رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل السادس عشر 16 بقلم نورهان ال عشري


رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل السادس عشر بقلم نورهان ال عشري 



أَتذكُر حين جِئتُك ذات يومٍ، وكُلي أَمل أَن يحيَا الفُؤاد بقُربِك آمِنًا؟ 


فها أنا اليوم أَعود من حيثُ 


جِئت، وبقلبي جُرحٌ للغدرِ بات شاهدًا! 


أَيَا حبيباً استباح الفُؤاد، وفي عمقِ روحي أضحى ساكِنَا؟ 


ما لك تستبُد بقلبٍ هواك، ولم يتخذ سوى عينيك موطنًا؟ 


ترى أهان عليك جُرحنا؟ أم أن فيض عشقي أطغاك، فظننت أن بأسي هائنًا؟ 


أَما ساءك نشيج لوعتي؟ لتأثم بحق قلبي هكذا إثمًا بائنًا؟


عزيزٌ أنا، وقلبي ذو كبرياءٍ، فكيف استطعت أن تردهُ كسيرًا خائبًا؟


نورهان العشري ✍️ 


🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁


ضاق صدره و اختنقت أنفاسه حتى ظن أن الهواء ضل الطريق إلى رئتيه، فأخذت عينيه تتفرقان بين وجهها المُرتعب وهذا الشريط الذي يعرف ما هي وظيفته جيدًا، ولكن لماذا؟


ـ أنتِ بتاخدي حبوب منع الحمل؟!


لأول مرةٍ في حياته يشعرُ أنه يريد التوسل إلى أحدهم، فقد كانت عيناه تتوسلان بصمتٍ إلى عينيها؛ لعلها تنفي هذا الاستفهام الذي كانت حروفه تمزق أوتار قلبه، وكأنها شجرةُ شوكٍ تخرجُ عنوةً من بين لفائفِ الصوف


ـ خا. خالد. خلينا نقعد و نتكلم بهدوء.


ابتسامة ساخرة لاحت في زوايا فمه لترتجف شفاهه حين قال بنبرة مُتحشرجة تئن ألمًا:


ـ مانا هادي أهو! 


في الحقيقة لم يكُن هذا الهدوء خيارًا بل كان نتاج تلك الصاعقة التي هبطت فوق قلبه، لتخور جميع قواه أمام هذا الألم الضاري الذي يكاد يفتك به.


ـ بابي أنت كويس ؟


هكذا تحدثت رنا بشفاة مُرتجفة من فرط الخوف على والدها الذي هالها مظهره، فقد بدا وكأنه أُصيب بطلق ناري استقر في منتصف قلبه، لينتفض قلب أشجان و تشعر بأن أقدامها لا تستطيعان حملها، ولكنه تدارك حالته ليلتفت إلى صغيرته قائلًا بنبرة قاتمة:


ـ أنا كويس. استنيني تحت.


تفرقت أنظار الفتاة بين والدها وبين أشجان، ولكنها خصت الأخيرة بنظرة لائمة قبل أن تتراجع إلى الخلف لينتفض جسد أشجان حين سمعت صوت إغلاق الباب، و تهطل عبراتها كالمطر دون أن تستطيع أن توقفها، بينما كانت عينيه تطالعانها بنظرات معاتبة آلمتها و خاصةً حين جاءت نبرته جافة يشوبها القسوة حين قال وهو يرفع الشريط أمامها:


ـ عايز اسمع تفسير منطقي للي في إيدي دا! 


كانت على شفير الانهيار تود الصراخ بما يُثقل كاهلها ولكنها لا تعلم كيف ستخبره؟ و كيف تقال مثل هذه الكلمات؟ فقد لامست منذ قليل حزنه على ما حدث لشقيقته حتى أنه لم يكن يبغي مجرد سماع أي شيء قد يُدينها، فكيف تستطيع المُجاذفة، و خاصةً وهي طريحة الفراش الآن وحتمًا ستستغل هذا الأمر لصالحها؟


ـ ممكن أقعد؟


هكذا تحدثت بخفوت فتنحى خالد ليقف أمام النافذة ليُعطيها القدر الكافي للهدوء الذي كان هو في أمس الحاجة إليه، فقد شعر بحاجته لحجب هذا الألم الهائل عن عيني الجميع وهي أولهم


أفصحت شفتيها عن بعض الحجج التي تعلم جيدًا أنها لن تنطلي عليه، ولكنها كانت أجبن من أن تقول الحقيقة:


ـ خالد. أنا. أنا. كنت الفترة اللي فاتت دي متلخبطة، و أنت. كمان. كانت كل حاجة فوق دماغك و أنا…


ـ أنتِ بتاخدي الحبوب دي من امتى؟ 


قاطعها صوته الصارخ، فلم يعد باستطاعته الهدوء وهي تمزق أوتار قلبه بأعذارها الواهية، لتنتفض أشجان إثر صراخه عليها بهذا الشكل الذي أفزعها لتهتف بلهفة:


ـ لسه. لسه بادئة أخدها من شهرين..


مزقت كلماتها قلبه، فبينما هو يتمنى أن يحظى بطفلٍ منها و يسعى جاهدًا لذلك كانت في الجهة الأخرى تهدم أحلامه دون شفقة أو رحمة!


خرجت كلماته بنبرة مُتحشرجة حين قال:


ـ عشان كدا كنتِ بتتهربي انك تروحي تكشفي! 


أشجان بلهفة:


ـ لا مكنتش بهرب. بس . يعني . الولاد لسه صغيرين ومحتاجين اهتمامي…


شعر بالإهانة لحديثها، وخاصةً ذلك الكذب الذي يتراقص في مقلتيها وهو ما لم يحتمله كبريائه لذا هتف بقسوة:


ـ أنتِ شيفاني غبي للدرجادي؟ بتكذبي عليا و أنتِ عينك في عيني؟! 


كان الخناق يضيق عليها شيئًا، فشيئًا مما جعلها تهتف بارتباك:


ـ يا خالد افهمني. انا مكنتش جاهزة لتجربة زي دي الحياة في البيت هنا مش مستقرة، وكل واحد في وادي. 


بدأت نيران غضبه الأسود تستعر، ولكن هناك قلبٍ عاشقٍ يحاول جاهدًا تهدئتها لذا قال بنبرة خشنة:


ـ مجتيش قولتيلي الكلام دا ليه ؟ سبتيني زي الغبي احلم ليه؟


صمت ثواني قبل أن يُضيف بسخرية مريرة:


ـ تخيلي انا كنت طول الوقت بحلم بطفل منك وانتي بتهدي الحلم دا و أنتِ عينك في عيني عادي كدا!


هتفت بلوعة:


ـ انا خوفت والله…


استنكر حديثها قائلاً:


ـ خوفتي! تصدقي مكنتش اتخيل أن الجُبن صفة سيئة اوي كدا. بس عمومًا ماشي. اللي أنتِ عايزاه هيحصل. بس من غير حبوب منع الحمل ولا غيره.


هوى قلبها بين قدميها من حديثه لتهتف بشفاه مرتجفة:


ـ يعني ايه ؟ 


خالد بقسوة للمرة الأولى تكن هي ضحيتها:


ـ يعني مالوش لزوم تاخدي الحبوب دي بعد النهاردة. أنا هريحك مني فترة و أهو عشان بالمرة تقدري تفكري و تقرري إذا كانت حياتك معايا مستقرة لدرجة أنك تخلفي مني ، ولا لا؟ 


كلماته أجهزت على قلبها و ما تبقى من ثباتها لتهمس بلوعة:


ـ خالد.


لم يُعيرها اي اهتمام أو هكذا تظاهر، فقد كان لأول مرة بحياته يلجأ إلى الهرب، يريد الابتعاد قدر الإمكان حتى تستطيع تلك الروح المذبوحة الانهيار بعيدًا عن الجميع وخاصةً هي، ففعلتها كانت بمثابة طعنة غادرة جاءت من أكثر الجهات آمنًا بالنسبة إليه. 


لا إلهَ إلا اللهُ العظيمُ الحليمُ، لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ العرشِ العظيمِ، لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ السماواتِ والأرضِ وربُّ العرشِ الكريمِ ♥️


★★★★★★★★★


ـ بارك الله لكما و بارك عليكم و جمع بينكم في خير.


