رواية خلف زجاج النظارة الفصل الثاني عشر 12 بقلم ياسمين سالم


 رواية خلف زجاج النظارة الفصل الثاني عشر 

في ذلك الموقع المهجور، حيث كانت أنفاس قاسم الكريهة تقترب من وجه همس، شعرت بانتفاضة كرامة لم تعهدها من قبل. لم تعد تلك الفتاة الكسيرة التي بكت يوماً خلف نظارتها حين خذلها، بل كانت لبوة جريحة تدافع عن رمقها الأخير.

انحنى قاسم ليمسك بمعصمها بقوة، هامساً بانتصار: "خلاص يا همس.. اللعبة خلصت، ومفيش كمال يلحقك المرة دي."

لكن همس، وبسرعة البرق، انحنت للأرض والتقطت حجراً ثقيلاً مدبباً، وبكل ما أوتيت من قهر وحقد تجاهه، هوت به على رأسه صرخةً مدوية:
— "ابعد عني يا حيوان! الموت أهون لي من إني ألمح طيفك!"

تراجع قاسم وهو يترنح، يضع يده على جبهته التي انفجرت منها الدماء، صرخ بألم ممتزج بالغل: "يا بنت الكلب! أنتي بتمدي إيدك عليا؟"

حاولت همس الركض نحو مخرج الموقع، كانت أنفاسها تتلاحق وصورة كمال تمر أمام عينيها كطوق نجاة، لكن قاسم، رغم ألمه، كان كالذئب المسعور. قفز فوقها وجذبها من شعرها بعنف ليرتطم جسدها بالأرض الصلبة.

— قاسم بفحيح شيطاني وهو يرفع يده عالياً: "كنت عايز آخدك بالذوق.. بس أنتي اللي اخترتي الوجع!"

بكل قوته، هوى بقبضة يده على صدغها. شعرت همس بوميض أبيض يخترق عينيها، ثم ثقلت جفونها فجأة، وغاب العالم من حولها في سوادٍ سحيق، لتسقط جثة هامدة بين يديه.

في مخبأ "جينك باشا".. صحوة الكابوس

فتحت همس عينيها ببطء شديد، كان رأسها ينبض بألم فظيع وكأن هناك مئات المسامير تُدق في جمجمتها. حاولت تحريك يدها لتمسح وجهها، لكنها صُدمت بصوت احتكاك معدني ثقيل.

نظرت لأسفل بذعر؛ كانت مقيدة فوق كرسي خشبي قديم، والسلاسل الحديدية تلتف حول معصميها وقدميها بقسوة، تحفر في جلدها الرقيق. المكان كان مظلماً، لا يضيئه سوى كشاف واحد مسلط فوق رأسها مباشرة.

بكت بانهيار وهي تصرخ في الفراغ:
— "قاسم! يا حقير يا واطي.. اظهر يا جبان! فاكر إنك لما تربطني كدة هخاف منك؟ كمال مش هيسيبك، والله ما هيسيبك يا قاسم! أنت أحقر إنسان شوفت في حياتي!"

ظلت تصرخ وتسبه بمرارة، والدموع تحرق وجنتيها، وفجأة.. سُمع صوت تصفيق بطيء ومنتظم يأتي من عتمة الغرفة. تيبس جسد همس، وبدأت دقات قلبها تتسارع برعب.

خطوات واثقة، هادئة، ورزينة، اقتربت من دائرة الضوء. لم يكن قاسم.. بل كان رجلاً يرتدي حلة سوداء فاخرة، تفوح منه رائحة سيجار غالي الثمن.

حين سقط الضوء على وجهه، توقفت أنفاس همس تماماً. اتسعت عيناها بذهول وهي تسترجع تلك اللحظة في المطعم، حين اصطدمت به بغضب واعتذرت له برقة بعدما رأت هدوءه الغريب.

— همس بهمس مرتعش، يكاد لا يُسمع: "أنت؟! جينك باشا؟ أنت بتعمل إيه هنا؟ وفين قاسم؟"

ابتسم جينك ابتسامة غامضة، تقطر بالهيبة والخطر في آن واحد. اقترب منها حتى صار وجهه مقابلاً لوجهها، ومد يده ليرفع ذقنها ببرود:

— جينك بصوت رخيم يشبه فحيح الأفاعي:
"قاسم ليس سوى بيدقٍ صغير في رقعة شطرنجي يا همس.. مجرد أداةٍ طوع بناني نفذت ما أُمرت به. منذ تلك اللحظة التي اصطدمتِ بي فيها في المطعم، وأنا أسعى بكل جوارحي لبلوغ هذه الثواني. لا تدركين قدر الهيام الذي تملك قلبي تجاهكِ منذ النظرة الأولى.. لقد أحببتكِ بطريقةٍ لا يفقه كنهها الحمقى من أمثال كمال أو قاسم."

