رواية ثأر حواء الفصل التاسع
- معانا أمر بتفتيش بيت حضرتك ، عندنا بلاغ متقدم في حضرتك من فاعل خير ، أن فيه مجزرة بشرية تحت بيتك ، تسمح لنا نفتش !!
قالها الضابط فابتسم سام يشير له يتحدث بكل رحابة :
- أكيد طبعا اتفضل القصر كله تحت أمرك
نظر له الضابط لعدة لحظات قبل أن يبتسم يشكره بحذر يجب أن يتذكر جيدًا أنه يقف أمام سامي الكيلاني رجل الأعمال المعروف وعضو مجلس الشعب ، والرجل الخير محبوب الجماهير تفرق العساكر يبحثون عن القبو إلى أن وصل أحدهم لباب جانبي صغير في نهاية المطبخ أقترب يفتحه قبل أن يعلو بصوته ينادي الضابط :
- يوسف باشا ممكن تيجي ثواني
تحرك الضابط إليه وسامي خلفه يبتسم ما أن دخل للمطبخ نظر للعمال حوله يطلب منهم :
- حد ينور البردوم يا شباب معلش هتعبكوا
لحظات والظُلمة خلف الباب الصغير تلاشت وظهر سلم طويل ضيق ، نظر الضابط إلى سامي مرتابًا قبل أن يتحرك إلى أسفل ، يتبعه بعض العساكر إلى أسفل ، في نهاية السلم الطويل وصلوا إلى مجزر حرفيا .... غرفة كبيرة ضخمة بها عدة طاولات عليها سكاكين عدة بأحجام متابينة ، وخطاطيف مُعلقة في سقف الحجرة ، وآثار دماء على الأرض لم تُمحى بعد ، نزل الضابط على ركبتيه يتحسس آثار الدماء فشعر بلزوجتها على أصابعه ليعلم أنها دماء حديثة العهد ، وقف ينظر لسامي يريه الدماء على أصابعه ومن ثم ابتسم يسأله :
- سامي بيه بكل هدوء ، ممكن أعرف إيه السلخانة اللي إحنا فيها دي
ضحك سامي بخفة يحرك رأسه لأعلى وأسفل تحرك ليقف في منتصف الغرفة الكبيرة أمام الضابط يتحدث بكل هدوء للخدم من حوله :
- افتحوا التلاجات
تحرك الخدم يفتحون المبردات الضخمة في أنحاء الغرفة ليظهر الكثير من الخراف المذبوحة منها السليم الكامل ومنها المقطع إلى أجزاء ، عقد الضابط جبينه في حين ابتسم سامي يشير بيديه إلى المبردات حوله يتحدث بكل هدوء :
- زي ما حضرتك شايف دي سلخانة فعلا بيتم هنا ذبح وتقطيع وتشفيه ما يزيد عن 100 خروف وماعز يوميًا عشان كدة لازم تكون ضخمة بالشكل دا ، المكان هنا معقم وتقدر تبص حواليك أجهزة التعقيم موجودة في كل مكان ، أنا واخد تصريح من وزارة الصحة وهيئة سلامة الغذاء
عقد الضابط جبينه يقترب من أحد الثلاجات ينظر لقطع اللحم المتراصة جوار بعضها بعضًا قبل أن يسأله :
- ليه من الأساس ؟
ابتسم سامي يدس يديه في جيبي سرواله يردف بكل هدوء :
- دي حاجة بيني وبين ربنا ، أنا راجل بيحب يعمل إطعام كتير سواء أكل مستوي في المطبخ الكبير اللي حضرتك شوفته فوق دا ، أو لحمة بس قبل رمضان وفي الأعياد ، عشان كدة بنحتاج ندبح كتير ، وأنا بعتز بالجنينة الخارجية جدًا ما بحبش حاجة تلوثها والدم كان هيموت الزرع ، عشان كدة كان المكان دا أفضل حل
تنهد الضابط يومأ برأسه يلقي نظرة شاملة على المكان بالكامل قبل أن يطلب منه:
- حابب أشوف ورق تصريح وزارة الصحة وهيئة السلامة
ابتسم سامي يردف بكل هدوء :
- آه طبعا اتفضل معايا ، الورق فوق في المكتب
