رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل العاشر 10 بقلم شروق مصطفي


 رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل العاشر 

صُدم الآخر من هيئته وعينيه الزائغتين بالمكان، وعلامات الفزع على وجهه:

“سيلا جت عندكم أو كلمت همسة؟”

ردد وليد بدهشة: “سيلا!”

دخلت همسة عليهم بذكر اسم شقيقتها، وردت بقلق: “مالها سيلا؟ هي مجتش معاك؟ دي سافرت لك امبارح!”

أغمض عينيه بقوة وألم، وتحدث: “هي كلمتك امبارح أو النهاردة?”

هزت رأسها بنفي، وخفق قلبها بشدة وهي تجلس أمامه. ولا إراديًا، أُغرورقت عيناها بالعبرات: “ليه؟ إيه اللي حصل؟ مش فاهمة حاجة. وليه جاي من غيرها؟ حصلها حاجة؟ رفضت رجوعكم؟ كانت عاملة لك مفاجأة ومصممة ترجعك معاها؟”

تحامل ونهض من مجلسه، وقلبه يعصره من شدة الألم والوجع لرؤية دموع معشوقته التي ذبحها هو أمام ناظريها بسكينة ألم أمس. لم ينبس بحرف. اتجه فقط إلى الباب، لحقه وليد بقلق: “طمني، إيه حصل؟”

“هفهمك كل حاجة، بس ألاقيها الأول قبل ما تضيع مني!” أخرج الكلمات بصعوبة وغادر.

رجع إلى همسة، فوجدها تبكي وتشهق. نظرت له بتوتر، ونطقت:
“بكلمها التليفون مقفول. قلبي مقبوض يا وليد. كانت بتكلمني آخر مرة فرحانة، وأنا اللي قولتلها إنه هناك في الغردقة. سمعتك بتقول لعامر لما كنت قاعد جنبك: ‘إن عاصم هناك. يا رب، جيب العواقب سليمة.’ هتكون بس راحت فين؟ مي؟ اه، هكلمها، ممكن تكون راحت لها…”

هاتفت مي بسرعة حتى ردت الأخيرة:
“حبيبتي، عاملة إيه؟ هموسة?”

همسة وصوتها مرتعب، دخلت مباشرة في الحديث:
“مي، سيلا كلمتك أو جتلك؟”

بفزع، ردت الأخرى بصوت عالٍ وقلق:
“سيلا؟ لا، مكلمتنيش إلا لما وصلت. وبلغتني إنها وصلت الفندق. ومش راضية أكلمها. قولت أكيد يتعاتبوا مع بعض. ليه؟ فيه إيه؟”

بدأ صوتها يختنق أكثر:
“عاصم رجع من غيرها. بيسأل عليها عندي، وتليفونها مقفول. وهو في حالة غريبة وانهيار. معرفش حصل إيه. أنا عاوزة أطمن على أختي. لو عرفتي حاجة، كلميني. سلام دلوقتي.”

وضعت مي يديها الاثنتين على وجهها، وهمست باسمها:
“سيلا! يا خبر، رحتي فين؟” وحاولت مهاتفتها، وأيضًا دون جدوى. “ياريتني جيت معاكي. مكنتش سبتك لوحدك.”

نهضت من مكتبها على عجل، ودلفت إلى المدير تستأذن للرحيل. فقط انهار جسدها ولم تقوَ على التواصل في العمل، وغادرت بعدها.


بعد مرور يومين، لم يُعثر على سيلا، وسادت حالة من التوتر والقلق بين الجميع. الكل مترقب وينتظر أي جديد، حتى أتت مكالمة إلى همسة من رقم مجهول. ردّت بترقّب، فسمعت صوت فتاة ما…

بعد أن استمعت لما أرادت الفتاة إبلاغها، سمعت صوت أختها تتحدث إليها، ثم نبهتها بتحذير شديد عن أمر ما:

“همسة، تعالي إنتي ووليد، خدوني من هنا. بس ورحمة بابا وماما، ما تقوليش لعاصم حاجة عني. هزعل، وعمري ما هكلمك تاني، فاهمة؟”

ردّت عليها همسة، وهي في حالة من الخوف والفرحة في آنٍ واحد، دون أن تفهم الكثير، لكنها أجابت:

“حاضر، مش هقوله، بس إنتي كويسة؟ طمنيني… هكلم وليد ونيجي لك على طول.”

