رواية عاشق قهر النساء الفصل الخاتمة
وقف عشق جامحًا ملامحه جامدة لا توحي بأي تعبير، أمام ذلك زين الذي كان مستلقيًا فوق الأرض بسبب قوة لكمة عشق له. اعتدل جالسًا في مكانه، رفع يديه إلى شفتيه النازفتين يمسح قطرات الدماء المتسربة منهما، ورغم خوفه وقلبه الذي كان يقرع كالطبول وأنفاسه المضطربة، حاول إخفاء خوفه من ذلك الثور الواقف أمامه بابتسامة باردة، وهو يهتف ساخرًا:ـ دايمًا دخولك لازم يكون لمسة مميزة يا عشق.
بادله عشق ذات الابتسامة وهو يجلس القرفصاء أمامه، ينظر إلى ذلك المسدس الذي يحمله في يده نظرة توحي بتهديد غير مباشر، قائلًا ببرود قاتل:ـ ادّيني سبب واحد بس ما أقتلكش المرة دي؟
ودون مقدمة، أجابه زين قائلًا ببرود ساخر:ـ شووق.
وهنا ارتخت ملامح عشق بالقلق، فشل في إخفائه، وكأنه تذكّر شيئًا ثمينًا خائفًا أن يخسره. بينما وقف كلٌّ من نيل وليل وساهر خلف عشق ينظرون إلى زين بحنق، يشعرون بالغضب منه ومن نبرته المستفزة. بينما نظر زين إلى رجال عشق الذين يملؤون المكان، مثبتين رجاله بالأسلحة، وواصل حديثه قائلًا ببرود:ـ حياتك قصاد حياتها؟
نظر له الجميع بدهشة، بينما عقد عشق حاجبيه متعجبًا من ذلك الطلب وثقة زين الغريبة، الذي يظن أنه من الممكن أن يضحّي بحياته من أجل فتاة حمقاء كتلك شوق. وفي لحظة اختفى عن باله كل شيء، ليثبت عقله وقلبه الذي قرع كالطبول خوفًا، عندما رآها تخرج من داخل إحدى الغرف، مقيّدة اليدين، ملامحها ذابلة، عيناها متورمتان، شعرها فوضوي، وأحد رجال زين يقف خلفها رافعًا مسدسًا على رأسها.
تلاقَت أعينهما للحظات؛ كانت نظراتها سعيدة مطمئنة رغم ذُبولهم والأرهاق المحيط بهم. بينما كانت نظراته تائهة، يحاول إيجاد تفسيرٍ لشعوره باللهفة عليها، وذلك الخوف الذي يملأ قلبه. ودون أن يشعر، ارتخت يده ليسقط المسدس منه. ليهجم زين عليه كالكلب المسعور الذي وجد عظمة، وحمل السلاح ورفعه على رأس عشق. حاول نيل وليل وساهر التدخل، لكن منعهم تهديد زين بقتل عشق، قائلًا:ـ صدقوني اللي هيتحرك خطوة واحدة هيكون التمن حياته.
طأطأت شوق رأسها لتنفجر باكية، تجلد ذاتها وتلعن غباءها، وتحمل نفسها مسؤولية كل ما يحدث الآن. نظرت نحو عشق ودموعها تنهمر بلا توقف، وخرج صوتها مهزوزًا مختلطًا بصوت بكائها وأنفاسها المضطربة:ـ أنا آسفة أوي يا عشق… أنا السبب في كل حاجة.
كان عشق صامتًا، شاردًا في ملامحها؛ صمته وهدوؤه ليس خوفًا من تهديد ذلك الأحمق زين، بل استغرابًا وتعجبًا من نفسه، من ضعفه أمام فتاة. هل حقًا يحبها؟ هل هو حقًا قادر أن يضحّي بحياته مقابل حياة امرأة؟ أفاق من شروده على صوت زين قائلًا:ـ قول لرجالتك ينزّلوا أسلحتهم.
تجولت نظرات عشق بين ملامح زين وذلك السلاح الموجّه نحوه، ابتسم بسخرية وهو يقول:ـ وإنت مفكر كده هتخوفني؟
تبسّم زين ابتسامة ساخرة، لتختفي ابتسامة عشق تدريجيًا عندما رأى زين يوجّه السلاح نحو شوق وهو يقول:ـ معاك حق… مش عشق اللي يخاف من الموت، بس… أكيد عشق هيخاف على شوق.
أغلق عشق عينيه بغضب، يلعن قلبه الأحمق الذي جعله يضعف لهذا الحد، وأصبحت نقطة ضعفه فتاة حمقاء. يا للسخرية. ثم أشار للرجال أن يخفضوا أسلحتهم، لينظر له كلٌّ من ليل وساهر باستغراب، على خلاف نيل الذي ابتسم عندما تأكد من ظنونه وأن عشق واقع في العشق حقًا.
نظر ليل إلى نيل مستغربًا من ابتسامته، ظن للحظة أنه جُنّ، لكن عندما تأمل كل ما يحدث تبسّم هو الآخر وهو ينظر إلى عشق، هامسًا لنفسه:ـ والله ووقعت يا عشق… وما حدّش سمّى عليك.
