رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الثاني عشر 12 بقلم ناهد خالد


 رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الثاني عشر 

منذُ الأمس وهو يتجاهلها, وهي غاضبة, لذا الوضع بينهما ليس على أفضل حال, انتهى الفطار في صمت مطبق من كلاهما, لم يقطعه سوى بعض الجمل القصير بين الجد و "مازن" حول زواج الأخير, همست لها "مديحة" الجالسة جوارها:
-مالك؟ في حاجه حصلت بينكم؟ 

أجابتها همسها:
-لأ, عادي يعني هيكون حصل إيه؟ 

-مش عارفة حاسه وشك مقلوب. 

تهربت تقول:
-عندي صداع من وقت ما صحيت. 

كان يستمع لحديثهما, ولم يعجبه ابدًا مراقبة "مديحة" لكل شاردة وواردة بينهما, فأحب أن يثبت لها عكس توقعاتها حين نهض يقول:
-فيروز, خلصي فطارك وحصليني على المكتب. 

اومأت برأسها صامتة, وقد شعرت بالفعل بوجع رأس سخيف يغزوها من كثرة تفكيرها أمس وغضبها الذي حفزه برده, انهت فطارها ولحقت بهِ. دلفت الغرفة بخطوات باردة, ووقفت أمام مكتبه تسأله:
-عاوزني في إيه؟ 

نظر لها في صمت لثواني وعيناه تنظر لها بطريقة اربكتها, حتى عطف عليها وبدأ قوله:
-المفروض انتِ اللي عاوزاني مش انا.

قطبت ما بين حاجبيها باستغراب:
-انا؟ مش فاهمة! هعوزك في إيه؟ 

رد ببرود وثقة أغاظتها:
-إنك تصالحيني مثلاً. 

رفعت حاجبها الأيسر باستهجان وقالت مستخفة بجملته:
-والله! انا اللي اصالحك؟ ليه هو مين اللي هب فيا وكلمني كأني عدوه له بيهددها وسابها وقام؟ 

وكأنه لم يسمعها حين قال:
-انتِ اللي تصالحيني عشان طريقتك اللي اتكلمتِ بيها مكانتش لطيفة, ده غير تدخلك في امر ميخصكيش, وبتأمريني كمان انفذ كلامك.

تعنتت وهي ترفع رأسها بإصرار:
-لا يخصني, وانا لسه عند كلامي يا شاهين, انا مش هقبل بالواد ده يفضل على اسمك وهو مش ابنك, ولا هقبل يكون اخ لابني ولا بنتي ويشاركهم حياتهم وابوهم وهو ملوش أي حق في ده. 

نظر لها بتمعن يسألها:
-ولو قولت اخبطي دماغك في الحيط, والوضع هيفضل زي ما هو, والموضوع ده يخصني انا وبس.. هتقولي إيه؟ 

نظرة عتاب قاسية اول ما رمتها بهِ, تبعها هدوء في سحابة مقلتيها ودموع طفيفة بدأت تغزوها وعقلها متردد, حائر, لا يعرف بِمَ عليها أن تجيب, لكن في الأخير رفعت رأسها بكبرياء زائف تقول بصوت مرتعش:
-هقولك يبقى تطلقني.. 

لم تأخذ منهُ رد فعل لحظي, بل صمت تام لعدة ثواني خرج منهُ يأمرها بهدوء:
-قربي يا فيروز. 

