![]() |
رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الثالث عشر بقلم نورهان ال عشري
الندم: أن تعود بعد أن تُشبعك الحياة صفعًا، فتجد جميع الأبواب التي تركتها مفتوحة قد أُغلِقت، فلم يعُد يُسمح لك حتى بالنظر عبر نوافذها، أن تفقد الكلمات بريقها تلك التي بخلت بالبوح بها ذات يوم والآن ماعد أحد ينتظرها. فتغدو المواقف أشباح تطاردك، فلا أنت تعود للخلف لتصحيحها ولا تملك رفاهية التكفير عنها. فالندم عقوبة مؤجلة تبدأ بعد أن تنتهي المعركة و تتساقط الأقنعة، فيقف الإنسان عاريًا أمام نفسه لا أعذار تنصفه ولا دفاعًا يشفع له. و يبدأ تحدٍ من نوعٍ آخر هل الإنسان شجاع بما فيه الكفاية للإعلان عن ندمه؟ و الإنصات لصوت الضمير الذي يبدأ في محاكمته بالإضافة إلى ذاكرة تنهش في ثباته دون رحمة و تذكره بأنه خان قلبه ذات يوم باسم العقل.
ولكن. حين يصل المرء إلى حافة اليأس يطرح من عمق يأسه استفهام حتمي وهو : هل فات أوان الندم؟! و هل يمكن بناء جسر الثقة الذي هُدِم ؟! يمكن الإجابة بنعم حين يكُن الإنسان شجاعًا بما يكفي للاعتراف بخطئه، و أن يملك إرادة حقيقية لتصحيحه، و خاصةً أن تلك الأخطاء لم تكُن مجرد زلات! بل قرارات كانت عن وعي و إدراك كشفت عن جوهره، ولهذا فالندم لا يؤلم فحسب بل و يُعري الشخص الذي كنت عليه ذات يوم!
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁
شهقات متفاجئة، صيحات استنكار، همهمات قوية دوت في الأرجاء و أصوات أنفاس مترقبة لتلك الكارثة التي حلت، فالعريس ترك عروسه و اختطف آخرى، و ولى هاربًا!
ـ راجي. أنت كويس ؟!
هكذا هتف كمال وهو يساعد راجي على النهوض ليصيح الأخير بشراسة:
ـ الكلب دا والله ما هرحمه.
أنهى جملته و هرول في إثر عمر وشروق ليقترب ياسر و كمال ينويان اللحاق به ليهتف الأخير بانفعال:
ـ المجنون دا راح فين الله يخربيته؟!
ـ مكانك أنت وهو.
كان هذا صوت خالد الصارم الذي جعل الرجلان يوقفان وهم يناظرونه بذهول قطعه ياسر الذي قال بعدم فهم:
ـ أنت اللي بتقول كدا يا خالد؟!
خالد بنفاذ صبر:
ـ أيوا أنا اللي بقول كدا. رايحين فين! ماهو مشي خلاص!
كمال باستنكار:
ـ لا معلش فهمني. يعني ايه دا؟!
خالد بحدة:
ـ أنت كنت منتظر أيه؟! دا شكل واحد فرحان بخطوبته؟! ولا أنت مسنني أيه أصلًا من تربية نبيلة؟! شخص غير متزن و عنده بدل العقدة خمسين.
تدخل رحيم الذي كان غاضبًا و بشدة:
ـ بس دي فضيحة يا خالد!
خالد بغضب:
ـ الجوازة دي لو كانت كملت كانت هتخلص بفضيحة أكبر. خليه يمكن يعرف يلحق اللي باقيله معاها، ولو اني معنديش ثقة فيه، خلونا نلم الدنيا هنا على قد ما نقدر. و بعدين نفوقله.
علت الأصوات و على رأسهم صوت سراج واحد العروس ليهتف ياسر بانفعال:
ـ الدنيا اتقلبت الله يسامحه. معتقدش هنقدر نلمها!
خالد بنفاذ صبر و نبرة أشبه بالصراخ:
ـ مفيش قدامنا حل تاني. كمال. مشي الناس دي كلها. خلينا نشوف هنعمل ايه
أنهى جملته و توجه إلى سراج الذي كان يصرخ على عز الدين بملء فمه:
ـ بقى أنا ابنك يعمل في بنتي كدا؟! بنت سراج الشافعي يتعمل معاها كدا؟!
كان عز لا يدري ماذا يفعل أو بماذا يُجيبه ليتدخل خالد هاتفًا بجفاء:
ـ أهدى يا سراج، و حقك وحق بنتك انا هجيبهولك، و هعرف اتصرف مع عمر.
سراج بحدة:
ـ أهدى ازاي يا خالد؟! اتفضحت انا وبنتي قدام الناس كلها. و أنت تقولي هتصرف معاه! هيفيد بإيه تصرفك! هيمحي الفضيحة! تقبل كدا على بنتك؟!
خالد بفظاظة:
ـ لا مقبلش، و الفضيحة مش ليك لوحدك، و بدل ما تقف تزعق شوف بنتك الأول. و حاول تهديها وأنا هتصرف.
التفت سراج ليجد شاهي تنتفض بين أحضان والدتها التي تعنف نبيلة:
ـ بقى دا ابنك اللي قولتي أن روحه في بنتي؟! أنا بنتي تتساب بالشكل دا! بس أنا اللي غلطانه. واحدة زيك ابنها هيكون أيه غير واحد مُستهتر و ميعرفش يعني أيه أدب ولا تربية.
كانت إهانة بالغة لم تستطِع صدها ولا حتى الرد، فولدها هو من وضعها في هذا الموقف المُخزي مما جعلها تلتفت و خلفها هايدي و ميرهان للخارج ليقترب سراج الدين يعانق ابنته يسندها إلى الخارج ولكن قبل أن يُغادر التفت إلى خالد قائلًا بنبرة تنتفض غضبًا:
ـ أنا هستنى منك انت رد اعتبار يا خالد.
كان كالبركان الذي تغلي الحمم بداخله ولكنه اكتفى بالإيماءة برأسه وهو يقول باختصار:
ـ هيحصل.
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل♥️
★★★
ـ أنت مجنون صح! أيه اللي عملته في الحفلة دا؟ و واخدني و رايح على فين؟!
هكذا صرخت شروق الجالسة في السيارة بجانب عمر الذي كانت ملامحه مكفهرة بشكل مُريب و عروق رقبته نافرة ونظراته سوداوية تتسم بالشراسة كمن يواجه خصمًا قويًا لن يدعه يهزمه بسهولة، والحقيقة أن هذا الخصم هو عقله الذي يؤنبه على هذا الجنون الذي ارتكبه، لكنه لم يستطِع أن يراها برفقة رجل غيره!
كانت لحظة حاسمة إما أن ينتصر عقله و غروره و يُكمل هذه الخطوة التي هو غير متأكد منها و يخسرها للأبد، أو يُنحي هذا العقل العاصي جانبًا و يهرب بها بعيدًا عن كل هؤلاء البشر و هذه الحياة الكريهة التي يحياها و تحديدًا أراد الابتعاد عن ذلك النموذج الذي شوه كل معاني الحب بداخله.
ـ أنت يا بني آدم رد عليا.
هكذا صرخت شروق وهي تلكمه في كتفه بغيظ ولكنه استمر في صمته الذي أثار جنونها، و خاصةً حين وجدت الطريق أمامها ليس مألوفًا، فقد كان طريقًا صحراويًا غير معلوم بالنسبة إليها لتهبط عبراتها بغزارة وتتمنى لو بإمكانها إلقاء نفسها من هذه السيارة، و الابتعاد عن هذا المجنون الذي بالرغم من كل ما يجيش بداخله من غضب و ندم كان هناك شعور بالذة وهو يتخيل مظهر والديه بعد ما فعله.