هكذا نطق الشيخ ليرتج قلب آسيا وهي تنظر إلى كمال الذي ترك يد عزام وهو يوميء برأسه وكأنه وصل إلى هدف ما، على عكس المرة السابقة حين عقد قرانهم، فقد رأت في عينيه فرحة لا تستطيع نسيانها أبدًا.


ـ ألف مبروك يا آسيا. ألف مبروك يا حبيبة أمك. أيوا كدا. فرحي قلبي و ارجعي لعقلك.


هكذا تحدثت رضا وهي تحتضن آسيا بين ذراعيها وهي لازالت غير مصدقة لما حدث منذ ساعة من الآن حين فتحت باب المنزل لتتفاجيء بآسيا ومن خلفها كمال الذي أعاد طلب يدها مرة آخرى من والدها، وقد كان هذا شرطها لتوافق على ما يريده


عودة لما قبل ساعة من الآن.


ـ موافقة يا كمال نتجوز تاني. بس عندي شرطين!


كام يعلم أنها لن تقبل بالأمر بهذه السهولة لذا قال بجفاء: 


ـ اللي هما؟ 


آسيا بجمود:


ـ تطلبني تاني من بابا، انا مش هعمل حاجه من ورا أهلي، ولو على موتي. 


هذه المرأة لا تكُف عن إدهاشه، أي كبرياء تمتلك ليجعلها تُملي شروطها وهي في أضعف حالاتها، و أي عزة نفس تمتلك لتجعلها لا تقبل أي شيء يقلل من قدرها؟! وعلى الرغم من أنها تجبره على احترامها في كثير من الأحيان، ولكنها تخيفه كثيرًا.


ـ و الشرط التاني؟


هكذا استفهم كمال لتجيبه آسيا بنبرة قاطعة:


ـ مش هرجع القصر دا تاني ولا هعيش فيه لحظة واحدة. 


عودة إلى الوقت الحالي


ـ خليكي ناصحة و حافظي على بيتك. الجدع بيحبك، و إلا مكنش رجعك تاني. 


هكذا همست رضا بجانب أذن آسيا التي اكتفت بإيماءة بسيطة من رأسها لتصل إلى أذنها كلمات والدها الذي شدد على كل حرف تفوه به:


ـ أنا لحد دلوقتي معرفش ايه اللي خلاكوا تطلقوا قبل كدا. بس اللي اعرفه أن آسيا أتأذت كتير أوي بسبب اللي حصل، و بتمنى اني مشوفش بنتي في الحالة اللي كانت فيها مرة تانية.


لم يكن كلامًا عابرًا هكذا شعر، فقد كانت نبرته تحتوي على رجاء لم يخطئ في فهمه، ولكنه اكتفى بإيماءه بسيطة من رأسه وهو يطمئن عزام قائلًا


ـ متقلقش. أن شاء الله ربنا يقدم اللي فيه الخير.


لم تكن إجابته مطمئنة، ولكنها تعلم بأن القادم ليس كما تتمنى و على الرغم من ذلك فقد رضخت ليس لطلبه، بل لقلبها أولاً، فقد كانت تظن بأن ما مضى من حياتها كان قاسيًا، ولكن فراقه بالنسبة إليها كان الموت بعينه.


اقتربت تحتضن والدها بقوة، وكأنها تستمد منه الأمان الذي تحتاجه لمواجهة ماهو قادم، فلم يخفى على كمال ذلك العناق الذي طال و تلك الملامح التي يخيم عليها الخوف و هذه العيون التي تجاهد نوبات البكاء، وعلى الرغم من مظهرها المحطم، فقد كان هناك هاجس داخلي يخبره أنه ربما كان تمثيل مُتقن من جانبها! و الحقيقة أن كل شيء بعينيه أصبح له وجهًا آخر. 


هكذا هو الخذلان ألم لا يقتلك بل يُحييك ليجعلك تتذوق موتاً من نوعٍ آخر، حتى ولو نجوت! فسترث منه لعنة الحذر لتحيا الباقي من حياتك مُحاصرًا بظلال الشك، ترتاب في كل بادرة نور خشية أن تكون تمهيدًا لظلامٍ جديد. 


ـ يالا عشان نروح. 


هكذا تحدث كمال لتتفشى الرجفة في سائر جسدها ولكنها حاولت التظاهر بالهدوء أمام عيني والديها لترسم ابتسامة زائفة فوق شفاهها وهي تودعهما لتستقل السيارة بجانبه أخيرًا و ينتهي كل هذا المشهد الذي استنفذ جزء كبير من طاقتها مما جعل نبرتها تبدو متعبة حين قالت:


ـ عايزة أروح اجيب حاجتي من عند سوزي.


أدار السيارة وهو يجيبها دون أن ينظر إليها:


ـ غريبة! مسألتيش هنروح فين؟


أدارت وجهها إلى النافذة وهي تهتف بلا مُبالاة:


ـ مش هتفرق..


استفزته إجابتها كثيرًا ليجيبها بجفاء:


ـ نبقى نجيبها في أي وقت تاني. المكان اللي هنروحه في كل حاجة.


قاطعته بانفعال:


ـ أنا مش هروح في مكان غير لما أجيب حاجتي.. على الأقل حاجتي الشخصية. 


ناظرها بغموض أربكها فقد كان كل ما تحتاجه هي أدويتها التي يجب أن تأخذها بانتظام، فقد سئمت من الألم، و رائحة المشفى، وتعليمات الأطباء لذا تابعت بتعب لم يخفى عليه:


ـ أرجوك يا كمال ريحني. خلينا نروح نجيب حاجتي. و كمان اعرف سوزي اللي حصل. مش هنطول صدقني.


اومأ برأسه بالموافقة ولكن عينيه كانت وكأنها لا تكتفي بما تراه أمامها بل كانت تطالعها بشمولية و تدقيق و كأنه يريد أن يرى ماهو أبعد من حديثها و ملامحها المتعبة، وهنا أدركت بأن رحلتها معه لن تكون سهلة أبدًا، ففقدان الثقة بينهم سيشكل حاجز كبير في المستقبل.


اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت" ♥️


★★★★★★★★★★


صمتٍ مُطبق غلف الأجواء حولهم حين ألقى راجي قنبلته التي بعثرت الوسط لتتحول الوجوه إلى تماثيل صامتة مدهوشة بعد أن امتصت منها الصدمة قدرتها على الحياة. 


ـ أنت بتقول أيه؟ 


كان هذا صوت عمر الذي استفاق من صدمته ليقترب و يأخذ تلك الأوراق التي يمسكها راجي و ينظر إليها و تلك الصور المرفقة بها لتبدأ شروق باستعادة وعيها ببطء حين شاهدت أحد الصور التي سقطت من الظرف الكبير لترتجف يدها وهي تمتد لالتقاطها، كيف لا وهي ترى والدها يقف جنبًا إلى جنب مع أحد الرجال، والذي كان يقف بجانب راجي الآن، فأخذت عينيها تتفرقان ما بين الصورة وبين الرجل الذي تحمحم بخشونة قبل أن يقول بنبرة غليظة:


ـ إيوا يا بتي. أني اللي واچف چار أبوكي الله يرحمه. و ده چدك الحاچ عبد الله الچيار اللي على اليمين. 


شعرت بأن الأرض تميد بها فكادت أن تقع لولا عمر الذي اقترب منها بلهفة ليقوم باسنادها وهو يهتف بلهفة:


ـ شروق..


قام بتقريب أحد المقاعد لتجلس عليه و اندفعت تجاهها سوزان التي كانت مذهولة مما سمعته ليقترب راجي من عمر وهو يهتف بحدة:


ـ بعد يدك عنها، و اوعاك تجرب منها.


استشاط عمر غضبًا و اسودت معالمه تزامنًا مع انتفاخ أوردته وهو يناظر راجي و كأنه يود لو يحطم رأسه في هذه اللحظة ليزمجر بوحشية:


ـ أنا أعمل اللي انا عايزه، و انت متفتحش بقك، واوعى تفكر أن اللي قولته دا هيهز شعره فيا. دا لو أبوها نفسه خرج من تربته مش هيبعدني عنها. شروق مراتي. 