»»»»»»»»»»»
دخل حازم إلى القصر غاضبًا، ملامحه محتقنة، وهو يجرّ ياري التي كانت تتعثر في كل خطوة، تبكي وترتجف رعبًا. وجورج يسير خلفهم حاملًا طفلة مرام الصغيرة، ممسكًا بكف سيف الصغير، ينظر بحزن شديد إلى صغيرته المدللة التي تعاني، وهو كالمقيّد لا يستطيع مساعدتها في شيء.
وبحركة عنيفة قاسية، دفع حازم ياري لتسقط أرضًا متألمة بقوة، خائفة مما سيجري بعد ذلك. في ذات اللحظة كانت أسيل تهبط الدرج عندما رأتهم يدخلون من شرفة غرفتها هرولت بذعر إلى ابنتها، جالسةً بجانبها لتأخذها من أحضان البلاط البارد إلى أحضانها الدافئة. نظرت إلى زوجها ودموعها تنهمر بلا توقف، وهي تعاتبه على قسوته مع صغيرتها:-عمرك ما هتعرف تتعامل معاهم صح يا حازم، كل حاجة عندك ضرب وزعيق، حتى من غير ما تسمعهم، من غير ما تفهمهم، من غير نقاش حتى.
صرخ في وجهها بغضب جامح قائلًا:-أتناقش في إيه يا هانم؟ أتناقش في جواز ابنك المحترم من رقاصة؟ ولا أتناقش في بنتك المجرمة اللي قتلت واحدة حامل؟ والله أعلم لما عشق يرجع ويعرف اللي حصل ده هيعمل فيها إيه!
اتسعت عينا أسيل بدهشة وذهول، وظلت صامتة كالتي أُصيبت بصعقة، وهي تنظر فقط إلى ابنتها التي ترتجف داخل أحضانها وتبكي بحرقة. وبصعوبة، وبعد عدة محاولات فاشلة، خرج صوتها منخفضًا متجلجلًا:-الكلام اللي بابا بيقوله ده صح؟
أجابتها ياري بحسرة وبكاء شديد:-ما كنش قصدي أقتلها.
انهارت أسيل، وارتخى جسدها للحظات وهي تبتعد عن ياري بهدوء مريب. وفجأة هجمت عليها بالصفعات واللكمات وهي تصرخ باكية:-ليه؟ ليه؟ ليه؟ حرام عليكي! عملت لك إيه؟ حرام عليكم، أنا عملت لكم إيه؟ ليه بتعملوا فيّا كده؟ ليه؟ حرام عليكم! أعصابي اتدمرت بسببكم! ليه كده يا بنتي؟ ليه؟ حرام عليكي!
كانت ياري صامتة، مستسلمة لضربات أمها، فقط تبكي وترتجف، تستقبل كل صفعة بهدوء مريب. لم يتحمل جورج رؤية ذلك المشهد، رغم أنه يعرف أنها تستحق أكثر من ذلك، لكن قلبه لم يحتمل رؤيتها تتأذى بهذا الشكل. أسرع ووضع الطفلة على كرسي، وهرول إلى صغيرته ياري ليخطفها من أسفل ضربات أسيل إلى أحضانه. ولم يقدر على منع أسيل، فتلقى هو ضربتها بدلًا من صغيرته، وهو يبكي حزنًا عليها.
وبعد أن هدأت أسيل، خرج صوت جورج متجلجلًا وهو ينظر إلى حازم الذي كان يقف مذهولًا مما يراه:-عشق لسه ما يعرفش حاجة، أنا ما بلغتوش باللي حصل. ممكن قبل ما يرجع تكون الآنسة سافرت أي مكان تاني لحد ما الأمور تهدى.
نظرت أسيل إلى حازم برجاء، وهي ترتجف وتمسح دموعها بحركات مضطربة:-أيوه يا حازم، سافرها أي مكان… قبل ما عشق يرجع. أبوس إيدك، سافرها في أي مكان بعيد عن هنا.
طأطأت رأسها لتنفجر باكية، وهي ترفع يديها متوسلة زوجها أن ينقذ ابنتهما من تلك الكارثة، غير مهتمة بتلك التي فقدت حياتها بسبب تهور ابنتها. بينما وقف حازم حائرًا، لا يعرف هل من الصواب فعل ما يُطلب منه. ظل صامتًا شاردًا، ليفيق من شروده على صوت أسيل الباكي قائلة:-كون أب ليهم ولو مرة واحدة في حياتك، وسيب العيلة ومشكلها وراك مرة واحدة. فكر في عيالك ومشاكلهم. أبوس إيدك فكر فيهم مرة واحدة. عيالك مش محتاجين فلوسك ولا محتاجين كل الثروة دي قد ما هم محتاجين حضنك ودعمك ليهم. عارفة إنها غلط وتستحق الموت، بس دي مهما كانت بنتك.
