رواية خلف زجاج النظارة الفصل العاشر 10 بقلم ياسمين سالم


 رواية خلف زجاج النظارة الفصل العاشر 

في غرفة غلفها السكون، كانت همس تجلس فوق مقعدها الخشبي بجانب النافذة، لكنها لم تكن تنظر للخارج، بل كانت تنظر لداخل حطام روحها. عيناها التي كانت يوماً تلمع بالشغف، أصبحت الآن كبئرٍ جفت مياهه. كانت تعيد شريط الذكريات، وتتساءل بمرارة: "كيف لم أبصر الغدر في عينيه؟ كيف كنتُ بهذا العمى؟"

قطع حبل أفكارها صوت فتح الباب الهادئ، ودخول هاجر وهي تحمل صينية الإفطار. وضعتها هاجر على الطاولة، ولم تذهب كالعادة، بل اقتربت وجلست تحت قدمي همس، تمسك بيديها الباردتين.

— هاجر بحزن مكتوم: "لحد إمتى يا بنتي؟ بقالك أيام لا أكل ولا شرب ولا كلمة.. قاسم ميسواش دمعة واحدة من عينك دي."
— همس بصوت مبحوح ومهتز: "الوجع مش عليه يا داده.. الوجع على نفسي. الوجع إني صدقته لما كان بيقولي إنه بيحبني، وهو كان بيخطط يبعني.. أنا كنت رخيصة عنده أوي كدة؟"

شددت هاجر على يدها وقالت بنبرة حازمة: "أنتي اللي غليتيه بزيادة يا همس، وأنا ياما حذرتك وقولتلك الشخص ده مش من توبنا وقلبه أسود، بس أنتي كنتِ صغيرة وقلبك أبيض. بس خلاص، الدرس خلص، والحمد لله إن الحقيقة بانت قبل ما تلبسي فستانك وتدخلي بيته."
 ابتسمت همس وكأنه تفكر في هذه الكلمات لأول مره ماذا لو كانت ظلت مخدوعه بالفعل  ماذا لوكانت  تزوجته و عرفت حقيقته وهي زوجته كان زاد عذاب قلبها اضعاف اضعاف حمدت الله كثيرا انها كشفته قبل أن تصبح زوجه هذا المخادع 

صمتت هاجر قليلاً ثم أكملت بإصرار: "اسمعيني يا بنتي، أنتي معاكي شهادة هندسة يتهد قدامها جبال، وتعبتي سنين عشان تاخديها. ليه دافنة نفسك في الأوضة دي؟ انزلي الشركة، انزلي واشتغلي وواجهي العالم. الشغل هو اللي هيرجعلك ثقتك في نفسك، وهينسيكي كل اللي حصل. بدل الوحدة اللي مش بتجيب غير النكد، انزلي شوفي مستقبلك يا بشمهندسة."

نظرت همس في عيني هاجر، شعرت بقوة غريبة تسري في جسدها، وكأن كلمات المربية كانت الدواء الذي تحتاجه. قامت واتجهت نحو المرآة، نظرت لوجهها الشاحب، ثم قالت بلهجة فيها تحدٍ لنفسها:
— "عندك حق يا داده .. القعدة هنا مش هترجع اللي ضاع، والدموع مش هتكسر قاسم. من النهاردة مفيش همس الضعيفة وشكرا دي تاني مره اتغير واتخطي فيها بسببك يا داده انا بعتبرك  امي  بجد بحبك اووي واسفه عن اخر مره كلمتك فيها انا مش عارفه كنة مالي بجد   سامحيني عانقتها همس بحب وامتنان  عن صدقها و حبها لها 
 ودخلت لتجهيز نفسها حتي تنزل الي الشغل كلما فكرت  انها سوف تبدا بالعمل   يرتجف داخلها  لكنها تقابل هذا الارتجاف والاهتزاز بكلمات  ثقه انها اقوي وسوف تثبت لنفسها هذا قبل الجميع 

 نزلت همس الدرج بخطوات ثابتة، وقع أقدامها كان يعلن عن ولادة امرأة جديدة. في الأسفل، كانت المائدة تجتمع عليها العائلة. كمال كان يجلس بجسد متصلب، يخفي اضطرابه خلف نظارته، بينما أسيل كانت تعبث بطعامها بملل، وياسر الشامي يترأس الطاولة بوجه مثقل بالهموم.

تسمرت الأعين حين ظهرت همس بملابسها الرسمية. ابتهج وجه ياسر فجأة، وقال بصوت ملأه الفخر:
— "نورتي البيت يا همس.. ونورتي حياتي برجوعك لروحك يا بنتي."

جلست همس بهدوء، وقالت بنبرة عملية جافة:
— "أنا نازلة الشركة معاك النهاردة يا بابا.. مفيش وقت أضيعه."