ولغبائها ظنته سيراضيها!
فاقتربت بملامح واجمة ورأس شامخة تعلن إنها عاصية وغاضبة, حتى دارت حول المكتب وأصبحت أمامه فاستندت على حرفه دون أن تقترب أكثر, ابتلعت ريقها بتوتر غزاها فجأة حين نهض واقفًا أمامها بجسده الذي يمكنه سحق جسدها في لحظات, مد كف يده يلمس وجنتها اليمنى في هدوء ولطف, ونزل بكفه حتى وصل لكف يدها فقبض عليهِ في نفس اللطف, لم يحيد بنظره عن عينيها وهو يلمسها بهذه الطريقة التي جعلت قلبها كالمطرقة, وأنفاسها محبوسة بصدرها تأبى التحرر, آنت بألم فجأة حين شعرت بكفها يُسحق في قبضته, وأصابعها تكاد تُكسر, نظرت لكفها بأعين متسعة وهي تنتفض معتدلة في وقفتها لتجده يثني أصابع كفها الرقيقة للخلف بطريقة مؤلمة, أدمعت عيناها فورًا وهي تنظر لعينيهِ ناوية الحديث, لكنها صمتت أمام نظرته الشرسة التي تنم عن الشر, واقترب برأسه منها بابتسامة صغيرة مجرمة:

-عارفه إيه اكتر حاجه بكرهها في حياتي؟ التمادي.. عشان ما قولت بلاش اجبرك تعامليني زي ما الكل بيعاملني, وعشان ما قدرت إننا متجوزين ومينفعش تكون معاملتنا ميري.. ونظير ما عدتلك حاجات عملتيها وتهاونت معاكِ اليومين اللي فاتوا, اتماديتِ يا فيروز.. 

-ايدي...

قالتها بألم حقيقي لا تحتمله لكنه لم يخفف من قبضته ابدًا وأكمل بجسده المتشنج:
-وانا اقدر ارجعك تتعاملي معايا ميري اكتر من الأول بكتير, اقدر اخليكِ متقدريش ترفعي عينك في عيني حتى... بس انا برضو مش عاوز اعمل كده, عشان اقسملك باللي خلقنا لو عملتها لتكرهي عيشتك معايا... لا عيشتك كلها. 

-سيب ايدي!
قالتها بنبرة صارخة وهي تمنع دموعها بالكاد, لن تنهار امامه, هي كما اخبرته سابقًا لا تبكي أمام أحد.

-اولاً, طريقتك تتعدل معايا, وطول مانتِ بتكلميني حطي في راسك دي...

قالها وهو يضرب رأسها بكف يده الأخر بقوة ردتها للخلف تحت نظراتها المشوشة بدموعها..

-إني شاهين المنشاوي.. العقرب, اللي مهما كنتِ قريبة مني مش هسمحلك تقلي مني, او تتكلمي بطريقة متعجبنيش, فكلامك يبقى بحساب.. ثانيًا, انا محدش يؤمرني اعمل إيه ومعملش إيه, والموضوع اللي اقولك متتكلميش فيه يبقى يتقفل ضبة ومفتاح.. 

-سيب ايدي يا شاهين.

كانت نبرتها مختنقة وبالكاد تمنع نفسها من البكاء, وهو لا يأبه ابدًا... بل زاد ضغطه على أصابعها فجعلها ترتفع بجسدها تلقائيًا على اطراف اصابعها من الألم.. 

أردف بنبرة ساخرة بقسوة: 
-وطلاق إيه اللي بتطلبيه! مش لما اتجوزك الأول ابقى اطلقك, وخدي بالك الموضوع ده كمان انا معديه بمزاجي.. مش ست اللي هتمنعني عنها بمزاجها, نهايته..

خفف من ضغطه على أصابعها فعادت تثبت أرضًا وهي تشعر بتنميل يضرب كفها بأكمله.
-كلمة طلاق دي متعديش على بالك حتى, صدقيني ده اول وآخر تحذير ليكِ, عشان متضطرنيش اقطعلك لسانك وانا مبهزرش. 

وحرر كفها, ودون أي رد فعل كانت تستدير في نية للذهاب, لولا أنه امسك ذراعها يوقفها يقول:
-ثالثًا.. انا مأذنتش لكِ تمشي, ولما ابقى بكلمك متتحركيش غير لما انا اقولك. 

لم ترفع عينيها له, وقفت ونظراتها مثبتة على الأرض, لا تطيق النظر له, ومع ألم أصابعها تزداد مقتًا له.. 