تساقطت دمعة هاربة من بين جفونه وتتجول عيناه بين ياري وزوجته وتلك الطفلين اللذين لم يكن لهما ذنب في كل ما يجري. يعرف أن ما سيفعله سيكون ظلمًا لهم، لكنه الآن مجبور أن يثبت أبوّته وحبه لأبنائه الذين كان مشغولًا عنهم طوال عمره. وبعد تفكير طال للحظات، هتف متلهفًا:-طيب بسرعة، خديها جهزيها، وإنت يا جورج احجز تذكرتين لأي بلد، ليك إنت وهي، بسرعة قبل ما عشق يرجع ويعرف اللي حصل.
اقترب من ياري ليأخذها من أحضان جورج إلى أحضانه، وهو يقول محاولًا بث الطمأنينة فيها: ما تخافيش يا حبيبتي، أبوكي معاكي، مش هسيبك.
ابتسمت أسيل وهي تبكي بحرقة، بينما رفع جورج يده يمسح دموعه، وهو ينهض مسرعًا للخارج ليأتي بطوق نجاة لصغيرته. لكن كل ذلك لم يكن له أي أهمية لتلك المسكينة ياري. إن استطاعت أن تهرب من عقاب عشق، فكيف ستهرب من شعورها بالذنب؟ وأنها تسببت في قتل إنسانة بريئة لم يكن لها ذنب في أي شيء مما كان يحدث في حياتها، وقلبها الذي عشق وتعلق بالإنسان الخطأ.
وبينما هي تائهة تفكر في جريمتها، كانت أمها تسحبها برفق إلى غرفتها في الطابق الثاني. وعندما وصلت إلى الغرفة، توجهت بها إلى دورة المياه لتغسل جسدها من بقايا دم مرام. أجلستها على طرف حوض الاستحمام برفق وهي تعانقها بقوة:-ياري يا عمري، ما تخافيش من أي حاجة يا قلبي. أنا وبابا موجودين معاكي، مش هنسمح لأي حد يقرب منك أبدًا.
ابتعدت عنها، وقفت تتأمل ملامحها المرهقة بحزن للحظات، قبل أن تتركها وتغادر قائلة: هجيبلك هدوم وهاجي.
خرجت أسيل، وظلت ياري جالسة تنظر إلى نفسها في المرآة العمالقة علي الجدار أمامها و إلى الدماء على يديها، وهي ترى صورة مرام في كل مكان. لم تتحمل ذلك للحظة، فكيف ستتحمل هذا الذنب لباقي عمرها؟
نهضت بهدوء مريب، وتوجهت لتغلق الباب بإحكام. ثم وقفت أمام المرآة، ودون تفكير حملت الفازة التي كانت تزين الرف، وحطمت بها المرآة. التقطت قطعة زجاج من بين الشظايا المتناثرة حولها، وقررت إنهاء حياتها، ظنًّا منها أنها بذلك ستتخلص من ذنبها، ولم تعلم أنها بذلك ترتكب جريمة أبشع من سابقتها؛ جريمة لا عودة منها، ولا توبة بعدها، ولا فرصة لتصحيح الخطأ والرجوع إلى الله وطلب الغفران.
وبينما كانت تقطع أوتارها، كانت أسيل تطرق الباب من الخارج وتصرخ كالمجنونة خوفًا أن تفعل ابنتها ما فعلته بالفعل. بينما كانت ياري واقفة تنتظر موتها، ترى انعكاسها في المرآة، وجسدها يتصفّى دماؤه المتقاطر من معصمها.
وفجأة ارتخى جسدها، وهدأ كل شيء حولها. ابتسمت لشعورها الزائف بالسكون والهدوء المؤقت المحيط بها، ثم سقطت على الأرض تلفظ أنفاسها الأخيرة بصعوبة، استعدادًا لنومتها الأبدية.
»»»»»»»»
في بيت المزرعة… جلس كلٌّ من ليل وساهر ونيل فوق الأرض مقيدين بالحبال، حالتهم مزرية، آثار الضرب واضحة على أجسادهم ووجوههم. ينظرون بحزن شديد وخيبة إلى عشق المستلقي أرضًا، ورجال زين يضربونه بالشومات والأرجل. الدماء تغطي وجهه وملابسه التي تمزقت من كثرة الضرب، ملاطخة بالدماء. وكانت شوق تبكي بقهر وهي تنظر إلى عشق الذي أوشك على فقدان وعيه، صرخت بحسرة وغضب قائلة: إنت ليه بتعمل في نفسك كده؟ أنا عارفة إنك قادر تقتلهم كلهم. ليه مستسلم بالشكل ده؟ وعلشان مين؟ علشاني أنا؟ صدقني أنا واحدة غبية ما أستاهلش كل اللي بتعمله ده.
قهقه زين، الذي كان جالسًا على كرسي واضعًا قدمًا فوق الأخرى، وهو يشاهد عذاب عشق بمتعة كبيرة، لكنه ما لا يعرفه أنه كفأر أحمق يوقع نفسه في مصيدة دون أن يدرك ذلك. هتف ساخرًا وهو يقترب من عشق، أمسكه من مؤخرة رأسه وسحبه بقوة من شعره: ليه؟ ليه ليه يا عشق بتعمل في نفسك كده؟ وعلشان مين؟ علشان غبية زي…
دفع رأس عشق بقوة ليصطدم بالأرض، وظل يضحك ويضحك كالمجنون وهو يقول: والله ضحكتني، أنا حاسس نفسي عايش في فيلم هندي… كان في فيلم هندي رومانسي أهبل بيضحكني أوي بس مش فاكر كان اسمه إيه.