ردّت سيلا، متحاملة على الألم، ولم تُرِد أن تُصدِمها الآن:
“آه يا حبيبتي، متقلقيش مستنياكي… سلام.”

لم تُرِد همسة إنهاء المكالمة، كانت تريد أن تُحادثها حتى وصولها. بكت من فرحتها وحزنها وقلقها عليها، ثم أجرت مكالمة على وجه السرعة لإبلاغ زوجها بالحضور فورًا، مع تحذيره مما قالته لها سيلا.

بعد ساعة، حضر وليد:
“إنتي متأكدة إنها في الغردقة؟”

ردّت همسة:
“هي كلمتني، وقبلها ممرضة قالتلي اسم المستشفى. وليد، محلفاني برحمة أمي وأبويا ما أقولش لعاصم حاجة. ذكرتك إنت بس، وأنا وإنت هنروح نشوفها ونجيبها. عملت حادثة، وهي لوحدها هناك… آه يا قلبي. أنا هودي همس عند مي وإحنا ماشين، مفيش وقت.”

قال وليد:
“تمام، يلا جهزيها وجهزي نفسك، عبال ما أكلم مكتب الطيران… ذهاب وعودة.”

عند سيلا، أغلقت الهاتف مع أختها، فربّتت عليها الممرضة قائلة بحنان:
“شِدّة وتزول إن شاء الله، لو احتجتي حاجة…”
ثم جذبت حبلًا معلقًا في الحائط ووصلته بيد سيلا، وتابعت:
“دوسي هنا، هاجيلك فورًا، ماشي يا قلبي.”

هزّت سيلا رأسها دون أن تتكلم، فلم يكن لديها طاقة بعد أن أفاقت من غيبوبتها وصُدمت من حالتها.

خرجت الممرضة وهي حزينة على حال تلك المسكينة وطيبتها. لم تشتكِ على صاحب السيارة التي اصطدمت بها، لكنه دفع حساب المستشفى بالكامل على نفقته وغادر.

سألتها صديقتها:
“مالك يا بت يا منة؟ زعلانة ليه كده؟”

ردت منة بحزن:
“اسكتي يا نورا، الحالة دي تقطع القلب. ربنا يكمل شفاها على خير. دي يا حبة عيني قلبها وقف في العمليات مرتين، غير النزيف الداخلي في دماغها، ودخلت في غيبوبة. بس الحمد لله، مَطّولتش، فاقت بعدها بيومين. ورجليها الشمال متجبسة بالكامل، وإيديها كمان. بس عارفة؟ السبب شكله جوزها هو اللي بوّظ حالتها.”

ردت الأخرى:
“إزاي يعني؟”

منة:
“أنا سمعت صاحب العربية، أول ما جابها سايحة في دمها، بيقول كانت بتجري في نص العربيات، مش شايفة قدامها.”

ردت نورا بفضول، فهذه عادتهم، يحبّون معرفة كل شيء عن أي حالة تدخل وتخرج:
“وإنتي عرفتي منين إن جوزها السبب؟”

منة:
“أنا سمعتها وهي بتكلم أختها وبتقولها اسم واحد كده، وبتحلف لها إنه ما يعرفش حاجة. بقولك شكله هو، والله أعلم… رجالة نكد.”

ردت نورا:
“ربنا يشفيها. ويلا على شغلك بقى، مش ناقصين حد يطلع لنا ينطر ويشخط فينا.”

“يلا يا ختي.”