بعد وقت غير محسوب بالنسبة إليها تفاجئت حين اوقف السيارة أمام مبنى مكون من طابقين و من الواضح أنه بجانب البحر، فقد وصلت رائحته إلى أنفها لتنتفض غضبًا و تقرر الوقوف أمامه مهما كلفها الأمر، فتح عمر باب السيارة وهي يقول:
ـ انزلي.
شروق بعناد:
ـ مش هنزل معاك في اي مكان!
عمر بجمود:
ـ انزلي يا شروق احسنلك.
شروق بانفعال:
ـ بقولك مش نازلة
عمر بتحذير:
ـ معنديش اي مشكلة أشيلك أدخلك جوا
شروق بصراخ:
ـ إياك تقرب مني. إيدك لو اتمدت عليا هكسرهالك
عمر بمهادنة:
ـ طيب انزلي خلينا نتكلم جوا. مش هتخافي تفضلي قاعدة لوحدك طول الليل هنا!
ـ لا مش هخاف
ـ انزلي يا شروق بقولك.
اطاعته مُكرهة لتدلف إلى داخل الشالية وما إن اغلق الباب حتى هتف بعيد مكتوم:
ـ ها قوليلي بقى الحيوان دا كان ماسك ايدك ليه؟
ـ ميخصكش.
أثارت حنقه ولكنه تحلى بفضيلة الصبر حين قال بقوة:
ـ يخصني.
شروق بجمود:
ـ لا ميخصكش.
عمر من بين أسنانه:
ـ لا يخصني. كل حاجة تخصك تخصني.
شروق بسخرية:
ـ تقريبا انت عايش في وهم و محتاج يا اما تصحي من النوم ياتروح تتعالج.
مد يده يجذبها من رسغها وهو يحذرها قائلًا:
ـ بطلي استفزاز بقى و جاوبيني..
ـ سيب إيدي، وإياك تقرب مني تاني، فاهم ولا لا؟
هكذا صرخت بكل ما يعتمل بداخلها من غضب وهي تنزع يدها من بين يديه، ليقابل غضبها بجبال الثلوج التي يُحيط نفسه بها منذ رحيلهم الكارثي عن الحفل.
ـ لا، مش فاهم.
لوهلة كادت أن تنفجر في وجهه كالبالون، غير أنها تراجعت عن هذا الفعل الذي لا يُشبهها، فقط لتسلبه لذة الانتصار، فلا تمنحه متعة الظن بأنه ما زال قادرًا على تحريك أي شيء بداخلها.
وهكذا خمدت العواصف في عينيها، واحتلهما الهدوء كمدينة هجرها سكانها منذ زمن بعيد، تاركين وراءهم الفراغ والصمت الذي دار في المكان لثوان قبل أن تقطعه شروق التي قالت بنبرة هادئة:
ـ الخسارة صعبة، أنا عارفة، وخصوصًا على الدكتور عمر الوتيدي. بس انت كمان لازم تفهم وتعرف كويس يا عمر إن مفيش جولات تانية. كانت واحدة، وانت خسرت فيها، فمالوش لازمة كل اللي بتعمله دا.
على عكس براكين الغضب التي تهيج بداخله، فقد تراجع إلى الخلف يستند على إحدى الطاولات، واضعًا يديه في جيوب بنطاله بتكاسل قبل أن يقول بنبرة تجيش بالكثير من العواطف:
ـ أنا معرفش يعني إيه خسارة، وعمري ما اعترفت بيها.
قالت شروق بجمود:
ـ يبقى آن الأوان إنك تعترف إنك خسرت.
تجاهل حديثها، وتابع بنبرة تفوح منها رائحة التملك:
ـ انتمائك ليا دا شيء مفروغ منه، واللي بيني وبينك مش مجرد جولة وانتهت، دي حياة نهايتها الموت. وأنا أهو، لسه عايش وبتنفس.
صمت لثوانٍ قبل أن يُطلق جأشه المكبوت داخل صدرٍ يحترق من لوعة الفراق:
ـ بتنفس وجودِك.
ارتج قلبها داخل ضلوعها، وعلَا أنينه، لكنها لا تزال تقاومه، وكأنه مُحتل غاشم لا تبغي سوى الخلاص منه، لتقول بنبرة جافة:
ـ بس دا مش ذنبي، ووجودك بالنسبالي بقى زي عدمه
تألم لكلماتها إلى الحد الذي لم يكن في مقدوره إخفاء الوجع الذي تجلى بوضوح فوق ملامحه، ليستفهم بنبرة يعج بها القهر:
ـ هو سهل عليكِ أوي كده إنك توجعيني؟
ـ زي ما التخلي عني كان سهل عليك أوي بردو.
باغتته جملتها التي كانت كحد السيف على قلبه، لتُتابع قاصدة إغراقه في بحر خطاياه أكثر:
ـ أنتِ طالق. عادةً الكلمة دي بتكون صعبة أو تقيلة على اللسان، في ناس بتعمل المستحيل عشان تتفادى الكلمة دي، بس سبحان الله، كانت سهلة أوي على لسانك.
خلت ملامح وجهها من التعابير، ولم يبق سوى هدوء ممزوج ببعض السخرية التي تجلت في نبرتها حين أكملت:
ـ وعلى الرغم من كده، أنا ما عاتبتكش. بالعكس، نفذت، وانتهينا، وبدأت حياتي من جديد، ويمكن دا اللي جننك… إن إزاي أنا أعيش حياتي وأنساك.
إلى هنا لم يعُد يحتمل هذا القناع الذي يرتديه، ليتصدع على الفور حين اقترب منها، يهزها بعنف وهو يصرخ في وجهها مُستنكرًا:
ـ بتضحكي على مين؟ على نفسك عشان تقنعيها إني مبقتش أُهمك؟ ولا عليا؟ وأنتِ شايفة الكارثة اللي عملتها عشان نكون مع بعض دلوقتي!
نزعت نفسها من بين يديه وهي تصيح محذرة:
ـ لآخر مرة هحذرك، متقربش مني! وكويس أوي إنك عارف إن اللي عملته كارثة، وياريت ننهيها حالًا، وترجعني.
قاطعها صارخًا:
ـ مش هيحصل! عايزة ترجعي للحيوان دا تاني؟
خطت إلى أكثر منطقة قد تؤذيه، لذا دللت نبرتها حين قالت متعجبة:
ـ أنا مفهمتش، انت مش طايقه ليه؟ ولا أي حد كويس وأنا بحبه يبقى وحش؟
تأجّجت عينيه اشتعالًا حين سمع كلمتها 'بحبه' وكأنها كانت المفتاح الذي أطلق سراح جميع شياطينه دفعة واحدة، فقام بحمل أحد المقاعد وإلقائه في الزاوية وهو يصرخ كالمجنون:
ـ كفاية بقى! كفاية! اخرسي، مش عايز أسمع صوتك!
كانت تدرك تمامًا أنها تدفعه شيئًا فشيئًا إلى حافة الجنون، ورغم ما اعتراها من خوف، بل رعب حقيقي من ملامحه المتوحشة إلا أنها آثرت ألا تُظهر شيئًا من ذلك، فتراجعت إلى أقصى نقطة تفصلها عنه، ووقفت أمام النافذة توليه ظهرها، تحاول عبثًا تهدئة أنفاسها المتلاحقة، وتستجدي عبراتها أن تتماسك وألا تخونها، حتى لا تُعري ضعفها أمامه، فقلبها لسوء الحظ، ما زال يحمل وسم عشقه كخطيئة أبت أن تُمحى.