صمت قليلاً وهو يتأمل ذعرها بمتعة غريبة، ثم تابع:
"لقد كنتِ أنتِ الجوهرة الوحيدة التي تنقص مملكتي، واليوم فحسب.. عادت الجوهرة إلى يد مالكها الحقيقي الذي يستحقها. فلا تضيعي أنفاسكِ في الصراخ، فلن يسمعكِ سوى جدرانٍ صُمّت لتطيع أوامري أنا فقط."

نظرت إليه همس برعب حقيقي، شعرت أن هذا الرجل ليس مجرد مجرم، بل هو "شيطان" بملامح بشرية، وأن رحلتها .. بدأت تأخذ منعطفاً أكثر ظلاماً مما تخيلت.

كانت أسيل تقف خلف سيارة ، تراقب المشهد الذي سيظل محفوراً في ذاكرتها كوشمٍ من نار. رأت قاسم وهو يهوي بيده على رأس همس، رأت جسد أختها وهو يسقط كعصفورٍ ذبحه الغدر. كانت صرخات همس المكتومة "الحقوني.. حد يلحقني" تخترق جدران قلب أسيل، كادت أن تندفع، كادت أن تصرخ وتوقف هذا الكابوس، لكن في تلك اللحظة الحرجة، استيقظت داخلها " وعادت بذاكرتها حب كمال لهمس
تراجعت خطوات للخلف وهي تغطي فمها بيدها لتمتنع عن الصراخ، والدموع تنهمر على وجنتيها. همست لنفسها بصوتٍ مخنوق، وكأنها تحاول إقناع روحها المترددة:
— "تستاهل.. هي اللي بدأت. مفكرتش فيا وهي بتسرق حب عمري؟ مفكرتش في كسرتي قدام كمال؟ ده عقابها.. لازم تدوق الوجع اللي عيشتهوني."

مسحت دموعها بعنف وقسوة، ونظرت لانعكاسها في المرآة بعيونٍ جفت منها الرحمة. التقطت هاتفها واتصلت بقاسم، وبصوتٍ ميت خالٍ من أي مشاعر قالت:
— "قاسم.. بلغ الباشا إني مش هقدر أجيب ملفات الصفقة. الملفات مش موجودة في مكتب بابا، جينك لازم يتصرف بطريقته، أنا عملت اللي عليا وسلمتها ليكم.. الباقي مش بتاعي."

أغلقت الخط وارتمت على فراشها، تحاول أن توهم نفسها أنها انتصرت، بينما كان نبض قلبها المتسارع يشي بغير ذلك.

في أروقة الشركة.. ناقوس الخطر

انتهى اليوم الثقيل في الشركة، وكمال لم يغادر مكتبه الزجاجي، كان يغرق في أوراقه هرباً من نظرات العتاب التي كان يتخيلها في عيون الجميع. حزم حقيبته وهمَّ بالخروج والضياع يلفه، لكن استوقفته إحدى مهندسات الفريق بملامح قلقة:

— "باشمهندس كمال.. كنت عايزة أعرض تعديلات التصميم على البشمهندسة همس، بس هي مختفية من الصبح وتليفونها غير متاح. حضرتك تعرف هي فين؟"

في تلك اللحظة، شعر كمال وكأن جبلًا انهار فوق صدره. خلع قلبه من مكانه وتحدث بلهفة فضحت كل ما يخفيه:
— "مش موجودة من إمتى؟ هي مخرجتش معاكي؟"

ردت المهندسة بريبة: "السكرتيرة قالت إنها جت الصبح، بس طلعت بسرعة بعد ما أسيل جت لها المكتب، ومن ساعتها ومحدش شافها."

أخرج كمال هاتفه بيدٍ ترتجف، حاول الاتصال مراراً وتكراراً، لكن الرد كان دائماً "الهاتف الذي طلبته غير متاح". طافت برأسه فكرة سوداء: هل فعلتها أسيل؟ هل انتقمت لكرامتها من همس؟ لكنه سرعان ما نفض الفكرة برعب، محاولاً إقناع نفسه أن همس ربما ذهبت للمنزل لترتاح من ضغط الأمس.

في فيلا الشامي.. عودة الشك

قاد كمال سيارته بجنون نحو المنزل، والظنون تنهش في عقله. وبمجرد أن خطت قدماه الردهة، وجد صفاء تقترب منه بوجهٍ شاحب:
— "كمال يا ابني.. همس مرجعتش معاك؟  من ساعهةما خرجت الصبح مكانتش كويسه وانا كنت خايفه عليها."