كانت رجلياها بالكاد تحملانها وهي تقترب من باب الغرفة، قلبها بين دقّة ودقّة تصرخ باسم سيلا.
دفعت الباب بهدوء لكن عيناها سبقتها بالدخول، و… اختنقت أنفاسها.

جسد أختها المغطّى بالجبس، ذراعيها وساقها، حتى رقبتها ملفوفة بالشاش، وجهها شاحب ومرهق، ونظرتها… يا رب، النظرة دي مش نظرة سيلا….

اتجمدت في مكانها لحظة، وبعدين جريت ناحيتها، جلست على طرف السرير، لمست جبينها، قبلته وهي تمسح دموعها:
“حبيبتي، ألف حمد الله على سلامتك يا قلب أختك.”

ابتسامة واهية مرسومة بصعوبة:
“همس… حبيبتي، معلش، جبتك بسرعة كده وخضيتك… حقك عليا يا قلبي.”

صوتها كان مكسور، مش بس من التعب… ده صوت قلب اتكسر.

همسة حاست بغصة خنقتها، بس حاولت تتمالك:
“إيه اللي بتقوليه ده؟ المهم إنك بخير، حاسة بإيه؟ فيه حاجة وجعاكي؟ قوليلي يا سيلا.”

سيلا ابتسمت ابتسامة فيها وجع الدنيا كلها:
“الحمد لله… مفيش وجع… أنا خدت على الوجع من زمان.”

جملة سيلا خبطت في صدرها زي طوبة. افتكرت كل حاجة… الكيماوي، التعب، المحنة اللي عدوها فيها سوا. لكن النهاردة… فيه حاجة تانية، فيه كسر أعمق من المرض.

حاولت همسة تطبطب، تطمن، تلمّها زي زمان… بس كانت بتنهار وهي بتتكلم:
“بكرة تتحسني وتبقي زي الفل إن شاء الله… بس ليه مش عاوزة عاصم يعرف؟ ده كان هيتجنن عليكي، وكان…”

وفجأة… صرخة سيلا قطعت الكلام وقلوبهم الاتنين:
“إياكي! إياكي يعرف اللي حصلي! والله لو عرف، هيكون القطع بينّا… فاهمة؟ عاصم مات بالنسبالي… مـــات! عاصم ماااااااااااااااات!

سكتت سيلا، وعينيها طالعة في السقف، وكأنها شايفة وجعها هناك.
وهمسة، صدمت من أنهيارها ولم تفهم شيئا…

تحاول تهدئتها، تربت على رأسها وتُقبّلها وهي تبكي لصراخها وانهيارها:
“حقك عليا، خلاص، اهدي عشان خاطري… خلاص.”

دلفت الممرضة إثر صوتها المرتفع:
“فيه إيه؟ من فضلك، ممكن تطلعي برّه؟ المريضة تعبانة ومحتاجة ترتاح، ممكن؟”

همسة تتحدث بتوسل:
“خلاص، مش هتعبها ولا هتكلم، آسفة… بس سيبيني معها شوية.”

ردت الممرضة بحزم:
“مش هينفع، أنا هديها مهدّئ وهتنام، من فضلك علشان أقدر أشوف شغلي.”

خرجت همسة ودموعها تشق وجنتيها، تقابلت مع زوجها الذي بدا عليه القلق الشديد.
احتضنها وجلس معها في صالة الانتظار، وسألها بقلق:
“مالك؟ بتعيّطي ليه؟ مش شوفتيها… كويسة؟”

ردت بانفعال:
“لأ، لأ… مش كويسة خالص يا وليد.”

ثم أكملت بانهيار وتوتر:
“دي… دي بتقول إن عاصم مات! بتقول محدش يجيب سيرته قدامها ولا يعرف عنها حاجة، وإلا هتقطع علاقتها بأي حد! في إيه يا وليد بينهم؟”

وليد، وقد بدا عليه الذهول، أجاب:
“مش عارف والله… هو قالي لما يلاقيها هيفهمني.”

نظرت إليه همسة بترقّب وتحذير:
“وهتقوله؟!”


تعليقات