-بصيلي يا فيروز. 

قالها بنبرة هادئة, فرفعت نظرها طواعية, كأن وجهه الذي رأته منذُ قليل جعلها لا تراجعه في كلمة. 

تنهد بضيق أطبق على صدره حين رأى نظراتها الحزينة, ودموعها الطفيفة, يعلم أنه قسى عليها من وجهة نظرها... لكن إن علمته حقًا ستعلم أن ما فعله الآن أقل الطرق رِفقًا.. 

-غلطانة ولا لأ يا فيروز؟ 

وهل يريدها أن تعترف بخطئها؟ أن تخبره بأنها تستحق ما فعله؟ كانت ستجيب قطعًا بلا, ولكن هدأت قليلاً وفكرت, كيف تهورت هكذا؟ "شاهين" ليس الشخص الذي يُعاند ابدًا, شخصيته لا ينفع معها الصِدام, هو يحتاج معاملة ذكية, وحكيمة, وستجني ثمارها بكل تأكيد, وهذا ما كانت تتبعه.. إذًا ما داهاها انحرفت عن طريقها الصحيح؟ لكنها تعلم ما داهاها جيدًا.. تلك الشمطاء أخرجتها عن طور هدوئها وحنكتها... 

أردفت بصوت منخفض: 
-انتَ متعرفش شدوى قالتلي إيه يوم ما كانت هنا, كانت واقفة قدامي بكل بجاحة بتتحداني إنها هتاخدك مني, بتقولي إني نزوة هاخد معاك كام يوم وهترميني ووقتها هترجعلها, ما هي ام ابنك, قولي.. شعورك هيكون إيه لو واحد واقف في... 

قاطعها لأنه لا يريد حتى التخيل وقال:
-متكمليش, اكيد ميرضنيش اللي قالته, ومقدر احساسك, واي حاجة هتعمليها في شدوى انا مش هتدخل, بس موضوع تيم... 

تنهدت تقول:
-موضوع تيم حرام... شرعًا حرام, سيبك من احساسي وكلامي, يا شاهين لما حد بيتبنى طفل يتيم حرام يكتبه باسمه! انتَ كاتب عيل مش ابنك باسمك, وامه عارفه مين ابوه ورافضه تقول, خلاص تشيل هي شيلته.. وراعي احساسي, اللي مش محتاجه اوصفه. 

-تيم مش ذنبه حاجه عشان يبقى مجهول الهوية, ومن يوم ما اتولد وانا بعامله زي ابني و...

-ايًا كانت مشاعرك ناحيته, شرع ربنا مبيتجزئش يا شاهين, وحكاية مجهول الهوية دي امه تشيل ذنبه, لانها عارفه مين ابوه الحقيقي, ولو حابه تعرفك وانتَ تقف معاها لحد ما تثبت نسبه اكيد مش هتتأخر. 

-سبيني افكر. 

قالها بهدوء جعلها ترتاح لكونه تقبل الأمر مبدئيًا, اجفلت على كفه الذي عاد يمسك كفها في حنان, ومسد بأصابعه على أصابعها وهو يغمغم:
-بيوجعوكي؟ 

-كنت هتكسرهم.

اشتكت له من عنفه معها, فرفع كفها لفمه يطبع قبلة عميقة في باطنه جعلتها تهتز داخليًا, ومشاعرها تطغو أكثر, رفع عينيهِ لها يقول بتحذير:
-مش هحب اوجعك.. بس متخلنيش أوصل لده يا فيروز, انتِ اللي بايدك توصليني لكده وانتِ اللي بايدك تخلي الأمور بينا اهدى واحسن. 

علمت أنه مُحق, "شاهين" العقرب, الذي يخشاه الجميع, سهل ترويضه, هذا ما اكتشفته, قليل من الذكاء وقليل من الحنكة, وكثير من الحكمة, ستعرف كيف تكسبه لصفها دومًا.

