف السيارة فجاءة لتحتك إطارات السيارة بالطريق مصدرة صرير مروع اخافها بشدة ، لوهلة تذكرت حادث انقلاب حافلة والديها ، تلك الصورة التي لا تفارق عقلها . الأدخنة المتطايرة التي رأتها قبل الوصول إليهم راودتها في تلك الاثناء وكأنها بالتصوير البطئ ، شعرت بتلك الرائحة تتخلل أنفها وكأنها تشم رائحتها مرة أخرى .
اختنق صدرها ورجف جسدها ولم تشعر بتلك القطرات التي انهمرت من عينيها .
انتي كويسة ؟
تسائل ريان باهتمام عندما رأي جسدها يرتجف بشده وهي تضع كفوفها أمام وجهها خائفة من شئ ما ، لم تعبأ لسؤاله أو ربما لم تسمعه من الأساس .
اجهشت في البكاء وازدادت اختناقاً من تلك الرائحة التي لا تعلم مصدرها ، فتحت الباب وترجلت الى الخارج راكضة بعيداً عن السيارة .
توقفت عندما تأكدت من عدم وجود أي روائح في المكان، أغمضت عينيها تحاول التقاط أنفاسها التي هربت من رئتيها علها تعود الأشدها .
انتي خوفتي ليه كده ؟
تسائل ريان يقدم فهو من تسبب في وضعها في هذا الوضع المثير للشفقة ، رفعت بندقيتاها اللامعة عليه لتسكن قليلاً في
ملامحه التي بدت نادمة بعض الشئ . ابتعلت ريقها واجابته وهي مطاطأة الرأس ...
افتكرت حادثة بابا وماما ، ينفع تمشي احنا اتأخرنا ....
لم تنتظر منه إجابة وعادت أدراجها الى السيارة مهزولة بخطي سريعة غير مستقيمة ، جلست على المقعد واسندت رأسها علي النافذة المجاورة لها .
من المؤلم أن تضطر لأن تلملم جراحك وهي مازالت لم تدواي بعد ، مازال أثرها يؤلمك في كل حين يمر عليك ، لا أحد يشعر بك والمعني الصحيح لا أحد يكترث لأمرك ، كأنك نكرة وليس إنسان ذو مشاعر متكسرة تريد فقط أن تدوايها، لكن لا توجد فرصة أو حتى احتمال صغير أن يساعدك أحدهم ويطيب جراحك ويخرجك من مستنقع أحزانك ويشدد أزرك ، حتماً سبأني يوماً تخرج فيه الي
النور بصحبة من يحب ظلامنا كما نحن ويضيئه لنا بحبه ....
ترجلت خارج السيارة برفقته حينما وصلا إلى الجامعة، توقفت ورفقته بنظراتها ولكن تلك المرة كانت مختلفة لقد انعكست إشراقة وحيوية عينيها تماماً وساد فيهما الحزن أو ربما شعور أقوى من ذلك .
تنهدت باختناق شديد وهي تحاول جاهدة الصمود قدر الإمكان ، أردفت بنيرة ممتنة خافتة :-شكراً لحضرتك ممكن تمشي أنا مش عارفة هخلص أمني ولا هاخد وقت أد إيه ...
رفقها زيان بنظراته التي لم تفهم معناها ، في حزنها البادي على ملامحها قد أثر فيه قليلاً . هي مازالت طفلة صغيرة لا تستحق كل هذا الحزن ، أيشفق عليها حقاً أم أنه يري نفسه فيها ولا يريد تكرار ما حدث له في الماضي لها ولأي شخص كان .
تتهد بأسي وهتف بنبرة لينة بعض الشئ :-
أنا جاي معاكي عشان لو احتجتي حاجة ......
قاطعته بنيرة خجولة ...
متشكرة
قالتها ثم غادرت من أمامه مسرعة وهي لا تعلم في أي اتجاه عليها الذهاب ، لكنها تريد القرار منه ومن أي شخص ، تريد أن تنفرد بنفسها وتطلق العنان لدموعها فهي حقاً ليست على ما يرام تريد أن تنفجر في البكاء ربما تهدئ مما تشعر به ولو قليلاً .
محتاجة مساعدة يا أنسة ؟
قالها أحدهم متسائلاً بقلق عندما رأها تبكي بجانب المبني بمفردها ، كفكفت عبراتها سريعاً ثم تصنعت القوة ونظرت إليه
ببندقيتاها قائلة بحدة زائفة ...
