رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الحادي عشر
"مهما بلغت من المعرفة, ستظل تكتشف المزيد من الخبايا, ومع الأيام ستعرف أنك كُنت أكبر مُغفل, وأن بعض الأسرار لا يصل إليها عقلك مهما كنت ذكيًا"
بعد مرور يومين...
فتحت عينيها فجأة لتجد ضوء النهار قد دلف للغرفة, نظرت لجانبها فلم تجده, مدت كفها تلتقط هاتفها لتجد الساعة تشير إلى التاسعة, وفي نفس اللحظة كانت تسمع دقات خافتة فوق الباب تعلم جيدًا صاحبتها, زفرت وهي تردف بصوتٍ عالٍ:
-صحيت يا صفاء خلاص.
أتاها صوت "صفاء" من خلف الباب يقول:
-الكل على السفرة يا هانم, وشدوى هانم وتيم بيه تحت.
اتسعت عينيها وهي تسمع جملتها, وانتفضت من فوق الفراش راكضة للباب تفتحه بلهفة وهي تسألها:
-شدوى تحت؟!
طالعتها "صفاء" بنظرات متفحصة لوهلة, تطالع "بيجامتها" الزرقاء ذات النصف أكمام باستغراب, فيبدو انها للتو نهضت من فراشها, أي عروس ترتدي ثياب كهذه في رابع يوم لزواجها!
-ايوه تحت, والكل على السفرة.
-تمام روحي انتِ.
وأغلقت الباب في وجهها دون مزيد, عضت على شفتيها بغيظ, ودارت حول نفسها لثواني تغمغم:
-البجحة! جاية تعمل إيه الساعة 9 الصبح! لا ورابع يوم جوازنا كمان!
توقفت ترفع حاجبها الأيسر بتوعد وهو تغمغم:
-تمام, مش هي جاي تتفرج! انا بقى هفرجها كيد الحريم.
واتجهت لخزانتها تفتحها تنتقي افضل ثوب لديها, فلقد وصلتها صفقة كبيرة من الملابس أمس انتقتها هي و "شاهين" , أخرجت فستان اسود مزخرف بورود حمراء صغيرة, واتجهت للحمام حتى تستعد وتبدل ثيابها, خرجت بعد فترة قصيرة, ترتديه لتقف أمام المرآة, تنظر لانعكاسها بابتسامة ثقة, فستان بربع أكمام, وفتحة صدر بسيطة لا تُظهر حتى ترقوتيها, يلتف حول خصرها ببراعة, حتى ينسدل بعدها بنعومة فيصل إلى أسفل ركبتيها بقليل, اتجهت لأدوات زينتها تستخدمها كما تعلمت من تلك السيدة التي ساعدتها يوم الزفاف, انهت زينتها بحمرة شفاه قانية, وصففت شعرها بعناية لتتذكر وشاح رأسها فاتجهت للخزانة تنتقي من بين الكثير أكثر ما يناسب فستانها, ابتسمت وهي تتذكر جملة "شاهين" لها بعد انتهائهم من شراء كل شيء, لينظر لها مرددًا:
"قوليلي بقى اللي بتلبسيه على راسك اسمه ايه, عشان ابحث عنه"
"انا عندي منه"
"مش كفاية, انا عاوزك تجيبي اللي يناسب كل لبسك"
نظرت له بدهشة تسأله:
"نفسي اعرف بتحبه كده ليه؟"
"بيخليكِ مميزة يا فيروز!"
جذبت أحدهم ترتديهِ بعناية, وانتعلت خف منزلي اسود بكعب, وقفت أمام المرآة برضا عن شكلها, رُبما.. بل بالتأكيد مبالغ بهِ كمظهر للصباح, ولكن وجود شدوى يستعدي هذا.
---------------
نزلت درجات السلم وكعب خفها يصدر صوتًا كالنغم, وصلت بخطواتها المتهادية للغرفة, لتجد الجميع يلتفون حول الطاولة, وبدأوا في الطعام, فكالعادة "قوانين ومواعيد فيلا العقرب" لا تنتظر أحد.
-صباح الخير.
قالتها بابتسامة هادئة ليجيبها الجميع عدا غريمتها, وقد راهنت على هذا...