لذا لم تتردد وهي تقترب ببطء تسند رأسها على صدره الصلب وتحاوطه بذراعيها بينما تقول شاكية:
-وانتَ متقساش عليا, عشان انا المفروض ميكونش ليا آمان ولا ضهر غيرك, المفروض اتدارى فيك من الدنيا. 

حاوطها بكافة مشاعره, وشدد على احتضانها مغمضٍ عينيهِ بنشوة لذيذة من كلماتها التي تغزي رجولته, وتعزز حقيقة كونه رجلها الأوحد. 

همس بحيرة حقيقية, ووجه يلامس عنقها:
-انتِ بتعملي فيا إيه؟ 

ابتعدت رغم تذمره الواضح, وكأنه أراد ان يبقى هكذا لأعوام, ونظرت له بأعين عابثة:
-هكون بعمل إيه؟ ده انتَ حتى مبتعرفش تحب! 

أغمض عيناه بضيق وهو ينطق بسبة غير مهذبة ابدًا:
-**** ام دي جملة اتقالت.

-شاهين!
نهرته بأعين محذرة بأن ينتقي الفاظه, ليهز رأسه بعدم رضى:
-ما مش كل شوية تكرريلي الجملة! المهم بقولك إيه..

-قول.

قالتها باهتمام, ظنًا منها أنه سيخبرها بأمر يستحق, لكنها صُدمت حين وجدته يجذبها له فجأة حتى التصقت بهِ, واقترب هامسًا أمام شفتيها:
-انا عارف إني في حظر تجوال.. بس ده ميمنعش من تجاوز بسيط.. 

ولم يعطيها فرصة لأي اعتراض, وغزوه لها كان غير عادل بالمرة, فلقد جعل مشاعرها تتدفق اكثر, جعلها تهوى بهِ اكثر, وهذا تحديدًا ما خشته من أي قُرب بينهما, خشت أن تقع صريعة لهواه فيكن أي بُعد جديد بينهما قاتلاً هذه المرة. 

لم يكن فعله نابعًا من شهوته كرجل, بل كان يريد أن يختبر شيء بداخله, شيء فهمه جيدًا بعد اقترابه البسيط منها!

------------------------ 
-إيه ده انتِ بتعملي إيه؟

قالها "مجد" وهو يدلف للمطبخ بعد أن سمع صوت بهِ, ليبصر "أمل" تقف تجهز الطعام, التفت له بتعب واضح على وجهها, وبإرهاق أجابت:
-مفيش بجهز الغدا.

جذبها برفق من ذراعها بينما يقول بحدة:
-تعالي اقعدي يا امل, غدا إيه؟ انتِ مش شايفه نفسك تعبانه ازاي!؟

   اعترضت وهي تسير معه خارج المطبخ:
-والغدا؟ عشان عمي شاكر كمان م...

رد وهو يجلسها فوق الأريكة:
-انا هعمل الغدا يا ستي متشغليش بالك.

ذمت شفتيها بضيق:
-يعني اتجوزت عشان ترتاح من عمايل الغدا وبرضو تعمله؟ 

جثى على ركبتيهِ أمامها يقول بابتسامة صافية:
-يعني انا راجل معنديش دم عشان اشوفك تعبانه واسيبك تعملي الاكل برضو؟ بعدين هي الدنيا كده يوم ليا ويوم ليكي. 

-بتعرف تعمل محشي؟ 

سألته بتلاعب, ليرفع حاجبيهِ بدهشة كأنها قللت منه, وقال:
-بعرف اعمل محشي! ده انا عليا لفة صُباع ولا لفة سيجارة الحشيش. 

رفعت حاجبها بخطر:
-وانتَ عرفت لفة سيجارة الحشيش منين يا مجد؟

ابتسم في توتر مقصود:
-وانا هعرفها منين يا حبيبتي, بهزر.

اطرب أذنيها بكلمته الودودة, المحببة, حتى وإن لم يقصدها ولكنه لم يقولها سابقًا ولو من باب التودد, وها هو قالها الآن إذًا لقد بدأ يظهر الود بينهما. 