تحركوا جميعا لأعلى ، ما لفت انتباه الضابط حقًا أن الخدم يتحركون بشكل غريب وكأنهم آلات ليسوا من البشر ، غاب سامي عدة لحظات خلف باب مكتبه وعاج ومعه كل الأوراق التي تثبت صحة ما يقول ، تنهد الضابط وهو ينظر لختم الوزارة أمامه ، أما أنه بلاغ كاذب أو الشخص أمامه مرعب أكثر من اللازم ، تنهد يومأ برأسه يعتذر له عن الإزعاج :
- اتفضل الورق وبعتذر لحضرتك عن الإزعاج اللي حصل ، الظاهر أنه بلاغ كيدي ، بس أنت عارف دا شغلي
ابتسم سامي يصافحه يتحدث بكل لطف :
- عارف ومُقدر ، ودا حقك مش يمكن كنت طلعت سفاح فعلا ما حدش بقى مضمون أبدا اليومين دول ، نورت يا حضرة الظابط
غادر الضابط والعساكر في اللحظة التي خرجت فيها سيارة الشرطة من المكان انقلب وجهه واختفت الابتسامة من على وجهه ، خرج مارسيليو من المكتب يدس يديه في جيبي سرواله يردد ساخرًا :
- زياد مش ناوي يجيبها البر شكله كدة ، كويس أننا خلينا الفرح آخر الأسبوع ، الحاجة الوحيدة اللي هتخرس لسانه أن جورية هتبقى تحت أيدك
حرك رأسه لأعلى وأسفل ولكنه لن يدع ما فعل يمر دون حساب ، تحرك لخارج البيت قفز في إحدى سياراته يقودها مسرعا
___________
- زياد، زيزو ، اصحى يا نسيبي العزيز ، زياد
فتح زياد عينيه يسمع صوت رجل يقف بالقرب منه يتحدث بنبرة هادئة للغاية ، فتح عينيه ينظر حوله كان يغط في النوم جوار شقيقته في فراشه ، نظر جواره فرآها قد استيقظت تُمسك بذراعه تنظر أمامها عينيها متسعة ذعرًا عقد جبينه ينظر أمامه فرأى سام يقف أمامهم ، كيف سمح الوغد لنفسه أن يدخل لغرفة نوم شقيقته ، ولكن مهلًا ألم يُبلغ عنه الشرطة قبل ساعات ، لمَ لا يزال يقف أمامه ، لمَ لم يتم القبض عليه ، انتبه حين سمعه يقول ساخرا:
- صح النوم يا زيزو ، إيه يا نسيبي نموسيتك كُحلي ، بلغت عني وروحت نمت ، أنت ما سمعتش آخر الأخبار ولا ايه
ضحك ساخرا يفتح ذراعيه على اتساعهما يتحدث بعلو صوته :
- خبر هام وعاجل ، القبض على رجل الأعمال سامي الكيلاني والعثور على سلخانة بشرية في قبو منزله وسنوافيكم بكافة التفاصيل قريبًا ، ايه رأيك فيا ، أنفع مذيع مش كدة ، أنت صحيح دا أنا كنت بطلع ضيف شرف في أفلام سينمائية كتير ، البطل المنقذ اللي جاي يقضي على الشرير ، يجي حتة عيل زيك إنت يبلغ عني أنا ، أنت عارف أنا مين في البلد دي يا تافه ، سيبك من لعب مارسيليا أنا أقدر أمحيك من على وش الأرض وبالقانون ، أنا بس اللي عامل خاطر لمارسيليو ، دا آخر تحذير ليك لو صدر منك أي تخلف تاني هنسفك
وفي لحظات تبدلت ملامحه الغاضبة لأخرى هادئة لطيفة نظر إلى جورية ابتسم يتحدث بلطف :
- خايفة ليه يا جزرة ، أخوكِ بس هو اللي عصبني ، إنما أنا لطيف وحنين جداا ، مش أنتِ بردوا مع صحابك في الجامعة دخلتي آخر فيلم ليا ، أنا شوفتك ما تكذبيش ، كلها أيام يا جزرة وتبقي بين أيدين الجزار ، عارفة أخوكِ دا لو شق الأرض بينا بردوا هتجوزك ، مش حُبًا فيكِ أنا مش بطيقك أصلا ، عشان أخلص منك مارسيليو عايزني اتجوزك بالعافية وأنا عايز اتجوز مارسيليا ، فأنا هتجوزك وأقتلك وبعدين أقتل أخوكِ ، وأتجوز أنا ومارسيليا ونعيش حياة سعيدة على جثثكوا