جلست في كرسيها الفارغ جوار "شاهين" ويقابلها الجد, ابتسمت وهي تقترب منهُ في جرأة تقبل وجنته بخفة مرددة:
-صباح الخير يا حبيبي, ازيك يا تيمو؟
وجهت جملتها الأخيرة ل "تميم" الذي يقبع فوق فخذ "شاهين" والذي نظر لها مبتسمًا دون رد.
-صباح النور يا حبيبتي.
رددها "شاهين" بمكر, وهو يعلم جيدًا ما تفعله, ولكن على أي حال سيجاريها بكل سرور.
-مبروك يا فيروز.
صدح صوت "شدوى" لتنظر لها "فيروز" بدهشة مصطنعة:
-إيه ده؟ ام تيم هنا! مخدتش بالي منك خالص, عمومًا الله يبارك فيكِ.
ابتسمت "شدوى" باصطناع:
-اممم, مانتِ تركيزك مع حد تاني, عمومًا ولا يهمك.
لعب المكر في عينيها وهي تقول بخجل مقصود:
-معاكِ حق, تركيزي مع جوزي دايمًا.
كبح "شاهين" ابتسامته وهو يراقب مكرها, يبدو أنه سيكتشف بها جانبًا جديد!
-كنت هطلع اصحيكِ بس شاهين قالي هيبعت صفاء.
رددتها "مديحة" بوجوم, يبدو أنها تعترض على منعه لها من الصعود, فنظرت له لوهلة وهي يُكمل طعامه ويناول الصغير بعض اللقيمات, لتعود لها:
-شاهين مبيحبش يتعبك يا حبيبتي, وبعدين صفاء بتصحي الكل, ما عدا شاهين طبعًا.
قالتها بمرح فلطالما "شاهين" لم يخرج من جناحه لا تقدر "صفاء" على الاقتراب منه.
------------------------
فتح باب الشقة ودلف اولاً يتبعه شقيقه وقال مرحبًا:
-نورت يا منتصر, اتفضل, اتفضلي يا ريهام.
قالها "معاذ" لشقيقه العائد بعد غياب كبير من الاستقرار في أحد دول الخارج مع عائلته, رد "منتصر":
-منورة بوجودك يا معاذ, يلا يا ولاد انطلقوا دي شقة عمكوا يعني شقتي بالضبط.
انطلق الطفلان يركضان في ارجاء الشقة, ليقول "معاذ" بقلق:
-مش شقتكوا اوي يعني.
ضحكت "ريهام" زوجة شقيقه وهي تقول:
-متقلقش يا معاذ الاجازة كلها شهرين, على ما يخلصوا تكون شقتك خِلصت.
ردد بمرح مستسلم:
-عوضي على الله.
--------------------
تململت في جلستها وهي تمرر نظرها بين "شاهين" الذي قرر الذهاب لعمله متأخرًا اليوم ليبقى مع "تيم" قليلاً وخصوصًا أن ليلاً سيذهب مع "مازن" لطلب " ليلى" للزواج, نظرت ل "شدوى" التي لم تُنزل نظرها من على "شاهين" كأنها تشاهد بطلاً سينمائي بغيظ, ومن ثم قالت ل "شاهين" بنبرة محتدة:
-ما تاخد تيم تلعب معاه في الجنينية يا شاهين, الجو بره تحفة, والشمس حلوه لعضم الأطفال.
رفع نظره لها ليرفع حاجبه ساخرًا حين أشارت له برأسها كي يذهب دون جِدال, وللعجب نهض!
ألم يقرر مسايرتها!
فُغر فاه "شدوى" بعدم تصديق, هل نفذ "شاهين" كلامها للتو! هو الذي لم يسمع لأحد يومًا!
ابتسمت "فيروز" وفردت نفسها على الكرسي بغرور:
-اصل شاهين مبيحبش يزعلني, فأي كلمة اقولهاله ينفذها على طول.
-شاهين!
قالتها "شدوى" بصدمة لم تستطيع كبحها, لتؤكد "فيروز":
-طبعًا.. انتِ مش شوفتي قدامك! المهم قوليلي, هو في حد يزور حد بدري كده! سمعت الفترة اللي فاتت إنك كنتِ بتيجي كتير بحجة تيم, يا ترى ورا كل ده إيه؟
تجهمت ملامح "شدوى" وهي تجيب بلا مراوغة:
-متنسيش إن شاهين أبو ابني, يعني ليا فيه زي ما ليكِ فيه, وميغركيش طلاقنا, دي مسألة وقت وكله هيرجع لأصله... عارفه امتى؟ لما يمل منك ويطلقك.