نعم ، حضرتك مين ؟
تنهد ثم مد يده ليصافحها قائلا بابتسامة بشوشة :-
هاي ، أنا يحيي
احتدت نظراتها عليه لدرجة اخافته منها ، ثم صاحت مندفعة ..
إسمها السلام عليكم ورحمه الله وبركاته وده أولاً ، ثانياً الجامعة مش مكان للتعارف عشان تيجي بكل وقاحة تقولي هاي وتسلم
وانت متعرفنيش أصلا
ألقت بجملتها الحادة سريعاً ثم أخذت تستنشق أنفاسها التي هربت منها وهي تتحدث بتلك السرعة . غادرته بخطوات مهرولة
تبتعد عنه أسفل نظرائه المسلطة عليها بغرابة من أمرها .
ظهرت شبح إبتسامة على تغر يحيي وهو لا يدري سببها لكنها أثارت ضحكاته كثيراً ، سار هو الآخر حتى يلتحق بالجامعة بالتأكيد قل عدد الحشود التي كانت تقف أمام غرفة التقديم، وصل إلى هناك وكما ظن تماماً لم يكن سواه بقف ومعه تلك الفتاة التي تشاجرت معه منذ قليل ، لا يعلم سبب ابتسامته التي ظهرت تلقائياً على محياه عندما رأها ، ربما ستكون زميلته يوماً ما أو ربما حبيبته كما يشاهد في الأفلام ، هز راسه مستنكراً أفكاره العجيبة في تلك الأثناء إلى أن انهمر في تقديمه بالالتحاق بالجامعة وكذلك هي ....
بعد مرور فترة ليست بقصيرة دلف كلاهما خارج الجامعة ، تفاجئت عنود بوجود زيان أمامها مستند بمرفقيه علي سيارته ، لم تتوقع أن ينتظرها طيلة تلك المدة ، لا تعلم سبب ذلك الشعور الذي تغلفل بداخلها من خلف انتظاره لها لكنها حتما ليست مزعوجة .
اقتربت منه على استحياء شديد لفظاظة أسلوبها معه وهو دائما يبادرها بما لم تتوقعه ولا يكن بالحسبان ..
تفاجئ يحيي بوجود أخيه في الجامعة، أكان ينتظره أم يوجد شئ آخر لا يعلمه، اقترب منه بارتباك في اللحظة ذاتها لوصول عنود
إليه حيث تحدث معاً ...
زبان انت بتعمل ايه هنا ؟
انت ممشتش ليه ؟
رمق يحيى وعنود بعضهما البعض بغرابة، ازداد الأمر غرابة حقاً . من تلك الفتاة ، بل من ذلك الفتي ؟
انت
انت.
تمتم كلاهما متعجبين ، بينما عقد زيان ما بين حاجبيه بتعجب واعتدل في وقفته وتسائل بفضول :-
انتوا تعرفوا بعض ؟
هتف بها يحيي مشكلاً ابتسامة عريضة لتلك الفتاة التي تبدو غليظة بعض الشئ لكن لم تنجح في إخفاء برانتها ، بينما أجابته عنود قائلا بنيرة متريثة :-
لا معرفوش
بابت
عمر إليها يحيى بعيناه بينما احتدث نظراتها عليه وشهقت بصدقة لاسلوبه الوقع معها واندفعت فيه بتجهم ...
ايه بت دي ، انت انسان قليل الذوق ، انت إزاي تقولي كده ؟
ضيق يحيى عينيه عليها ثم انفجرا ضاحكاً وتحدث من بين ضحكاته ...
انتي ولد ولا ايه...
صاح بها ريان بنبرة صارمة جدية . نظر إليه يحيي بتعجب من نبرته الحادة بينما واصل زيان حديثه محذراً ...
احترم نفسك لما تكون بتتكلم مع حد وخصوصاً لو كانت بنت وكمان قريبتك
مرر يحيي أنظاره بين زيان وعنود وهو لا يعي ما صلة القرابة بينهم، فهم ريان نظرات أخيه وأسرع بالحديث موضحاً بنبرته الرخيمة الممزوجة بالحدة :-
عنود بنت عمك سيف الدين أخو عمك منصور وهتكون مرات ياسر النهاردة
شعرت عنود بوخزة قوية في قلبها ناهيك عن اختناق صدرها كان شئ ما يطبق عليها ، ابتلعت ريقها وأوصدت عينيها لبرهة تحاول استعادة صفوها الذي انعكس كلياً لتذكرها لتلك الزيجة التي لا تود إتمامها .