كان صوته وأنفاسه المتوترة يمزقان سكون المكان من حولهما، كأنهما شكوى صامتة من وجع عميق ينهشه من الداخل، فتسلل إليها شعور خائن بالأسى لأجله، سرعان ما تلاشى لتحل محلّه رجفة الذعر حين شعرت بخطواته تقترب منها. لتتعالى دقات قلبها حتى خيل إليها أن ضلوعها توشك أن تتكسر من شدتها، ليفاجئها صوته القريب، حين همس بنبرة مُلتاعة لامست أعماقها
ـ بصي في عيني وقولي إنك فعلًا بتحبيه.
مواجهة صعبة كانت في طريقها إليها، وقد كانت مُنهكة ومتألمة، لذا سلكت أقصر الطرق للفرار منها حين أجابته بنبرة جامدة:
ـ بص لليل اللي قدّامك دا، وقولي ينفع يجتمع هو والنهار ولو للحظة؟
تسلط عليه مارد الإصرار ليقول بجفاء:
ـ جاوبيني!
التفتت تُناظره بجمود قبل أن تقول باستفهام هادئ:
ـ النجوم اللي بتلمع في السما دي، هينفع تلمع بالنهار؟ بلاش… الشمس، هينفع تطلع بالليل؟
عبأت صدرها بالهواء قبل أن تقول بجفاء حاد:
ـ هنعتبر إن أنا الليل، وانت النهار. أنا منورتش زي النجوم دي غير لما انت اختفيت من حياتي، وانت كمان، شمسك مش هتنور، ومش هتتخلص من المأساة اللي عايش فيها دي غير لما تنساني.
تسلط على قلبها شيطان الكبرياء حين أضافت بنفس النبرة:
ـ أنا عارفة إنه صعب عليك، بس معلش، دا درس كويس هينفعك في حياتك قدام. أن مش كل الستات زي بعضها، ولا كلهم هيكونوا رهن إشارتك.
اقتربت منه خطوتين قبل أن تقول بنبرة يفوح منها رائحة الغرور:
ـ في ستات زي النجوم، لو طوّلتها تبقى أكتر إنسان محظوظ في الدنيا، أما لو خسرتها، فهتفضل تتحرق بنارها العمر كله.
ومن المؤسف أنها مُصيبة في حديثها، فمنذ ذلك اليوم الذي خسرها فيه، وهو يتلظى في قعر الجحيم الذي أدرك مؤخرًا أن نجاته منه ستكون على يديها.
ـ صح، عندك حق. بس أنا متأكد برضو إن النوع دا من الستات صعب يوهب قلبه غير لشخص واحد بس، وقلبك أنا ملكته من زمان.
سقطت في فخه المُحكم، لتهتف بجمود:
ـ لكل قاعدة شواذ.
أظلمت عينيه قبل أن يقول بصوت أجشّ:
ـ حلو أوي دا… اثبتي على كده بقى.
تراجعت إلى الخلف وهي تراه مُقبلًا عليها، لتصرخ بتحذير مرتجف:
ـ عمـرر!
ما أن رأته مُقبل عليها بأعيُن تلمع الجنون حتى قامت بجلب أحد أواني الزرع الزجاجية وقامت بإلقائها على الأرض تحديدًا في المسافة الفاصلة بينهم لتمنعه من الاقتراب أكتر لتتحطم متحولة إلى أشلاء كحال قلبه حين سمعها تُتابع بشراسة:
ـ اوعى تفكر تقرب مني ولا تفكر انك ممكن تفرض وجودك عليا.
همس باسمها بنبرة مُلتاعة:
ـ شروق..
قاطعته بنبرة صارخة:
ـ شروق اللي قدامك دي غير شروق بتاعت زمان. شروق دي داست على قلبها و أنت ساكن جواه و عدت. داست على فلوسكوا اللي مخلياكوا تفتروا على الناس كلها و عدت. وقعت بدل المرة ألف لحد ما وقفت على رجلها. و معنديش استعداد اني أهد حياتي اللي بنيتها عشان أي حد، و خصوصًا لو أنت.
كلماتها أثارت غضبه بشدة مما جعله يهتف بنبرة مغلولة:
ـ كذابة، و إلا مكنتيش جيتي النهاردة.
ابتسامة ساخرة لونت ملامحها قبل أن تقول بتهكم:
ـ غرورك دايمًا بيقف بينك وبين عقلك يا دكتور عمر. أنا جيت النهاردة مع خطيبي. اللي وصلته دعوة خطوبتك. جيت وأنا إيدي في إيده، و أنا ناوية اكمل حياتي معاه.
اسودت ملامحه و توسعت عينيه، فبدا كثورٍ غاضب أحدهم يتلاعب أمامه بقماشة حمراء، فبرزت عروق رقبته بشكل افزعها فتراجعت خطوة إلى الخلف كرد فعل تلقائي منها لتسمع صوته البارد كنصل سكين يتأهب لبتر الأعناق:
ـ حلو أوي دا. بس اعرفي أنه مش هيحصل. لو حياتك مش هتكون معايا يبقى مش هيكونلك حياة مع غيري. و يبقى راجل بقى لو عرف مكاننا وجه ياخدك مني، و علمي على كلامي.
أنهى جملته و هو يشيعها بنظرات قاتلة قبل أن يندفع إلى الداخل لتسقط هي جالسة على أخد المقاعد تبكي كما لم تبكي من قبل، فبداخلها أنين و لوعة، وعذاب دائمًا كان هو المتسبب به، والآن يأتي و يخبرها أنه لا حياة لها بدونه! و أين كان وهي تبكي وحدها من شدة الشوق و الألم و الوحدة معًا؟ تحتضن نفسها و تربت فوق جراحها لتهدأ.
وضعت رأسها بين يدها وهي تهتف بصراخ اهتز له قلبه:
ـ مش هرجعلك يا عمر. مش هرجعلك لو كنت بتموت قدامي. هفضل طول عمري النجمة اللي مش هتقدر تطولها يا عمر يا وتيدي. أنا بكرهككك…
حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [سورة التوبة59♥️
★★★
ـ يا نهار مش فايت! بتقولي أيه يا سوزي؟!
هكذا هتفت آسيا بصدمة حالما قصت عليها سوزان ما حدث و التي قالت بنبرة لازالت الصدمة تُخيم عليها:
ـ مش هكذب عليكِ انا توقعت انه هيقدر يكمل في الخطوبة دي. أنا شوفت في عنيه أنه بيحب شروق.
آسيا باندفاع:
ـ أيوا صح أنتِ قولتيلها أنك هتخرجي من الخطوبة دي منتصرة في كل الأحوال. متقوليش انك كنتِ عارفة..
سوزان بتأنيب:
ـ أنتِ عبيطة يا بنتي! عارفة أيه؟! لو عارفة كنت هسيبه يعمل الجنان دا؟! أنا كنت اقصد أنه لو شافها وقدر يكمل في الجوازة دي يبقى ميستحقهاش، و وقتها هي كسبت نفسها وخسرت شخص ميستحقهاش و هتقدر أنها تكمل حياتها من غير أي أمل فيه، ولو مكملش، وطبعًا مكنش في بالي أنه يعمل كدا. أنا قولت هيمشي هيقولها مش هقدر اكمل، اي حاجه مش الهبل اللي عمله دا، و بردو هي منتصرة لأنه كدا هيثبت أنه بيحبها بدليل أنه مقدرش يحط دبلته في إيد واحدة غيرها. أنما دا فاق كل توقعاتي.
تشدقت آسيا بسخرية:
ـ دا وتيدي يا حبيبتي. يعني هو والغباء أصحاب أو قرايب، أيهما أقرب!
زجرتها سوزان بحدة:
ـ اتلمي متجبيش لنفسك الكلام. بدل ما تلاقيه طالع من أي حتة. احنا بنعالج مش بنهد.
