رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الحلقة الخاصة بقلم بيسو وليد


 رواية أحببتها ولكن الجزء السابع ( حرب الاعداء ) الحلقة الخاصة 

يا ليلة العيد الستينا

وجدتي الأمل فينا يا ليلة العيد.

هكذا كانت الموسيقى تصدح من شاشة التلفاز الكبير، فبعد إعلان الشعب أن يوم غد أول أيام. العيد بدأت النهائي تتوالى بينهم والضحكات تعلو كان "ليل" الجد يجلس في مكتبه ينظر إلى الحاسوب الموضوع أمامه بتركيز تام، اعتدل في جلسته وهو يزفر في هدوء بعد أن أنهى أعماله المتبقية ...

نظر إلى الباب الذي طرق بخفة فإذ بـ "معاذ يدخل والابتسامة تعلو تغره، فرمقة في ترقب قائلا:

خير يا "معاد"، چاي تاخد مني كام المزة دي ؟.

اقترب ملة في صمت وجلس أمامه يتحدث بنبرة هادئة:

لا خالص، المرة دي جاي استشيرك فحاجة.

صب "ليل" الجد تركيزه مع ولده الذي بدا عليه الجدية، منتظرا سماعه فتنهد هو بعمق وقال بنبرة هادئة

انا محتاج أجيب لماما هدية بمناسبة عيد الأم، بس مش عارف اجيبلها إيه، محتار بين كذا حاجة.

ابتسم "ليل" عندما رأى الحيرة على وجه ولده، فقال بنبرة هادئة:

عندك حاجات كتير أوي شوف أنت حابب إيه، يعني لو معاك مبلغ يجيب حاجة كويسة هي محتاجاها هاتها، مع انك مش هتلاقيها محتاجة يعني أكمني مبتأخرش عليها.

انفعل "معاد" الذي أجابه بنبرة يغمرها الضيق قائلا:

ما هو أنا فالحيرة دي بسببك يا عم أنت مفيش مزة احتاجت منك حاجة وقولتلها لأ ولا حتى شديت عليها وقولتلها مش كل حاجة تطلبيها هوفرهالك ما هي أكيد من متجوزة "علي " بابا.

ابتسم له "ليل" الذي لم يحيد بذل مجهود والصراخ كعادته في وجهه، فاستبدل البرود عنوانا له عندما قال :

وأنت مال أمك.

مش عارفين تجيبلها إيه بسببك يا عم أنت مش مخليها محتاجة حاجة أقولها نفسك فإيه تقولي ربنا يباركلي في قرة عيني أقولها يا ماما لا قصدي حاجة تقتنيها تقولي قرة عيني بالدنيا كلها ... دا انت او ساحرلها قسما بالله ما هتبقى مغيبة كدا دي عينيها بتطلع قلوب أول ما سيرتك بنتجاب.

زسمت البسمة باتساع على ثغر "ليل" الذي فرد ظهره ووضع قدما فوق الأخرى قائلا:

وأنت مال أمك برضوا، هي مش محتاجة حاجة لأني معيشها في جنة، كفاية إنك تقولها كل سنة وأنا جايبلك أنت وابويا الضغط والسكر.

عض "معاد" على شفتيه وكظم غيظه حتى لا يفعل شيئا يعلم تمام العلم انه سيندم عليه.

انتصب واقفا وهو ينظر إليه قائلا:

أنا همشي علشان معملش فعل هیتردلي بـ رد فعل يقل من قيمتي قدام اللي يسوى واللي میسواش

متنساش الباب فأيدك يا "ميزو"..

تفاقم غضبه عندما أيقن أن أبيه ينعقد إثارة غيظه، فلم يتردد في صفع الباب خلفه وهو يتمتم بنيرة خافتة:

الله يرحم يا "معاد" ايام ما كنت حارق دمه ٢٤ ساعة، جه دلوقتي يطلعهم على اللي جابوك أضعاف وأنا اللي مكانش حد يقدر علي.

تخط أخيه الأصغر "غدي" الذي ألتفت ينظر إليه في تعجب واستنكار لتلك الحالة التي تسيطر عليه، فمن الصعب إثارة غضبه وهيئته تلك تقول أن الذي فعلها هو ملكا، أكمل طريقه نحو مكتب ابيه وولج بعد أن دق بابه

كانت السيارة مصفوفة على جانب الطريق، وكان عددهم ستة داخلها، يتشاورون فيما بينهم عن المكان الذي سيشترون منه الحلوى، وكان سائقها الحفيد الأكبر كانوا يصبون أعينهم على شاشة السيارة حيث طرح إليهم الذكاء الاصطناعي عدة أماكن شهيرة في البلد...

هل في أماكن ثانية تكون برضوا معروفة وموثوقة ؟.

هكذا سأله "ليل " في رسالة قصيرة، فرد عليه برسالة أخرى والأسعار المتوقعة وفي الأخير ختم بجملته ودا مناسب جدا لأصحاب الطبقة الارستقراطية فقهقه "يزيد" الذي كان جالسا على قدم أخيه وقال:

حتى الـ ai بقى بيميز الطبقات، دا على كدا لو قولتله بالنسبة للطبقة المتوسطة هيرشحلي واحد بيلف بالعربية.

شوقت وصل بينا لفين بقى.

اعتدل "ليل" بعدها وهو يقول بنبرة جادة:

طب هنرسى على ايه علشان تتحرك؟ عندنا لابوار والعبد وايتوال

فأجاب "أحمد" عليه بنبرة هادئة

أنا بقول العبد.