ضحكت "فيروز" بصوت قاصدة:
-لا يبقى هتستني كتير بقى... ألا قوليلي يام تيم, هو انتِ كنتِ بتلفي حوالين جوزي الفترة اللي فاتت ليه؟ عشان يردك؟ هو انتِ نسيتي إن طلاقكوا مينفعش فيه رد! اصله ملمسكيش, ومادام محصلش علاقة شرعية يبقى طلاقه منك ملوش راجعة, غير إنه يتجوزك من اول وجديد..
ذمت شفتيها بأسف مصطنع:
-يعني 7سنين جواز بينكوا مضعفش قدامك في مرة! مأغرتيهوش كست ولا زغللتي عينه ولو مرة! غريبة اوي دي, ده انا في شهرين خليته يلف حوالين نفسه ومبقاش شايف غيري.
-انتِ قليلة الأدب.
قالتها "شدوى" بعدما انتفضت واقفة بغضب لم تتمكن فيه, لتنهض "فيروز" تقف أمامها بتحدي:
-ولسه, ده انا هبقى قليلة الأدب اكتر واكتر, لو فكرتِ تقربي من جوزي, وبلاش تاخدي ابنك حجة, لاحسن وعهد الله ازن على دماغه لحد ما يطعن في شرفه ويتشال من على اسمه, ووقتها الفضيحة مش هتعرفي تداري منها فين, اوعي تفكري إني هسكت زي ماكنت بسكت وانتِ مراته, لا فوقي.. انتِ دلوقتي ملكيش ربع حق في شاهين, لا من بعيد ولا من قريب...
رفعت حاجبها بقوة امرأة تدافع عن حقها:
-رجلك متعتبش الفيلا هنا تاني, وإن كان على ابنك شاهين وقت ما يحب يشوفه هيعرف ازاي يجيبه, وعينك دي تنزل من عليه عشان مقلعهاش لكِ.
اقتربت "شدوى" منها حتى بات وجهها قريبًا من الأخرى وقالت بتحدي وغضب:
-تبقي هبلة لو فاكرة اني بتهدد, او إني هسيبلك حقي فيه, شاهين ابن عمي وجوزي وأبو ابني غصب عن عين اهلك.
-شكلك وحشتك العلقة القديمة.
قالتها "فيروز" بشراسة وهي بالكاد تمنع نفسها من جذبها تحت قدميها, ليقطع المشاحنة صوت "شاهين" الذي رأى المشهد من الخارج وشعر بالجو المشحون بينهما:
-فيروز, تعالى عايزك.
-حاضر يا حبيبي.
قالتها فورًا وهي تسير بدلال تحت نظرات الأخرى المشتعلة, التقط "شاهين" كفها يقول هامسًا:
-اهدي شوية, هتولعي في البيت.
نظرت له بجانب عينيها:
-متخافش هولع فيه وانتَ مش فيه عشان متتأذيش.
-----------------------
-اشرب قهوتك يا منتصر واسكت, هو انتَ لحقت! انتَ لسه واصل يا بني!
قالها "معاذ" بنزق, ليقول "منتصر" وهو يتناول كوب قهوته:
-انا اصلاً نازل مخصوص عشان الموضوع ده, شوف يا معاذ انا قاعد شهرين, مش همشي غير لما اطمن عليك واجوزك.
أردف "معاذ" بنبرة حزن:
-هو مش انا قولتلك على اللي فيها! زمان كنت بتكلمني وانا اتهرب منك, لكن حكيتلك على الحكاية كلها, لسه برضو مصمم تفتح معايا الموضوع ده!
عقب "منتصر" بمنطق:
-يا معاذ انا عرفت الحكاية اه, ومقدر حزنك, لكن يا حبيبي الحياة مبتقفش على حد, وانتَ لازم تستقر ويبقالك عيلة واولاد, معاذ انتَ عندك كام سنه دلوقتي؟
رد بضيق والحديث لا يستسيغه:
- قربت اتم 32.
-طيب يا حبيبي ده وقت مناسب جدًا انك تبني عيلة, وبعدين يعني نورهان الله يرحمها بقالها 9 شهور متوفية, ومكانش في رابط بينكوا عشان توقف حياتك اكتر من كده.
