رواية ذنب لا يقترف ( كاملة جميع الفصول) بقلم مريم نعيم

 

رواية ذنب لا يقترف كامله جميع الفصول بقلم مريم نعيم

"ندى"

"ها؟"

بلعت ريقها وأخدت نفسها.
"مش عايزاكِ تتفزعي، ولا عايزاكِ تزعلي."

"في إيه يا رنا؟ قلقتيني."
قولتها وأنا بعدّل نفسي بعد ما كنت نايمة على السرير وبقلب في ريلزات تيك توك.
مسكت إيدي وابتسمت ابتسامة فيها حزن.

"قالولي ما أقولكيش، بس لازم تعرفي… إلياس رجع من برّه."

قشعريرة سرت في جسمي، ودماغي كأن حد ماسكها وبيخبطها في الحيطة.
إيديا جمدت من التوتر وعدم الاستيعاب، وشريط ذكرياته عدّى كله قدام عيني،
لحد اليوم اللي قرر فيه ينهّي كل حاجة بينا… وكان قبل فرحي بيوم.

ما سلمتش من كلام الناس، وبالأكتر الأقارب.
عيلة أبويا طلّعوا عليّا كلام، ولا كأني بنتهم،
وقالوا أكيد شاف عليّا حاجة، علشان كده سابني يوم الفرح.

ومن بعد اليوم ده، ما شفتوش تاني.
وعدّى على اليوم ده سبع سنين.

دموعي نزلت غصب عني،
رنا خدتني في حضنها، وأنا بكيت لما افتكرت كل اللي حصلي بعده،
وأبويا… اللي كسرني هو وإخواتي يوم ما بعد عني.

عمري ما هسامحه…
عمري.
_

وقفت قدّام بيتنا لأول مرة بعد سبع سنين غُربة.
ضحكت بسخرية على الكذبة اللي كذبتها على نفسي وصدّقتها…
سبع سنين سِجن.
سبع سنين ضاعوا من عمري بسبب حاجة أنا ما عملتهاش،
بس كدّبوني.

دخلت البيت وأنا حاسس بالاشمئزاز،
بس لازم أجيب حقي منهم،
لازم أدفعهم تمن السبع سنين اللي راحوا من حياتي بسببهم.

خبطت على الباب، وفتحتلي آخر واحدة كنت أتمنى ما أشوفهاش…
"سحر" مرات أخويا.
ابتسمت لما شوفت وشّها اصفر،
ودخلت بعد ما زقّيتها بكتفي.

"السلام عليكم يا أهل البيت."
قولتها بمرح، بس جوايا غصّة،
وأنا شايف أبويا وأمي وإخواتي قاعدين على السفرة.

أمي قامت من مكانها وجريت عليّا علشان تحضني.
"ابني…"

بس قبل ما تقرّب، بعدت بإيدي ووقّفتها.
الحركة دي خلّت دموعها تنزل.
ولو قلت إني مش زعلان أبقى كدّاب،
مين يكره حضن أمه؟
بس هي اللي حرمتني منه السبع سنين اللي فاتوا.

أبويا كان قاعد على راس الترابيزة،
بس لما شافني قام، هو وإخواتي.
نظراته فيها حنين، بس جسمه كان جامد.

قربت منّي أختي وحبيبتي "نجاة"،
شدّيتها في حضني بقوة،
وهي كانت متشبثة فيّا.

"وحشتني أوي يا إلياس… وحشتني أوي."

"وإنتِ أكتر وحشتيني يا نور عين إلياس."

قرب مني أخويا الأكبر مني بسنة "عمر"،
شدّني في حضنه وهو بيطبطب على ضهري.
"ماكنتش لاقي الضهر اللي أستند عليه يا إلياس… بس إنت رجعتلي يا حبيبي."

قام أخويا الكبير وقرب مني بابتسامة سخيفة.
"عاش من شافك يا إلياس…
أتمنى تكون اتربيت في السبع سنين دول."
وختم كلامه بضحكة خلتني أبتسم له بتحدّي وقربت منه.

"هتندم… صدّقني هتندم،وهتفضل لوحدك كده،ومش هسيب حقي يا صالح."

لفّيت وشي لنجاة، واتكلمت بهدوء عكس نبرتي مع صالح.
"هاتيلي يا نجاة مفتاح شقتي من أوضتي."

وشّها اصفر، ولسانها اتلخبط،
بس أبويا اتكلم لأول مرة من ساعة ما دخلت.

"شقتك بقت بتاعة أخوك صالح،مراته كانت هتطلب الطلاق،واشترطت تسكن فيها،وما قدرناش نرفض علشان بيت أخوك ما يخربش…
كفاية اللي إنت خربته."

غصّة؟
لا… ده كان كسر.

دول مش أهل، ولا ده أخ.
بصّتلهم وأنا مصدوم ومش مستوعب.

"يعني حضرتك تسيب أخويا يسكن في الشقة اللي أنا بنيت كل طوبة فيها بإيدي؟ أنا اللي تعبت فيها، والله في سماه لو الشقة دي ما فضيتش خلال ساعة لأطربقها فوق دماغكم. وإنت عارف كويس يا صالح إن اللي يقرب من حاجة تخص إلياس…إلياس بيعمل فيه إيه.
أظن كلامي واضح."

سيبتهم ومشيت،
وعمر جري ورايا.
ما كنتش شايف من العصبية.
بسببهم خسرت كل حاجة.
بحاول أكون قوي…
بس هما عيلتي، وطعنوني في ضهري.
وحسبي الله ونعم الوكيل.

"استنى يا إلياس."

عمر مسك دراعي ووقفني.
كنت تايه.
طبطب على كتفي.

"أنا مصدقك، وعارف إن ابني ما يعملش كده.
مش معنى إني أكبر منك بسنة أبقى مش أبوك.
طول عمرنا إيدينا في إيد بعض، وأقسم بالله هكون معاك في أي خطوة."

"وأنا كمان معاكم."

لفّينا ناحية الصوت،
كانت نجاة، وعينيها مليانة دموع.
فتحت دراعاتي،
جريت عليّا وحضنتها بقوة.
مدّيت إيدي لعمر،
ودخل معانا في الحضن.

بعدنا،
طلع عمر مفتاح من جيبه وحطه في إيدي.

"خد ده مفتاح شقتي في التجمع، خد مراتك وابعدوا عن هنا يا إلياس.
ندى شافت كتير… كتير أوي، إنت سيبتها ومشيت من غير ما تقولها حاجة، والناس ما سابوهاش في حالها، خدها وامشوا."

بصّيت له بعين مليانة نار.
"مش همشي من هنا يا عمر غير لما أجيب حق السبع سنين، وحق مراتي، وحق كل كلمة اتقالت في سيرتها، مش همشي غير لما أندّمهم كلهم… ماشي؟"

تعليقات