التمعت عينا كمال ببريق لم يستطع إخفاءه، فرحة مكتومة كادت أن تصرخ في صدره، لكنه أشاح بنظره سريعاً. أما ياسر، فوضع الأوراق جانباً وقال بحماس:
— "وجيتِ في وقتك! فيه مشروع سياحي ضخم لسه واصلنا، والمسؤول عنه كمال. أنا قررت إن المشروع ده يكون بتاعكم أنتم الاتنين.. عايزكم تبهرواني بتصاميمكم، ده أول عمل يجمع المهندس كمال والمهندسة همس."

في تلك اللحظة، شعرت أسيل وكأن نصلًا باردًا غُرس في قلبها. "المشروع بتاعكم؟" "أنتم الاتنين؟". الغيرة أكلت ملامحها، فاندفعت تقول بصوت حاد حاول تجميله برقة مصطنعة:
— "ألف مبروك يا حبيبتي.. بس أنا كمان هكون معاكم النهاردة. أنا نازلة أزور الشركة وأقعد مع خطيبي شوية، كمال أكيد مش هيمانع.. صح يا كمال؟"

نظر كمال إليها، كان يود الرفض، يود أن ينفرد بـ "همس" في عالم العمارة الذي يجمعهما، لكنه وجد نفسه محاصراً أمام عمه، فقال بجمود:
— "طبعاً.. مفيش مانع."

أمام بوابة الشركة: القناع يسقط
ركب الثلاثة السيارة؛ كمال في مقعد القيادة، وأسيل بجانبه تتعمد الالتصاق به والحديث عن تفاصيل زفافهما القادم بصوت عالٍ، وهمس في المقعد الخلفي تنظر من النافذة، تحاول عزل نفسها عن كلمات أختها السامة.

خلفهم، كانت سيارة سوداء تتبعهم ببطء كشبح. بداخلها كان صقر، يراقب المشهد ببرود، وعينه على همس التي كانت مطمع "الباشا".

وصلت السيارة أمام مبنى "مجموعة الشامي". ترجل كمال، وبينما كان يهم بالدخول، استوقفته أسيل بابتسامة صفراء:
— "ادخل أنت يا كمال.. أنا عايزة همس في موضوع "بنات" كدة بينا، وهنحصلك فوراً."

أومأ كمال برأسه ودخل. بمجرد أن اختفى طيفه خلف البوابة الزجاجية، تحولت أسيل تماماً. تلاشت الابتسامة وحل محلها وجه شيطاني. جرت همس بعنف من ذراعها، ولويته خلف ظهرها بقسوة جعلت همس تصرخ بوجع مكتوم.

— أسيل بفحيح أفعى: "اسمعي يا همس.. حركات الشغل والمشاريع دي مش عليا. أنا عارفة إنك نازلة مخصوص عشان عينه منك وتخطفيه. كمال خطيبي أنا.. دبلتي في إيده هو! لو فكرتي بس ترفعي عينك فيه، هنسى إنك أختي، وهدمرك.. فاهمة؟"
 ابتسمت همس بسخريه 
انتي بتتكلمي جد يا أسيل لسا هتنسي إنك أختي انتي مفكره اي مش واخده بالي من الي عملتيه امبارح  بلاش انتي يا أسيل انا لو عايزه اخد منك فعلا كمال كنت اول حاجه حكيت اللي انتي عملته امبارح مثلا بس انا  عمري ما افكر اني اكون خاينه للغريب عشان اكون خاينه  لاختي كمان
 ابتسمت أسيل بضيق وأكملت ببرود وكذب 
 لأ انتي ماقولتيش عشان عارفه انه قاسم مش هبصدقك لانه شافك علي حقيقتك اللي كنت مخبياها  واقد ايه تنتي واحده خبيثه يا همس  وامسكت ذراعها مره تانيه بقسوة   ابعدي عني يا همس احسن لك سبتلك قاسم  الي مان هيموت عليا حتي معرفتش مش
سيطري عليها عشان غبيه وطلع بيستغلك مش اكتر يا هموسه
كانت همس تنظر إليها بصدمة، ودموع الوجع من ذراعها تلمع في عينها، لكنها لم ترد.

على الرصيف المقابل، كان صقر يراقب المشهد من خلفهم  . ارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة، وأخرج هاتفه ليجري اتصالاً:
— "أيوة يا باشا.. الموضوع أسهل مما تصورنا. الأخت بتموت من الغيرة، ومستعدة تبيع أختها في سوق الرقيق بس عشان تخلص منها.. اللعبة بدأت." 

داخل المكتب الذي تفوح منه رائحة القهوة المرة والأوراق الرسمية، كان أنور النويري يجلس خلف مكتبه كتمثال من رخام. عيناه الحادتان تلاحقان الأرقام على الشاشة، لكن عقله كان في حرب أخرى. كان يشعر بوجود مايان في الغرفة دون أن ينظر إليها؛ يشعر بعطرها الذي يقتحم حصونه، وبنظراتها التي تلاحقه بفضول طفولي يربكه.