كمال بصدمة، وتجمدت الدماء في عروقه. ؛ همس لم تعد، والشك الذي حاول قتله عاد ليحيى من جديد وبقوة أكبر. نظر باتجاه الدرج، حيث غرفة أسيل، وشعر أن هناك سراً أسود يختبئ خلف تلك الأبواب المغلقة.

صعد كمال درجات السلم بخطوات ثقيلة، وصدره يغلي بمرجل من الشكوك. اقتحم غرفة أسيل دون استئذان، وجدها جالسة على فراشها والظلام يلف الغرفة إلا من ضوء خافت. نظر إليها بعينين متقدتين، وسألها بصوتٍ مخنوق من شدة القلق:
— "همس فين يا أسيل؟ السكرتيرة قالت إنك جيتي لها المكتب الصبح وخرجتوا.. ومن ساعتها وتليفونها مقفول. قولي لي الحقيقة، همس حصل لها إيه؟"

انتفضت أسيل من مكانها، وبدأت الدموع تنهمر من عينيها ببراعة فاقت كل التوقعات. نظرت إليه بنظرة انكسار وقهر، وقالت بصوتٍ متهدج يملؤه البكاء:
— "للدرجة دي يا كمال؟ للدرجة دي شايفني وحشة وممكن آذي أختي؟ أنا أيوة غيرانة، وأيوة قلبي محروق منك ومنها، بس مستحيل أوصل للدرجة دي! أنا روحت لها فعلاً الصبح عشان أصالحها، و هي  قالت إنه فيه مشكلة في موقع الشيخ زايد ، وهي راحت عشان تنقذ الموقف.. أنا ذنبي إيه لو هي اتأخرت هناك؟"

انهارت أسيل على الأرض وهي تخبئ وجهها بين يديها وتشهق بالبكاء:
— "حرام عليك يا كمال.. كفاية وجع منك، كمان جاي تتهمني في  أخلاقي؟ أنا بخاف على همس أكتر منك، دي أختي مهما حصل!"
ازاي عقلك صورلك  اني ممكن افكر مرجد تفكير اني آذيها  ولا وانت ولا الف واحد زيك يخلوني ابيع اختي  انا ادوس علي قلبي بالجازمه قبل ما افكر تفكير في كدا

وقف كمال مشلولاً أمام دموعها. تراجع خطوة للخلف، وشعر بتأنيب الضمير ينهش في رأسه؛ فهل ظلم أسيل؟ هل غضبها مبرر؟ مسح على وجهه بعنف وهتف بضياع:
— "أنا مش قصدي أتهمك يا أسيل.. أنا بس خوفت عليه . الموقع في الوقت ده بيبقى مهجور ومقطوع." إيه اللي خلاها تروح

طافت صورة "قاسم" أمام عينيه فجأة؛ ذلك الوحش الجريح الذي هدده من قبل. انتفض كمال كمن مسه التيار الكهربائي، والتفت خارجاً من الغرفة وهو يصرخ:
— "قاسم! أكيد الكلب ده عمل لها حاجة.. لو لمس شعرة منها ، أنا مش هرحمه!"

اندفع كمال نحو سيارته، يطوي الأرض طياً في اتجاه موقع الشيخ زايد، بينما كانت أسيل تراقب رحيله من وراء زجاج نافذتها، مسحت دموعها ببطء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة ميتة.. ابتسامة من باعت روحها للشيطان ولم يعد يهمها سوى الاحتراق.
في قبو "جينك باشا".. 
كانت الغرفة تفوح برائحة الموت والسيجار الفاخر، بينما كانت همس ترتجف فوق كرسيها، والسلاسل الحديدية تصدر صوتاً مرعباً مع كل حركة يائسة منها. وقف جينك أمامها، يراقب دموعها ببرودٍ مخيف، ثم انحنى ليهمس في أذنها بفصاحةٍ تقطر سماً:

— جينك: "لا ترهقي نفسكِ بالعويل يا همس.. فالمسألة بالنسبة لي لم تعد مجرد إعجابٍ عابر، بل أصبحت رهاناً مقدساً. أنا رجلٌ إذا وضع عينيه على شيءٍ، صار ملكاً له بقوة المنطق أو بقوة السلاح. أما ذلك الفتى.. كمال.. فقد انتهى دوره في روايتكِ منذ اللحظة التي وطأت فيها قدماكِ مملكتي."