هنا خرج صوت عامر الجيار عم شروق الذي صاحب بصوت جهوري جمد اندفاع الرجلان


ـ كانت مرتك يا أخ… ودلوق بقيبت غريب عنيها. يوبجى تلزم حدودك.


عمر بانفعال:


ـ أنا عمري ما كنت غريب عنها. لو متعرفش فأنا ابن خالها.


عامر بجهامة:


ـ لا عارف، و ده بردك ميديكش تجرب منها. ابن خالها على عيني وراسي تقف بأدبك.


راجي باستفزاز:


ـ أو نعلمك احنا الأدب لو متعرفوش! 


كان كالبركان الذي على وشك الانفجار في أي لحظة، فلم يكن ينقصه سوى استفزاز ذلك الوغد مما جعله يصيح بعُنف:


ـ حلو أوي دا. وأنا بردو هعلمك ازاي تبقى راجل..


ـ كفاية بقى..


هكذا صرخت شروق بانفعال ليأتيهم صوت عامر الغليظ:


ـ بزيداك انت وهو. وأنت ياراچي. مسمعش حسك واصل..


التفتت شروق إلى عامر وهي تقول بانفعال:


ـ أرجوك مشيه من هنا. 


التمعت عيني بالشماته حين سمع كلمات شروق لتُتابع الأخيرة موجهة حديثها إليه:


ـ وأنت كمان امشي. مش عايزة أشوف حد فيكوا هنا. 


تدخلت سوزان التي كانت تحتضن شروق بين ذراعيها:


ـ لو سمحت يادكتور عمر، وانت يا باشمهندس راجي اتفضلوا اطلعوا بره.


تبادل الرجلان النظرات المشتعلة ليخرج راجي وهو يرغي و يزبد بينما عمر ظل في مكانه ليتحدث بجفاء:


ـ أنا مش هخرج وعايز أعرف القصة دي من أولها لآخرها. 


انتزعت شروق نفسها من بين ذراعي سوزان وهي تصرخ به، فقد كانت على شفير الإنهيار في هذه اللحظة:


ـ ميخصكش يا عمر. مفيش حاجة تخصني بقت تخصك. اخرج من هنا انا مش عايزة أشوفك. 


صاح عمر مستنكرًا حديثها:


ـ شروق..


صاح عامر بتحذير:


ـ اسمعني يا چدع أنت. كلامك معايا أنا. اتفضل أخرچ بره، و إلا هيكونلي تصرف تاني معاك. 


اوشك عمر على الرد ولكن سوزان تدخلت لتهدئة الموقف الذي تخشى أن يحتدم أكثر:


ـ أخرج يا عمر عشان خاطري. كفاية بقى شروق مش متحملة.


ألقى نظرة على شروق التي كانت تبكي وهي تضع وجهها بين يديها، وقد صرحت علانية أنها لا تريده حولها بينما هو لا يتمنى في هذه اللحظة سوى احتضانها! بالأمس، ذبح قلبه قربانًا لغروره الأهوج الذي كان يرفضها و يتنكر من عشقه لها، واليوم، يقفُ ذليلًا على أعتاب عينيها يستجدي نظرةً واحدة منها. أي جرمٍ هذا الذي ارتكبه بحق روحه، حين طعن قلبه بسكين العناد، ليتركه الآن يصرخُ تحت أنقاض كرامة لم تعد تُسمن ولا تُغني من جوع؟


ـ مش همشي يا شروق مش همشي..


هكذا كان يهتف عمر وهو يقف في ذلك الممر الحجري بالخارج أمام المخبز وهو يدور حول نفسه و يديه تحتضنان رأسه الذي يكاد ينفجر من فرط الألم لتلسعه لدغات الكلمات التي تفوه بها راجي في أكثر الأوقات الخطأ:


ـ اقعد لف حوالين نفسك زي المجنون، بس خليك عارف انك خلاص خسرت. شروق مش ليك. معلش بقى أصل البنت عندها لابن عمها. 


برقت أنظار عمر واهتاجت دواخله، بينما ملامحه أسودت بشكل مريع، و كذلك أنفاسها اهتاجت، فبدا كثورٍ غاضب أمام لفافة حمراء ينوي الفتك بها. ليلتفت لاكمًا راجي بكل ما يمتلك من قوة..


في الداخل كانت عامر يتحدث بأسف وهو ينظر إلى شروق التي كان جسدها يهتز بفعل بكائها:


ـ أبوكي الله يرحمه كان الكبير بيننا و لما قامت العركة بيننا و بين الوحيشة چدك الله يرحمه جتل كبيرهم وهو بيفض الليلة، و طبعًا كان لازمن ياخدوا تارهم، وعشان يوچعوه صوح قرروا يجتلوا صابر، و چدك متحملش أنه يخسر ابنه الكبير، و دخل ناس تچيلة جوي في البلد، و لما جعدوا اتفجوا أن صابر يروح للوحيشة شايل كفنه..


كان للأمر وقعًا مريعًا على قلبها، فقد كان تستمع بجسد تنتفض كل ذرة منه. ليُكمل عامر حديثه قائلًا:


ـ البلد كلاتها كانت والعه و الناس مرعوبة في بيوتها،و الداخلية كانت مأمنه البلد من شرجها لغربها، و جبل ما صابر يركب العربية عرفنا أنهم ناويين على الغدر، يومها چدك متحملش أنه يچرى حاچة لأبوكي، و هربه على بره، أبوكي مكنش عايز يهروب، لأنه كان عارف أنها عيبة في حجة العمر كله، بس چدك مسابلوش أي فرصة و أچبر الرچالة تهربه. أبوكي يومها قاله لو عملت أكده مش هتشوفني العمر كله، و فعلًا نفذ وعده.


أخذت تبكي بقوة، فللمرة الثانية تنقلب حياتها رأسًا على عقب، وهي تقف كالمتفرجة أمام طوفان الماضي الذي يغرقها بكل مرة، فلم يكُن يكفيها ما عانته والدتها من عائلتها ليتضح بأن والدها هو الآخر عانى بسبب عائلته وأن كان غير منصف فيما فعله ولكن في الحالتين كانت عائلة كلًا منهما سبب في إيذائها بطريقة أو بأخرى.


ـ طب ليه مدورتوش عليه العمر دا كله؟ 


عامر بتوضيح:


ـ التار ناره مابتموتش يا بتي، و لو كان صابر ظهر في أي وجت كانوا هيجتلوه، و اي محاولة منا أننا ندوروا عليه نوبقى بنكتب نهاية بإيدينا. 


شروق بقهر:


ـ يعني مكنش في أي حل غير أن بابا يموت ؟ أو يعيش منفي باقية عمره؟! 


عامر بأسف:


ـ كان في حلول. بس الناس دي الخيانة في طبعها، و إلا كان زمانهم قبلوا زمان الكفن و خلوصنا. 


تدخلت سوزان قائلة:


ـ بس أنا سمعت قبل كدا أن المواضيع دي بتتحل بالجواز يعني تاخدوا من بعض…


عامر بسخرية:


ـ عِملنا أكده يا حاجة، و ياريته ما حوصول..


كانت هناك سخرية مريرة في نبرته جعلت كُلًا من شروق و سوزان يتبادلن النظرات الصامتة و التي اخترقها صراخ قوي قادم من الخارج لينتفض الجميع مهرولين لمعرفة ماذا يحدُث؟


ـ أنا هستناكي بره لما تخلصي كلميني اجي اخد منك الشنط.


هكذا تحدث كمال باقتضاب لتجيبه آسيا باختصار:


ـ حاضر..


 توقفت السيارة أمام الطريق العام من الناحية المقابلة للمخبز لتترجل آسيا منها وتتوجه إلى الممر الحجري الطويل ولكنها فزعت حين شاهدت ذلك النزال الضاري بين هذين الوحشين لتصرخ بفزع زعزع قلب كمال في مكانه الذي انتفض كالملدوغ ليتوجه إليها، فإذا به يجدها تندفع تجاهه وهي تصرخ مستنجده له


ـ ألحق يا كمال. عمر بيتخانق مع راجي؟!


تلقاها كمال بين ذراعيه قبل أن تتبدل أنظاره إلى الذهول حين شاهد تلك المعركة الدامية بين عمر و راجي ليهتف مُحذرًا:


ـ خليكي بعيد عن المجانين دول. 