-طب قوم يلا, المحشي بياخد وقت, وانا تعبانة ولازم اتغذى.

نهض يقول وهو يدلف للمطبخ:
-هعمل اللحمة الأول واغرفلك طبق شوربة وعليه لمونة تطرد البرد ده. 

وقف قبل أن يدلف للمطبخ والتف لها يعرض عليها:
-ما تيجي معايا تسليني.

طالعته باستغراب:
-اسليك؟ هو انتَ رايح تطبخ ولا رايح تعمل إيه؟

-تعالي بس اقعدي على الكرسي جوه سليني لاحسن بزهق. 
قالها وهو يشير لها لتحلقه. 

غمغمت بتعجب وهي تنهض بإرهاق:
-ما كنت طبخت انا اسهل! 
------------------------ 
في المقابر...

جلس أمام القبر ينظر للقطعة الرخامية المُدون عليها اسمها, بوجع يحرق روحه, مازال لا يصدق الصدمة, مازال لم يستوعب الأمر, رغم إنه يرى اسمها مُدون أمام عينيهِ لكنه يشكك, يشكك في الأمر بِرمته, عقله يرفض التصديق, رغم وجع قلبه, وحرقة روحه, كيف نقتنع أن حبيبًا لم يعد في دُنيانا؟ كيف نصدق أنه لم يعد معنا في هذه الحياة؟ لن نراه ثانيًة, ولن نسمع صوته, لن نستطيع لمسه, ولم يعد في الأماكن التي اعتدنا على رؤيته بها, ترك كل شيء ورحل... وتركنا! 

-محدش مقدر احساسي, محدش فاهم الموضوع صعب عليا ازاي, بس اكيد انتِ فاهمه, إن كانوا صح ولا غلط, مش ده المهم, المهم إني مش قادر اعمل اللي بيطلبوه مني. 

-واللي بنطلبه منك لمصلحتك. 

سمع صوت "شاهين" من خلفه, فالتفت له ليُكمل بينما عيناه مُسلطة على القبر بوجه حزين قليلاً ما يظهر عليهِ المشاعر:
-الدنيا مبتجيش بالمزاج يا معاذ, في أمور لازم نجبر نفسنا عليها عشان هي الصح, والصح بيقول إنك تستقر وتشوف حياتك, مش قادر.. اجبر نفسك. 

-وذنبها إيه اللي هتكون معايا؟ ذنبها إيه أكون مجبور عليها.

-مش هتظلمها, ولو حسيت نفسك ظالمها سيبها, اومال اخوك قالك على فترة خطوبة ليه! 

-انتَ واقف هنا وبتتكلم كده؟ 

كان يقصد وقوفه أمام القبر, وكأنه ينبهه لوجودها, فذم شفتيهِ في أسى:
-ومين عارف, ما يمكن الميتين بيعرفوا كل حاجه حتى لو مش بنقولها قدامهم, ده عالم غامض محدش يعرف عنه حاجه, ومهما قالوا ده اجتهاد والغيب اكبر بكتير. 

-انتَ كنت عارف إني هنا؟ 

نفى برأسه:
-ابدًا, انا بعدي كل يوم وانا رايح الشغل. 

-بقولك إيه غسان كلمني امبارح, كان عاوز يعرف مني عملت إيه مع نصر.

رد بضيق:
-وهو بروح امه مش عمل عمله الوطني وبلغني الخبر, إيه دخله في اللي هعمله؟

حدقه "معاذ" بتهكم وأجابه:
-أصل قالي شاهين متهور وهيودي نفسه في داهية, قلقان تروح تعمل مصيبة مع نصر.

رمقه "شاهين" بجانب عينيهِ مشككًا:
-قالك متهور! 

أقر "معاذ" ضاحكًا:
-بصراحة.. قالي تور هايج. 

