رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل السادس عشر
أثناء ذهابها، لم تدرِ لماذا خفق قلبها فجأة، وكأن نذيرًا مرّ بجوارها، حين لمحت شيئًا لم تتمنّ يومًا رؤيته من جديد. كان ذلك آخر ما قد ترغب في مواجهته، حتى إنها انصدمت، واتسعت عيناها وشفتيها دهشةً حين مرّ أمامها، ولم يعرفها، ألهذه الدرجة كانت نكرة؟! بل أدار وجهه إلى الجهة الأخرى كأنه لم يرها، وتحدث إلى شخصٍ آخر. التفتت خلفها تتأكد مما رأت، نعم، هو… جحظت عيناها حين وجدته يحتضن فتاة من خصرها ويمرح معها.
عادت إلى الطريق الذي كانت متجهة إليه، وقلبها ينزف ألمًا عن حب لم يكتمل، وزوج خان العشرة. ركضت إلى غرفتها، لكنها أقسمت ألا تبكي عليه، وألا تنزل دمعة واحدة من عينيها على من لا يستحق، من هانت عليه العِشرة التي كانت بينهما. أغلقت قبضتها بقوة، تتشبث بقوتها وتشد من أزر نفسها:
انتي قوية، وهتعدّي… كله هيعدي، هقوّي قلبي ومش هسمح له يضعف ولا يبكي… اجمد قلبي!
أخذ صدرها يعلو ويهبط، تحاول السيطرة على حالها، لعلها تتماسك. ثم دلفت إلى الحمام، توضأت، وبدأت تناجي الله، لعلّ في مناجاته تخفيفًا لألم قلبها. تذكّرت دعاء مازن الذي كان يردده دومًا، فرددته في كل سجدة، حتى انخرطت في بكاءٍ مرير، لم يكن بين أحد سواها وبين الله. ظلّت تبكي حتى هدأت قليلًا، ثم نهضت، وأبدلت ثيابها استعدادًا لحضور المؤتمر.
دخل عليها هيثم، فوجدها جاهزة، رغم آثار البكاء الظاهرة على جفونها: – مي، جاهزة؟ يلا بينا.
– آه، جهزت، يلا.
ذهبت برفقته، وقابلا مازن عند باب الفندق. انشغلت مي بعملها، تدون كل شيء يحدث داخل المؤتمر، وتلتقط الصور للفعاليات والحضور. وبعد ساعات، انتهى المؤتمر، فخرجت مع شقيقها، حتى استوقفهم مازن عند الباب:
– هتعملوا إيه بعد كده؟
رد هيثم وهو يسير إلى جانبه: – نتغدى في المطعم، وبعد كده نتوكل على الله. وإنت؟
قال مازن بابتسامة: – وأنا كمان، لو مفيهاش مضايقة، أنضم ليكم؟ مش بحب آكل لوحدي، ونمشي سوا؟
– طبعًا يا زميلي، اللي ياكل لوحده يزور. يلا بينا.
كانت مي في عالم آخر، لم تنتبه لتلك العيون التي تراقبها في صمت.
تناولوا الطعام معًا، ولم تخلُ الجلسة من مزاح مازن وصديقه، بينما هي تبتسم لهما من حينٍ لآخر، بشرودٍ تام. كانت تغوص في أفكارها، تتأمل تلك الصدفة التي جمعتها به اليوم، أول مرة تراه منذ أن مدّ يده عليها، وسحبها من شعرها خارج منزل الزوجية، وطعنها في شرفها، وظلمها ظلمًا لم يغادر ذاكرتها حتى الآن.
– يلا يا مي، مي!
أفاقت من شرودها على صوت أخيها، وهو ينهض ويمدّ ذراعه نحوها: – إيه؟ في إيه؟ هنمشي؟
حثّها هيثم على النهوض: – آه، يلا بينا يا مي، هنطلع نجهّز حاجتنا وهنمشي مع مازن.
ثم وجّه كلامه لمازن: – هنخلّص ونتقابل بره الفندق، هكلمك، تمام؟
بعد عدة ساعات، وصلوا إلى القاهرة. دخلت منزلها، فاستقبلتها نبيلة بترحاب، تسألها بفضول:
– هيثم مطلعش ليه؟
ردت مي بهدوء:
– قال تعبان وعاوز ينام، فروح مع صاحبه، قالّي هييجيلك بكرة.
هتفت نبيلة بابتسامة:
– طيب، انبسطتي هناك؟ وغيرتي جو؟
أجابت مي بمشاعر مختلطة ارتسمت على وجهها:
– جدًا… فوق ما تتصوري، السفرية دي غيرت جوايا حاجات كتير قوي.