آسيا بتبرُم:
ـ بنعالج أه! المهم هو ابن حلال و يستاهل اللي شروق هتعمله فيه. زمانها موقفاه وشه للحيط و رافع إيده لفوق ماهي من الوتايدة بردو يعني قادرة زيهم.
سوزي بحدة:
ـ بت أنتِ قومي اتخمدي. أنا قلبي واكلني على البنت. متاكليش دماغي أنتِ كمان. وقومي اتخمدي يالا.
آسيا بتذمر:
ـ طيب.
التفتت ناظره إلى أشجان التي كان التعب يلون ملامحها لتهتف بقلق:
ـ و أنتِ يا حبيبتي قومي ريحي. خالد قال إنه هييجي يبات معاكوا هنا. اطمني بقى وقومي نامي.
أشجان برفض:
ـ مش هقدر يا سوزي اقوم غير لما ييجي واطمن عليه. مش كفاية شروق وقلقي عليها.
ـ ياريت تبطلي قلق شوية..
هكذا تحدث خالد لتهب أشجان من مكانها و تندفع تجاهه ليقربها منه بقوة، فقد كان يعلم مقدار خوفها وقلقها مما جعله يقول بلوم:
ـ قولتلك نامي و مش تستنيني، و جيبتك مخصوص هنا عشان اطمن انك ترتاحي، وأنتِ بردو مقيش فايدة فيكِ.
أشجان بتعب:
ـ هنام ازاي بعد اللي حصل، وكمان أنا كنت قلقانه عليك أوي لما جبتني انا والولاد هنا و مشيت.
ضمها إليه أكثر قبل أن يجذبها ليجلسوا حول الطاولة بجانب سوزان التي قالت باستفهام:
ـ مفيش أخبار؟
خالد باختصار:
ـ لا.
سوزان بتعب:
ـ ربنا يسامحك يا عمر. في حد عاقل بردو يعمل كدا!
أشجان باندفاع:
ـ دا انسان مُستهتر، و أنا لو من شروق اديله على دماغه!
اندفاعها بهذا الشكل أثار رغبته في الضحك، ولكنه لم يفعل إنما قبل يتصنع الغضب:
ـ و أيه كمان يا هانم!
توترت من استفهامه بهذه الطريقة لتقول بنبرة خافتة:
ـ ماهو بردو ياما زعلها ينفع كدا!
خالد بنبرة عابثة:
ـ والله ما ينفع أبدًا. اي حاجة تزعلك متنفعش طبعًا.
ابتسمت بخجل، فشعر بالراحة ولو قليلًا، فهي بمثابة الضوء في عالمه القاحل والذي يعج بالمصاعب و التحديات
ـ أنا مقدرش ازعل منك أصلًا لو عملت أي.
هكذا هتفت بخجل ليبتسم بعذوبة قبل أن يغازلها قائلاً:
ـ دانا ابقى عايز ضرب النار لو زعلتك.
أشجان بلهفة:
ـ بعد الشر.
تدخلت سوزان قائلة بحب:
ـ والله احلى حاجة نختم بيها اليوم الصعب دا هو انتوا. ربنا بس يبعد عنكوا عين نبيلة.
التفت خالد يناظرها بشك قائلًا باستفهام:
ـ مالها نبيلة؟؟
وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (سورة غافر، الآية 44)♥️
★★★
ـ عاجبك الفضايح دي يا هانم؟! عاجبك اللي ابنك عمله فينا! هو دا اللي قد المسئولية! صغرتيني أنتِ وابنك و حليتوا واحد زي سراج يتنطط عليا و يهزقني وسط الناس!
هكذا كان عز الدين يصرخ في نبيلة التي كانت ترتجف من فرط الصدمة و الغضب و القهر من هذا الموقف المُخزي الذي وضعهم به عمر لتخرج كلماتها مُرتجفة حين قالت:
ـ أنت بتقولي أنا الكلام دا ليه ؟ هو انا اللي خليته يعمل كدا! أنا اتهانت و اتبهدلت انا كمان.
عز بانفعال:
ـ تستاهلي، وانا كمان استاهل عشان سمعت ليكِ أنتِ و ابنك، واعملي حسابك أن دي آخر مرة هتحصل..
إلى هنا ولم تعُد تحتمل ارتداء قناع الضعف أمامه، فهذا الموقف فاق احتمالها لتهُب من مكانها وهي تصرخ قائلة:
ـ كفاية بقى. أنت بتتخانق معايا ليه؟ هو عمر دا مش ابنك أنت كمان، وبعدين الهروب دا حاجة جديدة علينا. بس مش جديدة عليكوا. الست هانم أختك هربت زمان مع واحد و ابن أخوها عمل زيها، ولولا خالد أخويا وقف لسراج كان زمانك تحت رحمته دلوقتي!
بهتت ملامحه من حديثها و نبرتها الجديدة كُليًا عليها، فقد اعتاد منها الضعف و الحنو و الخضوع أو هكذا ظن! ليراها الآن بهيئة مختلفة تمامًا كما جعله يقول باستنكار:
ـ أنتِ بتعايريني يا نبيلة! و واقفة تزعقي قدامي!
اقترب منها خطوة وهو يتابع بهسيس خشن:
ـ و أخوكي هو اللي وقف لسراج و إلا كان زماني تحت رحمته صح! ماشي يا نبيلة. خليكِ فاكرة كل كلمة قولتيها دلوقتي. عشان أنا مش هنساها.
أنهى جملته و اندفع إلى الخارج في الطريق إلى الملحق، و هو يتذكر ما حدث قبل يومان من الآن
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ احكيلي بقى ايه اللي حصل معاكِ الفترة اللي فاتت ؟ طبعًا البقاء لله قبل أي حاجة..
هكذا تحدث عز الدين إلى زينة التي ابتسمت قبل أن تُجيب بهدوء:
ـ الدوام لله. سامح توفى بقاله زيادة عن أربع شهور، والحقيقة موته كان صدمة كبيرة انا حتى لسه بحاول استوعب الصدمة. يمكن علاقتنا مكنتش أحسن حاجة بس هو بردو جوزي.
عز باستفهام:
ـ ليه كدا؟ أنا أعرف انكوا متجوزين عن حب! طبعًا مقصدش ادخل في اللي ماليش فيه. بس استغربت من كلامك.
زينة بنبرة مُشجبة:
ـ لا عادي الموضوع مش سر يعني. عمومًا انا و سامح علاقتنا كانت زي أي زوجين بينهم المشاكل العادية، و طبعًا موضوع الخلفة كان أحيانًا بيكون سبب غير مباشر للمشاكل دي. يعني أهله كانوا بيضغطوا عليه عشان يتجوز و يخلف، و هو بصراحة كان بيرفض دايمًا و كان في ضهري في كل محاولة عملناها، و كل مرة بعد ما تفشل كان بيقف جنبي و يواسيني و يقولي بكرة تنجح.
عز بنبرة فضولية:
ـ طب دا كويس معنى كدا أنه كان بيحبك.
زينة بتفكير:
ـ الفكرة مش في كدا. يعني دي حاجة كانت بتخليني أتأكد أنه بيحبني. لكن في نفس الوقت كان في حاجات بتحصل بتخليني اتجنن واقول دا عمره ما حبني. بس بعد ما مات ابتديت افهم حاجات كتير.
عز بانتباه:
ـ زي أيه؟
زينة بتوضيح:
ـ سامح كان الكبير في أخواته، و كان بيحب والدته جدًا وهي كمان كانت بتحبه. كتير كانت بتغير مني عليه و بتحاول تضايقني و وصلت لدرجة أنها توقع بيننا، وهو كان بيبقى شايف دا. لكن عمره ما وقفها عند حدها. عمره ما قالها أنتِ غلط.
