رواية مصلح الميتين ( كاملة جميع الفصول) بقلم أندرو شريف

 

رواية مصلح الميتين كامله جميع الفصول بقلم أندرو شريف 

اللي يتربى في المقابر من صُغره مايخافش من اللي ما يتسموا، وحراسة المقابر شغلتي، وأنا حياتي كلها بقت جواها.. بس اللي شوفته يوميها.. يقول انها روح غير أي روح.. قادرة تسيطر وتتحكم، تعمل اللي هي عايزاه من غير ما حد يقدر عليها.
في يوم كنت قاعد جوة أوضتي وبسمع أغنية لصباح، سمعت صوت جاي من برة، صوت مايميزوش غير اللي بقاله سنين في الشغلانة.. الصوت ده كان يبقى مدفن بيتفتح، فـ بمجرد ما سمعته.. شديت الشومة من ورا الباب وطلعت على برة، سمعت صوت رجلين من بعيد ومشيت وراه، لحد ما وقفت قدام مدفن عيلة رزق.. وصباحية اليوم ده كان جنازة المعلم غنيم الله يرحمه، فـ بهدوء قربت من المدفن وطليت عليه عشان أشوف إن كان هو اللي اتفتح ولا غيره.. ساعتها لقيته مفتوح وفيه صوت جاي من جواه.. صوت لحاجة مانهمش إن كانت روح ولا المعلم طلع عايش وبيتحرك، وقتها استعذت الله من الشيطان الرچيم.. قامت حاجة مافهمش ايه هي جريت عليا، بعدها دوخت، وماوعتش لنفسي غير مع شروق الشمس، لما فوقت وكنت واقع على الأرض قدام المدفن، بصيت حواليا الدنيا كانت فاضية ومافيش حاجة مميزة، إلا مدفن عيلة رزق اللي كان مفتوح، وقتها نزلت جواه بخطوات بطيئة وأنا مش عارف ايه اللي هشوفه بالظبط، خصوصًا إني ماعرفش اللي حصل معايا ده ايه ولا ايه سببه بالظبط، ساعتها والحمد لله المدفن كان زي ماهو، ومافيش أي كفن ناقص، بس الأمور ماكنتش فُل للدرجادي، لأن كفن المعلم غُنيم كان منبوش، وفيه حتت من جسمه كانت ظاهرة، ركزت عليها لقيت أثار خياطة، في البداية قولت يمكن الجثة كده والحمد لله ماحصلش حاجة.. بس لما عيلة المعلم عرفت مني اللي جرى، أكدوا إن الخيط ده جديد، وأي ندبه في جسمه قديمة كانت ظاهرة وقادرين يفرقوا بينها وبين الجديدة، فـ من هنا اية الحكاية، والروح دي ظهرت أكتر من مرة، عشان البلد كلها تتكلم عن الروح اللي بتصلح الميتين، واتشهرت بمُصلح الميتين.
**
الكلام كتر على البلد عندي، والناس طلعوا يتكلموا عن أسطورة مُصلِح الميتين، الأسطورة اللي بمجرد ما سيرتها جت في الجرايد، والناس بدأوا يتريقوا عليها، رفعت سماعة التليفون واتصلت بهالة بنت خالي، رنة في التانية ردت عليا، أول ما ردت واتطمنت عليها وقولتلها:
-عاملة ايه يا هالة، وأخبار خالتي هنية ايه؟
-بخير يا سيادة الصحفى الكبير.. انت اللي عامل ايه يابن خالتي، مانسمعش صوتك كده غير كل فين وفين.
-يا حبيبتي ما انتي عارفة أنا في ايه والدنيا عاملة معايا ازاي.. بس حقك عليا.. وأديني بتصل أهو.
-بتتصل تطمن عليا برضه، ولا تكونش عايز حاجة؟
-مابنقولهاش في الوش كده يا هالة.. بس الصراحة أه، أنا عايز أكلمك بخصوص موضوع كده.
-قول يا علي.. قول وطلّع اللي في نفسك.
-بصراحة كده.. أنا كنت عايز أعرف عن مُصلح الموتى ده اللي الناس بتتكلم عنه.. عيب أوي لما الكلام ده يطلع من بلدنا، وأبقى آخر واحد يعرف.
-أه يا علي، موضوع مصلح الموتى ده قالب الدنيا عندنا في البلد، والناس بقت تخاف تموت عشان اللي ممكن يجرالها بعدين.
-وماحدش عرف مين ده وقدر يوصله؟
-مين ده ايه يا علي؟.. وهم دول نعرفهم ولا نقدر نمسكهم.. دول اللهم احفظنا من اللي ما يتسموا.
-وانتي مصدقة الكلام ده برضه يا هالة؟.. ده انتي متعلمة وتقدري تميزي.
-وماصدقش ليه يا علي.. ما اللي زيك دوروا عنه ماعرفوش يمسكوه.. أصلهم هيمسكوا ايه زي ما قولتلك.. ولا انت ليك رأي تاني؟
-والله يا هالة مافيش رأي بعد رأيك، أنا حابب اسمع منك اللي تعرفيه مش أكتر.