ثم همست لذاتها، كأنها تعاتب قلبها بصوتٍ لا يُسمع:
لو مكنتش سافرت، مكنتش صدّقت، غير لما اتأكدت بعنيا… والأمل اللي كان جوايا مات لحظتها. رجوعي له بقى مستحيل.
أفاقت من شرودها على صوت نبيلة وهي تناديها أن تنهض وتبدّل ثيابها. ردت مي وهي تجر جسدها بإرهاق:
– هقوم أهو، هنام، مش قادرة أفتح عنيا… تصبحي على خير.
مرّت ستة أشهر ثقيلة، حملت بين طياتها الألم والأمل. كانت سيلا سجينة جبس قيد حركتها، وليلٍ طويل سرق منها نور عينيها. لكن يد عاصم لم تفلت يدها يومًا يعوضها، كان ظلّها، وصوتها حين أظلم العالم من حولها، وقوّتها حين خذلها الجسد.
فُكّ الجبس أخيرًا، وبدأت معها مرحلةٌ جديدة، أشد قسوة، لكنها مختلفة. جلسات العلاج الطبيعي لم تكن مجرد تدريبٍ على الحركة، بل معركة تُخاض بكل نبضة أمل، وكل لمسة حنان من عاصم. كان يسندها بذراعه، ويهتف لها كلما ترددت:
– انتي تقدري… بصّيلي، أنا جنبك.
وفي كل خطوةٍ مرتعشة كانت تأخذها، كان يشد على يدها كأنها تمشي بقلبه، لا بساقيها.
ثم كانت المعجزة… لحظةٌ لا تُنسى، حين أغمضت عينيها للحظات، ثم فتحتهما، وبدأت ترى… خيوط الضوء تتسلل، ملامح عاصم تقترب شيئًا فشيئًا، حتى رأته واضحًا لأول مرة منذ الحادث. شهقت، ثم انفجرت دموعها، غير مصدقة:
– أنا شايفاك… أنا شايفاك يا عاصم!
فلم يقل شيئًا، فقط ضمها إليه، وكأن العالم كله عاد إلى مكانه.
منذ تلك اللحظة، لم تعد مجرد زوجة تتعافى، بل امرأة وُلدت من جديد، ومع كل خطوة تخطوها بعصاها، كانت تنقش على الأرض قصة حبٍ لم تُكتب بالحبر، بل بالصبر والدموع.
ورد اتصال هاتفي لعاصم من طبيبٍ كان صديقًا لوالده -رحمه الله-، فشك في أمره وانقبض قلبه. رد عليه بعد تبادل التحية والسلام، وتحدث إليه الطبيب عن وضع طبي خطير، لم يصدقه عاصم في البداية، هاتفًا بعدم تصديق:
– مش فاهم، انت قصدك معتز؟ أخويا؟ أنا متأكد.
وبعد أن استمع إليه وتأكد مائة بالمائة، جحظت عيناه، وكوّر قبضة يده بشدة، وأخذ صدره يعلو ويهبط من فرط توتره وصدمته مما سمع، والطرف الآخر يطلب منه الإسراع قبل فوات الأوان وسرعة تواجده بالمركز. لم يدرِ كيف أغلق الهاتف، وألقاه بإهمال حتى أصدر صوت تساقطه، فانتبهت له سيلا، وجذبته من الأرض، ووضعته على المنضدة بجانبه.
لاحظت أن عاصم يترنح في وقفته، فأسرعت إليه تلحقه، تهزه متسائلة بفزع أمام هيئته المرعبة:
– عاصم، فيه إيه؟ مين كلمك؟ فوق يا عاصم! همسة حصلها حاجة؟! انطق!
أصبح في عالمٍ آخر، تائها، جلس على أقرب مقعد يلتقط أنفاسه، فارتوى من الكأس الذي أحضرته له سيلا، ارتشف قليلًا، وهتف بوجع واضعًا يده على قلبه، ناطقًا اسمه بحزن:
– معتز يا سيلا… ابني الصغير اللي ربيته… ابني بيموت لوحده… آه على الوجع اللي فيه…
بصدمة، تحدثت بعدم فهم:
– معتز مين؟ وازاي؟ مين قالك؟ مين كلمك؟ هو معتز اللي كان بيكلمك؟ انطق يا عاصم، في إيه؟!