عز باستنكار:
ـ بس دا غلط طبعًا.
زينة بجمود:
ـ الغلط دا شيء نسبي عند بعض الناس. يعني اللي أنت شايفه غلط. غيرك شايفه شيء بسيط. و سامح كان كدا. كان دايمًا يقولي عمري ما هزعل أمي عشانك. مش هقدر اغضبها. افرض جرالها حاجة في أي وقت أنا مزعلها فيه لو ماتت غضبانة عليا مش هتحمل.
كانت الكلمات كضوء ذو وهج قوي سُلِط على أعيُن كانت غارقة في الظلام مما جعل عز يشعر وكأن هناك مشاعر قوية تنغز بداخله وقد زاد الأمر حين تابعت زينة قائلة:
ـ مكنش بيقدر يزعلها أبدًا لدرجة أن الموضوع كان بيضايقني و. يخليني انفعل و ازعل منه و أخد موقف كمان. بس هو كان بييجي يراضيني، و بيكون عنده استعداد يجيب لي نجمة من السما بس إلا أنه يزعل والدته عشاني، تقريبًا كان قلبه حاسس انه هيموت قبلها ولا ايه معرفش. بس بعد ما مات وشفتها و شفت حالتها عرفت هو كان ليه بيعمل كدا.
كانت يتنبه لحديثها بكامل حواسه يشعر و كأن السماء أرسلت صوتًا يُخاطبه، و يوقظ ضميره الغائب تجاه والدته مما جعل يستفهم بنبرة مُتحشرجة:
ـ ازاي!
زينة بنبرة حزينة:
ـ الست تقريبًا بتموت بالمعنى الحرفي للكلمة. طول الوقت مبتبطلش تقوله أنها راضية عنه. كلنا بدأنا نتخطى إلا هي. تقريبًا حياتها واقفة من اللحظة اللي عرفت فيها بموته. منكرش اني اتوجعت و كنت بموت. بس هي كانت حالتها مختلفة. قعدت افتكر كلامه، و حبه ليها، و احترامه ليها، و خوفه على زعلها. تخيل أنه كان بيراضيني بس عمره ما قالي أنها غلطانه. كان بيحافظ على كرامتها حتى بيني وبينه.
تحمحم عز الذي ضاقت أنفاسه وهو يقول:
ـ بس دا في ظلم ليكِ. مفروض كان يقولها أنتِ بتيجي على مراتي ليه، و يمنعها أنها تهينك أو تقلل منك.
زينة بتوضيح:
ـ بصراحة أنا مكنتش بسمح أن الموضوع يتطور للإهانة. كنت بشتري نفسي وبنسحب من أي نقاش أو مشكلة ممكن تكبر. بس كنت بيني وبين نفسي بزعل، وهو كان بيراضيني أوي. أكيد كان بيتكلم معاها بينه وبينها. بس الحقيقة هو كان مقتنع أن عمره ربنا ما هيباركله في حاجة وهي زعلانه منه أو مش راضية عنه.
انتهى اللقاء بينهم ليشعر بأنه ضائع، يتذكر كم الأخطاء التي ارتكبها بحق والدته و كم المشاجرات التي حدثت بينهم، فمنذ زواجه لم لم يكونوا يومًا على وفاق على الرغم من أنه يذكر كم كان قريبًا منها.
زفر بقوة وعاد إلى البيت و بداخله مشاجرات عنيفة بين ضمير يؤنب و عقل يتمرد ليقرر أخيرًا زيارتها، فتوجه إلى الملحق الذي اعتبرته بيتها بعد رحيل شروق ليتفاجيء بها جالسة على الأريكة و بجانبها عدة صورة فوتوغرافية قديمة تناظرها بشجن و ألم ليتحمحم قبل أن يقول:
ـ ازيك يا ماما.
ارتفع رأسها بتثاقل تناظره بهدوء لم يستمر طويلًا إنما قطعه صوتها الساخر حين قالت:
ـ ماما! هو أنت لسه فاكر ان ليك أم؟!
غضب من حديثها، و من نفسه ليقرر تجاهله وهو يقترب جالسًا على المقعد أمامها قبل أن يقول:
ـ كنت جاي أبشرك أن عمر هيخطب كمان يومين، و عايزك تيجي عشان تحضري خطوبته.
تشكلت غصة قوية في حلقها مما جعل نبرتها تتهدج حين قالت:
ـ عملتوها أنت و مراتك! خلتوه يطلق بنت نسمة، و طفشتوها زي ما طفشتوا أمها؟! كل دي ذنوب هتشيلوها على كتافكوا!
هب من مكانه وهو يهتف باستنكار:
ـ بلاش كلامك دا. أنا مخلتوش يطلق حد، ومعرفش اطلقوا ازاي ولا عايز أعرف، و نسمة اللي هربت و فضحتنا و بناتها بيشيلوا ذنب عمايلها احنا ملناش ذنب.
سعاد بحدة:
ـ الشيطانة مراتك هي السبب في كل حاجة. بس عارف أنا مش زعلانه. خلاص الدنيا قلبت قلبتها، و الحق قرب يرجع.
عز باستنكار:
ـ أنتِ بتقولي ايه! حق ايه اللي يرجع؟!
سعاد بانفعال يشوبه القهر:
ـ حقي من اللي خدت ابني مني و قلبته عليا و خلته يقهرني أنا وبنتي. أنت فاكرني زعلانه عشان عمر هيخطب! لا. والله دانا فرحانه. ماهي اللي جايه دي نقاوة نبيلة، و أكيد شبهها و هي دي اللي هتاخدلي حقي منها. دي اللي هتبرد ناري. سواء عشت وشوفت اليوم دا ولا موت قبل ما اشوفه.
صمت لثوان يناظرها وكلمات زينة تعاد على ذاكرته وهو يتخيل أن تذهب من هذا العالم وهي تحمل بداخلها كل هذه المشاعر تجاهه ليبتلع غصة قوية تشكلت داخل حلقه و هو يناظرها و يرى ارتجافة يديها و شفتيها و ترقرق العبرات في مقلتيها مما جعله يقف حائرًا ممزقًا لا يعرف ماذا عليه أن يفعل فقط مجرد كلمات واهية افلتت من بين شفتيه حين قال:
ـ أنتِ مشكلتك معايا أنا ونبيلة بس عمر حفيدك و أنتِ بتحبيه. تعالي افرحي بيه، خلينا نفرح كلنا و أجلي كل الكلام دا لبعدين.
سعاد بسخرية مريرة:
ـ تفرح! هو أنت متخيل انك ممكن تفرح يا عز وأنا قلبي غضبان عليك؟! امشي يا ابني و خلي بالك أن الدنيا دوارة.
عودة إلى الوقت الحالي
ـ أنتِ السبب صح؟! أنتِ السبب في كل اللي حصل دا! دا بسبب دعاكي عليا.
هكذا صرخ عز الذي كان يقف أمام والدته المذعورة من مظهره لتهتف بصدمة:
ـ في أيه يا عز؟
عز بانفعال:
ـ الهانم بنت بنتك. هربت مع البيه ابني و فضحونا قدام الناس كلها. الحيوان ساب عروسته و خدها و مشي.
شهقت سعاد بذهول من حديث عز الذي تابع بنبرة يشوبها الانكسار:
ـ فرحانه فيا صح! شمتانه طبعًا. أنا عرفت ليه مفيش حاجة حلوة بتكمل في حياتي. بسببك. بسبب دعاكي عليا. أنا فنيت عمري في شركة الوتيدي وفي الآخر راح خلى ابنه رئيس مجلس الإدارة. و الست هانم بنتك خلتني مش قادر ارفع عيني في عين الناس. و من بعدها ابني اللي عمري ما حسيت انه قريب مني. زي ما يكون بيشوف اللي بكرهه وبيعمله. كل دا بسببك.