اطاعته لتتراجع بعيدًا بينما هو اندفع نحوهم يحاول فض تلك المشاجرة العنيفة وهو يهتف بصوتٍ جهوري:


ـ بس يا غبي منك له. في ايه؟ هتموتوا بعض. 


لم يكد ينهي جملته حتى جاءته لكمة قوية من يد عمر في جانب وجهه كان المقصود منها راجي الذي استغل فرصة ارتباك عمر وهو يرى لكمته تصيب كمال ليقوم بتوجية ضربة مُباشرة إلى وجه عمر جعلت الدماء تنبثق من أنفه و شفتيه لتجحظ عيني شروق حين رأت الدماء تندفع من وجهه لتصرخ بذُعر:


ـ عمررر..


التفت راجي ناظرًا إليها، فلم يلحظ يزيد الذي كان يرافق جميلة إلى المنزل. فشاهد تلك اللكمة التي نالت من وجه ابن عمه ليندفع تجاه راجي من الخلف و يقوم بالتقاط فأسًا كبيرًا من على الأرض و توجيه ضربة قوية بظهر الفأس لرأس راجي وهو يصيح بعُنف:


ـ بتضرب ابن عمي يا حيوان..


سقط راجي أرضًا و انفجرت الدماء من خلف رأسه لتتعالى صرخات الفتيات الذي جذب سمع سمع الغفر المتواجدين في سيارة راجي التي تقف على الطريق العمومي ليندفع الرجال من داخلها مُشهرين أسلحتهم في وجه الأوتاد الثلاثة ليكون المشهد كمال و عمر و يزيد يقفون في ظهر بعضهم البعض و حولهم رجال الجيارة و راجي يقف وهو يناظرهم بغل و يده أسفل عنقه فوق تلك الضربة التي لازالت تنزف ليرتاح قلب سوزان ما أن رأت خالد فقد هاتفته حين جاء راجي و رجاله ليأتي و يكُن معهم. ليهتف عامر بصوتٍ غليظ:


ـ چرى ايه يا وتايدة. هتتكاتلوا على ولد الچيارة عينك عينك أكده!


لم يكد يُنهي جملته حتى سمعوا جميعًا صوت طلقات نار قادمة من الخلف، لينتفض الجميع ينظرون إلى الخلف ليتفاجئوا من وجود كُلًا من خالد و رحيم و حولهم مجموعة من الحرس و الجميع مُشهرًا سلاحه ليبتسم عمر بانتصار وهو ينظر إلى راجي فقد رجحت كفتهم الآن.


ـ نزل سلاحك منك له بدل ما تدفن مكانك منك له. 


كان هذا صوت خالد الذي كانت ملامحه مكفهرة و عينيه وكأنها مرآة للجحيم المستعر بداخله و الذي يتغذى على كل خلية بداخله.


ـ هدي اللعب يا وتيدي. دي عاركة ولاد صغيرين. أكده ولا ايه يا عمدة؟!


هكذا تحدث عامر لينظر رحيم إلى خالد الذي يظهر على ملامحه قسوة مرعبة مما جعله يقول بنبرة وقورة:


ـ عنديك حج يا حاچ عامر.. ولو أن اللي يشوفهم وهما كل واحد كد الحيطة أكده ميجولش أنهم صغار. بس معلش مش بيجولك أجسام البغال و عقول العصافير! 


تهكم يزيد وهو ينظر إلى عمر قائلًا:


ـ ادينا بقينا بغال بعقول عصافير بسببك..معرفتش تغُم طول عمرك.


انضمت آسيا إلى شروق و جميلة و كذلك سوزان التي داهمها التعب بينما اقترب خالد ينظر إلى الثلاثة وهو يقول بجفاء:


ـ حصل ايه ؟


عمر بحدة:


ـ كنت بعلمه الأدب و أنه ميرفعش عينيه في حاجة مش ملكه. 


راجي بصوتٍ جهوري:


ـ دي لما تبقى بتاعتك من أساسه. لكن خلاص كان في و خلص….


قاطعهم صراخ شروق التي كانت على شفير الانهيار:


ـ كفاية بقى انت وهو انا مش بتاعت حد. ولا عايزة أشوف وشك حد فيكوا. 


استدارت ناظره إلى عمر وهي تصرخ بعُنف:


ـ أنا عمري ما هفكر ارجعلك أبدًا.


انشق صدره إلى نصفين جراء حديثها الذي أثلج صدر راجي ولكن كان له نصيبًا أيضًا من الألم حين استدارت لتصرخ بوجهه:


ـ ولا عمري هفكر اتجوزك انت كمان..


بهتت ملامحه ليقترب عامر من شروق وهو يربت على كتفها قائلًا:


ـ اهدي يا بتي، و طول ماني موچود محدش هيجدر يجرب منيكي.


التفتت تناظره بتعب:


ـ لو في قلبك اي ذرة حب تجاهي أو تجاه بابا تبعد اللتنين دول عني! 


اندهش الجميع ممن لا يعرفون ماحدث لتأتي كلمات عامر الموضحة:


ـ أبوكي يوبجى أخوي، و أنتِ بت أخوي يعني بتي، و حمايتك واچب عليا.


تدخل خالد بنفاذ صبر:


ـ جميلة خدي أختك و سوزي و ادخلوا جوا ، و أنت يا حاج عامر ياريت توضحلنا في ايه بالظبط؟


عامر بتوضيح:


ـ أني اجولك يا خالد بيه. صابر والد شروق يوبقى اخوي.


خالد باستفهام:


ـ ايه الكلام اللي أنت بتقوله دا؟ صابر دا ازاي يبقى اخوك ؟ انا اللي مجوزه والدة شروق و حاطط إيدي في إيده. و شايف بياناته مكنش فيها اسم عيلتكوا من أساسه.


عامر بتوضيح:


ـ كان فيها اسم صابر عبد الفتاح شعبان صوح؟ 


خالد باختصار:


ـ صح..


ـ ده اسم مزور صابر يوبجى اخوي، و أنا معاي كل الورق اللي يثبت ده، و اللي حوصول دية قصة طويلة شروق بقت على علم بيها، ولو عايز تسمعها يوبجى تاچي نجعدوا و نتحددتوا و تفهم كل حاچة.


هكذا تحدث عامر، لينظر رحيم إلى خالد بنظرة ذات مغزى جعلت الاخير يقول بنبرة جافة:


ـ اكيد لازم اعرف. شروق بنتنا و لازم اتأكد من كل كلمة انت بتقولها.


عامر بجمود:


ـ واني موافج…


قطع حديثهم صوت يزيد الذي صرخ في الهاتف مفزوعًا:


ـ بتقول ايه يا ياسر ؟ مقبوض عليك ازاي ؟ 


ياسر بحدة:


ـ اسمعني انا مش مهم دلوقتي. انا عايزك تكلم آسيا و تخليها تروح لغنى انا سايبها في البيت لوحدها. خليها تفضل معاها و متسبهاش لحد مانا أخرج..


يزيد بلهفة:


ـ طب عرفني في أيه و مقبوض عليك ليه؟


في هذه الأثناء اقترب منه الجميع و كان أولهم كمال الذي جذب الهاتف من يزيد وهو يقول بلهفة:


ـ أيوا يا ياسر انا كمال في ايه؟ 


ياسر بلهفة:


ـ كمال بالله عليك اسمعني. عايزك تاخد آسيا توديها عند غنى. دلوقتي حالًا و اوعي تخليها تعرفها حاجة..


كمال بحدة:


ـ طيب حاضر بس فهمني أنت أيه دنيتك ؟!


ياسر بغلظة:


ـ ضربت واحد ضايقها. وبلغ عني..  


زفر كمال حانقًا قبل أن يقول:


ـ طيب أنا هاخد آسيا و اروحلها و انت خد خالد معاك وعرفه انت فين عشان يبعتلك محامي..


ناول كمال الهاتف لخالد الذي قال باستفهام:


ـ أيوا يا ياسر حصل ايه؟ 


ياسر بتعب:


ـ أنا في قسم (..) ضربت واحد حقير ضايق غنى و بلغ عني.


خالد باستفهام جاف:


ـ أنت دوست عليه جامد؟ 


ياسر بغل:


ـ كسرت عضمه.