قضم شفته السفلى بغيظ:
-مانا عارف ابن ***, لسانه أطول منه, بس اقولك هو معاه حق, انا فعلاً تور هايج, وهفرج نصر المنياوي التور لما بيهيج بيعمل إيه. 

-ربنا يستر. 
رددها "معاذ" بقلق, وهو يدرك أن القادم ليس خيرًا. 

----------- 
نزلت درجات السلم الداخلي سريعًا, وبحثت بعينيها عنه حتى وجدته يدلف من باب الفيلا, كانت قد سمعت صوت سيارته فعملت بوصوله, ركضت له تقابله تحت نظراته المستغربة وفور وصولها له سألها:
-في إيه؟ 

همست وهي تقترب منه أكثر:
-لاقيت تليفون في اوضتنا فوق, وتحته جواب إني افتح التليفون واتصل على الرقم المتسجل فيه. 

كانت نبرتها خائفة, ومتوترة, جعلته يبتسم لها في هدوء مربطًا على كتفيها:
-مفيش داعي تقلقي, كله هيخلص دلوقتي.

قطبت ما بين حاجبيها بعدم فهم:
-دلوقتي؟ 

ودون كلمة سحبها معه لذلك المكان الذي قضت فيهِ ليلة من أسوء ليالي حياتها, القبو المخيف, الذي كلما مرت على باب الدخول إليهِ ارتجف جسدها لذكرى مرعبة بالنسبة لها, وتوقفت قدميها تلقائيًا تثبت نفسها أرضًا هامسة:
-لأ. 

شعر بها وعرف العقدة التي تكونت لديها من هذا المكان, التف لها نصف التفاته يطمئنها:
-ده مكان في بيتك يا فيروز, مينفعش تفضلي خايفة منه, لازم تمحي أي ذكرى وحشة له جواكِ, وبعدين انا معاكِ اطمني, وكل اللي تحت دول ميقدروش يرفعوا عينهم فيكِ. 

-عارفه, بس بتخنق لما بشوفه.

همست بها مضطربة, ليجذبها حتى أصبحت موازية له وضم جسدها في حنو يهمس:
-مينفعش مرات العقرب تكون بتخاف من حاجة, ده انتِ لازملك دروس مكثفة معايا, لازم قلبك يبقى ميت. 

تنهدت بقوة, محاولة طرد مخاوفها, فقد صدق, لا ينبغي عليها الخوف من ثمة شيء, فهو معها.. وحتى من دونه, فلقد دلفت حياة محفوفة بالمخاطر فيجب عليها التصدي جيدًا, والتأقلم. 

-تمام, يلا. 
همست بها رغم ترددها, ليبتسم وهو يكمل سيره بها:
-شطورة. 

------------------ 
بالقبو... 
وصلت لمنتصفه, وقلبها يضرب صدرها بقوة عاصفة, تغمض عينيها من حين لآخر لا تريد تذكر ما عاشته هُنا, صراخها وخوفها, وصراخ الآخرين, نظرت للفتاة المقيدة في كرسي خشبي بمنتصف المكان وقد كانت إحدى الخادمات, رأتها مرات قليلة لأن عملها في تنظيف المنزل ليس إلا, كانت باكية, وجهها متورم, وشعرها مشعث, يبدو أنها تعرضت لضرب مبرح.. 

-هي يا باشا اللي بتدخل جناح حضرتك وبتحط فيه الرسايل, وأخرهم التليفون اللي حطته من ساعة. 

صرخت الفتاة وهي تترجاه:
-ارحمني.. ابوس ايدك يا باشا ارحمني, والله كان غصب عني, هددني لو ما عملتش اللي قالي عليه هيقتلني.. 

سألها بفحيح مخيف:
-وانا هعمل إيه؟ 

قالت باكية بقلة حيلة:
-انا عارفه إن سعادتك هتقتلني.. بس اللي خلاني اساعده إنه قالي الهانم متفقة معاه, يعني هي...

-اخرسي.