كانت مايان تقف بجانبه، تحمل كشف الميزانية الشهرية، لكنها بدلاً من أن تقرأ الأرقام، تاهت في تفاصيل وجهه.. في تلك القطبة القاسية بين حاجبيه، وفي الطريقة التي يضغط بها على قلمه وكأنه يعاقبه.
 رآها أنور بجانب عينيه  من  وقت ما عملت معه وهي تتأمله وتحاول التقرب منه رآى بيع بعيونها نظرات الأعجاب خشي أن ينكسر قلبها  لانه يعلم انه لم يعطي قلبه مره اخري ل إمرأه 
فجأة، دفع أنور الكرسي للخلف بعنف أحدث صريراً مزعجاً في الغرفة، وانتفض واقفاً وهو يصرخ فيها بغضب جارف:
— "أنتي بتبصيلي كدة ليه؟ أنا قولت ميت مرة الأرقام قدامك على الورق مش على وشي! أنتي جاية تشتغلي ولا جاية تتفرجي عليا؟"

ارتعبت مايان وتراجعت خطوة للخلف، والورق يرتجف في يدها:
— "أنا.. أنا كنت بستنى حضرتك تخلص مراجعة عشان أسألك في نقطة.."

قاطعها أنور بصوت كالرعد، وعيناه تشتعلان بمرارة قديمة:
— "كدابة! أنتي زيكم كلهم.. فاكرة إن بكلمتين ونظرتين تقدري تدخلي هنا؟" وأشار بإصبعه نحو قلبه بغضب. "انسي يا مايان! القلب ده مات واندفن من زمان، ومفيش ست على وجه الأرض هتاخد منه نظرة رضا واحدة، ولا هسمح لواحدة تانية تكسره عشان خاطر قرشين زيادة!"

كان ينهج وكأنه خاض معركة، كان غضبه أكبر من الموقف، كان يصرخ في وجه "المرأة" التي خذلته في الماضي من خلال مايان.

شعرت مايان بغصة مريرة، ودموع القهر تجمعت في عينيها، لكنها حاولت التماسك وقالت بصوت مهتز:
— "أنت مريض يا أنور.. مريض بالماضي بتاعك. أنا مالي ومال اللي كسرتك؟ أنا جاية أتعلم شغل، لكن واضح إن العيب مش في الستات، العيب فيك أنت لأنك بقيت حجر.. حجر معندوش ذرة إحساس!"

رمت الملف فوق مكتبه بقوة، وجرت نحو الباب وهي تمسح دموعها. وقف أنور مكانه، يقبض على حافة المكتب حتى ابيضت مفاصله، يحاول أن يقنع نفسه أنه فعل الصواب، وأن قسوته هي "درعه" الوحيد حتى لا يسقط مرة أخرى.. لكن نبضات قلبه المتسارعة كانت تقول شيئاً آخر تماماً.
داخل المكتب الهندسي الواسع، كانت الأضواء مسلطة على لوحة كبيرة تضم المخطط الأولي للبرج الجديد. وقفت همس تشرح فكرتها بحماس استعادته أخيراً، كانت تشير بيدها إلى انحناءات المبنى وتتحدث عن فلسفة "الضوء والظل" في العمارة. مندمجة تماماً، انحنت قليلاً فوق اللوحة، فانسدلت خصلات شعرها الحريرية على كتفها لتغطي جزءاً من وجهها.

كمال لم يكن يسمع كلمة واحدة مما تقوله، كان غارقاً في تفاصيلها. اقترب منها ببطء، وكأنه منوم مغناطيسياً، حتى أصبح خلفها مباشرة. في لحظة ضعف استسلم فيها لقلبه، أغمض عينيه واستنشق عبير شعرها الذي طالما اشتاق إليه.. رائحة الياسمين التي تسكن ذاكرته خلف زجاج نظارته.

فجأة، شعرت همس بأنفاسه قريبة جداً، فالتفتت بسرعة لتجد نفسها وجهاً لوجه معه. المسافة بينهما تلاشت، عيناهما التقت في نظرة طويلة، صامتة، ومشحونة بسنين من الحب المكتوم. تاهت همس في ملامحه، شعرت بانجذاب غريب لم تشعر به من قبل، وكأن كمال هو "الأمان" الذي كانت تبحث عنه في الشخص الخطأ.

في هذه اللحظة، فُتح الباب بحدة. دخلت أسيل وهي تحمل صينية عليها أكواب العصير، لكن الصينية كادت أن تسقط من يدها. تجمدت مكانها، رأت القرب المريب، رأت نظراتهما التي فضحت كل شيء.

— أسيل بصوت مهتز يملؤه القهر: "كمال؟ همس؟ أنتم.. أنتم بتعملوا إيه؟"

ارتبكت همس وابتعدت بسرعة وهي تحاول هندمة ملابسها، بينما حاول كمال استجماع شتاته: "أسيل.. إحنا كنا بنراجع فكرة البرج، أنتي فهمتي غلط!"

اقتربت منها أسيل بغضب عامي عن بصيرتها  و 


تعليقات