فائدة كلا من "علي" و "عمير" و "خذيفة" وفي الأخير "يزيد" الذي أكمل قوله:

هو فكل الأحوال كنت هخليك تروح العبد علشان عايز أجيب الكوكيز بتاعهم وحشني أوي.

أدار "ليل " محرك سيارته وتحرك في طريقه إلى إحدى فروعهم بعد أن تلقى موافقة الجميع كان الصمت يسيطر عليهم، كل منهم في عالمه ومنهم "يزيد" الذي كان يراسل "روان" وابتسامته تعلو ثغره ...

أمامك مطب على بعد سبعة أمتار.

هذا "ليل" من شرعته حتى تخطاه وعاد يسير بنفس شرعته السابقة، وإلى جواره شعر "خذيفة" بالألم يسيطر على قدميه وقد أدرك مؤخرًا تقل أخيه الذي لاحظة، فنظر إليه وكسر هذا الصمت بقوله:

"يزيد" تعرف إنك وجعتلي رجلي.

التفت برأسه المعني بالذكر ينظر إليه بطرف عينه قائلا:

وجعتلك إيه ياسطا هي أول مرة؟.

فأجابة "خذيفة " الذي لاحظ زيادة وزن أخيه منذ عودته من فترة طويلة قضاها في خدمة الجيش:

لا مش أول مرة بس أنت المزة دي تقيل

أنتبهوا أولاد عمومتهم لهذا الحديث وكانوا فيه الطرف المستمع، فأجاب "يزيد" بقوله المصدوم:

لا متهزرش ياسطا في ايه.

نظر "خذيفة " في عينين أخيه وقال بنبرة ثابتة:

قسما بالله تخنت ووزنك تقل كمان يا با باين عليك نص على نفسك فالمرايا ...

فتح "يزيد" كاميرا هاتفه الأمامية وهو ينظر إلى نفسه بتفحص، فابتسم "ليل" الذي كان يلقي عليه نظرة سريعة كل لحظة، بينما أكمل "خذيفة" قوله:

دا انت كمان لسه متجوزتش، اومال هلاقيك كام بعد الجواز يا خويا؟

التفت "يزيد" إلى أولاد عمومته يسألهم بقوله المصدوم:

أنا تحنت فعلا ولا هو بيحور علي ؟.

بصراحة هو معاه حق، أنت تخلت فعلا وملاحظ دا من ساعة رجوعك.

يا نهار مش معدي.

قالها "يزيد" مصدوما وهو ينظر مجددا إلى نفسه في الكاميرا بعد أن صارحة "عمير" بحقيقة الأمر، بينما سدد إليه أخيه ضربة خفيفة بعض الشيء بقبضة يده فوق ظهره وقال:

دى تبقى مصيبة لو مش دريان بنفسك كنت بتاكل إيه بالا علشان وزنك يزيد كدا؟

التفت نحوه وأجابة بنيرة ثابتة ليدافع عن نفسه:

مكنتش باكل غير فأوقات الزيارة اللي كنتوا بتجولي فيها أكيد مش هتخن أوي كدا يعني وبعدين أنا مش شايف الكلام اللي بتقولوه دا.

رفع "غمير" عيناه نحوة حيث كان يسند رأسه بقبضة يده قائلا:

الكاميرا مش هتبينلك يا حبيبي حاجة أدخل أي مول واقف قدام أي مرايا هتشوف اللي هايفيله.

اعتدل "علي" في جلسته بعد أن كان يجلس بأريحية بينهما في الخلف ومال بنصفه العلوي للأمام قليلا وهو ينظر إلى ابن عمه قائلا:

وكمان عايز تاكل كوكيز من العبد دا على كدا بقى يوم فرحك هتلاقيك كام كيلو إن شاء الله؟ "يزيد" سيطر على جسمك بدل ما يسيطر هو وتعاني أنت عند دكاترة الدايت.

أقف يا "ليل" عند أي صيدلية خليلي أقيس وزني، علشان في تهجيص عمال يتقال وأنا شكلي هليسهم فبعض دلوقتي.

قهقه "ليل" عندما رأى غضبه بدأ يزئر ويعلن عن دمار ساحق، فألقى نظرة على رفيقه الذي مسحعلى وجهه ونظر إلى أخيه قائلا:

طب خف شوية قسما بالله ما حاسس برجلي متنساش إني كنت ماشي على علاج طبيعي.

نظر إليه "يزيد" دون أن يتحدث، فحقا قد أثار غضبه، فأجاب "خذيفة" بلا مزاح تلك المرة قائلا:

مبهزرش والله مش حاسس بيها بجد وفيها وجع مش قادر أوصفهولك.

اعتدل "يزيد" في جلسته بعد أن رأى صدق أخيه، وعلى ذكره فقد أراد ممازحته، فحاوط خصره بذراعيه وضفه که ذب كبير ثقيل الوزن، فقال:

حاسس نفسي حاضن ديدوب من اللي بيشتروهم فالفلانتين، عز أبوك باين عليك يا ابن "عبد الله".

أجاب "ليل" تلك المزة وعيناه مثبتتان على الطريق قائلا:

أنا عارف السرفين، المحاشي والفراخ والبط اللي كانت مرات خالي بتزعطهم بيه، حاكم هما اللهم صل عالنبي بيرجعوا الحلل والأطباق فاضية.

یا نهار یا ابن النجارة، يا نبار يا ابن النجارة، وأنا اللي كنت بستغرب بطني بتوجعني ليه كل مرة. اتاريك راشق فيها.

رمقة "ليل" نظرة حادة بطرف عينه وأجاب بنبرة حادة

لا يا روح أمك أنت هتحشر وتملى وتيجي تقولي أنت.

پس خلاص أنتوا ما بتصدقوا تلاقوا حاجة تشبطوا فيها.