نظر له باستنكار:
-يعني ال9 شهور كفاية ينسوني حب حياتي!
-مش هتنساها يا معاذ, ولو 9سنين..
قالها "منتصر" يقر بحقيقة أكد عليها "معاذ" بداخله وأكمل:
-ومش كل اللي بيقرر يتجوز لازم يكون عن حب, دور على بنت الحلال واتجوز, يمكن مع الوقت تحبها, وحتى لو محصلش, هتحترمها وتتعامل معاها بالحسنى, طب مانا اتجوزت ريهام جواز عقل, لانها كانت انسب واحده ليا, بس دلوقتي في حب بينا, وتفاهم كبير اوي.
-مش جاهز دلوقتي يا منتصر.
-مش بقولك اتجوز بكره! بس على الأقل اخطب قبل ما اسافر, ولو عاوز تقعد سنتين خطوبة مش مشكلة على ما تتقبل البنت.
نظر له "معاذ" بتفحص يسأله:
-في حد في دماغك يا منتصر؟
ابتسم "منتصر" بهدوء:
-ايوه, ومش غريبة عنا, رانيا اخت ريهام.
انتفض واقفًا بعصبية يقول باستنكار:
-رانيا! دي عيلة.
--------------------
نظر في ساعته بنزق لقد تأخر ربع ساعة كاملة عن الموعد المحدد, ليقرر أنه إن تأخر دقائق مماثلة أخرى سيذهب ولن ينتظره, ولكن وقبل أن يفعل رآه يقترب منه وقد دلف من باب المقهى, اقترب الأخير يجلس على الكرسي يقول:
-اتأخرت عليك.
-ربع ساعة, كنت شوية وهمشي.
-لسه زي مانتَ يا مختار, دمك حامي, ومبتستناش.
ابتسم "مختار" ابتسامة هازئة وقال:
-لا وانتَ الصادق بقيت احمى, اصل الزمن بيجري ولو مجريناش معاه هننداس تحت الرجلين.
-عامل إيه مع شاهين؟
سؤال غريب نطقه فجأة, ليسأله "مختار" بتهكم:
-انتَ اللي بتسأل؟ ده انتَ ممدوح يعني شاهين مبيخبيش عليك الهفوة.
أردف "ممدوح" باستنكار:
-انتَ عارف إن شاهين مبيعرفنيش غير اللي على مزاجه, بس عمومًا وصلني الخلاف اللي حصل بينكوا بسبب بنتك.
نفى "مختار" برأسه وقال:
-لا مش عشان كده بس, شاهين اتفرعن, ومش هامه حد ولا بيكبر لحد, واحنا كنا بنتحمل ونصبر, لكن خلاص بقى.. لازم كل حاجه ليها أخر.
ابتسم "ممدوح" بلؤم:
-ما هو ده اللي خلاني اكلمك النهارده عشان نتقابل, شاهين لازم يبقى له أخر.
رفع "مختار" حاجبه بشماته:
-واضح إنك وقعت معاه.
-زي ما قولت, ملوش كبير, واحنا كنا بنسكت زمان لكن خلاص, زمن السكوت ولى.
-وانتَ عاوز يبقى له آخر ازاي؟
قال "ممدوح" بقوة دون تردد:
-شاهين مينفعش يتلعب معاه, ينفع تلعب مع العقرب! ولا لازم خبطه تموته فيها؟
ارتاح وجه "مختار" يؤكد حديثه:
-لو لعبت معاه هيلدغني, ومهما كانت سرعتي هو أسرع, لكن زي ما قولت الضربة القاضية هي الحل.
-بالضبط, شاهين لازم يموت, بس المرادي مش زي الخايب اللي عملها اخر مرة اللي اسمه يسري الصاوي وجت في البت, لأ, المرادي لازم تصيب.
-----------------
في شركة العقرب...
دلف "مازن" لمكتب "شاهين" فوجد "معاذ" بالداخل, ليقول "شاهين" فور رؤيته:
-جيت ليه؟ كنت روح ارتاح شوية عشان مشوار بليل.
جلس أمامها يقول:
-لسه شوية, طلعت من الشغل بدري, قولت اعدي عليكوا, مالك يا معاذ؟
سأله حين لاحظ وجومه, ليعقب "شاهين":
-كنت لسه بسأله قبل ما تدخل, باين عليه الغم.