صرخ نيل، وملامحه مختلطة بالحزن والغضب بسبب الحالة التي وصل لها عشق بسبب أحمق تافه زي زين: موووتك يا حيوان! صدقني لو عشق سابك عايش بعد اللي حصل ده أنا اللي هقتلك.
نظر ساهر إلى عشق الذي ينزف من كل طرف في جسده، وخسر الكثير من قوته لدرجة لم يعد يقدر أن ينهض حتى… وما يثبت أنه ما زال حيًا هي أنفاسه التي تخرج بصعوبة مضطربة. هتف بحزن شديد قائلًا: عشق… أنا لسه النهارده بس عرفت إنك أخويا، وأنا عارف إنك قادر تقتل الكلب ده في لحظة واحدة، بس مش عارف ليه بتعمل كده في نفسك.
انهمرت دموعه بهدوء مريب على خديه وهو يترجى عشق أن ينقذ نفسه قبل أن يقضي عليه: علشان خاطري يا عشق اعمل حاجة… أنا طول عمري عايش لوحدي ومش عايز أخسرك بعد ما لاقيتك.
نظر له ليل ودموعه تنهمر متأثرًا، بينما كان زين يقف ممسكًا منديلًا يمسح به عينيه كفنانيات الخمسينيات والستينيات، يمثل البكاء بطريقة ساخرة: مؤثر… مؤثرة أوي، اهي اهي اهي. عارف يا ساهر أنا كمان مستني أعرف مين فيكم ابن أمي علشان أخلص عليكم سوا.
نظر له ليل بحنق وهو يقول:أنا عمري ما تخيلت إنك واطي أوي كده يا زين، والحق عليا إني سيبتك عايش بعد اللي عملته في حبيبتي لين.
وفي تلك اللحظة انتبه الجميع إلى خروج سامح من داخل الغرفة التي كانت تسكنها لين، يدفع لين على كرسي متحرك بعد أن استدعاهم زين ليكمل لعبته التي بدأها. كانت لين خافضة رأسها ولم ترَ ذلك الذي ينظر إليها بشوق واشتياق كبير لدرجة تسللت الدموع إلى عينيه. وما إن رأتها شوق حتى نهضت متلهفة تهرول إليها وهي تنادي باسمها. حاول الرجل إيقافها لكن زين منعه بإشارة أن يتركها: ليييين!
رفعت لين رأسها لتتفاجأ بشوق ترتمي داخل أحضانها وهي تبكي بحرقة واشتياق كبير. لم تصدق لين ولم تستوعب في البداية أن شوق، صغيرتها المشاكسة، هي من داخل أحضانها الآن بعد طول غياب، وإن استوعبت ذلك حتى انفجرت باكية هي الأخرى وهي تشد عنقها إليها أكثر وأكثر، والاثنتان يبكيان معًا، وكل واحدة تشتاق للأخرى اشتياقًا لا يوصف.
بينما وقف سامح تنهمر دموعه وهو ينظر بسعادة إلى ابنتيه اللتين، رغم تلك الظروف القاسية والحقائق التي عرفوها، لم ينقص من حبهما لبعضهما شيء. قطع اللحظة صوت خطوات عشق المتعثرة، يحاول النهوض، ورجال زين يضربونه ويحاولون منعه بقوة، لكنه كان مصرًا أن ينهض، فقد حانت اللحظة الحاسمة التي كان ينتظرها. نظر زين إلى رجاله وأشار لهم أن يتوقفوا عن ضربه ليعرف ما ينوي فعله. تراجع الرجال وهم يلهثون بإرهاق شديد.
بينما ما تقدم عشق ببطء وتعب شديد، يجر قدمه المكسورة بصعوبة، والدماء تتقاطر من أعلى جبينه. كان سيسقط، لكنه تفاجأ بشيء صغير يحاول أن يسنده رغم صغره وضعفه. نظر بعينيه المتورمتين المحاطتين بالكدمات الزرقاء ليجد تلك الحمقاء شوق تحاول بصعوبة أن تسنده رغم تقيد يديها، لكنها لم تتركه يسقط، وبصعوبة ساعدته حتى وصل إلى وجهته.
وقف وجهًا لوجه أمام سامح، وخرج صوته مهزوزًا متعبًا بعد أن بصق بقايا الدماء من فمه، وأخرج تلك القلادة الغامضة من جيبه. وما إن رأى سامح ما يحمله حتى اتسعت عيناه بذهول: عاوز أعرف المفتاح ده لأي، ومين اللي مدفون مكانك.
نظر له سامح بذهول للحظات قبل أن ينظر إلى المفتاح الصغير قائلًا بدهشة شديدة: إنت إزاي وصلت له؟
أجابه عشق بجمود:مش مهم وصلت له إزاي… المهم هو لأي؟
تعرق وجه سامح، وتجولت عيناه في وجوه من حوله، والجميع ينظر إليه بصمت منتظرين ليعرفوا ما سيكون جوابه. رفع يده ليمسح عرقه قبل أن يقول: أظن جه الوقت يا عشق تعرف كل حاجة.