زفر خالد حانقًا:


ـ كملت! طيب انا هجيب المحامي و أجيلك. اتعرضت على النيابة ولا لسه؟ 


ـ لسه الظابط مجاش. 


خالد بعجالة:


ـ أنا مسافة السكة و هكون عندك..


ياسر بلهفة:


ـ أهم حاجة تتأكد أن كمال خد آسيا وداها لغنى. مش عايزها تفضل لوحدها يا ياسر، ولا تعرف حاجة من اللي حصلت.


خالد باختصار:


ـ حاضر..


اغلق ياسر الهاتف، و التفت إلى كمال قائلًا:


ـ خد آسيا وديها بيت ياسر القديم. عشان تفضل مع غنى، وأنا هروحله على القسم. 


تدخل عمر بلهفة:


ـ أنا هاجي معاك..


ناظره خالد ساخطًا:


ـ بمنظرك دا عايز تروح العناية المركزة. البيه أساسًا مقبوض عليه عشان ضرب واحد وكسر عضمه اروحلهم بيك كدا يقولوا علينا بلطجية! 


زفر عمر حانقًا ليهتف يزيد بلهفة:


ـ هو ياسر ضرب مين؟ 


خالد باقتضاب:


ـ لما نروح هناك هنعرف…


ـ في حاجة يا خالد بيه؟ احنا موچودين لو في اي مشكلة! 


هكذا تحدث عامر ليقول خالد بخشونة:


ـ شكرا يا حاج عامر.. معلش مش هنعرف نتكلم دلوقتي. هنخلص الموضوع دا و هجيلك عشان افهم منك الدنيا فيها ايه


عامر بوقار:


ـ خد وقتك و حل مشكلتك واني موچود و لو احتاچت حاجة احنا أهل. أكده ولا اي يا راچي؟


كان راچي عينيه على الزجاج الذي تقف خلفه شروق تنظر إلى ما يحدث بأعيُن دامعة ليستشيط عمر غضبًا و يتوجه تجاهه وهو يهتف بوحشية:


ـ الكلب دا مش هيرجع غير لما اخلص عليه..


ولكن يد يزيد منعته من التحرك خطوة أخرى و خاصةً حين قال بنفاذ صبر:


ـ ما تتهد بقى الله يخربيتكوا عيلة. واحد محبوس هناك في عاركة والتاني عايز يلبسنا هنا جناية. 


على مضض توقف عمر ليقوم كمال بالتوجه إلى الداخل ليجد سوزان تقول بلهفة:


ـ أنتِ بتقولي ايه ؟ اتجوزتوا تاني؟


اومأت آسيا برأسها و هي تقول بخفوت:


ـ أيوا. 


سوزان باستفهام:


ـ طب ازاي؟ 


ـ بعدين تبقى تفهمك..


كان هذا صوت كمال القادم من الخلف لينتفض جسد آسيا وهي تناظره لتستدير سوزان ناظره إليه بعتب:


ـ جرى أيه يا كمال؟ هي حاجة تتأجل؟!


كمال بجمود:


ـ معلش يا سوزي بس في مشكلة كدا ولازم نمشي..


آسيا بلهفة:


ـ مشكلة ايه؟!


كمال باختصار:


ـ هنروح عند ياسر البيت. عشان غنى لوحدها. 


ما أن سمعت شروق اسم غنى حتى انضمت إليهم هي و جميلة لتهتف آسيا بلوعة:


ـ في أيه يا كمال؟ ياسر فين و سايب غنى لوحدها؟ 


كمال باختصار:


ـ مفيش حاجة. هنكمل كلامنا في الطريق. 


اذعنت إليه فقد بدا أنه لن يتناقش لذا قالت شروق بلهفة:


ـ لما تروحي عندها طمنيني. 


آسيا باختصار:


ـ حاضر..


جاء خالد بعد رحيلهم ليتحدث إلى شروق قائلًا:


ـ هنقعد نتكلم يا شروق. بس في موضوع كدا هحله و هرجعلك..


شروق بخفوت:


ـ أنا فعلًا محتاجة اتكلم معاك.


خالد مُطمئنًا:


ـ متقلقيش من حاجة. مش هيحصل غير اللي أنتِ عايزاه..


ابتسمت بهدوء لتقترب منه سوزان قائلة باستفهام:


ـ في أيه يا خالد؟ 


خالد بعتب لم يُخفيه:


ـ أنتِ كنتي عارفة يا سوزان؟


تفاجئت سوزان من كلماته و احتارت ماذا يقصد لتقول بتلعثُم:


ـ عارفة ايه؟ أنت تقصد ايه؟ 


لم تكد تُجيبها حتى جاءت جميلة من خلفهم وهي تناولها هاتفها قائلة:


ـ سوزي. موبايلك عمال يرن أشجان اتصلت عليكِ كتير اوي.


ارتبكت سوزان أمام نظرات خالد الثاقبة ولكنها تفاجئت حين امسك هاتفها وقام بالضغط على زر الإجابة ليندفع صوت أشجان الباكي:


ـ أنتِ فين يا سوزي؟ الحقيني.. خالد عرف موضوع حبوب منع الحمل، و قالي انه هيسيبني. 


شعرت بأن دلوًا من الماء سقط فوق رأسها وهي أمام عينيه التي كانت تعج بالألم والعتب معًا ولكن لهجته كانت قاسية حين قال:


ـ أهي وفرت عليكِ انك تكدبي عليا أنتِ كمان..


ارتعبت أشجان و سقط الهاتف من بين يديها حين سمعت صوته و شعرت سوزان بأن الأرض تميد بها، ليلتفت خالد ذاهبًا غير عابيء بنداءتها المُلحة.


اللهم إني عبدك، وابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمَّيتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجِلاء حزني، وذَهاب همي ♥️


★★★★★★★★


كانت تتقلب في نومتها بعدم راحة، كانت في عمق حلمًا جميل و فجأة انقلب الى كابوس لتحاول الفرار من بين براثنه لتستفق من نومتها لاهثة، و إذا بها تستمع إلى صوت طرق قوي على باب المنزل مما جعلها تنتفض في مخدعها و الدماء تهرب في أوردتها من الخوف كلما علا الطرق لتلتقط عبائتها المعلقة خلف الباب و ترتديها بعجل ثم توجهت بخطٍ متخبطة إلى الباب لتتفاجأ بهيام التي كانت تصرخ في وجهها بعُنف:


ـ أخيرًا فتحتي يا وش الفقر يا بومة. اخويا مرمي في السجن بسببك

❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤




يقودنا الخذلان إلى طُرقات لم نرغب بها يومًا، يجعلنا نشعر بالموت بين أحضان الحياة، لا سيما حين يأتي من الجهة التي أدرنا لها ظهورنا آمنين، مطمئنين. تمامًا كأن يقتلع النسيم أوراق الشجر التي أحبته و تمايلت يومًا على انغامه بدلاً من الإعصار الذي لطالما خشيته واختبأت منه.


 فالألم لا يُقاس بمدى قوة الضربة بل بمقدار اقترابها من القلب، واليد التي منحتنا الطمأنينة يومًا حين تقسو يكُن الألم مُبرحًا، فالأنسان ينجو من العواصف لأنه يترقب قدومها، ولكن يقتله النسيم حين تتحول نعومته لنصل خنجرٍ بارد يعرف كيف يذبح ببطء، هكذا هو الخذلان لا يقتلنا بعُنف بل يُخمد جذوة الحياة بداخلنا بهدوء، و يتركنا نحدق في الفراغ بأنين صامت لا يسمع له صراخ ولكنه يمتد بنا حتى الموت.


نورهان العشري ✍️


🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁


انتفض جسد غنى وارتدت الكلمات في قلبها كالرصاص حين سمعت تلك الجملة " أخويا محبوس في السجن بسببك" 


ـ أنتِ بتقولي ايه؟!


هكذا تحدثت بشفاة مّرتعشة، و عينين أفرغت مخزونها دفعاً واحدة وهي تطالع هيام التي كانت ملامحها مُكفهرة و عينيها تغلفانها القسوة كما لهجتها حين قالت:


ـ اللي سمعتيه ياختي. ياسر في الحبس بسببك. عشان ضرب المخفي على عينه طليقك. 