هكذا قال "غمير" الذي أنتبه لأفعالهما التي ستؤدي بهم الكوارث وخيمة، فالتزما الصمت وأكمل "يزيد" مراسلة "روان" تاركا خلفه أخيه الذي لم يفلت ذراعيه و اسند راسه فوق ظهره يتابع في شرود الطريق عبر النافذة...

وصلوا أخيرا وها هم يقفون بأفواه تكاد تعجز عن الحركة ينظرون إلى قائمة الأسعار التي اصابتهم بصدمة عصبية حادة، ظلوا على حالهم ذاك الخمسة دقائق تقريبا لا يستطيعون إبداء ردا على ما يرى...

تحبوا أساعدكم فحاجة يا شباب؟.

قالها شاب بسيط المظهر بشوش الوجه، وقد نجح في جذب انتباههم إليه، أتجهت الأعين ترمقة في ذهول تام وكان الرد حاضرا بسؤال من "يزيد" الذي أشار نحو القائمة بقوله:

هي الأسعار دي فوتوشوب ؟.

تنغض جبين الشاب قليلا، ولم يستطع أن يمنع ابتسامته من الظهور، فأجاب بنبرة هادئة:

لأدي الأسعار بجد.

نظر "يزيد" مجددا إلى قائمة الأسعار معلقا على ما يراه من أرقام الخزعبلية تصيب ناظرها بدوار جاد

أسعار إيه اللي يجد دي، دا أنا لو تاجر مخدرات قسما بالله ما هجيب تمن الحاجات اللي ها خدها.

أجاب الشاب محافظا على ابتسامته وتبرته الهادئة قائلا:

حضرتك دا العبد، يعني معروف.

طلب ما أنا "يزيد" ومعروف برضوا إيه اللي جد يا ابني دي أرقام لوحدها تجيب غيبوبة شكر.

كنم الشاب ضحكته حتى لا يفسد الأمر ويعاقب هو في الأخير كما حدث مع غيره وقال بنبرة

جاهد لإخراجها ثابتة:

حضرتك دي الأسعار الجديدة شوفوا تحبوا إيه وأنا معاكم..

التقت "يزيد" إلى أولاد عمومته مشيرا نحوها قائلا:

قولولي إن أنا شارب وإن الأرقام اللي شايفها دي مش حقيقية، دا إحنا على كذا ولا هيكفينا ١٠ آلاف جنيه منقفلة في شوية كحك وبسكويت وبيتي فور جدي لو سمع بالأرقام دي هيقولنا ألفاظ خارجة.

تحدث "عمير" الذي لم يستطع إبعاد عيناه عن القائمة قائلا:

أنا بقول بلاها العيد داء المبالغ اللي معانا عالكريدت كارد مش هتجيب تمن الكمية اللي هنجيبها.

أجاب "علي" الذي كان يحسب ثمن ما يودون شراءه مصدوها بعد أن رأي المبلغ :

٢٠ ألف متقفلة، واحنا اللي معانا تقريبا ميجيبش المبلغ دا.

السحب "خذيفة " من بينهم للخارج دون أن يتحدث في رأه أخيه الذي علق على صمته ذاك بقوله:

خذيفة " فقد النطق على ما أعتقد.

العيد فرحة

وأجمل فرحة

العيد فرحة وأجمل فرحة تجمع شمل قريب وبعيد.

سعدنا بيها بيخليها ذكرى جميلة لبعد العيد.

غنوا معايا عنوا، قولوا ورايا قولوا.

كثر يا رب فأعيادنا واطرح فيها البركة وزيد

جانا العيد أهو جانا العيد، جانا العيد أهو جانا العيد..

كان صوت "صفاء أبو السعود" ناعها في دندننه لكلمات الموسيقى، كطير صغير يغرد في عنان السماء بإيقاع متناسق على مر الأزمان وبرغم الاف الأغان التي صدرت مؤخرا من مختلف الفنانين، بقيت "صفاء" شمس ساطعة لا يطفئ نورها الذهبي...

كانت تقف أمام طاولة متوسطة الحجم، ممسكة بالمكواة وتسير بها فوق جليابه الأبيض، كانت تدندن معها والابتسامة تعلو تغرها الذي تلون باللون الوردي الهادئ، برغم تعب حملها أبت أن تستلم له خصيصًا أن هذا هو أول عيد لهما في منزل الزوجية...

تناست كل ما كان يضيق صدرها وبدأت تندمج مع الموسيقى التي تعرض على إحدى القنوات الفضائية، بينما وقف هو على عتبة الغرفة وفي كفيه يحمل كوبين من عصير الفراولة الطازج الذي أعدته لسهرتهما معا، ظل ليال وسنوات وساعات يدعو ربه كي يعيش تلك الأجواء الآن وقد تحققت أمنيته بعد الكثير من الإلحاح وها هي أمامة الآن تسكنة في جناتها....

وضعهما فوق الطاولة الصغيرة ووقف أمامها يتابعها مبتسما وعيناة تنطق بشغف لم يستطع

الجمه، فكل حركة ونظرة منها كانت تدعوه لمشاركتها، نزع السلك من المقيس دون تردد وسحبها بعيدا حيث مكانا أكبر مساحة يتسع لهما، بدأ "شهاب" يرافضها بعد أن بدأت القناة بعرض كافة الموسيقى المختلفة والتي تعود بهم إلى أزمان بعيدة عندما كانوا صغارا...

كانت تخطاها خفيفة كالريشة يراعيها أميرها الحبيب، في تارة يجعلها تدور حول نفسها، وتارة أخرى بجذبها نحوه في رفق، ضحكاتهم كانت تمتزج مع ألحان الموسيقى فتخلق معروفة أخرى أكثر نعومة وشغفا، توقفا بعد أن أصابهما الإرهاق يضمان بعضهما والابتسامة تعلو تغرهما ..