-اااه.. جاي في مصلحة زي ما قولت، بس على العموم بص يا سيدي.. الموضوع وما فيه إن من قيمة شهرين كده، أبو فارس التربي شاف الروح اللي ما تتسمى دي، بعدها أغمى عليه، ولما فاق لقى القبر منبوش والجثة مش على حالها، بس بعد ما الموضوع اتعرف وكبر، اتأكدوا ان الجثة ماتخدش منها حاجة بالعكس، ده زي ما تقول كده اتعملها زي عملية صغيرة، وصلح فيها حاجة، فمن هنا طلع لقب مصلح الموتى، ولما الموضوع اتكرر وحاولوا يمسكوه.. ماقدروش، أصل اللي بيقرب منه بيغمى عليه على طول، ومش بيفوق غير بعد فوات الأوان، لحد ما الناس اقتنعت وسلمت انها روح فعلا ومش هيقدروا عليها، وبس كده، ده اللي اعرفه واللي انت كمان ممكن تكون عارفه.. أصل القصة اتشهرت، والناس بقوا رايحين جايين بيتكلموا عنها، خصوصًا يعني ان الكل بقى خايف من الموت أكتر.. خايف لا يجراله زي اللي جرى للي قبله.
-وانتوا مصدقين بقى انها روح اللي بتعمله كده والكلام ده يا هالة؟.. حقيقي مش مصدق، ازاي الناس اقتنعت بتخاريف زي دي، مستحيل طبعا اللي بتحكيه.
-علي ماتزهقنيش.. انت سألتني وانا جاوبتك.. ماتبقاش فضولي ومستفز في نفس الوقت.
-اتصدقي عيب.. ده احنا اهل حتى، يعني بدل ما تقوليلي انزل البلد، خالتي عايزة تشوفك.. تردي عليا الرد ده؟
-ونبي ياخويا.. يا على ماتبقاش بكاش.. انت بتقول الكلمتين دول عشان نازل مش اكتر، اصلك ابن خالتي وانا عرفاك، هتوه منك فين يعني.. تلاقيك مرتب ونازل عشان اللي ما يتسمى مصلح الميتين.
-لا حول الله.. ماعرفش اشغل دماغي عليكي خالص كده، على طول قفشاني.
-اومال انت فاكر ايه.
-طب على العموم انا هاخد اجازة اسبوع من الشغل وجاي.. بإذن الله يوم ولا اتنين بالكتير وهتلاقيني عندكم.
-ماشي يا سيدي.. مستنينك.
بعد يومين تقريبًا كنت رتبت كل حاجة في الشغل ونزلت الأجازة، حجزت تذكرة القطر للبلد بعدها اتحركت على هناك، وبمجرد ما وصلت وفتحت بيتنا اللي هياكله التراب، خالتي هنية هي وهالة جولي عشان ينضفوه، ولما خلصوه وكل حاجة بقت فُل، طلعوا الأكل اللي كانوا جايبينه معاهم وأكلنا لُقمة سوا، وقتها موضوع مصلح الميتين اتفتح لوحده، خصوصًا ان الناس مابقاش عندهم سيرة غيره، فـ بابتسامة جريت خالتي في الموضوع وماجبتلهاش سيرة عن انه سبب وجودي هنا، وإني بعد ما يمشوا هتحرك على المقابر عشان أشوف القصة دي، يمكن وقتها أطلع بمقالة تكسر الدنيا، وزي ما كنت مرتب حصل، خالتي وهالة مشيوا وأنا جهِزت واتحركت على المقابر، أول ما وصلت هناك قابلت أبو فارس التربي، سلمت عليه وقولتله:
-مساء الخير يا ابو فارس.. انا جايلك مخصوص والله.
-وانت تطلع مين فيهم بقى يا استاذ، من اللي معاهم.. ولا اللي معاهمش.
-جرا ايه يا ابو فارس.. معاهم ومعاهمش ايه.. انا جاي اسألك كام سؤال كده، وبعدين احنا من نفس اليلد يعني، مش حلو نكلم بعضينا باللهجة دي.
-كلهم بيقولوا كده، وانت شكلك من مصر، يعني مش من نواحينا.
-يا سيدي وانا اتولدت هنا، انا ابن الحاج رمضان، عيلة عرفان.. شارع الترعة، عرفتني ولا لسه؟
-مش واخد بالي برضك.. وبعدين ما يمكن حافظ وجاي ترص، وهي صعبة انك تجيب كام معلومة خايبة.
-وهو حد يعرف برضه بفضيحة زينب بنت الشيخ عليوة غير اللي من أهل الشارع؟.. ولا دي كمان معلومة خايبة.
-الله.. علي ابن الحاج رمضان.. بالحضن يابن الغالي.
خدني بالحضن بعدها عرض عليا أقعد وأشرب معاه كوباية شاي، وافقت وقعدت قبل ما نكمل كلام من عنده:
-يااااه.. بقالي سنين ماطلتش على شارع الترعة، من وقت ما بقيت غفير المقابر هنا، والزمن وقف.. حتى فارس ابني، سافر وماظهرش من وقتيها، بس على العموم الناس الحلوة بنشوفها كل يوم، أه وهم على وشهم حزن وحاسين بفراق، بس بنشوف وعايشين.. الحمد لله.