جهر بها بصوت افزعها وافزع "فيروز" التي انتفضت بتوجس.
-انتِ عارفه عقوبة الخاين عندي إيه, اكيد عارفة.. مانتِ بقالك 4 سنين هنا, وكل اللي دخل بيتي عرف قوانينه. 

-لا... لالا..ابوس ايدك لا...

-مرسي, انتَ عارف انتَ هتعمل إيه. 

قالها بقتامة واضحة, ليرد "مرسي" فورًا:
-عارف يا باشا, وعرفت كمان مين وراها. 

-هي شافته؟ 

نفى برأسه يقول بابتسامة ماكرة:
-لـأ, بس قدرنا نوصل لكاميرا صورته يوم ما قابل الهانم, ورغم إن معظم وشه مكانش باين لكن عرفته. 

-يسري الصاوي؟

سأله "شاهين" في توقع ثعلبي, ليهز "مرسي" رأسه بإيجاب مُثنيًا بإعجاب:
-طول عمرك باشا يا باشا.. 

-كنت عارف, بس قولت لازم اتأكد قبل ما اعاقب...قرب يا مرسي. 

اقترب منهُ "مرسي" حتى بات لا يسمعهما أحد, وأمره:
-عاوز يسري الصاوي يلبس قضية على مقاسه بالضبط, متخرجوش من السجن الباقي من عمره, عارف إيه هي القضية؟ 

نظر له "مرسي" يسأله:
-سلاح؟ 

غمز بعينه متلاعبًا, وأردف بخبث:
-لا, خفيفة.. عارف المخزن اللي بيخزن فيه المخدرات؟ 

اتسعت أعين "مرسي" يُجيب:
-طبعًا عارف, دي فيها مؤبد او إعدام لو الحكومة عرفت بيه. 

-بلغ عنه. 

-بس يا باشا لو حد عرف من المنظمة هـ.... 

-اللي هيبلغ يبلغ من خط جديد, وأول ما يتم البلاغ يتكسر الخط, ويكون في مكان بعيد خالص عن هنا...بره القاهرة اصلاً, فهمت. 

-تمام, اعتبره حصل يا باشا. 

-في ظرف ساعتين يا مرسي.. ساعتين سامع. 

لم يكن سيترك ل "يسري" متسع من الوقت كي يحاول الوصول ل"فيروز" مرة أخرى, أو معرفة ما حدث للخادمة وأنه قد كُشف فتتيح له فرصة الهرب, كان الخيار الأمثل هو التصرف في أسرع وقت ممكن. 

التفت إلى "فيروز" المتشبثة بهِ كأنه آخر طوق لها للنجاة, وربط على كتفها في هدوء:
-خلاص, الموضوع خِلص. 

كانت نظراتها مثبتة على الفتاة التي لم تتوقف عن البكاء, فعادت بنظراتها له ترجوه بخوف حقيقي:
-شاهين عشان خاطري متأذيهاش.. عشان خاطري. 

رد بفظاظة:
-متشغليش بالك بالاشكال دي. 

نفت برأسها في ذعر:
-شاهين عشان خاطري بقولك.. انا مش هعرف انام لو البت دي ماتت بسببي, عشان خاطري عاقبها بأي طريقة تانية. 

رفع حاجبه باستنكار:
-إيه ده! قتل إيه بس يا فيروز, حد قالك عني قتال قتلة! 

سألته بتوتر واضح:
-اومال هتعمل فيها إيه؟ 

-والله ولا هقربلها, ولا حد من رجالتي هيقربولها حتى... هي قرصة ودن بسيطة زي اللي جربتيها قبل كده, وطرد من الفيلا بس كده, يلا يا حبيبتي نخرج كفاية كده.. 

التف بها ليخرج لتتعالى صرخات الفتاة مستنجدة, فهمست له بصوت مرتعش:
-اومال هي بتصرخ ليه كده؟ 

رد بصوت طبيعي:
-مانتِ كنتِ بتصرخي يا فيروز كان حد قربلك وقتها!