كانت تعلم بأن حلمها الجميل لن يكتمل ولكن لا أن يُغتال بهذه القسوة! بعد أن استكانت روحها بين يديه و هدأت جراحها بقربه تكُن هي السبب في هذه الكارثة التي ألمت به. 


ـ أنا من الأول قولتله وحذرته. حذرته منك وقولتله انك هتيجي عليه بالخراب. من يوم ما اطلقتي واخويا حالته في النازل. ساب فلوسه و حاله و ماله و مشي وراكي زي العبيط. خسر أخته اللي ربته و كبرته بسببك. أنتِ ايه يا شيخه؟ أيه ؟ لعنة! بومة! أنتِ ايه بالظبط ؟!


هكذا صاحت هيام في وجه غنى التي كانت تنتفض و تتراجع إلى الخلف تزامنًا مع تقدم هيام منها وهي تهز برأسها يمينًا و يسارًا و الدمع يحفر مجراه فوق خديها فيما تعالت شهقاتها وهي تقول بنحيب:


ـ حرام عليكِ يا هيام. انا عمري ما حبيت حد في حياتي غيره، و مقدرش أكون سبب أذى ليه أبدًا. 


صاحت هيام وهي تلكزها في كتفها بغل:


ـ متقدريش تكوني سبب أذى ليه! دا أنتِ الأذى نفسه. هديتي كل حاجة بنيتها لأخواتي. فركشتي عيلة مكنش ليهم غير بعض. انا طفحت الدم عشان أوقفهم على رجليهم. عشان يبقوا رجاله تملى العين. 


سقطت غنى على الأريكة خلفها تشهق بعنف تشعر بأن كلمات هيام كالخناجر التي تغرز في قلبها ولكن الأخيرة لم ترحمها إذ تابعت بقسوة:


ـ بعد ما كنت عايزة أجوزه أحسن بنت في البلد. اتجوز واحدة خرج بيت! واحدة خارجة من بيت جوزها هربانه و متهومة بالسرقة و سيرتها على كل لسان.


انتفضت كالعصفور الصغير وهي تهتف بلوعة:


ـ حرام عليكِ أنتِ عارفة اني مظلومة، و عارفة أنها كانت جوازة سودا و أنتِ السبب فيها. أنتِ اللي وقعتي بيننا، وحرمتينا من بعض. 


صاحت هيام بصوت جهوري أفزع غنى:


ـ اخرسي. أنتِ لو أصيلة ولا تعرفي يعني ايه حب مكنتيش صدقتي فيه أي حاجة، بعدين ياختي قبل ما تلومي عليا لومي على أمك اللي هددتني بيه تحبسه لو مبعدش عنك، وأول ما رماكي ابن عبد الحميد الصباغ جريتوا تتمسحوا فيه. ماهو بقى على كيفكوا. راجل طول بعرض و الناس كلها بتقوله يا ريس. مش كدا ياللي بتتكلمي عن الحب! مش كدا يا كذابة يا موقعاتيه! 


ـ أنتِ بتعملي ايه؟ ابعدي عنها. 


هكذا صاح كمال و من خلفه آسيا التي وصلت لتوها برفقته ليصدمهم هذا مشهد هيام المرعب و أمامها غنى التي كانت تبكي وهي مرتعبة لتهرول آسيا إليها أمام عيني هيام التي حدجتها بنظرات مُرعبة حالما رأتها تقف بينها وبين غنى المرتعبة لتهتف صارخة:


ـ اوعي من وشي يا بت أنتِ. 


هكذا تحدثت هيام بغضب قابلته آسيا بالانفعال حين قالت:


ـ مش هبعد. أنتِ اتجننتي ولا ايه؟ جاية تستفردي بيها عشان عارفة أن ياسر مش هنا! 


لم تكد هيام تتحدث حتى تدخل كمال قائلًا بلوم:


ـ أيه يا هيام اللي أنتِ بتعمليه دا؟ بتتهجمي على مرات اخوكي في غيابه! 


الكلمات لدغتها للحد الذي جعلها تنهار وهي تهتف بلوعة:


ـ قصدك لعنة أخويا. البلوة اللي حدفها علينا الزمن. ياسر مرمي في الحجز بسببها. 


كمال مصححًا بقسوة:


ـ ياسر في الحجز عشان ضرب واحد اتعرض لمراته. أي واحد في الدنيا عنده نخوة مش هيستحمل حد يبص لمراته. ولا أنتِ ليكِ رأي تاني؟!


اهتز موقفها و رمقت غنى بنظرة خاطفة لتشعر بأنها تمادت كثيرًا ولكنها صرحت بألم:


ـ متبررش يا كمال. البت دي اتسببت اني اخسر اخواتي. أول مرة ياسر يقاطعني بسببها. 


 أجابها كمال موبخًا:


ـ ياسر اللي اعرفه استحاله يقاطعك عشان واحدة حتى لو كانت مين! بس اللي أنتِ متعرفيهوش أن ياسر قاطعك عشان أفعالك. متخيلش أنك تعملي فيه كدا. خرجيها من اللي بينك وبينه عشان تقدري تشوفي الصورة كاملة. 


ناظرته بضياع و ألم، ولكنه لم يمهلها الفرصة لإيجاد مُبرر لما تفعله ليُتابع جلدها حين قال بجفاء:


ـ و بالمناسبة ياسر اللي كلمني عشان اجيب آسيا تقعد مع غنى. عشان متبقاش لوحدها. متخيلة أنه في عز محنته مش متحمل أنها تكون لوحدها و مبيفكرش غير فيها. تخيلي كدا لما أروحله و أقوله أن أختك اللي مفروض تكون جنب مراتك في محنتك دخلت لقيتها بتبهدلها و كأنها ما صدقت يحصلك مصيبة عشان تستفرد بيها! 


هيام بذُعر:


ـ أنت مش هتعمل كدا. مش هتعمل كدا فيا ولا هتقوله كدا صح ؟


كمال بغضب:


ـ روحي يا هيام، و ياريت تعيدي حساباتك مع نفسك عشان أنتِ عماله تشوهي في صورتك و تخسري في رصيدك عند الكل. 


تعرت صورتها أمامهم بطريقة آلمتها و جعلتها ترغب في التلاشي من أما أعينهم لذلك تراجعت إلى الخلف دون أي حديث ليتحمحم كمال قبل أن ينظر في الاتجاه الآخر وهو يقول:


ـ متقلقيش على ياسر خالد راحله و معاه المحامي، كمان هو موقفه مش سيء خصوصًا أنهم اكيد هيفرغوا الكاميرات و يشوفوا اللي حصل 


غنى بلهفة:


ـ يعني ياسر هيخرج؟ 


كمال بطمأنه:


ـ أكيد هيخرج. احنا كلنا معاه و مش هنسيبه. 


تردد قليلًا قبل أن يقول بجمود:


ـ آسيا عايزك ثواني.


ربتت آسيا على كفت غنى وهي تناظرها بطمأنه قبل أن تلحق به إلى الخارج لتجده يقوم بإشعال سيجارة و يضعها بين شفتيه، وعلى الرغم من أن هذا الأمر ضايقها إلا أنها لم تُعلق فقط قالت بهدوء:


ـ نعم! 


بالرغم من كل هذه الأمور السيئة التي تحدُث معهم، و تحديداً ما بينه وبينها ولكن النظر إلى ملامحها كان نوعاً من الراحة التي يحتاج إليها من حينٍ لآخر، ولكنه لا يجرؤ على الاعتراف بذلك لذا تحمحم بخشونة قبل أن يقول:


ـ انا مش هعرف استنى هنا عشان ياسر مش موجود. يعني ميصحش..


آسيا بجمود:


ـ عارفة. تقدر تمشي أنت وانا هستنى هنا… 


زمجر مُعترضًا:


ـ لا طبعا. 


ـ ليه ؟ 


تدارك اندفاعه و هتف بلهجة اهدأ و اكثر اتزانًا:


ـ أنتِ شوفتي هيام. أفعالها مش محسوبة و ممكن ترجع تاني و يحصل شد و جذب بينهم و و اضح أن صاحبتك مش ناقصة. 


آسيا بجفاء:


ـ لا متخافش انا هكون موجودة و مش هسمح أن دا يحصل..