زفر "معاذ" بخنقة وهو يجيب:
-منتصر رجع الصبح, وكلامه معايا ضايقني شوية.
ودون أن يقول محور الحديث, فهم "شاهين" الأمر, فلطالما أخبره "معاذ" عن حديث "منتصر" حول الزواج, تنهد "شاهين" وقلبه المكلوم ينبض بحزن, يعز عليهِ ما سيقوله لكنه مُلزم أن ينطق بالحق, ومعاذ عزيز لديهِ فيعز عليهِ أن يضيع عمره تحت رماد الماضي:
-اخوك معاه حق يا معاذ...
-يا شاهين...
قاطعه يكمل بحدة:
-اسمعني, لو اختي كانت مكانك كنت هقولها نفس الكلام ده, عمرك مش هيضيع على الماضي, والدنيا مبتقفش, زعلان وحزين وموجوع, ماشي حقك, لكن لازم تدور على حياتك, قبل العمر ما يسرقك وتلاقي نفسك وحيد, منتصر وعيلته مستقرين بره, وانتَ عايش لوحدك, لحد امتى؟ صدقني يا معاذ شعور إن يبقى ليك بيت وست واولاد, شعور حلو.. مينفعش تفوته.
حاول "معاذ" إخراجهم من حالة الحزن التي سيطرت عليهم, وقد ظهر على "مازن" في عينيهِ الدامعة, ليقول بمرح رغم ملامحه الحزينة:
-اوبا, شوف مين بيتكلم عن الست والولاد! شاهين كآبة!
خرج "مازن" من حزنه يقول بغمزة:
-كآبة! لا مسموش كده, انتَ نسيت كنا مسميينه إيه زمان؟
-شاهين الدبش.
خرجت الجملة من صوت رابع انضم لهم, جعل الدهشة تحتل وجوههم, يعقبها الغضب من "شاهين" الذي هتف في "ميرنا" بحدة:
-انتِ ازاي تدخليه من غير إذن؟
ردت مرتبكة:
-والله يا شاهين بيه ان...
-انا دخلت من غير ما استنى إذنها.
اعترف بها "غسان" ليطالعه "شاهين" بغضب, في حين أشار "مازن" ل "ميرنا" كي تخرج, وبقى الأربعة في المواجهة.
-انتَ جاي هنا تعمل إيه؟
-معاذ قابلني امبارح وقالي حاول تصلح علاقتك بشاهين.
قالها "غسان" ببرود, لينتفض "معاذ" بقلق مبتعدًا عن مرمى "شاهين" وهو يهتف في نزق:
-يخربيت اهلك عيل فُضحي, انتَ لسانك ده حلال فيه قطعه.
-اكدب يعني!
رددها في هدوء بارد وهو يجلس على الأريكة البعيدة قليلاً في راحة.
-شاهين انا كلمته عشان مش شايف في داعي للخلاف بينا اكتر من كده, وطالما مازن رجع, يبقى غسان كمان يرجع, مفيش داعي للعداوة.
خرج "مازن" عن صمته يقول:
-معاذ معاه حق, أيًا كان اللي حصل بينكم زمان, رغم إني معرفوش لكن معتقدش يستحق القطيعة دي كلها.
ولأن "شاهين" لن يحبذ ابدًا أن يعرف "مازن" حقيقة المشكلة التي حدثت زمان, هدأ قليلاً, لينتبه ل"غسان" باهتمام حين قال:
-وانا هقدم عربون محبة, وهقولك على سر بتلف حواليه بقالك كتير.
-سر إيه؟
ابتسم "غسان" بلؤم يجيبه:
-تعرف مين منعك توصل ليسري الصاوي بعد ضرب النار عليك انتَ ومراتك؟ وكان بيضلل رجالتك.
احتدت ملامح "شاهين" في تحفز غاضب يسأله:
-مين؟
-نصر العقاد... او نصر المنياوي زي ما مسميينه في المنظمة.
-نصر!
------------------
ليلاً.....