نظر بحزن إلى شوق التي كانت تقف أسفل ذراع عشق لتسنده، لمس وجهها المتعب برفق وحنان شديد وهو يقول: بس لازم تعرف إن شوق بنتي مالهاش ذنب في أي حاجة، حتى لو كانت بنت قاسم، هي هتفضل بنتي وحبيبتي.
انهمرت دموع شوق التي فشلت في منعها، بينما نظر لها عشق بصمت لثوانٍ. وفي ذات اللحظة اتسعت عينا لين بدهشة، وخرج صوتها مذهولًا: شوق مش بنتك؟!
أجابها ليل بحزن شديد وندم في عينيه قائلًا:حتى إنتِ كمان يا لين مش بنته.
التفتت لين بدهشة إلى صوت ليل، وقد قسمت نظراتها أنها لم ترَه إلا الآن. ظلت صامتة كمن شُلّ لسانها، عيونهم معلقة بشوق كبير يكنه كلٌ منهم للآخر. نظراتها كانت تحكي وجعًا وخيبة أمل، ونظراته كانت تعبر عن ندم وحزن وخجل لما فعله في الماضي. خرج صوته حزينًا نادمًا: سامحيني يا لين، أنا آسف. اديني فرصة أخيرة، بوعدك مستحيل أعيد نفس الغلط تاني.
نظرت له بجمود وهي ترفع يدها تمسح دموعها، وأجابته قائلة: وإنت عملت إيه علشان أسامحك؟ وآسف على إيه؟ الجواز مش إجباري ولا اختيار، الجواز قِسم ونصيب، وإحنا من البداية ما كانش لينا نصيب في بعض.
انهمرت دموع ليل، وقد تفهم قرارها وأنها لن تسامحه بتلك البساطة. تظاهرت لين باللامبالاة متجاهلة الصراع داخل قلبها المفطور بعشقه، لكنها لن تعيد الخطأ مرتين بعد الآن، فما تعرضت له كافٍ ليكون درسًا قاسيًا يوقظ عقلها من أوهامه وخياله وعدم رؤيته للواقع الذي كانت ترفض قبوله. لكن منذ اليوم ستكون لين جديدة، بعيدة عن تلك الأحلام التي كانت ترسمها في الماضي: ممكن أعرف إيه اللي بيحصل، وإزاي شوق مش بنتك؟
تأمله سامح للحظات، ثم نظر إلى شوق وعشق نظرة أخيرة قبل أن يهتف قائلًا: إنتوا كبرتوا، ومن حقكم تعرفوا كل حاجة، وكفاية تجاهل الحقيقة لحد هنا. مهما طالت الكذبة هييجي لها نهاية وتتكشف.
توجه بهدوء وجلس على الأريكة، مشيرًا لعشق بأن يجلس، قائلًا:تعالي يا عشق اقعد هنا، أنا هحكيلك كل حاجة أنا أعرفها.
نظر عشق إلى شوق بصمت لثوانٍ قبل أن يتوجه بمساعدتها ليجلس حيث أشار سامح. بينما توجه زين وجلس هو أيضًا ليستمع للحكاية. والتزم الجميع الصمت، وهدأ المكان للحظات قبل أن يخرج صوت سامح كاسرًا حاجز الهدوء قائلًا، بعد ما تنهد بعمق شديد وهو ينظر نحو لين مشيرًا بيده نحو ليل:
زي ما قالك الأستاذ يا لين، إنتِ فعلًا مش بنتي، وحتى شوق ونيلي، مفيش واحدة فيكم بنتي.
انهمرت دموع لين وشوق بصمت، ليكمل سامح بحزن شديد قائلًا: نور، الله يرحمها، ما كانتش بتخلف، وأنا كنت بحبها أوي، ومهما حصل كان مستحيل أتخلى عنها.
هنا نظر ليل إلى لين ودموعه تنهمر بندم شديد، بينما كانت هي تحارب لتحافظ على هدوئها وثباتها. ليصدر صوت سامح مواصلًا حديثه: وعلشان تملأ الفراغ اللي كان في حياتها، قررت إنها تشتغل مربية أطفال في ملجأ أيتام. وهناك شافتك إنتِ ونيلي، وكنتوا لسه أطفال، مش مكملين أسابيع. اتعلقت بيكم أوي، وحاولنا نتبناكم، لكن في كل مرة كانت مديرة الملجأ بترفض بحجة إن ليكم أهل وهييجوا ياخدوكم. وعدّت سنة كاملة، ونور ما كانتش بتعمل حاجة غير إنها تربي نيلي ولين، حتى هي اللي اختارت لكم الأسامي. وبعد سنة ونص تقريبًا المديرة فقدت الأمل إن أهلكم ممكن يرجعوا، وكانت شايفة حب نور ليكم وتعلقكم بيها، فوافقت على طلب التبني. واتنقلتوا تعيشوا معانا، وكانت أحلى أيام في حياتنا، كنتوا الشمعة اللي نورت وحدتنا. وبعد خمس سنين عرفنا إن نور حامل. الفرحة ما كانتش ساعيني، بس كانت بالنسبة لنور خبر مرعب. كانت طول الوقت خايفة تظلم نيلي ولين، خايفة نجي عليهم في يوم، خايفة حبها لهم يقل، بس كان مستحيل ده يحصل.