قال جملته الأخيرة بصوت أشبه بالصُراخ ليأتيه صوت زينة المفزوع خلفه وهي تقول بلهفة:
ـ في أيه يا عز ؟ صوتك واصل لآخر الدنيا.
ناظرها عز بغضب و سعاد باندهاش لتدور النظرات بين الثلاثة قبل أن يندفع عز إلى الخارج، لتهتف سعاد بلهفة غارقة في التوسل:
ـ الحقيه يا بنتي دا ممكن يجراله حاجة.
رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}♥️
★★★
كان يدور حول نفسه كالمجنون يود لو يحطم المكان حتى يهدأ هذا الغضب المقيت الذي ينهش بداخله بدون رحمة ليجد باب مكتبه يُفتح و كمال يدلف إلى الداخل ليزأر راجي بوعيد:
ـ هقتله يا كمال. ورحمة أمي لهقتله. و مش هيهمني لا أنت ولا الوتايدة كلهم.
يعرف حالته جيداً ولهذا لم ينفعل أو يوجه إليه أي لوم بل اقترب وهو يقول بهدوء:
ـ أهدى يا ياراجي. أنا مقدر حالتك كويس. و مش هلومك على اي حاجة هتقولها.
ضرب راجي المكتب بكلتا يديه وهو يصرخ بانفعال يشوبه القهر:
ـ أنا هتجنن. هيجرالي حاجة. مش هيهديني غير اني اطلع روحه في أيدي. دا خدها من بين إيديا. عارف يعني ايه خدها من بين إيديا؟!
لأول مرة يجد نفسه في هذا الموقف المُحرج ليحاول البحث عن كلمات تهدأ من جنون هذا الوحش:
ـ أنا عارف و حاسس باللي جواك.
قاطعه راجي بنبرة أشبه بالصُراخ:
ـ لا مش عارف. جرب كدا حد يغفلك و ياخدك على خوانه ويخطف آسيا من بين إيديك!
للوهلة الأولى بدا الأمر غير قابل للطرح من جانبه، فلو حدث ذلك معه لهدم المكان فوق رأس الجميع على أن يمس أحدهم ظلها، و لكنه سرعان ما تغلب على هذا الشعور نافيًا حدوث ذلك الأمر ليهتف بحدة:
ـ قولتلك فاهمك و عارف انت حاسس بأيه، و بعدين مش يمكن شروق موافقة على اللي حصل دا؟!
لم يتثنى لراجي أن يُجيبه، فقد استرعى انتباههم صوت طرق على باب المكتب ليأمر راجي الطارق بالدخول لتدلف آسيا بخطوات سرعان ما تجمدت حين رأت كمال الذي تفاجيء من قدومها هو الآخر، ولكن راجي لم يسمح لكلاهما بالاستيعاب ليقترب من آسيا قائلًا بلهفة:
ـ عرفتي أي أخبار عنها؟
احتارت بماذا تخبره ولكنها قررت أن تقول الحقيقة لتُجيبه بنبرة مُتحشرجة:
ـ للأسف لا.
التفت إلى الجهة الآخرى وهو يزمجر بوحشية، فقد كان قاب قوسين أو أدنى من الجنون لتنتقل نظرات آسيا إلى كمال الذي كان يريد معرفة سبب قدومها إلى مكتب راجي فقد شعر بأنها أرادت التحدث في أمرًا هام وقد تجلى التردد على ملامحها، ولكنها قررت التحدث بالرغم من كل شيء لذا قالت بنبرة حاولت جعلها ثابتة رغم ارتباكها أمام عيني كمال:
ـ مستر راجي. أنا محتاجة انك تهدى شوية عشان أعرف اتكلم معاك.
استدار راجي يناظرها بترقب و كل ما بداخله يرفض أي شيء يمكن أن يجعله يتألم أكثر مما يتألم الآن، ولكنه بالرغم من ذلك استكان ليستمع إلى حديثها مما شجعها على الشروع به لتقول بنبرة ثابتة:
ـ اللي حصل دا طبعًا مرفوض شكلًا و موضوعًا بس في حاجات لازم تعرفها. أنا عارفة أن كلامي ممكن يبان قاسي. بس شروق بتحب عمر و عمر بالرغم من كل اللي عمله بس هو بيحبها. و وارد أنهم لما يقعدوا ويتعاتبوا يرجعوا لبعض تاني.
برقت عينيه استهجانًا لحديثها الذي جعل الجنون يتملك منة مرة آخرى ليقترب منها هاتفًا بحدة أفزعتها:
ـ أنتِ مجنونة ولا ايه؟ اللي بتقوليه دا لايمكن يحصل..
كان يتقدم نحوها دون أن يدري ليوقفه كف كمال الذي وضعه على صدره يجذبه بحدة للخلف وهو يصرخ بغضب اهوج:
ـ راجي. فوق لنفسك. أنت اللي باين عليك اتجننت.
ناظرته بصدمة، فقد اندفع يقف أمام راجي لأجلها وقد وعى الأخير على ما يحدث معه ليدفع يد كمال للخلف وهو يصيح بانفعال:
ـ أنت مش سامع الكلام! شروق مأكدالي أن الموضوع دا انتهى، والحيوان دا مبقاش له مكان في حياتها.
أوشك كمال على الرد ولكن آندفاع آسيا أوقفه:
ـ للأسف محدش فينا لة سلطة على قلبه.
اخترقت جملتها دفاعاته ليستدير ناظرًا اليها ليجد الألم يتبلور بوضوح في عينيها و يحتل نبرتها حين قالت:
ـ أنا حاسة بشروق جدًا، و أنا أكتر واحدة شوفت هي اتوجعت قد أيه. بس اللي عمر عمله دا مالوش غير معنى واحد. أنه فاق وعرف قيمتها. و ناوي يرجعها من تاني حتى لو كان الموضوع صعب. و حتى لو شروق رفضت دا مرة واتنين و عشرة. ي مش سهل أن الإنسان يعاند قلبه.
حاولت الإبقاء على عبراتها قيد الاعتقال لكي لا تفصح عن مدى الألم بداخلها وهي تقف أمامه و كل حرف يصدر عنها يحكي عن وجعها و معاناتها أمام عشقه الجارف، لتنجح في ذلك فقالت بنبرة ثابتة:
ـ لو مكنتش تهمني، و فعلاً مش عيزاك تتجرح مكنتش جيت قولتلك الكلام دا.
لم يكُن يتألم فحسب بل كان يموت من فرط الألم، و قلبه يرفض هذا الحديث ولو شعر بأنه الصواب، والحقيقة أنه لم يكُن وحده الذي يتألم، فقد كان لكمال نصيب الأسد من العذاب واللوعة و خاصةً وهو يرتدي قناع الجمود الذي يمنعه حتى من التعبير عن هذا الألم بداخله
ـ يعني أنتِ شايفة أن شروق ممكن ترجع لعمر من تاني!
آسيا بتعاطف:
ـ مقدرش أأكد دا دلوقتي. بس أنا متوقعة أن مليون في المية دا هيحصل سواء بعد يوم أو بعد سنة.
تدخل كمال هو الآخر في الحديث قائلًا بجمود:
ـ هي بتتكلم صح. هما اللتنين بيحبوا بعض، وعمر عمره ما كان طايش دا أكتر واحد كان بيحسب حساب الخطوة قبل ما يخطيها عشان شكله قدام الناس كون أنه يعمل كدا، فالموضوع مفيش في رجعة.
رن هاتف آسيا لتجد أن المتصل سوزان فتراجعت عنهم لتُجيب، و إذا بها تهتف بذُعر:
ـ بتقولي ايه يا سوزي؟
ـ بقولك جميلة سمعتني وانا بتكلم مع أشجان عن اللي حصل، و انهارت و خرجت جري وهي بتقول انا هجيب حق أختي و أمي منهم. الحقيها يا آسيا.