اشتعلت حدقتي زياد مما يقول الوغد الواقف أمامه هب واقفا يتحرك ناحيته قبض على تلابيب ملابسه يصرخ في وجهه :
- أنت بتهددها يا حيوان ، أنت كدة راجل يعني ، عايز تتجوز الزبالة بتاعتك دي روح اتجوزها بعيد عن أختي ، قسما بربي لو لمست منها شعرة لأوريك عذاب جهنم على الأرض
ضحك سام ساخرًا قبل أن يرفع يديه يزيح يدي زياد عن سترته يردد ضاحكًا :
- ما هو أصله مش بمزاجك يا زيزو ، وبعدين إيه لو لمست منها شعرة دي ، دي هتبقى مراتي يعني أنا هلمس الشعر كله
وضحك يسخر منه فاشتاط زياد غضبا لم يشعر بما يفعل سوى وهو يدفعه بعنف يسقطه أرضا ينهال عليه ضربًا ، تدارك سام نفسه يدفع زياد عنه بعنف صدمه بحذائه في صدره ووقف يمسح الدماء النازفة عن أنفه وشفتيه يردد ساخرا :
- مش هضربك عشان يبقى عندك صحة تعيط كويس ، لما ترجع الجورية في كفن ، سلام يا جزرة هشوفك آخر الأسبوع
وتركهم وغادر ، تاركًا الصغيرة فوق الفراش مرتعبة جسدها ينتفض تبكي بحرقة تردد مذعورة :
- ما تخليهوش ياخدني ، ما تخليهوش يموتني
قام زياد يشعر بألم قوي في صدره أثر دفعة الوغد العنيفة تحرك ناحية شقيقته يحتضنها يحاول أن يجعلها تهدأ قليلا ، المشكلة كلها أن جده هو الآمر الناهي في العائلة ، والمشكلة الأكبر أنه من المافيا فمهما أخذ شقيقته وهرب بعيدًا سيصل إليهم في طرفة عين ولكنه يعرف إلى من يجب أن يلجأ ، ترك جورية بعد أن هدأت ونامت وتحرك من جوارها يطلب رقم مارسيليا مرة بعد أخرى لم يحصل على رد ، فطلب رقم الشركة حمحم يتحدث بهدوء :
- مساء الخير لو سمحتِ أنا دكتور زياد عزالدين ، محتاج ميعاد ضروري النهاردة مع آنسة مارسيليا
سمع صوت المساعدة تردف :
- ثواني يا افندم أشوف جدول مواعيدها يسمح النهاردة ولا لاء
ابتسم ساخرا انتظر لأكثر من ربع ساعة إلى أن سمع صوت الفتاة تتحدث عبر الهاتف :
- أنا آسفة للتأخير يا افندم ، مارسيليا هانم دلوقتي في مكتبها تقدر تقابل حضرتك بعد نص ساعة ، دا الميعاد الوحيد المتاح
________________
صوت ضوضاء يأتي من الخارج ، صوت شاهين ومعه أصوات أخرى فتحت باب غرفتها فأبصرت باب المنزل مفتوح وشاهين يدلف للداخل بصحبة شقيقته « ملاذ» ووالدته السيدة فوزية خالتها ، يدفع مقعدها المتحرك بالخلف حارس العقار يحمل الحقائب ، وضع الحارس الحقائب جانبا واستأذن وغادر في حين ظلت رفق واقفة مكانها تطالع الجميع بنظرات فارغة من الحياة ، تقابلت عينيها بعيني ملاذ ، ضحية تنظر لأخرى الفارق الوحيد أن ملاذ ليست مجبرة أن ترى الجاني كل يوم عكسها هي ، تعش مع الجاني مرغمة تحت سقف واحد ، انتبهت على صوت فوزية تسألها قلقة :
- عاملة ايه يا بنتي طمنيني عليكِ
ارتسمت ابتسامة ساخرة باهتة على شفتيها تردد ضاحكة :