صمت لثوانٍ وهو ينظر إلى شوق، وانهمرت دموعه، وخرج صوته أكثر حزنًا وندمًا: ويوم ما نور مراتي ولدت، حصل حادث مرعب في المستشفى. انفجرت أنبوبة غاز، ومات فيها نص اللي كانوا موجودين اليوم ده. ومن بين خمسة وعشرين مولود عاشت طفلة واحدة… والطفلة دي كانت إنتِ يا شوق. عملت المستحيل علشان أثبت إنك بنتي، بس عرفت إنك مش بنتي، وإنك بنت قاسم الجوكر. ورغم كده، زورت التحليل ودفعت فلوس لدكتورة علشان تشهد إنك بنتي.
رمقته شوق بتقزز قبل أن تلتفت للاتجاه الآخر متجاهلة إياه بغضب، بينما كان سامح يكمل قائلًا: وخوفت حد فيهم يعرف الحقيقة علشان ياخدوكم، وسافرت وغيرت محل الإقامة، بس السفره كانت مجرد خدعة علشان محدش يعرف طريقي، واللي حصل بعد كده إنتوا عارفينه.
تأمل ملامح عشق لثوانٍ قبل أن يخرج زفرة عالية قائلًا:أما إنت يا عشق، فأكيد عرفت إن أبوك الحقيقي سيف مش قاسم. والمفتاح اللي معاك ده مفتاح خزنة أبوك، واللي بسببه أنا لسه عايش لحد دلوقتي.
قاطعه عشق قائلاً بجمود: والخزنة دي فيها إيه؟ ومين اللي اتدفن مكانك؟ وإزاي إنت لسه عايش؟
نظر سامح نحو لين التي طأطأت رأسها بخجل، ودموعها تتساقط على قدميها لثوانٍ، قبل أن ترفع رأسها فجأة عندما سمعت سامح يقول: اليوم اللي كنت فيه في البيت، ولما نور عرفت إن شوق مش بنتها، كانت عاوزة تقولك كل حاجة. وأنا كنت خايف… مش منك، خايف من جلال. جلال كان شيطان في جسم بني آدم. هددها إني هقتلها، وللأسف اليوم ده كان جلال مراقبنا، وهو اللي قتل نور. وللأسف أنا افتكرت إني أنا اللي قتلتها، فقررت أنهي حياتي، بس كان لازم أفضل عايش علشان جلال كان عارف إني أنا الوحيد اللي هيوصله لخزنة سيف. وهمّ الكل إني موت، ودفن واحد غيري. ولما فوقت لقيت نفسي عايش حياة المساجين، وكان جلال بيجي لي كل ليلة يحاول يعرف مكان الخزنة والمفتاح، وكنت كل ليلة بتجلد خمسين جلدة.
وقف سامح وهو ينزع ملابسه ليظهر جسده المشوَّه وآثار عذاب جلال عليه. لم يستطع أحد من لين وشوق تحمل النظر، فأدار كلٌّ منهما وجهه منفجرين في بكاء مرير، بينما هتف عشق متلهفًا ليستمع إلى باقي الحكاية: وإيه اللي كان في الخزنة دي يهم جلال للدرجة دي؟
تأمل سامح ملامحه التي تشوهت بسبب الضرب الذي تعرض له من رجال ذلك الأحمق زين. لفت انتباه الجميع صوت زين يقول بهدوء: اللي موجود في الخزنة يا عشق هو تمنك.
أشار بسلاحه نحو كلٍّ من شوق ولين وليل ونيل وسامح وساهر، مهددًا بقتلهم، قائلًا: وتمن كل واحد فيهم… أنا أكيد مش عامل الحفلة دي مجاني.
نظر عشق إلى الوجوه من حوله، ثم نظر إلى ذلك الأحمق زين قائلًا بهدوء مريب: وإنت تعرف الخزنة دي فيها إيه؟
ابتسم زين وهو ينهض قائلًا: مش بس أعرف أنا هجيبها لك لحد عندك.
توجه إلى إحدى الغرف تحت أنظار الفضول والاستغراب من الجميع. أثناء ذلك، نظر عشق إلى نيل الذي تفهم على الفور ما يدور في باله. حاول الضغط على زر ساعة سوداء حول معصمه، وبعد عدد محاولات أضاءت الساعة باللون الأحمر، وكأنها توصل إشعارًا إلى جهاز ما بالقرب. وبعد أن تأكد أنها تضيء، نظر إلى عشق ليؤكد له أنه فعل ما طلبه. وبعد لحظات عاد زين حاملًا في يده خزنة صغيرة لكنها صلبة، يصعب كسرها أو فتحها من غير مفاتيحها. توجه وجلس في مكانه بعدما وضع الخزنة على الطاولة، قائلًا: الذكرى الوحيدة اللي فضلالك من أبوك المحترم الله يرحمه.