ثبتت الأعين على شاشة التلفاز حيث عرضت موسيقى طفولية يحبانها حبا جفا، اندمجا كلاهما مفا من جديد وكل واحد منهما يدندن للآخر:

العنكبوت النونو

خطفت قلبه عنكبوته

من يومها جن جنونه

وعقله اتلخيط الخيطوته...

وفي الأخير ضحكا وتعالقا من جديد القلوب أمنة والروح ساكنة فماذا يريدان غير ذلك إذا أخذ جلبابه وعلقه ثم سحب فستانها الوردي الذي اشترته مؤخرا وبدأ بكيه هو قائلا:

معرفش ليه مش عايزة توريهوني عليكي.

تناولت هي حبة الموز وأجابتة قائلة:

لاني مش عايزاك تشوفه غير الصبح.

هي بقت كدا يعني، عموما مردود الك يا "ريمة".

اتسعت ابتسامتها فوق تغرها وارتشفت القليل من العصير وهي تشاهدة، جال في خاطرها سؤال وقت لو تعلم اجابته منه، ولذلك لم تستطع أن تمنع نفسها وقالت:

بقولك إيه يا "شهوبي"، عندي سؤال عايزة أسمع إجابته منك والفضول واكلني بصراحة.

رفع عيناه نحوها والبسمة مرسومة فوق ثغره، يعلم جيدا إلى أين ستصل بها حماستها تجاه شيء بعينه، ولذلك قال:

اسالي

اعتدلت "مريم" في جلستها ونظرت إليه في تركيز تام وقالت:

شعورك هيكون عامل ازاي لو دخلت على في مرة لقيتني مغيرة لون شعري ؟.

توقفت يده قليلا عن الحركة عندما تلقى سؤالها، يمنح نفسة الفرصة في التفكير بالرد أن حدث هذا، فنظر إليها وسألها تلك المرة قائلا:

على حسب اللون، ممكن يبقى لونه ايه مثلا؟.

فكرت قليلا مع نفسها في الألوان التي كانت دوما تثير إعجابها ثم قالت في حماسة:

علابي

ابتسم هو وأعاد تحريك ذراعه بالمكواة قائلا:

مش عارف بصراحة، أنا يكون ضد فكرة الصبغة دي عموما، بشوف لون الشعر الطبيعي بيكون احلى بكثير لأنه بيكون ماشي مع الشكل الخارجي، واعرف إنها بتبوظ الشعر فالموضوع مش ألطف حاجة فإياك تعمليها يا "ريمة" وتحطيني قدام الأمر الواقع، بعد هزعل منك جامد ومستحيل أعديها بجد أنا بكره الصبغة.

التزمت الصمت قليلا بعد أن أصابها اليأس عندما تلقت إجابة لم تكن في حسبانها، تفكر في شيء آخر حتى أطرأت فكرها وقالت في حماسة:

طب لو ركبت لاشيز؟.

ايه؟ ايه اللي لاشزه دا يطلع ايه البتاع دا؟.

لم تستطع أن تمنع ضحكتها أن ترن عاليا عندما سمعتة، فحقا قد صدمها بنطقه الغريب للأشياء التي تتعلق بالنساء، فأجابته قائلة:

لاشيل الرموش يعني.

قصدك مساحات العربية اللي بشوفها دي؟ دا أنا ممكن أطلقك فيها دي احنا هنخيب ولا إيه. ومالها رموشك الطبيعية يا حبيبتي مش فاهم.

أجابتة بنبرة أهدأ عندما رأت تحفظه ذاك تجاهه

طب لو ركبت ضوافر؟

في ايه يا "ريمة" هو أي تركيب وخلاص؟ مش هقبل بأي حاجة من الحاجات دي أنا حابك على كدا لا تقوليلي رموش وضوافر والكلام الماسخ اللي مبيا كلش عيش دا.

سحبت صحن الفاكهة واقتربت منه قائلة:

طب خلاص بلاش تقفش كدا أنا كنت بشوف رد فعلك بس مش أكثر.

أنهت حديثها وهي تضع حبة موز في قمه الابتسامة تعلو ثغرها وعيناها مثبتتان فوق الشاشة التي بدأت تعرض أفلامها المفضلة، وبعد القليل من الوقت جاورها في جلستها وهو يحاوط كتفيها بذراعه، يضحكان بين الفينة والأخرى على بعض اللقطات الطريقة.

صف سيارته في مرآب السيارات ونظر إلى زوجته التي ضلت حقيبتها واستعدت لبداية مغامرتها الجديدة:

جاهزة؟

هزت "برلين" رأسها في حماسة والابتسامة تعلو تغرها، فأخذها "مينا" واتجه للخارج حيث الشوارع التي تعج بالأناس والسعادة التي تنشر في الهواء، أمسك يدها في إحكام وبدءا يسيران معا بينهم، يعيشون معهم لحظات السعادة التي تغمر القلوب وتدب الروح في الصدور...

حديقة واسعة خضراء يزينها أضواءا صفراء معلقة في الهواء الطلق، والكثير من الأناس يتجولون رفقة عائلاتهم وصغارهم، حلوى تشترى وصورا تلتقط كي تخلق لهم ذكرى حية في المستقبل، وقفا معا يتأملان المشهد بأعين تلمع بالفرحة والشوق، فإذ بها ترى مشهدا تنوق لتطبيقه بلمساتها هي...