- أنا في أسعد فترات حياتي ، متجوزة الراجل اللي كنت بحبه ودلوقتي ما بقتش بكره غيره ، و حضرتك نورتي ، وملاذ ضحية تانية زيها زيي ، هي ضحية أخويا وأنا ضحية أخوها ، بس الفرق أن ملاذ مش مضطرة تشوف المغتصب اللي اغتصبها بدافع أنه بيحمي شرفها كل يوم
شد يده على المقعد الحديد بعنف ، رفق تعرف جيدًا كيف تخرجه عن طوره الهادئ ، لم يكن يعرف قبلًا أنها تمتلك لسان سليط بشع كهذا ، ابتعد عن والدته يتحاشى النظر لملاذ يردد :
- وجودنا هنا مؤقت لحد ما الفيلا تجهز ، رغم كدة الشقة كبيرة اختارتي حضرتك الأوضة اللي تحبيها ، عن إذنك
ولف جسده ناحية رفق تحرك ناحيتها قبض على كف يدها عنوة يسحبها إلى غرفته دفعها لداخل الغرفة يغلق الباب عليهم يسمع صوت والدته تحادثه قلقة :
- يا شاهين يا ابني استهدى بالله واغزي الشيطان هي ما تقصدش والله
ولكنه لم يلتفت ، الغضب داخله تزايد حين رآها تنظر إليه ساخرة ، يشعر بالغضب الشديد منها، يحاول أن يذكر نفسه أنها الفتاة التي أحب ، أنه هو الجاني ولكنه لا يتحمل، لا يتحمل أبدا أي كلمة تأنيب أو سخرية منه ، لاقى في طفولته ما يكفي ويزيد حتى امتلأ
تحرك ناحيتها خطوة تلو الأخرى رفع سبابته يتحدث يهددها :
- حاولي تحفظي لسانك ، أنتِ عارفة أنا ما بستحملش أي زفت كلمة فيها تريقة ولا تأنيب بتخلي أعصابي تغلي ، خليني أتهبب أصلح اللي عملته في حقك
كان يجب أن تهدأ ، لأنها تعلم جيدًا أن عند لحظة الانفجار لن يتراجع ولكنها لم تكن سوى الكلام لتقتص به عما فعل بها ، لذلك ابتسمت تسخر منه :
- آه يا عيني ما بتستحملش عشان أبوك ما كنش بيسيب أي فرصة غير ويتريق عليك ويأنب فيك ويضربك قدام الكل ، دا حتى كان بيضربك في الشارع قدام أهل البلد ، ألا صحيح قولي يا شاهين إزاي أهل البلد بيعتبروك كبيرهم وهما كانوا بيشوفوك بتتضرب قدامهم
صرخت في اللحظة التالية حين أمسك بخصلات شعرها وظل يصدم رأسها إلى الحائط يصرخ بجنون :
- قولتلك اسكتي أنتِ ما بتفهميش ، اسكتي ، اسكتي
لم يشعر سوى وهي تتراخى تسقط من بين يديه أرضا تغرق في دمائها
____________
مارسيليا تتعمد إذلاله يجلس منذ ساعة أمام مكتبها ولا تسمح له بالدخول ، ولكنه يجب أن يهدأ الأهم الآن هي جورية ، رأى المساعدة الخاص بها تخرج من مكتبها نظرت له وابتسمت تتحدث بكل هدوء :
- اتفضل يا دكتور زياد ، مارسيليا هانم في انتظارك
قام يتحرك لمكتبها ، فتح الباب ودخل يغلقه خلفه ، تحرك ناحيتها رآها تجلس خلف مكتبها تطالع ملف ما أمامها يبدو في غاية الأهمية قالت دون أن ترفع وجهها وتنظر إليه :
- سريعًا يا دكتور زياد عشان أنا النهاردة عندي شغل كتير جداا
أقترب منها أكثر وقف أمام مكتبها يردد بهدوء :
- أنا موافق أتجوزك وموافق تكون العصمة في أيدك عشان تهنيني أنا عارف إن دا قصدك ، يا ستي لو عايزة تقتليني حتى أنا موافق وقدامك أهو بس ابعدي سام عن جوري ، دي عيلة صغيرة عندها 19 سنة مالهاش ذنب في أي حاجة ، حطي نفسك مكانها
رفعت مارسيليا وجهها عن الأوراق أمامها نظرت إليه ؛ نظرة فارغة بعد ما فعله تكاد تقسم أنها حتى لم تعد تحبه ، ابتسمت ساخرة ترد بهدوء :