لم تكن أول مرة يتقابل فيها "شاهين" مع "ليلى", فبعد هروبها بعام كان قد وصل لها, لم يكن بحثه عنها لاستعادتها, فما إن خرجت من حياته برغبتها لن تعود لها مهما حدث, لكن بحثه عنها كان رغبًة منه لسماع مبرراتها للهرب, وليثبت لها أن "شاهين المنشاوي" لا يقدر أحد أن يستغفله, حتى وإن هرب لآخر بلاد الدنيا, وانتهى اللقاء بينهما حينها بقول شاهين:
"انا بس حبيت اثبتلك إني لو عاوز اجيبك هجيبك, لكن مفكرتش ارجعك حياتي, ببساطة عشان اللي خرج منها مبيرجعش, عيشي حياتك يا ليلى, لكن بعيد عني, انا عارف إنك بتحبيني, وعقابك إنك تفضلي تحبيني واحنا بينا ابعد من سابع سما"
وقد صدق حينها, عقاب هروبها وقرارها المتهور من وجهة نظره, كان شوقها له, شوقها الذي ورغم معرفتها ب"معتز الجيار" والد طفلها إلا أنها لم تنسى "شاهين", ورُبما ما ساعدها على الخروج قليلاً من قوقعة حبه, هو "إياد" طفلها الحبيب.
و "مازن" كان على علم, فقد حكت له "ليلى" بلقاء "شاهين" بها سابقًا.
-فكي وشك بقى.
قالها "شاهين" وهو يجاور "فيروز" في السيارة بينما "مازن" يجلس في الأمام, لتغمغم من بين أسنانها:
-معرفش إيه لازمة إنك تروح معاه, هو نوغه ما يروح لوحده!
-نوغة! شكرًا يا طنط فيروز.
قالها "مازن" بسخرية من مقعدة الأمامي, لتنظر ل "شاهين" قائلة بصوتٍ عالٍ:
-شاهين لو سمحت انا بكلمك انتَ, متخليش حد تاني يتدخل.
-بس يا مازن.
قالها "شاهين" محذرًا, ليغمغم "مازن" بهمس:
-ولا كأني واكل ورثها, كان اعتراف منيل.
نظر لها "شاهين" يقول بهمس:
-يعني ينفع يروح يتقدم لوحده؟ بعدين متندمنيش إني حكيتلك.
رفعت حاجبها باستهجان:
-حكتلي! انا اللي سألتك إن كانت هي نفس البنت اللي حكالي مازن عنها قبل كده وأكدت نورهان على كلامه بعدين, وقولتلي أه.
-كان ممكن اقولك لأ!
قالها ببساطة, لتزفر بضيق وهي تنظر أمامها صامتة, فسمعته يقول:
-شكلك حلو, الفستان يجنن عليكِ.
و"فيروز" أنثى.. والأنثى لا أحد يفهم تقلباتها.
نظرت له على الفور بابتسامة خجِلة وهي تسأله:
-بجد حلو؟
ابتسم في هدوء وهمس:
-بقولك يجنن!
اتسعت ابتسامتها وطالعت فستانها البني الذي يصل لكاحلها وبهِ فتحة جانبية تبدأ من بعد ركبتيها, وبدون أكمام, فقط حمالة عريضة, ورغم أنه لا يحمل أي نقوش, لكن قصة الصدر الرائعة اعطته تميز, عادت تنظر له وهي تتحسس وشاح رأسها:
-بس حاسه الاسكارف مش لايق خالص مع استايل اللبس.
رفع حاجبه الأيسر بدهشة مصطنعة:
-مين قال! دي يجنن هو كمان.
-وصلنا.
قالها "مازن" بحدة وهو يترجل من السيارة, لتطالعه "فيروز" بغيظ تغمغم:
-شوفت! احنا غلطانين إننا جينا معاه.
----------------------------
بعد قليل... لن تنكر ابدًا أن "ليلى" جميلة, وامرأة انيقة, وهذا ما زاد من إشعال نيران الغيرة بداخل قلبها.
-ما تبصلي هنا وتخليك معايا!
قالتها بهمس وهي تميل عليهِ قليلاً حتى لا يسمعها الجالسين، نظر لها بأعين مستغربة متسائلاً:
_ابص هنا فين!
قطع حديثهما دعوة "ليلى" له لشرب القهوة:
_اشرب قهوتك يا شاهين، بِردت.
ابتسمت "فيروز" باصطناع وهي تقدم كفها لتأخذ الفنجان من فوق الطاولة تناوله له وهي تردد من بين أسنانها:
_اشرب قهوتك يا جوزي.