أما في كامل رقتها وجمالها، تملك روحا مرحة تجذب نحوها الأعين دون قصد منها، فستانها زهري اللون فضفاضا بشكل جذاب، يعلوه حمارًا أبيض اللون كما رأت "مريم" به من قبل، ونقابا بنفس اللون يحجب عن الأعين رؤيتها استثناء العينيها، كانت تسير خلف صغيرتها التي كانت ترتدي مثل امها تماما، تشبه القطة الصغيرة يتلك العقدتين...

كانت تبدو صاحبة العامين، تركض في فرحة بين الجميع وهي تضحك في سعادة، بشرتها بيضاء يتوهج نورها أسفل الضوء وعيناها الواسعة تلمع كالنجوم في سماءها، ضحكتها ترن عاليا تمتزجها صرخات قصيرة تدغدغ القلب، وخلفها تدعي والدتها فشلها في الإمساك بها...

ترقرق الدمع في عينين "برلين " التي كانت تشاهد بقلب يشتاق لتلك اللحظة، فسريعا رسم عقلها ذاك المشهد ولكن كانت هي وصغيرتها بدلا من تلك الأم وصغيرتها، ستكون حينها أسعد امرأة على وجه الأرض، فكيف لها بغير ذلك وهي حينها ستكون ضاممة قطعة من قلبها ...

لاحظ "مينا" شرودها في نقطة ما، وعندما نظر كذلك لهذا المشهد أبتسم، مال نحوها قليلا وهمس قرب أذنها بنبرة حملت أما لهما المنتظرة:

يوما ما هنكون مكانهم، وهنعيش نفس اللحظات دي وهنكون مع بعض ذكريات حلوة أوي، أنا عارف إن خوفك دايما فارض سيطرته عليك وأنا مقدرش ألومك على دا نهائي لأنه حقك، بس هفضل واقف قدامه بالمرصاد وافكرك أن مفيش حاجة مستحيلة، ربنا معانا شايف وعارف وأكيد مش هيسيبنا وسط الخوف والوجع دا كثير، وطول ما أنت مش مأثرة ومنتظمة على علاجك فأكيد هييجي بفايدة قريب.

کیحت "برلين" عبراتها داخل فقلتيها قدر استطاعتها، ولكنها لم تستطع أن تمنع دمعتين من السقوط، في رفعت كلها ومسحتها عن صفحة وجهها وهي تقول بنيرة خافتة:

أنا كويسة متخافش، سرحت بس شوية.

لتم رأسها في حنو وريت فوق ذراعها في رفق وهو يسند رأسه فوق رأسها، فأراد تغییر مجری الحديث عندما قال:

طب بقولك إيه، تحبي تعمل إيه دلوقتي؟ بصراحة أنا حاسس معاهم بأجواء العيد اليوم مختلف عن الأيام العادية فلازم نستغله.

هزت رأسها في حيرة من أمرها وقالت بنبرة هادئة:

مش عارفة بصراحة محتارة تبدأ منين.

وعلى مقربة منهما كانت هناك فتاة محتشمة، ترتدي فستانا بلون اللافندر وحمارًا باللون الأبيض وحدات بنفس اللون كانت تحمل حقيبتها البيضاء على كتفها والابتسامة تعلو ثغرها، وكانت تضع القليل من الزينة الناعمة التي أبرزت معالم وجهها الصغير...

لم تعلم كيف قادتها قدميها نحوهما، وكان قلبها شعر بخزن دفين يسكن قلبها، وقفت أخيرا أمامهما بعد أن ترددت قليلا وقالت بوجه مبتسم بشوش

مساء الخير...

مساء النور.

قالها "مينا" وهو ينظر لها ولم يستطع إنكار هذا الشعور الذي راودة عندما رأها، فلم يتوقع حدثا كهذا، فتابعها عندما رأها تنظر إلى زوجته وتوجه الحديث لها ببسمة بشوشة:

بصراحة أنا كنت مترددة أجي، بس اللي خلاني اتشجع واجيلك نظرة الخزن اللي فعيونك دي. بصي أيا كان اللي مزعلك بالشكل دا إن كان شخص وعزيز على قلبك عاتبيه، طالما في محبة لازم يكون في عتاب، ولو موضوع مأثر عليك نفسها في حلول كتير أوي موجودة علشان نعالجه بيها، تقريبا مفيش أي حاجة بتحصلنا غير ما يكون ليها حلول ... بس عيونك بتقول حاجة ثانية. أعمق بكثير من مجرد شخص، وبصراحة أنا متابعاك من أول ما ظهرتي، وشوفت نظرتك للأم وينتها وإحنا بنفهم بعض من نظرة عين، واللي فعيونك دا شوق لحاجة لسه مخدتيهاش.....

لم تستطع "برلين" أن تنكر حديثها فهي أصابت هدفها ببراعة فائقة دون أن تخيب تهديفها، مدت الفتاة كفها ورثنت على ذراعها وقالت بنبرة هادئة:

عارفة كويس أوي إحساس الحرمان قد إيه ضميت، أنا عارفة الوجع اللي جواكي كويس أوي بس مش عايزاكي تضايقي ولا تخافي كل حاجة بتيجي في وقتها، دايما بقول لأي حد بشوفه متضايقش إن ربنا مأخر عليك حاجة بتتمناها منة بقلبك، هو مش مأخرها عليك من فراغ ولا هو مش شايف وعارف اللي جواه، هو عايزه يتعلم إن الحاجة اللي بتيجي بعد شقاء وصير ووجع مش هيكون سهل الاستهانة بيها أو التفريط فيها ...