تشدق ساخرًا:


ـ والله ! هو حضرتك الشحات مبروك ولا حاجة! عملالي فيها سبع رجالة في بعض؟!


رفعت أحد حاجبيها و هتفت بنبرة مُستنكرة:


ـ هو ليه الموضوع مرتبط عندك بالعضلات! مانا ممكن أوقفها عند حدها بلساني عادي. 


تابع سخريته قائلًا:


ـ تصدقي عندك حق. أهو دا اللي ممكن يتفوق على العضلات فعلا. 


ـ بالظبط. 


كمال بنبرة آمرة:


ـ بردو لا. خليها تجهز و هوديكوا عند سوزان. و اهو بالمرة تتجمعوا و تقعدوا تواسوا بعض. 


جملته الأخيرة كانت تحمل طابع السخرية الذي أثار حنقها ولكنها قررت أن تجابهه الند بالند إذ قالت بنبرة جامدة:


ـ قصدك نندب حظنا. 


ارتفع أحد حاجبيه اندهاشًا ليقول باستهجان:


ـ والله! و أنتِ ناوية تندبي حظك معاهم! 


آسيا بتهكم:


ـ دانا أولهم. 


ـ دا ليه بقى أن شاء الله ؟ 


تغضن جبينها بالألم ولكنها قالت بقوة:


ـ يمكن عشان كلنا ضحايا لرجالة و ستات الوتايدة..


كمال بجفاء: 


ـ لا والله! 


آسيا بحدة طفيفة 


ـ اه وحياة ربنا. ركز كدا و دورها في دماغك. هتلاقي أن كل الناس المُتعبة اللي في حياتنا وتايدة سواء كانوا رجالة أو ستات!


كان هو الآخر يعاني من جُرحٍ هي من تسببت به ليهتف بقسوة:


ـ دا على أساس أن انتوا ملايكة! 


كُلًا منهما كان يُخفي بقلبه جُرحًا لازال نازفًا لذا أجابته بجفاء:


ـ لو مشينا على مبدأ كل الطغاة في تجاهل الفعل و جلد الناس على رد فعلهم يبقى احنا شياطين. بس لو حكمنا الضمير و بصينا للفعل هنحس أن رد الفعل دا شيء طبيعي جدًا. 


اهتاجت جراحه دفعةٍ واحدة مما جعل عينيه تقسو قبل شفتيه حين قال:


ـ كلامك دا معناه انك حكمتي ضميرك وأنتِ بتقحميني في انتقامك منهم من غير ما يكون لي أي دخل في اللي حصل زمان! 


فطنت لما آل إليه حديثها في عقله لتهتف بلهفة:


ـ مش كدا….


قاطعها بنبرة جافة يشوبها الحدة حين قال:


ـ تمام أوي كدا بس خلي بالك انك تقصدي أن رد الفعل مهما كان قاسي فهو نتاج للفعل اللي كان أقسى، فياريت متنسيش تبقي تحكمي ضميرك لما تيجي تحكمي على ردود أفعال الناس معاكِ..


اجتاحتها موجة من الخوف الذي نخر عظامها و جعل رجفةٍ قوية تجتاح سائر جسدها لتخرج حروفها مرتبكة حين قالت:


ـ أنت تقصد ايه؟ 


تجاهل استفهامها و هتف بنبرة حادة:


ـ خليها تجهز عشان نمشي…


أنهى جملته و تراجع ليستقل السيارة، ليتركها خلفه تتمنى لو أن معجزة تحدُث و تُعيد الزمن إلى الخلف، لكانت ابتعدت عن كل شيء يمت لهذه العائلة بـ صلة..


 اللهم ارزقني من حيث لا أحتسب، ويسّر لي الخير حيث كان، ثم ارضني به. اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمّن سواك.💙


★★★★★★★★


ـ أنت متهم بضرب المدعو رأفت عبد الحفيظ الصباغ ضربًا مُبرحًا و إحداث إصابات بالغة أدت إلى سرعة نقلة إلى المستشفى و الست عنايات والدته قالت انك كنت قاصد تقتله. أيه تعليقك على الكلام دا يا ياسر ؟


هكذا تحدث الضابط موجهًا حديثه إلى ياسر الذي كان يغلي من الغضب الذي شاب نبرته حين قال:


ـ أيوا ضربته، ودا لأنه اتعرض لمراتي. المفروض أشوف واحد بيضايق مراتي وأقف اتفرج؟! 


الضابط بحدة:


ـ تقوم تكسرله إيد و تلت ضلوع و تجبله إرتجاج في المخ وكسر في الأنف!


ياسر بجفاء:


ـ واعمل أكتر من كدا كمان. بقولك لحضرتك دا واحد ضايق مراتي واتعرض لها، و أظن الكاميرات اللي جيباني بضربه أكيد جابت المشهد من الأول. 


الضابط باستفهام:


ـ والدة رأفت قالت إنه كان الزوج الأول لزوجتك، و ورتنا قسيمة الطلاق. وقالت أنهم كانوا متفقين يتقابلوا في المكان دا. 


ياسر بحدة:


ـ الكلام دا كذب. مراتي مفيش بينها وبينه أي تواصل، والحيوان دا كان بيضايقها عشان كدا ضربته و كسرتله عضمه.


طرق على باب الغرفة استرعى انتباه الضابط الذي سمح الطارق بالدخول ليدلف إلى الداخل أحد الرجال الذي يرتدي بذلة أنيقة، و يحمل حقيبة غالية الثمن و خلفه خالد الذي ما أن رآه الضابط حتى صاح مُستفهمًا:


ـ أنتوا مين ؟ 


تولى الرجل الإجابة قائلًا:


ـ أنا عثمان القاضي. محامي المتهم، و دا خالد بيه الوتيدي ابن عم المتهم. 


أوشك الضابط على الحديث ولكن رنين الهاتف منعه، ليرفع السماعة مُجيبًا، و حين سمع الحديث على الطرف الآخر توقفت نظراته على خالد بحنق تجاهله الأخير ليجلس على الأريكة المقابلة للمكتب، وهو يستمع إلى صوت الضابط يقول بإذعان:


ـ تمام يا فندم. اللي تشوفه سيادتك.


أغلق الضابط الهاتف و نظر الى ياسر قائلًا بجفاء:


ـ عندك أيه تاني تضيفه يا ياسر ؟


ياسر بانفعال:


ـ عايز اقول اني مبدأتش و ضربت البني آدم دا غير لما لقيته واقف بيضايق مراتي، المفروض كنت اعمل ايه! و على فكرة لو رجع بيا الزمن هعمل فيه أكتر من كدا. 


تدخل المحامي موضحًا:


ـ اسمحلي يا حضرة الظابط. بس موكلي راجل حر و دمه حامي، و اللي عمله دا هيكون رد فعل طبيعي لأي راجل يشوف حد بيضايق مراته، و أنا أكاد أُجزم أن حضرتك لو كنت مكانه كنت هتتصرف نفس تصرفه. 


الضابط بتوضيح:


ـ بس اللي قالته عنايات و الدة المجني عليه بتقول غير كدا، و بتأكد أن زوجته على تواصل مع طليقها 


زمجر ياسر بوحشية:


ـ كذب. الست دي كذابة و حقيرة و بتكذب.


تدخل خالد الصامت منذ البداية:


ـ أهدى يا ياسر. مينفعش صوتك يعلى على حضرة الظابط.


رفع الضابط أحد حاجبيه باندهاش غاضب ليُتابع خالد بنبرة ذات مغزى:


ـ احنا مبنتعداش على سلطة حد، ولا احنا فوق القانون، و أن كنت أنا هنا دلوقتي، فعشان الموضوع حساس جدًا، و أي راجل في مكان ياسر بيسمع الكلام دا عن مراته لازم ينفعل، و لا أيه يا حضرة الظابط؟!


الضابط بتأكيد:


ـ أنا طبعًا مُقدر شعوره، بس انا لازم استجوبه، لأني قدامي أدله تدينه، و اتهام لازم اتأكد منه.