اردفت كلمتها الأخيرة بصوت عالي وقد نطقتها بتأني، كأنها تثبتها، نظر لها مستغربًا افعالها، ومظهرها الذي يوحي بأنها لا تتقبل الجلسة ابدًا..
_المهم يا ليلى، أي طلب ليكِ قوليه ل....
تدخلت "فيروز" بابتسامتها الغير مريحة تقول:
_لمازن... قوليه لمازن وهو مش هيتأخر عنك اكيد... مش كده؟
قالت آخر جملة لها وهي تنظر ل"شاهين" ببراءة، فمال "مازن" يهمس له بضحك مكبوت:
_مراتك غيرانة..
_اكيد لأ!
قالها بصدمة من أن يصدق قول أخيه، سمعت هي جملة "مازن" فتدخلت برأسها تقول بحدة:
_خليك في حالك...
واكملت وهي تنظر ل" شاهين" بنفس نظرتها وبصوت هامس حرصت ألا يصل ذلك المتطفل أخيه:
_اه غيرانة... مغيرش ازاي يعني وانتَ قاعد مع حبيبتك القديمة واللي كان بينكوا مشروع جواز..!
رفع حاجبه مستنكرًا:
_احنا جايين نخطبها لاخويا!
رفعت كتفها بلامبالاة:
_حتى لو... وخلص القعدة دي بقى عشان جنونتي متطلعش هنا، وابوظلكوا الجوازة، انا على أخري..
-ممكن أتكلم مع فيروز على انفراد.
خرج صوت "ليلى" من بينهم, لتنظر لها "فيروز" في قلق, لكن "شاهين" حثها على النهوض معها, وهو يعلم فيما تريدها "ليلى"
وبعد قليل.. في شرفة المنزل كانت تبدأ "ليلى" الحديث:
-غيرانة مني على جوزك؟
ردت "فيروز" بصدق:
-اكيد مش سهل اتقبل الموضوع.
-معاكي حق مش سهل, بس انا دلوقتي هكون مرات اخوه, يعني مينفعش ابدًا تفكري فينا بالشكل ده, لان الحياة مش هتمشي بينا كده ابدًا, لازم تتأكدي إني لا انا ولا شاهين بقينا نحمل أي مشاعر تجاه بعض, انا اتجوزت معتز أبو ابني, وخلفت منه, فأكيد انا مكنتش مع راجل وبفكر في غيره! وهو كمان اتجوزك, ودلوقتي هتجوز اخوه, فمفيش داعي لقلقك يا فيروز.. واعتقد في حد تاني أولى تقلقي منه.
-شدوى الكلب.
رددتها "فيروز" بتوعد, لتنطلق ضحكات "ليلى" غير مصدقة اللقب الذي اطلقته عليها, فضحكت معها "فيروز" مبررة:
-غيظاني, انا مشوفتش تناحة كده, بجحة موت, وتقف في وشي وتقولي ليا حق فيه وهاخده منك.
-شوفتي يبقى أولى تركزي معاها.
-اركز بس! ده انا عيني مفنجلة, قال تاخده قال ده انا اخد روحها قبلها.
-وانا ممكن اساعدك بالأفكار لو حبيتي.
نظرت لها "فيروز" بتقييم:
-ليكِ في كيد النسا؟
رفعت حاجبها بمكر:
-هو في ست ملهاش!
صافحتها "فيروز" بحرارة تقول مبتسمة:
-يبقى على بركة الله, مبروك يا سلفتي.
----------------
-آه...
قالها "شاهين" وهو يشعر بها فوق ظهره فور دلوفهم الغرفة, لا يعرف كيف استطاعت الوصول إليهِ هكذا! لكنه أرجع ذراعيهِ للوراء يحيطها كي لا تسقط, لكن الحمقاء تتمادى وقد بدأت تضرب كتفه بقبضتها صارخة:
-بقى البت عماله تتجنبك عشان متضايقنيش وانتَ عمال تفتح معاها كلام وحوارات! إيه وحشك الكلام معاها.
-انتِ مجنونة يا بنتِ! احنا مش كنا بنتكلم على تجهيزات الفرح.
-وانتَ مالك؟ هو انتَ العريس! ما تتكلم معاه هو.
-فيروز انزلي وبطلي جنان, عشان متزعليش.