صمت لثوانٍ وهو ينظر إلى ساهر قبل أن يقول بسخرية: أوبس… قصدي أبوكم المرحوم.
نظر عشق إلى الخزنة ثم إلى المفتاح، وظل صامتًا للحظات قبل أن ينظر إلى سامح قائلًا: لسه ما عرفتش مين اللي مدفون مكانك، وليه المفتاح ده كان حوالين رقبته.
أجابه سامح بهدوء قائلًا: صدقني يا عشق، أنا قلتلك كل حاجة أعرفها، بس مين المدفون وإزاي المفتاح وصل لرقبته أنا ما أعرفش أي حاجة ومش هقدر أفيدك. أنا طول الفترة اللي فاتت دي كنت مسجون في سجن جلال، لحد ما جه زين اللي خرجني بعد موت جلال. زين الوحيد اللي كان عارف إني لسه عايش، واتتفاجئت لما عرفت إن الخزنة دي معاه. حتى الخزنة دي أنا ما أعرفش فيها إيه، صدقني، وده اللي كنت بحاول أقنع جلال بيه إني ما أعرفش حاجة، بس للأسف ما كانش مقتنع. في طرف مجهول، لو عرفت توصل له أظن إنه هيفيدك في الحكاية دي أكتر مني.
أتى صوت من خلفهم قائلًا بجمود:أنا هكمل الحكاية بدالك يا سامح.
التفت الجميع إلى مصدر الصوت ليجدوا قاسم يدلف، ملامحه جامدة لا تعبر عن أي شعور، وهو ينظر إلى ما يحدث حوله متعجبًا عند رؤية ملامح عشق المشوهة، وكلا من نيل وليل وساهر المقيدين، ورجال عشق الجالسين أرضًا تحت تهديد السلاح.
تقدّم قاسم حتى وقف أمام زين، الذي تظاهر باللامبالاة ورفع قدمًا فوق الأخرى غير مبالٍ لنظرات قاسم الغاضبة. وفجأة صفعه قاسم بقوة، وفي لحظة وقف زين غاضبًا رافعًا المسدس على رأس قاسم، ليجد أكثر من سلاح موجَّهًا إلى رأسه. ارتخت ملامحه وخفّض مسدسه بخوف، ليصفعه قاسم مرةً ثانية وهو يمسكه بقوة من ياقة قميصه قائلًا بغضب شديد: أنا هعملك الأدب يا كلب، وهعرفك إزاي تتجرّئي وتقرب من واحد من عيالي.
ظل قاسم يصفعه صفعاتٍ تُلوي الآخر، والجميع ينظر بشماتة إلى زين الذي انهار أرضًا نازفًا الدماء من شفتيه. بينما تحرّك رجال قاسم ليسحبوا الأسلحة من رجال زين ويفكّوا قيد كلٍّ من ليل وساهر ونيل. وما إن تم تحرير نيل من تلك الحبال حتى هجم على زين يوجّه له اللكمات وهو يصرخ في وجهه بغضب: أنا هقتلك يا حيوان، إنت تكون عبرة لأي حد يتجرّأ يقرب من عشق الجوكر.
وبينما كان نيل يضرب زين، الذي كان أضعف من أن يحاول الدفاع عن نفسه، نظر إلى ليل برجاء قائلًا:ساعدني يا ليل، ما تنساش إني أخوك في النهاية، ومهما حصل كان مستحيل أفكّر أأذيك، صدّقني.
نظر له ليل متقزّزًا منه وهو يقول بغضب:صدقني لو نيل سابك عايش، لأكون أنا اللي قتلتك.
كان عشق صامتًا يراقب ما يحدث بهدوءٍ مريب، قبل أن ينظر إلى ذلك المسدس الذي كان في يد ذلك الأحمق زين. صمت الجميع عندما نهض عشق متوجّهًا ليحمل المسدس، فابتعد نيل عن زين ظنًّا أن عشق سوف يقضي عليه بنفسه. تراجع زين بخوف شديد، لكن تفاجأ الجميع ـ حتى شوق ـ عندما اقترب عشق من لين رافعًا السلاح نحوها. اتّسعت عينا شوق وليل وسامح بذعر خوفًا على لين، بينما عقد نيل وقاسم حاجبيهما باستغراب، حتى زين تعجّب في البداية، لكن اتّسعت عيناه برعب عندما وضع عشق السلاح في يد لين قائلًا: ما حدش له حق يقتل الكلب ده غيرك إنتِ يا لين. صدّقيني هترتاحي لما تاخدي حقك منه.
نظرت لين بجمود نحو زين، الذي كان يتوسّلها ويتوسّل الجميع وهو يتراجع زحفًا على كفّيه. تذكّرت لين كل لحظاتها القاسية التي مرّت بها بسبب ذلك الأحمق زين، ودون تفكير حملت المسدس من يد عشق ووجّهته نحو زين الذي كان يترجّاها قائلًا:أنا آسف يا لين، أبوس إيدك سامحيني، والله هختفي من حياتك ومش هقرب منك.