لم تيجي وتكون بين أيديك هتحافظ عليها بعيونك وقليك، ومش هتستهيني بوجعها بعد كدا ولا يزعلها، بالعكس هتعملي كل حاجة في سبيل بس إنك تشوفيها قدامك مبسوطة وكويسة هيكون عندك أهم من نفسك مش هيفرقلك حاجة قدها هي مش عايزاكي تزعلي كل حاجة بتحصلنا لسبب مبتعرفهوش غير بعدين، وأنا عن نفسي والله ما هيظل ادعيلك، إن شاء الله قريب أوي ربنا هيكرمك ويرزقك بدل الواحد اثنين ويكونوا توأم كمان.

ابتسم "مينا" الذي نظر إلى زوجته بطرف عينيه، لا يعلم ماذا يقول وكيف سيقول إن أراد التعبير عن ما بداخله، ولكنة التزم الصمت وترك عيناه تقول ما لم يستطع هو البوخ به، بينما زسمت البسمة أخيرا على نغر "برلين" التي شعرت بالمواساة لقلبها المشتاق وشكرتها بنبرة هادلة:

أنا بشكرك من قلبي يجد متعرفيش أنا كنت محتاجة أسمع الكلام دا إزاي، زودتي الأمل جوايا.

ضحكت الفتاة وأجابت بنبرة حنونة قائلة:

ستات وينحس ببعض صدقيني قوليلي بس أسمكم ثنائي علشان وأنا يدعي الدعوة تبقى صح.

نظرت "برلين" إلى زوجها في تلك اللحظة وكأنها تطلب موافقتة أولا قبل أن تقول أي كلمة، في ها هو رأسه في رفق مبديا لها بموافقته، فابتسمت ونظرت إلى الفتاة مجددا وقالت:

برلين فوزي" و "مينا جرجس".

أخرجت دفترها الصغير من حقيبتها ودؤنت الاسمان وبجانبها الدعوة ثم نظرت لهما وقالت مبتسمة:

بجد مبسوطة إلى هؤنت عليكي ولو بجزء صغير، وممكن تقبلوا مني الهدية البسيطة دي....

أخرجت من حقيبتها بطاقتان واحدة باللون الوردي وبها فتاة صغيرة يجاورها ورقة نقدية ملفوفة بعنايها في البطاقة، والأخرى زهرية اللون بها صبي صغير يجاورة نفس الورقة النقدية الملفوفة، تفاجئ كلاهما ولم يبديان ردا حينها، بينما أكملت الفتاة عندما رأت الدهشة على

وجهيهما:

عارفة انكم اتفاجئتوا بس حاجة بسيطة تخلي اليوم مميز وتخليكي تفتكريني بيها فيما بعد.

اتسعت الابتسامة فوق تغر "برلين" التي ضمتها في امتنان شديد تشكرها على فعلها اللطيف. فرحلت الفتاة بعدها وتركت الأخرى تنظر إلى زوجها الذي ابتسم لها وقال:

كدا "برلين" اللي أعرفها رجعت ثاني، تبدأ اليوم بقى ؟

هزت رأسها في حماسة والابتسامة تعلو ثغرها، فأخذها هو ودخلا سويا إلى المول البداية

جديدة، وذكريات أخرى جديدة تحيا.

كان يتفحص ما جاءوا به أحفاده مصدوما مم يراه ويسمعة، بالتأكيد هم يمازحونه ولم يدفعوا هذا المبلغ لأجل تلك الغلب التي لا تأتي شيئا بجانب العام الماضي، التفت إليهم وهو يرمقهم مصدوما وأشار بقوله:

دول بـ ٢٠ ألف و ۲۰۰ بجد ولا بتنصبوا علي؟ أنا عندي تقولولي إنكم نصيتوا علي ولا إن المبلغ دا يتدفع في شوية الكراتين دي.

أجاب " على " على قوله مصححا له:

٢٠ ألف بس يا جدي الـ ۲۰۰ دول تمن الكوكيز اللي اشتراه "يزيد" وهو اللي محاسب عليه يعني ملهوش علاقة بالرقم اللي يجيب شلل نصفي دا.

نظر "ليل " الجد إلى "روزي " التي كانت تقف مثله لا تقدر على قول حرف واحد، بينما أبدا "أشرف" قوله بعد أن استوعب ما قيل لهم:

٢٠ ألف إيه؟ يا جدعان يكونش شوفتوا غلط طيب.

باريت، والله اتمناها بس قسما بالله دا اللي حصل، دا حتى لم شوفنا المبالغ اللي معانا عالكريدت كارد مجابتش المبلغ كامل آخرنا كان ١٥ ألف مننا احنا السنة.

هكذا قال الحفيد الأكبر وهو ينظر إلى جده الذي رمق أخيه في يأس تام دون أن يبدي ردا، بينما تحدث "ليل" الجد موجها كلماته إلى أخيه الأكبر عندما أصبح الأمر واقعا يجب تقبله قائلا في جدية

أشرف" هندي كل واحد فيهم المبلغ اللي اتسحب تحولهم على حساباتهم.

ها " أشرف" رأسه متفهما قول أخيه ثم تحرك بعدها لتلبية مطلبة، بينما جاءت صيحة عالية بنبرة طفولية من أعلى اتجهت الأعين نحوها تلقائيا فإذ بـ "رودينا" تحبو على أطرافها رغبة منها للذهاب لأبيها، وعلى ذكره تحرك سريعا يمنعها قبل أن تنجرف خلف حماستها ...

حملها على ذراعه يلتم خدها الصغير في حنو، تأقل مظهرها اللطيف بعد أن حظت بحمام دافئ وارتدت ثيابها الجديدة وفي الأخير صفقت لها والدتها خصلاتها الناعمة في عقدتين لطيفتين المظهر فأصبحت تشبه القط الصغير، عاد إليهم من جديد فالتقطها "يزيد" الذي كلما رأها أهتز قلبه شوقا لها ...