-الحمد لله يا أبو فارس، شوفتك بالدنيا والله.. أه آخر مرة قابلتك فيها كنت صغير في السن، بس الناس الحلوة ماتتنسيش.
-بس مجيتك ريحتها سؤال.. اصلنا نشموا الأسئلة من بعيد.
-بتشمها برضه، ولا عايش فيها بقالك فترة، من ساعة ما اللي ما يتسمى مصلح الميتين ده ظهر؟
-مظبوط برضه ومايضرش، بس قولي اللي في عبك.. عايز تعرف ايه؟
-أنت مُصر اني جاي عشان حاجة برضه؟.. عايز تشيلني جِميِلة وخلاص.
-نفهم من كده انك جاي تشرب معايا الشاي؟
-بص يا ابو فارس.. انا مش هلف وادور كتير.. انا هخش في الموضوع على طول.
-واحنا نحبوا اللي مايلفش ويدور علينا.
-مصلح الميتين، انا جاي عشان مصلح الميتين، عايز اشوفه، اعرف كل حاجة عنه.. كده يعني.
-أهل البلد عارفين وأكيد سمعت، يبقى ايه اللي هتعرفوا زيادة منينا يعني؟.. عشان لو على الشوف، فـ اللي زيوا مايتشفوش أبدًا.
-انا صحفي يا ابو فارس، وماظنش يعني ان الصحفيين اللي جولك قبلي أحسن مني في حاجة.. حتى انا ابن البلد وليا فيها كتير.
-اااه.. قول كده.. بسيطة، وانت شواف وفاهم برضه يا استاذ علي.
توقعت انه يطلب فلوس، بس قولت لنفسي يمكن مايطلبش مني انا ويراعي اننا ولاد بلد واحدة.. لكن بلد واحدة ايه بقى.. ده ماكتفاش بالفلوس وبس.. لأني بعد ما اديته ورقة بميتين طلب مني كلب تاني واللي كان:
-احنا مايهمناش الفلوس وبس.. احنا يهمنا نتشهروا ويبقى لينا سيط، يعني توعدني دلوقتي ان في مقالة من مقالاتك اللي بتتكلموا عنها دي، تذكرني وكأني بطل.. هيروز يعني.
-هيروز يابو فارس!.. طب فلنفترض وعدتك وماوفتش.. ايه اللي في ايدك تعمله وقتها؟
-ماتبقاش راجل، وهي الوعود سهلة برضك.. الوعد على لسان الراجل عهد يا أستاذ علي، ولو من البلد بصحيح، تبقى فاهم الكلام ده كويس.
-مظبوط يابو فارس، ويا سيدي اوعدك اني هذكر اسمك في مقالة، لأني كده كده كنت هذكر اسمك، من غير ما تقول يعني.
-اهو ده الكلام اللي يدخل الدماغ، يبقى خليني أحكيلك.
حكى أبو فارس نفس الكلام اللي ابتديت بيه قصتنا، وزيادة عليه هنكمل اللي ابتديناه، واللي هو:
-فمن خوف الناس على موتاهم، بقوا يعملوا اللي عمره ما خطر ولا هيخطر على بال، اه والله، حتى الحاج تيسير موقف اتنين حراس على مدفن العيلة، والاتنين دول بيحرسوا كفن الأنسة أم كلثوم بنته دلوقتي.
-أنا سمعت فعلا انها اتوفت النهاردة الصبح، بس ماعرفش أي تفاصيل تانية.
-ما أصل الحاج تيسير صمم يوقف حراس على قبرها كام يوم لحد ما الجثة تتحلل، بعدها بقى مصلح الميتين مش هيعملها حاجة، ومش هيلاقي اللحم اللي يلعب فيه.
-وهو مُصلِح الميتين ده لو روح فعلا هيفرق معاه حارس ولا اتنين، أو حتى عشرة!
-نعملوا ايه بقى ايه استاذ علي، الخوف يعمل اكتر من كده، والناس بقت تخاف من الموت بسبب اللي ما يتسمى.
-تشكر يابو فارس.. انت تمام اوي لحد هنا.
قولتله كده بعدها قومت واتحركت لجوة، بس قبل ما اتحرك خطوتين حتى وقفني بكلامه وقالي:
-انت رايح على فين يا أستاذ علي، البلد مش من هنا.
-اه ما انا عارف، انا داخل المقابر جوة، فيه حاجة لازم اشوفها.
-تشوف ايه بس الله يرضى عنك، احنا مش مسؤولين عن اللي ممكن يحصل.
-يا سيدي وانت ماشوفتنيش النهاردة اصلا.. انا هخش اخد جولة واجيلك.
-لا تجيلي ايه بقى.. تصبح على خير.. ابقى اجي اصحيك من نومتك انت على الصبحية.
ابتسمت ومشيت، بعدها خدت طريقي لجوة، مافيش عشر دقايق ولاحظت..

تعليقات