هكذا تحدثت سوزان بذُعر قابلته آسيا بأشد منه لتقول بلهفة:
ـ طب اقفلي، وأنا هحاول ألحقها.
أغلقت الهاتف لتجد كمال يستفهم بقلق:
ـ في أي؟
آسيا بخوف يتجلى على ملامحها و نبرتها حين قالت:
ـ جميلة عرفت اللي حصل و رايحة على الفيلا تدور على شروق. معرفش بتقول هاخد حق أمي و أختي منهم..
كمال بلهفة:
ـ طب اهدي، وتعالي معايا نلحقهم.
اومأت برأسها و تركت نفسها ليديه التي جذبتها برفق نظرًا للجرح في قدمها، ليلتفت راجي ممسكًا بهاتفه يقوم بإجراء مكالمة هاتفية و حين أتاه الرد تحدث بلهجة صعيدية مُتقنة:
ـ أيه يا واد عمي. عِندينا طلعة، في حدانا تار و لازمن ناخدوه الليلادي..
وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ♥️
★★★
ـ هي فين؟ هي فين اللي دمرت حياة أمي و حياة أختي؟!
هكذا صرخت جميلة بقهر وهي تقف بمنتصف الحديقة تحديدًا أمام قصر عز الدين لتخرج نبيلة و خلفها هايدي ابنتها التي هتفت باحتقار:
ـ الزبالة دي دخلت هنا ازاي؟
جميلة بصراخ اهتز له أرجاء القصر:
ـ الزبالة دي أنضف منك مليون مرة. أخوكي ودى أختي فين يا حقيرة؟
اقتربت نبيلة منها بخطوات سريعة و أعيُن تحمل الشر و كأنها موطنه الدائم لتصرخ باحتقار وهي ترفع يدها تنوي أن تصفع جميلة:
ـ اخرسي يا قليلة الأدب.
أغمضت جميلة عينيها خوفًا من صفعتها، ولكن كانت الصدمة حين وقفت آسيا بينهم لتُمسِك بيد نبيلة لكي لا تنال من خد جميلة، فقد وصلوا في نفس توقيت وصول جميلة، وحين أتاها صوتها لم تنتظر أن يصف كمال سيارته بل اندفعت تجاه مصدر الصوت وهي تعدو دون النظر إلى جرحها فقط أرادت أن تكن بجانب جميلة في مواجهة أولئك الأفاعي، وقد كان توقيتًا مثاليًا لمنع نبيلة من صفع جميلة وهي تصيح بصوت جهوري:
ـ إيدك لا اقطعهالك.
أنهت جملتها و قامت بدفع يد نبيلة التي كانت على وشك السقوط لولا يد هايدي التي حالت دون ذلك لتهتف بانفعال:
ـ أنتِ اتجننتي يا حقيرة أنتِ.
آسيا بتهكم ساخر:
ـ شوف مين اللي بتتكلم عن الحقارة! المادة الخام ليها!
اعتدلت نبيلة وهي تقول بحدة:
ـ اكتمي يا بنت الخدامة..
اقتربت آسيا لتدفعها أكثر وهي تقول بشراسة:
ـ بنت الخدامة دي جزمتها برقابتك يا حية. أنتِ مفكراني هخاف منك! دانا ادفنك هنا و ملكيش دية. اصل الكلاب اللي زيك ملهمش تمن ولا سعر.
لسوء حظها كان كمال وصل للتو، فاخترقت جملتها مسامعه لتنال منه الصدمة التي سرعان ما تحولت لغضب عارم جعله يتقدم منها يجذبها بعُنف من رسغها وهو يقول بعُنف:
ـ آسيا!
جذبت يدها من يده بقوة وهي تصرخ باستنكار:
ـ بلا آسيا بلا زفت. اخواتك دول كفرة. معندهمش دين. دول سبب كل البلاوي اللي حصلتلنا في حياتنا.
خيمت الصدمة على ملامحه وهو يرى حالتها التي تتفرق ما بين الغضب الوحشي و الضعف المُزري الذي تجلى في تلك العبرات التي تدحرجت من مُقلتيها ولكنها لم تلتفت إلى صدمته إنما التفتت ناظره إلى نبيلة وهي تقول بوعيد:
ـ عارفة! أنتِ مش هيكسرك غير بنتك دي. حق كل واحدة سممتي حياتها و قهرتيها هيقعدلك فيها. دي الشوكة اللي هتقطم ضهرك و ابقى قولي انت الخدامة قالت.
اخترقت الجملة الأخيرة مسامعه ليستنكرها بشدة، ولكن صوت خالد الجهوري أفزع الجميع وهو يصيح قائلًا:
ـ أيه اللي بيحصل هنا؟
ـ الحقوني..
كان هذا صوت سعاد الضعيف المتألم الآتي من خلفهم، فقد استمعت لهذا الشجار الذي يحدث في الآخر لتحاول الخروج بمقعدها ولكنها اصطدمت بالباب وسقطت على الأرض بقوة ليُهرول الجميع إليها و يقوم خالد بحملها إلى الداخل و خلفه الجميع ومن بينهم أشجان ما عداها، فقد أخذتها قدماها إلى ذلك المكان الذي قتلت به روحها ذات يوم، فبالرغم من كل شيء فهي لم تتخطى تأثيره بها، ولم تنمحي ذكرياته الأليمة من داخلها، فقد رأت بجميلة اليوم نفسها تلك الليلة، ولم تستطيع تركهم ليجردوها من كرامتها و كبريائها. لم تريد لها أن تصبح مثلها بيوم من الأيام.
ـ جاية تستعيدي لحظة انتصارك ولا أيه!
هكذا تحدث كمال بنبرة ساخرة لا تخلو من القسوة لتحاول السيطرة على نوبات الألم التي عصفت بها و استجماع المتبقي من ثباتها قبل أن تهمس بنبرة تئن وجعًا:
ـ قصدك لحظة انكساري!
اخذ حديثها على محمل السخرية ولكن كانت المرارة ترتسم على ملامحه حين قال:
ـ لحظة انكسارك! افتكر ان في نفس المكان دا طلبت منك تتجوزيني.
لم تفلح في ردع هجمات الذكريات التي غزت عقلها بضراوة و ما يصاحبها من ألم مرير ضجت به نبرتها حين قالت:
ـ لا يا كمال بيه. الموضوع كان قبل طلبك للجواز مني بكتير. تحديدًا يوم احتفالك الغالي انك بقيت المدير التنفيذي للشركة.
كان مظهرها مروعًا حين التفتت له، فقد كانت ملامحها لوحة حية عن الألم، و عينيها تمطران بغزارة بالإضافة إلى نبرتها التي يفوح منها رائحة القهر حين قالت:
ـ الشجرة دي شهدت على موتي في الليلة دي. المكان دا اتقتلت فيه انسانة بريئة كان كل حلمها تعيش و تفرح. اتشوهت فيه روح عمرها ما كانت تعرف يعني إيه أذى. هنا بالظبط اتقتل الخير جوايا واتزرع مكانه ألف بذرة انتقام.
تمام كمال مذهولًا:
ـ أنتِ بتقولي ايه؟
صرخت بنبرة تتقطع لها نياط القلوب:
ـ الليلة دي أنا اتكسرت هنا. اتعريت هنا. اتهانت و ادبحت برائتي هنا.
ضربت يدها بقوة على الشجرة خلفها وهي تتابع بكل ما يعتمل بداخلها من قهر:
ـ الشجرة دي هي اللي سترتني عن عيون الناس، لما ناديت على اختك و بنت اختك الحلوين كنت أنا مرمية تحتها برتعش من الخوف و البرد و الوجع، الدم اللي كان في أيديهم و انت فكرته لقطة في الشارع دا كان دمي.