- وأنا عندي 9 سنين مش 19 شوفت اللي أنت ما تستحملش تشوفه دلوقتي ، أنا مش هتعاطف معاك يا زياد ولا مع أختك عشان كفاية أنها أختك ، شايلة ذنبك للأسف من البجاحة أوي بعد كل اللي أنت عملته ، أنك تيجي تطلب مني إني أبعد سام عنها ، كنت روح لجدك مش ليا
غضب صفع سطح مكتبها بكفيه يصرخ فيها :
- مارسيليا أنا ممكن أوديكوا في ستين داهية وأبلغ عن الكل
ضحكت بخفة ترفع كتفيها لأعلى تردد ساخرة :
- ما أنت حاولت قبل كدة ، حد فينا راح في داهية ، وحاولت تاني النهاردة الصبح ، وديت سام في داهية ، فوق يا طه قصدي يا زياد إنت أقل بكتير من أنك تخوفنا حتى ، المقابلة انتهت اتفضل أطلع برة
قامت من خلف مكتبها تحركت ناحية الشرفة وقفت هناك توليه ظهرها لم يكن ليخرج وجورية لاتزال في خطر حقيقي ، تحرك ناحيتها وقف خلفها يهمس باسمها برفق :
- مارسيليا ، جورية مالهاش ذنب
أغمضت عينيها بعنف تحتضن نفسها بذراعيها تشعر بالبرد شعر بجسدها ينتفض ، فاستبعد فكرة أنها تبكي خلع السترة عنه يضعها على كتفيها اقترب منها يضع كفيه على ذراعيها يحركهم برفق يسألها:
- أنتِ بردانة ولا إيه ؟ تعالي ابعدي عن الشباك
شعرت به خلفها ، شعرت بحرارة جسده قريبة للغاية منها ، يديه الحنون تدفئها ، الوغد يظن أنه يمكن أن يعبث بمشاعرها ، لفت رأسها إليه كانت تود صفعه ولكنها حين التفتت رأت عينيه تتسع إندهاشًا وعرفت السبب ، لأنها كانت تبكي ربما لأنه يعلم أنها لا تبكي أبدا ، أمسك بذراعيها بين كفيه يتحدث سريعا يعتذر مرارا :
- أقسملك يا مارسيليا أنا ما كنت أعرف أن هو هيعمل فيكِ كدة أنا آسف حقك عليا أنا آسف ، أنا بسبب سمعتي اللي ضربتيها في الأرض في لحظة كنت مشتت عايز أبعدك عن طريقي بأي شكل ، أنا مش قادر أصدق أن أنا اللي سلمتك بإيدي يعمل فيكِ كدة ، حقك عليا أنا مستعد أعملك اللي أنتِ عوزاه كله ، بس جورية مالهاش ذنب
ضحكت ساخرة حين أدركت أنه يعتذر من أجل شقيقته فقط ، ابتعدت للخلف خطوة وأخرى تلقي سترة من فوق كتفيها تنظر له بإشمئزاز :
- اطلع برة يا زياد أنا حقيقي قرفانة أبص في وشك ، اعتذارك فيك أوي وما تقلقش مارسيليو محذر سام أنه يأذي جورية ، كدة اتطمنت أن أختك في أمان ، لو سمحت أخرج
ولكنه أقترب ولم يبتعد يحرك رأسه للجانبين ما أن بات أمامها كوب وجهها بين كفيه يقبلها عنوة على غفلة منها
صرخ سام غاضبا يلقي قطعة الآثار الموضوعة على مكتبه بعنف أرضا حين رآهما من خلال الشاشة لم تدفعه مارسيليا، لم تصفعه بل لفت ذراعيه حول رقبته تقبله وكأنها كانت مشتاقة له ، شعر بالدماء تغلي في رأسه ، كسر كل ما طالته يديه يصرخ بعنف :
- بردوا بتحبه هو ، مهما عملت بتحبه هو ، إزاي تسمحله وإزاي تسمح لنفسها
تحرك سريعًا ناحية الشاشة ينظر للعشاق أمامه ، يقرب الصورة رآها ابتعدت عنه تقف بين ذراعيه تلتقط أنفاسها تنظر إليه في لحظة ، في اللحظة التالية دفعته بعيدًا عنها توسعت حدقتيها وكأنها أدركت ما فعلت ، حركت رأسها للجانبين سريعا تصرخ فيه :