رددها بتحذير, لكنها لم تهتم, وهي تُكمل ضرباتها بغضب:
-وكمان المبقعة بتاعت الصبح إيه اللي جابها ها؟ وقاعد معاها تفطر ولا على بالك بدل ما تقول قدامها هطلع اشوف مراتي حبيبتي مبفطرش من غيرها.
طفح كيله من ضرباتها التي تستفزه, واتجه بها للسرير يلقيها فوقه بعنف تحت صرختها المخضوضة, وقبل أن تأخذ أي رد فعل كان يميل عليها يمسك ذراعيها بإحكام وهو يحذرها بعينيهِ قبل لسانه:
-اولاً لو اللي عملتيه دلوقتي اتكرر تاني هكسرلك ايدك, ودي معنديش فيها هزار يا فيروز, تمدي ايدك سواء بجد او بهزار لأ, سامعه؟
ابتلعت ريقها بوجل تسأله:
-هتكسر ايدي بجد؟
-زي ما نتِ متحبنيش امد ايدي عليكِ انتِ كمان متعمليهاش, لأني مش هتقبلها حتى لو بتهزري.
رمشت بعينيها صامتة بقلق, فأكمل:
-وليلى انا كنت برتب معاها لأني ناوي اعمل فرح مازن على حسابي, هديه مني له, وكلامي معها كان عادي جدًا انتِ اللي بتأفوري, وبعدين ما هي اتكلمت معاكِ وشرحتلك وضعنا, يعني تعاملك معاها إنها مرات مازن وبس.
-وشدوى؟
سألته بتحفز, ليجيبها:
-شدوى ام ابني, ومفيش علاقة بتجمعنا غير كده, والفطار انتِ عارفه إنه له ميعاد محدش بيستنى حد فيه زيه زي باقي مواعيد البيت هنا.
انتفضت بشراسة جالسة تزيح جسده عنها بقوة لم تمكنها منه لكنه اعتدل برغبته, وانفعلت بدموع سكنت عينيها:
-مش ابنك.. ولا انا مضطرة اتحمل الوضع السخيف ده كتير, واقولك على حاجه بقى, ولا هقبل ان لو بقالي ابن منك يبقى له أخ مزور, عيالي هيبقوا هم بس ولادك يا شاهين, اللي انتَ عملته ده حرام ومينفعش, وانا مش هقبل بيه, لازم تطعن في نسب الواد ده وتشيله من على اسمك.
----------------
في شقة شدوى...
-وانتِ إيه اللي وداكِ هناك, انتِ غاوية تحرقي دمك؟
قالها "سيف" وهو يجلس فوق الأريكة باسترخاء تام, ينفث دخان سيجارته في هدوء, وكفه الأخر يحمل كأس مُنكر, و "شدوى" تتحرك أمامه ذهابًا وإيابًا, وكأنها تتلوى فوق الجمر:
-هتجنن يا سيف, بقى بت متسواش زي دي تقف في وشي وتقولي كل الكلام ده! لا مش هسكت, والله ما هسكت, البت دي لازم تتمحي من على وش الدنيا.
-هتقتليها؟
نظرت له بأعين تلمع بشر:
-وليه لأ.
نهض يقترب منها حتى بات أمامها وقال:
-بس شاهين مش هيسكت, وهتحطي نفسك معاه في خطر.
-وشاهين مش هيعرف إني وراها, هخلي بابا يساعدنا, هو له عفاريته.
أمال رأسه وهو يضع الكأس فوق الطاولة يقول:
-معاكِ حق, بابا يقدر يعملها ويطلع منها زي الشعرة من العجين, اصلاً ده شغلهم.
اعتدل يقترب منها ويحاوط خصرها بذراعه بينما ارتكزت رأسه فوق كتفها يقول بهمس:
-المهم, تيم نام؟
ردت بشرود وهي تفكر في طريقة للتخلص من الأخرى:
-ايوه.
انتبهت على لمساته لها, لتنظر لها بجانب عينيها فرفع وجهه لها بتودد:
-طب إيه؟ وحشتيني.
واقترب منها أكثر لتضع كفها على صدره توقفه بملامح واجمه:
-مش في المود خالص يا سيف النهاردة, البت دي عكننت عليا.
شهقت حين حملها فجأة يقول بهمس:
-طب ده عيب في حقي اسيبك مش في المود, انا هخرجك منه حالاً..
ودلف لغرفتها الخاصة مغلقًا الباب خلفه بقدمه...