كان الألم بصدرها لا يُطاق، و السبيل الوحيد للنجاة منها هي الصراخ حتى يهدأ ضجيج الذكرى بداخلها ولو قليلًا لتُتابع بنبرة مُلتاعة:
ـ هنا عروني يا كمال. هنا هانوني و ضربوني و عايروني بفقري، و أنت . أنت نادتلهم و طبطبت عليهم، و أنا. أنا ملقتش حد يطبطب عليا.. عارف؟
حاولت تهدئة أنفاسها الهادرة قبل أن تقول بنبرة تحترق قهرًا:
ـ أنا كنت بشوفهم في الحلم بيعملوا كدا فيا، و أقوم اصرخ. مكنش في حد بيطبطب عليا، و كل ما افتكر كلامك و حنيتك عليهم اكرهك معاهم.
خرجت الكلمات ترتجف ألمًا من فوق شفتيها حين تابعت:
ـ أنا هنا اتعلمت أكره، هنا حلفت لازم انتقم. هنا اتدمرت، و هنا بردو انت طلبت ايدي للجواز.
وضعت يدها فوق قلبها وكأنها تربت على وجعه قبل أن تقول بحزن:
ـ زي ما يكون الدنيا بتعايرني، و بتفكرني بوجعي في عز فرحتي. أنا ماخترتش أكون وحشة، ولا كنت اتمنى اكون شخص مؤذي. بس أنا كان جوايا بدل الجرح ألف.
رفعت رأسها تناظره بأسى تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ جرح قلبي، و جرح كرامتي، يمكن جروح جسمي مخدتش وقت، بس سابت أثر زيها زي كل الجروح اللي جوايا.
قالت جملتها الأخيرة بنبرة متحشرجة فكان مصعوقًا مما يسمعه، و مما يراه أمامه، فمن يراها الآن إمرأة تبدو و كأنها عادت لتوها من الجحيم بعد أن ظلت الشياطين تلاحقها لسنوات، ولكن ما أفزعه حقًا حين شاهدها تخر على ركبتيها وهي تحتضن معدتها من فرط الألم ليسقط بجانبها بلهفة وشفتيه تهمس باسمها دون وعيًا منه:
ـ آسيا.
أسندت رأسها فوق كتفه وهي تشهق بعُنف و كلماتها تخرج غير مفهومة لتلتفت ناظره إليه بألم كان يُذيبها كالشمعة وهي تصرخ بنبرة مُلتاعة مقهورة:
ـ أنا ليه حبيتك أنت دونًا عن كل الناس؟! اشمعني أنت! أنا كان نفسي أفضل اكرهك طول عمري زيهم. كان نفسي أفضل كرهاك و محبكش أبدًا. أبعد عني. أبعد..
قالت كلمتها الأخيرة وهي تدفعه لتتحامل على نفسها و تهب من مكانها مهرولة إلى الخارج لتتركه خلفها مصعوقًا مما رآه و سمعه.
قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي♥️
★★★
ـ أهلًا بالواطي الخسيس. يا راچل دانا جولت أن فيك شوية نخوة هيخلوك تدبح بت خالد الوتيدي تجوم تهروب زي النسوان!
هكذا تحدث رماح إلى أمين المُقيد و الملقى أرضًا في أحد المخازن ليهتف بحدة:
ـ ادبح بنته وهو ييجي يدبحني انا بعد كدا! بتلبسني معاه و بعدين تهرب!
قهقه رماح بشر قبل أن يقول بتقريع:
ـ ياخي استرچل دا خد منيك مرتك و ولادك. بدل ما تنتجم منيه بتلوم عليا!
أمين بغضب:
ـ انتقم منه لما أكون في قوي وقتها مش هكتفي اني ادبحه، لكن اروح انتقم منه وانا أضعف منه بمراحل! دا كدا اسمه انتحار، و أنا مش هضحي بنفسي عشان واحدة باعتني ولا حتى عشان عيالي.
رماح باندهاش من موقفه:
ـ ياختي داني فكرتك عاشجها!
أمين بخسة:
ـ بحبها اه مش هنكر لكن لو هعشق يبقى هعشق نفسي و مصلحتي. ولا ترموا بأنفسكم إلى التهلكة!
قهقه رماح بشر قبل أن يقول ساخرًا:
ـ لا تقي يا راچل! صدجتك أنا! المهم. أنت راچل واضح، وده يشفعلك عِندي. و عشان أكده هساعدك. لو كان الموضوع بالقوة و الفلوس يبقى سهلة. شوف محتاچ أيه واني معاك.
لمعت عيني أمين بالشر وهو يقول بخُبث:
ـ أيوا كدا. اقدر احارب وانتقم، و ارجع مراتي وولادي بمزاج.
رماح بتحذير:
ـ خلي بالك. مفيش حاچة هتعملها جبل ما ترچعلي.أني معنديش تهاون في الغلط. و مش هسمح لحد يلخبطلي خططي..
أمين بلهفة:
ـ لا من الناحية دي اطمن. أنت خطط وأنا انفذ. بس قولي بما أنك هتحطني في وش المدفع و تفضل في المداري. لما أنت عندك القوة و الفلوس والنفوذ مبتخلصش من خالد دا ليه؟
شرد رماح إلى البعيد وخيم الحقد على نظراته و احتل نبرته حين قال:
ـ مشكلتي مش مع خالد بس. أني مشكلتي مع كل واحد شايل اسم الوتايدة، و عشان اخلص منيهم لازمن اسقطهم واحد واحد. عشان اللي يقع فيهم مبلاقيش حد يسنده.
أمين باستفهام:
ـ طيب وهتعمل دا ازاي ؟!
رماح بمكر:
ـ كل حاچة متخططلها زين، و بدأنا التنفيذ كمان.
جذب انتباهه صوت رسالة نصية على هاتفه ليفتحها ثم ابتسم بشر فاستدار إلى الخارج ليقول بإجراء مكالمة هاتفية، وما أن أتاه الرد حتى أجاب بنبرة زائفة الحزن:
ـ جولت يا رماح بدل بتك مسألتش عنيك. أسأل أنت. يمكِن متعرِفش انك بتدور عليها. وحشتي أبوكي يا نچاة!
وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ♥️
★★★
ـ أيوا يا ياسر. ماما نامت خلاص و أنا طلعت أهو انت فين بقى؟
كان هذا صوت غنى التي تتحدث على الهاتف ليُجيبها صوت ياسر الحاد حين قال:
ـ ما تترزعي في البيت لحد ما آجي. طالعة تعملي أيه؟
غنى باستفزاز:
ـ أشم هوى يا ريس. بلاش؟!
ياسر بوعيد:
ـ والله! تشمي هوا؟! طب فكريني أطبق على زمارة رقبتك لما أشوفك.
غنى بدلال:
ـ أهو انا بقى واثقة و متأكدة أنك عمرك ما تعمل كدا. اعملك قفلة يا ريس و بلاها تهديدات انا قاعدة على قلبك ومربعة.
ياسر بابتسامة عذبة:
ـ بصراحة أنت واخدة القلب والروح والعقل وكل حاجة في الريس لحسابك، دا كفاية انك الوحيدة اللي مسموحلك تعمليله قفلة.
ابتسمت بدلال على حديثه، و سرعان ما انمحت بسمتها حين سمعت هذا الصوت الكريه خلفها:
ـ دا أنتِ طلعتي بتعرفي تضحكي و تدلعي اهو!
سقط الهاتف من يدها وهي ترى رأفت الذي كان يطالعها بأعيُن تطلقان الشرر بدلًا من النظرات..