معه حق, لقد كانت تصرخ حينها من وحشة المكان, وخوف من القادم رغم أنه لم يمسها أحد. 

-ارميها في أي عنبر من دول, وسيبها لنصيبها. 

قالها "مرسي" وخرج من القبو تحت صرخات الفتاة المتعالية التي كادت تصم أذن الواقفين.. 
لم يكذب "شاهين" فلن يقترب منها أحد.. بالمعنى الحرفي... فقط سيتركوها محتجزة هكذا... حتى... حتى تزهق روحها. 

-------------------
في صباح اليوم التالي....

قلبها يحدثها أنه يتلاعب بها, وهذا ما جعلها تجلس أمامه فوق السرير, وتمسك كفه برجاء واضح في عينيها:
-شاهين, قولي إن البت دي مش هتموت. 

-لا إله إلا الله, هو في حد مش هيموت برضو يا فيروز! كلنا هنموت. 

زفرت بضيق من تلاعبه واعادت قولها بإصرار:
-قولي إن موتها مش هتكون انتَ سبب فيه, قولي إنك فعلاً هتعاقبها وتسيبها تمشي. 

نظر لها دون رد, فاقتربت أكثر ترجوه:
-اوعدني يا شاهين إنك مش هتقضي على حياتها.. انا مش عاوزه أخاف منك, مش عاوزه احس إني عايشه مع قتال قتلة بجد! 

نظراته كانت ثابتة, لم توشي لها بشيء, فظلت ترجوه, وعيناها تتوسل له في ضعف أنثى وخوفها, حتى نطق أخيرًا:
-ماشي.. رغم إن ده هيخالف قانوني, لكن هعمله لأول مرة عشانك يا فيروز. 

-اوعدني..

-كلامي مش وعد! 

ووثقت بهِ, وقد كان محل للثقة فما إن قال سيوفي, سيعاقبها كما يرى ثم سيتركها ترحل ليخالف قانونه مع الخونة لأول مرة, ولكن لا بأس.. لأجلها! 

ابتسمت بشدة وهي تقبل على احتضانه بقوة وأغمضت عينيها تهمس:
-شكرًا.. 

-طب مافيش طريقة تانية تشكريني بيها؟

همس بها في عبث وتلاعب, لتبتسم ما إن فهمت جملته, ولكنها قالت بصوت تصطنع التحذير:
-احمد ربنا على الحضن.. بدل ما اقطعها ماية ونور. 

تشبث بها أكثر يردد باستسلام:
-لا وعلى إيه اهو احسن من مفيش. 

----------------------- 
ودع جده وعمته الذين عادوا إلى البحيرة, ليتجه بعدها لغايته التي تأجلت لانشغاله بأشياء أخرى.. 

-اهلاً شاهين بيه, هبلغ نصر بيه بوجودك. 

وقف في منتصف صالة فيلته, ينظر لصورة "نصر" المعلقة على الحائط بغضب دفين, حتى سمع صوته من خلفه:
-استغربت لما قالولي إنك هنا, اول مرة تيجي من غير ما اطلبك ومن غير ميعاد, حصل حاجة؟ 

لم يرد عليهِ فورًا بل قال بعد ثواني وهو على وضعه:
-يسري الصاوي لما أذى حد يخصني خدت بحقي منه, ووقتها قولت إن العقاب الأكبر هيكون للي منعني اوصله وكان ناوي يداري عليه, هو عملتله عاهة مستديمة.. وانتَ.... 

انهى الأخيرة والتفت يشهر سلاحه الذي سحبه من جانبه في وجه "نصر" الذي بُهت.. بينما أكمل "شاهين" بتلذذ مجرم:
-تحب اعمل عاهتك في رجلك زيه.. ولا نغير واخليها في دراعك؟ 

ووجهه لم ينم ابدًا على أنه يمزح, أو يهدد.. بل جاء ليُنفذ..

تعليقات