- ابعد عني ، ابعد عني ، امشي يا زياد ، امشي
______________
أمام إحدى غرف الطوارئ بالمستشفى التي لا يزال يعمل فيها ، وقف يستند إلى الحائط قلقا مرتعبًا منذ ساعتين وربما ثلاث وهي بالداخل ، دقائق وأخرى إلى أن رأى زملائه يخرج من غرفة الطوارئ ، أقترب منه يسأله قلقا :
- طمني يا منير حالتها ايه ؟
تحدث الطبيب يخبره :
- الحمد لله عدت على خير وما فيش نزيف داخلي ، وهي بدأت تفوق بس في حاجة ، لما قولتلها شاهين واقف برة قلقان عليكِ قالتلي شاهين مين ؟ مع أنها فاكرة كل حاجة اسمها وسنها وأهلها ما عدا إنت ، شاهين هي فعلا وقعت من على السلم دماغها اتخبطت
عقد شاهين جبينه يسأله غاضبا :
- قصدك ايه عيني ؟
تنهد الطبيب قبل أن يطوي ذراعيه يردف :
- أصل أنا عدت عليا حالات زيها قبل كدة ، ولو هي ما وقعتش من على السلم واتضربت واتعرضت لصدمة شديدة ، المخ بيفصل بيعمل حاجة اسمها فقدان ذاكرة انتقائي بتنسى الشخص المرتبط بالصدمة ، بتنسى كله حرفيا ، اسمه وسنه وشكله ومشاعرها ناحيته وعلاقتهم كأنه ما اتخلقش ما كنش ليه وجود في حياتها أبدا زيها كدة
فأنت بردوا لسه مُصر يا شاهين أنها وقعت من على السلم
شردت عيني شاهين يفكر في الكلام الذي قاله له زميله ربما ما حدث في صالحهما معًا ، سيعرفها عن نفسه من البداية ، سيبدأ بالتكفير عن أخطائه الكارثية التي أفتعلها في حقها ، انتبه حين مد زميله يده لها بكارت صغير يردف :
- دا كارت دكتورة نفسية شاطرة جدًا ، هتاخد بالك الحالة دي لو ما اتعالجتش هتفضل معاهم على طول ، عن إذنك
وتركه وتحرك نظر شاهين مطولا للكارت في يده قبل أن يمزقه ويلقيه في سلة المهملات جواره ، لا يحتاج لذاكراتها القديمة المليئة بذكريات بشعة عنه ، يحتاج إلى الجديدة الفارغة التي سيخط فيها ذكريات سعيدة عنهما
تحرك إلى غرفتها دق الباب ودخل ابتسم في وجهها يقترب منها يتحدث بحذر :
- حمد لله على السلامة يا رفق ، عاملة إيه دلوقتي
لفت رأسها ناحيته شعرت بقشعريرة مرت في جسدها حين وقعت عينيها عليه ولكنها حقا لا تعرفه قطبت جبينها تسأله :
- الله يسلمك ، الحمد لله كويسة ، بس أنت مين ؟
تنهد يرسم الحزن جليا على وجهه يتحدث بنبرة تملأها الشجن :
- أنا جوزك يا رفق ، شاهين معقول مش فكراني ، الدكتور بيقول أن الوقعة اللي وقعتيها على السلم هي السبب ، بس أنا مش فاهم إزاي تكوني فاكرة الكل ومش فكراني أنا
عقدت جبينها قلقة تشعر بدقات قلبها تتسارع خوفا لسبب لا تفهمه ، ابتلعت لعابها تنظر إليه خائفة فتحدث هو بهدوء مترفقًا بحالها :
- أنا عارف أنك قلقانة مني ، بصي يا حبيبتي أنا كنت مصور قسيمة جوازنا على الموبايل بتاعي لحد ما تطلع اهي بصي ، رفق حامد المالكي وشاهين الرفاعي ، خدي الموبايل بصي ،أنتي مراتي حبيبتي أغلى إنسانة عندي في الدنيا ، أنا ما بحبش في الدنيا قدك ، ما تخافيش يا حبيبتي أنا هفضل دايما جنبك
____________
رفق حامد المالكي !!! معقول تشابه أسماء