- أنتي كويسة ؟
تسائل زيان يقلق عندما رأي حالتها العذرية ، فتحت عينيها وهي تطالعه في صمت بينما عاص ريان للمرة الثانية على التوالي مع
بندقيتاها التي تشبه الزجاج لشدة بريق عينيها ، ابتلع ريقه واعاد تكرار سؤاله باهتمام ...
انتي كويسة ؟
أماءت رأسها فتابع حديثه مضيفاً ...
طيب يلا نمشي لو كنتو خلصتوا
هزت راسها رافضة تلك الفكرة التي ستجمعها مع هذا الكائن الذي لم يروق لها قائلا بحدة ...
أنا مش مركب معاه في نفس المكان - Impossible
رفع يحيى إحدى حاجبيه واندفع بها بنبرة مشتعلة :
نعم يختي، مش هتركبي معايا في نفس المكان ؟
تعمدت عنود تجاهله حتى تثير غضبه، ونظرت إلى زيان بشموخ ورددت بنيرة أكثر هدوءاً عن ذي قبل :-
أنا مرجع أنا حفظت الطريق
كادت أن تغادر لكنه أوقعها بصوته الجهوري قائلا بصرامة -
لا طبعاً مش هترجعي لوحدك . زي ما جبتك مرجعك اومال لزمتها ايه وقفتي هنا كل ده ..
حاولت أن ترفض ما قاله لكنه أسرع في الحديث ونظر لأخيه أمراً إياه :-
يحيي تعالي انت مواصلات
اتسعت حدقتي يحيي بذهول ممزوج بالصدمة ، أخيه يُفضل عنه شخصاً آخر أم أنه أخطئ ؟
سار زيان بإتجاه باب سيارته واستقل أمام المقود بينما فتحت عنود الباب الخلفي ونظرت يتشفي إلى حيث يقف يحيي وشكلت
إبتسامة على ثغرها وكأنها انتصرت في أحد المعارك .
ثم شرعت في الجلوس وأغلقت الباب ونظرت بعيداً عنه متجاهلة نظراته التي تطالعها بغيط ، تمتم يحيي لنفسه وهو يسحق أسنانه يغضب -
ماشي يا حتة بتاعة انتي إن ما وريتك اللي هعمله فيكي ميبقاش أسمي يحيي العراقي.
وقف أمام المرأة يضبط من وضعية باقة قميصه أبيض اللون علي بنطال فحمي ، رتب خصلات شعره جيداً ووضع من عطره ، دق
باب غرفته مراراً حيث سمح للطارق بالدخول ...
انت لابس على الصبح كده ورايح علي فين ؟
تسائلت سعاد بفضول أنتوي ، بينما أجابها ياسر بنبرة هادئة للغاية ..
ايه ده هو انا نسيت اقولك مش النهاردة كتب كتابي كده برده يا سوسو متعرفيش إن ابنك عريس
شهقت سعاد بصدمة جلية تملكتها وكادت تفقد نوزاتها إلا أنها تماسكت حتي تعلم هوية العروس التي كانت تعملها حق المعرفة ، سألته ببرود زائف كأنها لا تكترث للأمر ...
مين العروسة ؟
تقوس تغر ياسر بابتسامة متهكمة واستدار بجسده إليها ، توجه نحوها بخطي متمهنة ، داعب وجنتها بحركة ثابتة ثم أجابها بفتور شدید
عنود بنت عمي اللي انتو رميتوها في الشارع ورفضتوا تدخلوها البيت ده أنا هتجوزها وهدخلها وهي مراتي .
عمر إليها بانتصار ثم غادر وتركها بمفردها تندب حظها ، لكن لا لن تصمت على تلك المهزلة، من تكون تلك الفتاة البغيضة حتى تحصل علي ابنها البكري والوحيد على طبق من ذهب بتلك السهولة .
علي جثتي يابنت بلاد برا تو خدني ابني مني!
هتفت بهم سعادة بنيرة تحمل من الغضب قدر لا حد له هرولت بخطى مسرعة نحو غرفتها .
فتحت الباب بعنف واقتربت من زوجها الذي ينعم يتوم هني ولا يعلم ماذا يدور من خلفه .