یا خلائو عالكوتي كوتي بتاعي.

قالها بنبرة حنونة وهو يلتم خدها الصغير مجددا ويلاعيها بلطف كما أعتاد معها، بينما اقترب "عدنان " منه عابس الوجه، فوقف أمامه عاقدا ذراعاه أمام صدره دون أن يتحدث، فلمحة بطرف عينيه وأدرك أنه قد فعل شيئا أحزن هذا الحبيب الصغير، جلس فوق المقعد وشده نحوه في رفق يلتم خده الصغير قائلا:

مال القمر زعلان مني كدا ليه بس.

أشاح الصغير رأسه بعيدا دون أن يجيبه، فايتسم "يزيد" الذي اقترب ملة ولتم خده الصغير قائلا:

ايه يا مان واحد جنب مني ليه ؟ للدرجة دي أنا مزعلك ؟.

يخربيت صراحتك طالع ديش لـ "ليل".

تجاهله "عدنان " الذي رأى أبيه يتابع الأمر برمته من بعيد، في رفض "يزيد" هذا التجاهل في حقه وبدأ يترك قبلاته القصيرة على خديه حتى رلت ضحكة الصغير عاليا تطرب أذانهم، وهكذا قضوا سهرتهم مقا، حتى حل الصباح وبدأت التكبيرات تعلو في كل مكان تقريبا ...

كان "خذيفة" يقف أمام سيارته، يمسح زجاجها مرتديا جلباية الأبيض، وعلى مقربة منه أوقف "ليل " سيارته وترجل منها حيث ارتدي جلبابا كرفيقه تماما حيث استراها له هدية قبل ليلة امس، خرجت "ایسل" في هذا الوقت وهي تحمل صغيرها على ذراعيها، والآخر منشبنا .. فستانها في جلبابه الصغير الذي نقش عليه أسمه بخيوط ذهبية وخط متوسط الحجم...

فتح لها باب المقعد الخلفي فاقتريت هي وجلست في حذر حتى لا يتأذى صغيرها بضربة لا تنتبه هي لها، بينما وقف "عدنان" أمام أبيه وقال مبتسما :

ايه رأيك يا بابا.

حملة "خذيفة " على ذراعه يلتم خده الصغير في حنو ثم قال مبتسقا:

زي القمر يا حبيب بابا، إيه الحلاوة دي كلها الجلابية هناكل منك حالة.

لتم "عدنان" خد أبيه ثم وضع رأسه فوق كتفه وضفه بذراع وكفه الآخر قد استقر على خده دون أن يتحدث، اقترب "يزيد" الذي خرج وبرفقته "روان" التي ارتدت فستانا كيوي اللون يعلوه حجابا بلون بني، وقف ينظر لها مبتسما وهو يقول:

العيد الجاي رسمي هتبقي مراتي خلصت فترة الانتظار دي خلاص وراحت لحالها.

ابتسمت "روان" له واجابته بنبرة هادئة :

الحمد لله، وكل حاجة جاهزة تقريبا، أن صحيح أنت لسه مشوفتش الشقة بعد ما اتركيلها السيراميك.

نظر إليها هو مبتسما وقال بنبرة هادئة

بعد الصلاة هنروح نشوفها سواء أنا اتفقت مع "ليل" وظبطت كل حاجة متقلقيش.

التفت بعدها إلى أخيه بعد أن ناداه وأشار إليه عندما أخبره انه سوف يتحرك بعد أن خرجا والديهما واستقلا السيارة ولم يتبقى غيره، فنظر إليها وأشار لها قائلا:

بينا نتحرك علشان منروحش تلاقي الدنيا زحمة ومتصليش تبقى فيها زعلة دي.

قهقهت "روان" على كلماته ووافقته القول، تركتة واتجهت إلى أخيها الذي كان يتحدث في الهاتف وينتظرهم، تحركت السيارات تباعا خلف بعضها بعضا في طريقهم لإداء الصلاة كما اعتادوا كل عام، بينما هاتف "عمر" الذي استقل السيارة مع ولده أبنته كي يطمئن عليها ويسألها إن كان سيراها أم لا:

يا من عيون "عمر" وحشتيني...

نظر "أحمد" إلى أبيه يطرف عينيه مبتسمًا، فأكمل هو قوله بنبرة لينة حنونة:

طمنيني عليكي يا حبيبة قلبي أنا بخير طول ما أنت كويسة يا حبيبتي...

يا بختك يا بنت المحظوظة، بييجي عندك ويبقى "رشدي أباظة" في ثانية.

هكذا تمتم "أحمد" بنيرة خافتة وهو يقود سيارته في هدوء، تاركا أبيه يدللها كما أعتاد منذ الصفر فالجميع يعلمون جيدا مكانتها الكبيرة في قلبه دونا عن غيرها، وصلوا لمقر الصلاة وضفت السيارات في صف واحد، ترجل "هلال" من السيارة واقترب منها بخطى سريعة ضامما إياها في شوق وهو يقول:

وحشتيني يا حبيبة قلبي، أول سهرة عيد تعدي من غير ما تكوني معانا فيها.

ضمنة "مزيم " مبتسمة الوجه وهي تقول:

وأنت كمان وحشتني أوي يا حبيبي بإذن الله أعوضها لك العيد الجاي..

ترجل "ليل من سيارته وهو يغازل "شهاب" بقوله:

يا حلاوة الحنة البيضة وهي نازلة تتمختر.

قهقه "شهاب" على كلماته فقلص المسافة بينهما وضمه في شوق قائلا:

قلب الحلة البيضة يا واد.