انتفضت همس وهي تصرخ بوجهه: "كمال أشرف منك ومن أمثالك! أنت فاكر إنك بفلوسك وسلطتك هتقدر تكسره؟ كمال مش هيسيبني، والشرطة هتيجي وتجيبك من قفاك يا حقير!"

ضحك جينك ضحكة مجلجلة هزت أركان الغرفة، ثم اقترب منها ولف خصلة من شعرها حول إصبعه بقسوة، وتابع بنبرةٍ حادة كالشفرة:
— جينك: "أتظنين أنني أخشى القانون؟ أنا القانون هنا. وبإمكاني بلمحةٍ واحدة من عيني أن آتي بـ (حبيب القلب) هذا إلى هنا، مقيداً بالأغلال كما أنتِ الآن.. وبإمكاني أيضاً أن أقطع أنفاسه أمام ناظريكِ بدمٍ بارد، لأرى كيف سيذبل ذلك العشق الذي تتغنين به. هل تودين رؤيته وهو يركع تحت قدمي مستجدياً حياته؟ فكري جيداً.. فحياة كمال الآن أصبحت معلقةً بكلمةٍ منكِ."

بدأت همس تشد السلاسل بجنون، وصوت احتكاك المعدن بجلدها يمزق الصمت، كانت تصرخ بغضبٍ ممتزج برعبٍ قاتل على كمال:
— "إياك! فكر بس تلمس شعرة منه يا مجرم! أنت مريض.. أنت شيطان! خد روحي أنا، بس كمال لأ.. كمال ملوش ذنب!"

تركها جينك وخرج من الغرفة ببرود، تاركاً خلفه همس تنهار في نوبة بكاءٍ هيستيرية، بينما صدى تهديده يتردد في أذنيها كصوت الرعد.

في موقع الشيخ زايد.. 
في تلك الأثناء، وصل كمال إلى الموقع المهجور. كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة مساءً، والظلام يلف المكان ككفنٍ أسود. ترجل من سيارته والأنفاس تتلاحق في صدره، بدأ يركض بين الأعمدة الخرسانية وهو يصرخ بأعلى صوته:
— "همس! أنتي هنا؟ ردي عليا يا همس!"

لم يجبه سوى صدى صوته المبحوح، وعويل الرياح بين أسياخ الحديد. سار لعدة أمتار واليأس يبدأ بالتسلل إلى قلبه، حتى تعثرت قدماه بشيءٍ صلب على الأرض. انحنى وبدأ يتلمس الأرض بيدٍ ترتجف، حتى وقعت عيناه على حقيبة يد همس.. كانت ملقاة بإهمال، ومفتوحة، وكأن صراعاً دار هنا.

التقط كمال الحقيبة وضمها إلى صدره بقوة، واستنشق عطرها الذي لا يزال عالقاً بها، وانفجر في نوبة حزن وخوف صامتة ومؤلمة. تأكد الآن أن غيابها ليس مجرد صدفة، وأن هناك يداً سوداء اختطفتها من بين يديه.

في فيلا الشامي.. الحقيقة المرة
عاد كمال إلى الفيلا بخطواتٍ ميتة، يحمل حقيبة همس بين يديه كدليلٍ على الفجيعة. وبمجرد دخوله، التف الجميع حوله بلهفة؛ ياسر، صفاء، وعبير.

— صفاء بصرخة مخنوقة: "همس فين يا كمال؟ وليه شنطتها في إيدك كدة؟"وليه مرجعتش تلفونها بيدي مغلق و انا قلبي مش مستريح طمني يا كمال ربنا يطمن قلبك

رفع كمال رأسه، كانت عيناه حمراوين من كثر الخوف  والقهر، ونظر إلى ياسر الشامي بجمودٍ غريب وقال بصوتٍ متحشرج:
— "همس اتخطفت يا عمي.. لقيت شنطتها مرمية في موقع الشيخ زايد.   معرفش ليه راحت هناك  وهي عارفة إن المكان خطر.. وقاسم أو حد وراه كان مستنيها."

ساد صمتٌ مرعب في الصالة، بينما سقطت صفاء مغشياً عليها، ونظر ياسر لأسيل التي كانت تقف في ركنٍ مظلم بذهول، وكأن زلزالاً ضرب أركان البيت، بينما وقف كمال كالجبل المحطم، يقسم بقلبه أنه لن يهدأ حتى يرى دماء من تجرأ على لمس " همس".
فجأه موبايل كمال رن 
التقطته بلهفه ويدور في ذهنه بالتأكيد هي همس. فتح  وقال بسرعه ولهفه 
ايوه همس انتي فين قلقت عليكي 
اتآه صوت ساخر يقول ......


تعليقات