أخرسته رصاصة مفاجئة اخترقت صدره. صرخت شوق بخوف وهي تضع يديها الاثنتين على أذنيها وأغلقت عينيها كي لا ترى ولا تسمع شيئًا. بينما كانت لين، كلما تذكّرت لحظة أوجعتها، تطلق رصاصة لتصيب زين مرةً تلو الأخرى حتى أفرغت كل الرصاصات في جسده.
وقف ليل ينظر إلى شقيقه، الذي كان مستلقيًا على الأرض يلفظ أنفاسه الأخيرة. اقترب منه ودموعه تنهمر على خدّيه بلا توقّف، وجلس على الأرض بجانبه وحمل رأسه على قدمه حتى خرجت روحه للذي خلقها. كان يعلم أنه يستحق ذلك، لكنه لم يكن يتمنّى ما حدث. اقترب نيل وساهر من ليل، وكلٌّ منهما وضع يده على كتف ليل، وهتف ساهر قائلًا:كان يستاهل يا ليل، موته أبشع من كده صدّقني. ده كلب وما يستهلّش تزعل عليه.
نظر ليل إلى لين بحزن شديد، كأنه يعاتبها على ما فعلته، وهو يقول:مهما كان أخويا، والدم عمره ما يبقى ميّه.
تذكّرت لين ذلك اليوم عندما طلب الزوج منها، وأنه قال لها نفس تلك الجملة. ابتسمت بسخرية ودموعها تنهمر على خدّيها، وظلّت صامتة لثوانٍ قبل أن تعيد المسدس إلى عشق قائلة:شكرًا أوي يا عشق، أنا فعلًا ارتحت أوي.
بادلها عشق الابتسامة وهو يأخذ المسدس من يدها، ثم التفت إلى قاسم قائلًا بجمود: عاوز أعرف كل حاجة؟
تنهد قاسم بهدوء وتقدّم نحوه قائلًا وهو يمد يده إليه ليأخذ منه ذلك المفتاح: وأنا جاي مخصوص علشان أعرفك كل حاجة يا عشق. ممكن تدّيني المفتاح؟
تأمّل عشق ملامح قاسم المختلطة بين الحزن والندم، وبعد لحظات من التفكير ناوله المفتاح. نظر قاسم إليه للحظات قبل أن يتوجّه لفتح تلك الخزانة ويُخرج منها ورقة. نظر الجميع إلى تلك الورقة بتعجب، بينما توجّه قاسم بها وأعطاها إلى عشق قائلًا: ده حقّك إنت وأخوك يا عشق، حافظ عليه. دي وصيّة أبوكم اللي بسببها أنا ما عرفش كام واحد خسر حياته.
تنهد قاسم بحزن شديد وهو يحكي لعشق كل ما حدث في الماضي، وكيف أن جلال أجبره على خيانة أعز أصدقائه، وكيف خدعه ودبّر لموته دون علمه. أنهى حديثه وهو يمسح دموعه قائلًا: بس أبوك، الله يرحمه، كان أذكى مما تتخيّل يا عشق. إنت طالع لأبوك، مش للجوكر. أبوك في الفترة دي كان داخل مشروع كبير أوي، وده اللي اتسبّب في موته، وجلال طمع في اللي مش من حقه. علشان كده خلّاني أمضي سيف على ورق تنازل وخدعني ودبّر لموته، بس كانت المفاجأة إن أبوك كاتب وصيّة سرّية، وإن كل الأملاك وحتى المشروع متسجّلين باسمك إنت، وهو كان في نظر القانون مجرد وصي. وبعد موته ما قدرش جلال يعمل حاجة غير إنه يحوّل نفسه وصيّ عليك، وعمل المستحيل علشان يوصل لوصيّة سيف الأصلية، بس ما قدرش. علشان كده يا عشق، لما تمّيت السنّ القانوني، مسّكك جلال كل حاجة، مش علشان بيثق فيك أو بيحبك، لا، علشان كل حاجة في الأساس ملكك إنت. وخاف يغامر ويعيد نفس الغلطة زمان ويخسر كل حاجة في لحظة. ومن فترة، جلال عرف يوصل للخزنة دي، بس ما قدرش يوصل لمفتاحها. ولما عرفت انا مكان المفتاح كان مع خادم سيف، وكان راجل أمين وسيف بيثق فيه، وعرفت إن الراجل ده مات ووصّى عياله يدفنوه بالمفتاح علشان ما يخونش الأمانة، وقدرت أوصل لقبره. خوفت جلال يوصل له ويحاول يأذيك زي ما أذى أبوك، ولما عرفت إن سامح ما ماتش، والمدفون واحد غيره، خوفت أوي. علشان كده أنا اللي بدّلت الجثث ودفنت الخادم بالمفتاح في القبر مكان سامح، وما تخيّلتش إن ممكن حد يوصل له.
نظر إلى عشق وهو يربت على كتفه برفق قائلًا:بس أنا مبسوط أوي إنك إنت اللي وصلت له. أتمنى تقدر تسامحني. صدّقني، كل اللي عملته كنت مجبور عليه.
انتظروا باقي الخاتمة