ولجوا بعد ذلك استعدادا لأداء الصلاة التكبيرات تعلو والهدايا توزع على الأطفال في حب اقترب شاب من "خذيفة" وفي يده بطاقات بيضاء مرصوصة بجانب بعضها بعضا، فأوقفه بقوله مبتسقا:

استأذنك تسحب كارت من دول.

نظر إليه "خذيفة " في تعجب من أمره، بينما أوضح له الشاب مبتسما :

كل كارت من دول شايل دعوة مختلفة عن الثانية، ممكن تكون ليك أو لشخص عزيز عليك يستحق الدعوة دي فتكون بشرى للشخص اللي هتكون من نصيبه يعني حتى لو فاقد الأمل والشغف زيدا.

لانت نظرته ورسمت الابتسامة على ثغره عندما أوضح إليه الأمر فرفع ذراعه وسحب واحدا منهم ينظر إلى الدعوة التي تحملها البطاقة:

عسى أن ترزق بطفل يؤنس وحشتك ويشفي جروحك، فلا تيأس فالأمر لا يستحيل ما دام هناك رب المستحيل.

ابتسم ونظر إلى الشاب من جديد وهو لا يعلم كيف تحدث، فدوما يدهش بتخطيط المولى؛ هر رأسه برفق وقال:

سبحان الله الدعوة دي فعلا من نصيب شخص عزيز علي بيتمنى طفل واحد من الدنيا.

اتسعت الابتسامة فوق تغر الشاب الذي لمعت عيناة وقال:

يبقى هي من نصيبه، قوله أبشر وخليه متفائل.

غادر الشاب وتركة يقف مكانه يفكر في الأمر بجدية، ولم يتردد في تصويرها وإرسالها إلى "مينا" مرافقا معها قوله:

أنت ابن حلال و مرزق يا صاحبي والله طلعلي شاب في ساحة الصلاة وخلاني أسحب كارت وطلع معايا الدعوة دي استبشرت خير وأكيد ربنا استجاب دعواتي ليكم، بس كله فمعاده تفائل.

يلا يا بابا علشان نصلي، المكان زحمة.

انتبه إلى صغيره الذي كان يشده وهو يبحث عن مكان كي يصلون فيه، فأغلق هاتفة وحمله على ذراعه قائلا:

متخافش يا عم هنلاقي مكان أهل الخير كثير فأي مكان.

وقف يبحث عن مكان يقف فيه هو وصغيره ولكن يبدو أن المكان قد امتلأ بالمصلين حتى وقف البعض مثله يبحثون عن أماكن فارغة وسط أرض شاغرة، تأقف "عدنان " الذي عقد ذراعاه أمام صدره وقال في ضيق:

شوفت بقى، قولتلك مش هتلاقي مكان.

هتلاقي باذن الله، ولو مصلیناش يبقى مش مكتوبالنا، المهم إن النية كانت حاضرة للصلاة.

قالها "خذيفة" إلى صغيره الذي كان غير راض عم حدث، ولكن عيناه الصغيرة كانت تبحث في إصرار عن مكان فارغ لهما، لاحظ شاب ما من المصلين وقد حضر هذا النقاش بين الأب والأبن. فنظر إلى الصف الذي يقف فيه في وجد مساحات فارغة يأخذها المصلين في مجلسهم فأشار

إليهم بقوله:

بعد إذنكم بس معلش تقفوا وتساوو الصف علشان الصلاة خلاص هتبدأ وفي ناس واقفة مش لاقية مكان وعايزين يصلوا ممكن؟.

ولأن أراء الجميع لا تتوافق مع بعضها هناك من تقبل القول ومنهم من تعقد التجاهل وفي أولى الصفوف أنفسهم أولا قبل الآخرين، فتعجب الشاب من تجاهل البعض وأخذ يضرب كلا بكف وهو يقول:

لا حول ولا قوة إلا بالله الناس اتجننت لدرجة إنهم بقوا يفضلوا نفسهم على فعل الخير...

نظر بعدها إلى "خذيفة" وأشار إليه بعد أن أفسح له مكانا يصلي فيه قائلا:

تعالی يا ابن عمي ضم علينا.

اقترب "خذيفة" بالفعل وأنزل صغيره أرضا يقف إلى جواره وسحب شاب آخر إلى جواره بعد

أن اتسه المكان لهما، فنظر إلى الأول وشكره مبتسفا:

بجد مش عارف أقولك ايه ربنا يجازيك خير يا رب.

أبتسم له الشاب وأجاب قائلا:

على إيه بس ربك إذا أراد.

ونعمة بالله.

مال بعدها نحو صغيره وهو يمازحة بقوله :

ياض ١٠٠ مرة اقولك خلي عندك إيمان أكثر من كدا في ربنا سبحانه وتعالى، فلحظة قلبت بوزك وأديك أهو هتصلی یکش نهدى و مش كل حاجة نقلب بوزنا فيها.

ضحك "عدنان " ولم يرد على حديثه فهو يعلم أن أبيه على حق دوما، أدوا فريضة العيد ككل عام وأخذ كل طفل هديته وسط فرحة وسعادة تغمر القلوب وترسم على وجوههم الضحكة...

عادوا إلى القصر مجددا وبدأت روائح الكعك والبسكويت تنتشر في أرجاء الغرفة، أكواب الشاي بالحليب أعدت في غضون دقائق وفتحت الصناديق وبدأت الكفوف تمتد لتذوق الحلوى، وتلك المزة كانوا جميعا متحدثين ولا أحد مستمع.


انتظروا القادم من الحلقات الخاصة
تعليقات