نهض عاصم فجأة، يتوجه إلى غرفته بخطى متوترة، وبدأ يجمع ملابسه في الحقيبة بعشوائية، وكأن الأرض تحته تميد:
– لازم ننزل، لازم أشوفه، أضربه وأحضنه وأقوله ليه؟ ليه مقولتش ليا؟ نلحقك قبل ما تسافر… معتز عنده ورم في المخ، في منطقة حسّاسة… نسبة نجاح العملية تلاتين في المية! معتز وصّى الدكتور محدش يعرف دلوقتي، كان عايز يهيئ نفسه، وبعد كده يبلغنا… بس اتأخر، والدكتور بلغني لما لقى نفسه اتأخر كتير… كل تأخير بيضيع الفرصة أكتر.
ظل يدور حول نفسه، يشد على شعره بأنامل مضطربة، بينما سيلا واقفة مذهولة مما سمعته، تحاول تهدئته بصوت خافت وقلق:
– إهدى… اقعد الأول يا عاصم، نفكر هنبدأ منين، ونتصل بوليد وعامر، وهم يقرروا معانا.
رفع عينيه نحوها بحزنٍ قاتم، ثم ارتمى داخل أحضانها كمن فرّ منه صبره، وانفجر في بكاءٍ موجع:
– معتز بيموت قدامي… مش هستحمل فراقه… أنا اللي ربيته، دا ابني، والله ابني…
ظلّت تمسح على رأسه وكتفيه، تقبّله بحنو، كأنها تُسكن الوجع:
– نلحقه، نشوف أكبر دكتور، ونعمله العملية، وهتنجح بإذن الله، وهيقوم ويرجع وسطينا، والله، خلي أملك في ربنا كبير… يلا بينا ننزل من هنا. أنا هروح أجهز الشنط، وإنت ريّح شوية، واعمل تليفوناتك، كلّم وليد يبلّغ عامر، وخليهم يتجمعوا.
—
في اليوم التالي، بالغردقة، اجتمع كلٌّ من وليد، عامر، عاصم، وسيلا داخل غرفة الفندق التابع لهم، بعد أن هاتفهم عاصم وشرح لهم كل شيء. اتفقوا على الاجتماع هناك لتواجد معتز في نفس المدينة، لكن بفندق آخر.
أعاد عاصم الاتصال بالطبيب معتذرًا عن إغلاقه المفاجئ للهاتف، مبررًا ذلك بصدمته مما سمع، فبادله الطبيب بنبرة حازمة:
– حلّ الأمر مش هيكون بالعصبية، لازم المريض يدخل العملية بإرادته، وبنفسية هادئة، الضغط مش هيساعد، بالعكس، هيأثر عليه بالسلب.
أصبح عاصم كجسدٍ متجمّد، صامتًا لا يشاركهم الحديث، يتوق فقط إلى رؤية أخيه، فيما التفت وليد إلى عامر يسأله:
– إنت عارف قاعد فين؟ بتشوفه؟
أجاب عامر مترددًا:
– جماعة صحابي بيشوفوه كل ليلة في الملهى الليلي، بيمشي منه الصبح… أنا من آخر مرة اتخانقت معاه وساب الفندق، مبقتش أشوفه للأسف… والمشكلة إننا لو ضغطنا عليه دلوقتي، زي ما الدكتور قال، مش هنكسب حاجة… الموضوع عايز سياسة وهدوء، فاهمين؟ ما ندخلش قفش معاه، ممكن يهرب ومش نعرف مكانه تاني.
هتف وليد مؤيدًا:
– معاك في كل ده، بس إزاي نقنعه؟ المهم… قوم بينا نجيبه ونشوفه.
قاطعتهم سيلا بتفكير حاسم:
– طيب، اعملوا حسابكم على مي… أكيد هي من أسباب بعده، وليها تأثير عليه.
أشار وليد نحوها موافقًا:
– أيوه، صح جدًا… كلميها وفهميها وضعه، وإنها تساعدنا… صح يا عاصم، ولا إيه؟
يا ترى مي هتعمل إيه؟
هتمد له إيدها، وتنقذه من عزلته زي ما هي كانت بتتمنى يومًا ينقذها من وجعها؟
ولا هتدير له ظهرها، زي ما عمل وضيع لحظاتهم الحلوة؟
القرار مش بسيط… واللحظة دي كفيلة تغيّر شكل كل الحكاية.
وسؤال تاني بيحفر جوه العمق…
لما نقارن بين عاصم وسيلا ومي ومعتز،
مين حبّه كان أصدق؟
مين حبّه صمد؟
مين قدر يحب رغم الخذلان، ويتمسّك رغم الألم؟
ومين حبّه كان مجرد لحظة، أول ما اتكسر… انتهى؟
هل رباط الحب اللي بينهم قوي ويتحمل، ولا ضعيف وهيتقطع؟
ولا يمكن تحت رماد الجراح، لسه في شعلة قادرة تنوّر الطريق من جديد؟
جاوبوا أنتم… لسه الحكاية مخلصتش.