منصور
نادت بإسمه بأعلي حنجرتها ، نهض هو بفزع شديد جلي علي تقاسيم وجهه نظر يميناً ويساراً باحثاً عن مصدر الصوت المزعج . وقع بصره عليها جالسة أمامه .
سحق أسنانه بغضب وصاح بها هدراً ..
في حد يصحي حد كده ؟
لم تكثرت لما قاله وتابعت حديثها المسترسل بحسرة :-
اه يخويا انت نايم ولا بالك المصيبة اللي وقعنا فيها ، قوم يا منصور قوم شوف ابنك هيعمل ايه وهيجيب لنا مصيبة فوق راسنا
فرك عيناه بعصبية لتلك المرأة الثرثارة أكثر من اللازم ورد عليها بنبرة جامدة .. عمل ايه المحروس ؟
نهضت سعاد ورمقت زوجها لنظرات طالت لبرهة استعدادا لتفجير ما لا يود سماعه قط ، أزفرت انفاسها وألقت بالحديث دفعة واحدة ..
إبنك رايح يتجوز التي متتسمي بنت أخوك
اتسعت مقلتي منصور بصدمة اعتليته بينما واصلت سعاد حديثها مضيفة بنيرة صارمة :-
أنا مش هستني ابني يضيع مني يا منصور زي ما أمها عملت في أخوك لازم تعمل حاجة توقف بيها الجوازة دي بسرعة والا مش هيكفيني موتها ده الحيلة
أوصد عينيه يحاول الوصول إلى فكرة جيدة ، ماذا عليه أن يفعل الآن لقد سنت ذهنه تماماً ، فتح عيناه مرة أخرى على حديث زوجته :-كلم أخوك مؤنس قوله يجي حالا ياخد البلوة دي عنده يربيها مع بناته ولا أن شالله حتى يولع فيها المهم يبعدها عن ابني
تنهد منصور يضجر بائن وأجابها بقلة حيلة :-
هو مؤنس ناقص بلاوي كفاية البنتين اللي عنده وبعدين حتى لو كلمته ده فيها ٣ ساعات مواصلات بينا وبينه تكون المصيبة حصلت خلاص
لطمت سعاد على صدرها بقوة وصاحت عالياً بتذمر :-
لا بقولك ايه يا منصور انت لازم تتصرف بسرعة الواد نزل يعني مفيش وقت قدامنا نضيعه أن شاء الله حتى يخويا نحبسه في البيت ومنزلوش المهم تعمل حاجة
ابتسم منصور تلقائيا لتلك الفكرة الداهية التي راودته ورفقها بسعادة مشكلاً إبتسامة خبيثة :-
وهو ده اللي هعمله فعلاً ؟
ضيقت سعاد عينيها عليه وسألته بعدم فهم :-
هتعمل ايه مش فاهمة ؟
سحب نفساً عميق وتابع حديثه مضيفاً بنبرة ماكرة :-
افعدي باسعاد وانا هقولك هتعمل ايه ؟
جلست سعاد مقابله علي الفراش، بينما بدأ يقص عليها المخطط الذي سيفعلانه حتي يوقفا تلك الزيجة التي لا يرغب بإتمامها .
فهمتي هتعملي ايه ؟
وما أن أنهي حديثه حتي ظهرت ابتسامة عريضة على ثغر سعاد، تسائل منصور بتأكيد :-
اماعت راسها بتفهم وهتفت بسعادة ...
فهمت
ترجلت عنود من السيارة وأغلقت الباب خلفها ، تفاجئت بياسر يركض نحوها مشكلاً على وجهه ابتسامة عريضة، شعرت لوهلة وكان روحها تسلب منها ، لا لن تحين اللحظة بعد ، ليست على كامل استعداد لتكون زوجته ، شعرت بوخزة عنيفة في قلبها حيث خفقت نبضاته بصورة أعنف عن ذي قبل ، لابد وأن يتغير قدرها تلك المرة سريعاً والا لن تتحمل حتماً لن تتحمل ...
خرجت من شرودها على صوته الرحيم الملئ بالحيوية والشغف :-
المأذون على وصول ، جاهزة ؟
ترقرقت الدموع في عينيها وحاولت التماسك قدر المستطاع ، هربت بيصرها بعيداً عن نظراته المسلطة عليها ، تفاجئت ينظرات أخري ترمقها لكن نظرات مختلفة تماماً ، نظرات تثير إرتباكها كثيراً . لا تدري لما تشعر بالراحة من نظرات ريان عليها على عكس ما تشعر به اتجاه ياسر