تدخل ياسر هاتفًا:


ـ بمناسبة الاتهامات، فأنا بقدم محضر رسمي في عنايات السيد بتهمة تشوية سمعة مراتي. دا غير أنها سلطت عليها ستات بلطجية من فترة بهدف قتلها، و لما اتمسكوا اعترفوا عليها و بعد كدا غيروا أقوالهم، و الكلام دا كله مثبوت في محضر رسمي، و لولا أنهم غيروا أقوالهم كان زمانها محبوسة، و دا طبعًا بعد ما دفعتلهم رشوة عشان يرجعوا في كلامهم. 


الضابط بتوضيح:


ـ أنت حاليًا مذنب يا ياسر. مينفعش انك تقدم محضر.


تدخل المحامي قائلًا:


ـ يا حضرة الظابط. موكلي لم يبيت النية للمجني عليه، ولا كان معاه أي سلاح، و اللي حصل رد فعل طبيعي زي ما قولتلك، و دا يندرج في بند الدفاع عن النفس وعشان كدا انا بطالب بتفريغ الكاميرات اللي في مكان الواقعة.


اومأ الضابط برأسه ليتابع المحامي قائلًا:


ـ و كمان بتقدم بمحضر رسمي نيابة عن زوجة موكلي السيدة غنى مرزوق باتهام السيدة عنايات السيد بالسب و القذف و تشويه سمعتها بدون أدلة، و فحص تليفون المجني عليه رأفت الصباغ و معرفة إذا كان في تواصل بينه وبين السيدة غنى كما ادعت والدته أم لا؟  


الضابط بنفاذ صبر:


ـ حاجة تانية يا متر؟!


المحامي :


ـ بطالب بإخلاء سبيل موكلي، لعدم امتلاكه لأي سلاح أو وجود نية مُبيته لارتكاب الواقعة. 


كان يزيد يقف أمام باب وكيل النيابة بقلق تجلى في ملامحه ليقوم عمر بالربت على كتفه مواسيًا وهو يقول:


ـ متقلقش. أن شاء الله هيخرج منها على خير. ياسر قدها 


يزيد بحنق:


ـ لحد امتى هيفضل قدها ؟! الموضوع دا مش راضي يخلص، و في كل مرة تحصل مصيبة لازم ياسر اللي يشيلها. 


تفهم عمر غضبه مما جعله يقول موضحًا:


ـ خلينا متفقين أن ستات الوتايدة متعبين، موضوع ياسر و غنى دا بدايته عند هيام. 


يزيد بحدة:


ـ أن كانت هيام ولا غنى اللتنين في نظري أسوأ من بعض. هيام مصعبش عليها أخوها و راحت لبسته مصيبة و بعتت واحدة تتبلى عليه، و التانية هان عليها حبيبها و راحت اتجوزت غيره مفكرتش حتى تواجهه ولا تتكلم معاه. الضحية الوحيدة اللي في الموضوع دا ياسر. 


لم يكد عمر يُجيبه حتى انفتح الباب و أطل منه ياسر الذي ما أن رآه يزيد حتى هرول يحتضنه بقوة و كأن روحه رُدت إليه ليشدد ياسر هو الآخر من عناق شقيقه فقد كان في أمس الحاجة لشيء باستطاعته أن يهون عليه 


ـ أيه يا عم حضن المطارات دا! ما تسيبلنا شوية.


هكذا تحدث كمال الذي لحق بهم بعد ما أوصل كُلًا من آسيا و غنى عند سوزان ليتراجع ياسر بلهفة عن يزيد وهو يستفهم قائلًا:


ـ وديت آسيا عند غنى زي ما قولتلك. 


كمال مُجيبًا:


ـ روحت أنا و آسيا خدناها ودناها عند شروق و اختها. 


ياسر باستفهام:


ـ وليه مفضلوش في البيت؟!


كمال باختصار:


ـ بعدين نتكلم المهم أنها بخير. المهم طمنونا عملتوا ايه؟ 


كان خالد يتبادل الحديث مع المحامي ليستدير ياسر و يقول باستفهام:


ـ صحيح هو المتر عرف المعلومات دي منين ؟ 


خالد باختصار:


ـ من يزيد. 


التفت خالد موجهًا حديثه إلى المحامي قائلًا:


ـ يعني كدا الموضوع مفيهوش قلق ؟


المحامي مُجيبًا:


ـ لا متقلقش. بعد ما يفرغوا الكاميرات و يشوفوا الواقعة من بدايتها وأن اللي عمله ياسر دا رد فعل و مفيهوش أي نية مُـبيته كدا هيسقط بند الترصد، الرؤية هتتغير كلها، و كمان المحضر بتاع الضرب اللي ياسر ذكره هنحاول نستغله و نبين أن الموضوع كيدي. دا غير اني هحرر محضر ضد اللي اسمها عنايات بتاع السب و القذف و التشهير دي حاجة في صالحنا لأنهم لو فحصوا تليفونات الطرفين و ملقوش أي تواصل كدا هيكون الوضع في صالحنا. 


خالد بجمود:


ـ أنا هسيبلك الموضوع دا يا عثمان، و عايزك تتولاه وتتابعه عايزه يخلص في أقرب وقت والناس دي تتأدب أدب شرعي. 


عثمان مُطنأنًا:


ـ متقلقش انا بس هحتاج توثق التوكيل بتاع أستاذ ياسر والمدام عشان ابدأ اتحرك قانوني. احنا حضرنا التحقيق النهاردة بالحب وانت فاهم دا. 


اومأ خالد برأسه قبل أن يقول بجفاء:


ـ عارف. شوف انت محتاج أيه و ياسر معاك أهو. 


توجه ياسر الحديث مع المحامي ليبدأ الاتفاق على الإجراءات اللازمة لينتهي الأمر و يتوجه الرجال إلى الخارج ليقترب كمال من خالد قائلًا باستفهام:


ـ خالد أنت كويس ؟


و هل يُمكن أن يُجيب عن هذا السؤال دون أن يصرخ الوجع في نبرته، و تفضحه عيناه بعبرات تثقِل جفونه و آهات تخالج صدره؟!


ـ كويس. متقلقش عليا. 


هكذا اكتفى بالحديث ليعلم كمال أنه لن يُفصِح عن شيء لذا تنحنح قبل أن يقول:


ـ على فكرة انا اتجوزت آسيا تاني.


"اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيدًا فقربه، وإن كان قريبًا فيسره، وإن كان قليلًا فكثره، وإن كان كثيرًا فبارك لي فيه.🤍


★★★★★★★★


كانت تجلس وحدها على أحد الطاولات شاردة في البعيد تشعر بالألم و الندم لما حدث هذا الصباح 


عودة إلى وقتٍ سابق


هبطت الدرج وهي تشعر بالحنق ولأول مرة على تلك المرأة التي أحزنت والدها إلى هذه الدرجة، و كذلك أحزنتها فقد كانت تظن أنه بزواج أبيها سيكون لها أخوات بل كانت تتوق إلى ذلك و تتمنى أن يحدث في اقرب وقت بدلًا من شعورها الدائم بالوحدة، و الآن تأكدت بأن أمنيتها لن تتحقق أبدًا و لذلك شعرت بالغضب الكبير تجاه أشجان حد تناثر العبرات من مقلتيها


ـ رنا حبيبتي. مش هتروحي المدرسة ولا ايه ؟


هكذا تحدثت ميرهان إلى رنا التي رفعت رأسها لتُصدم الأولى حين رأت العبرات التي تتدحرج بصمت فوق خديها مما جعلها تقول بلهفة:


ـ مالك يارنا بتعيطي ليه؟


طالعتها رنا بحيرة بين البوح و عدمه ولكنها في النهاية قالت بنبرة محتقنه بالحزن:


ـ مخنوقة شوية.


ـ من ايه يا حبيبتي؟ تعالي نقعد سوى في الجنينة نتكلم. 


هكذا تحدثت ميرهان وهي تقود رنا إلى الحديقة لتجلس بجانبها حول الطاولة المُستديرة لتبدأ الحديث قائلة:


ـ احكيلي بقى مالك و بتعيطي ليه؟ مين زعلك؟


اخفضت رنا رأسها وهي تقول بحزن:


ـ حصل حاجة فوق ضايقتني. 


ـ حاجة فوق فين؟ أنتِ زعلانة من أشجان؟!


رنا بحزن:


ـ مش أنا بس اللي زعلانه. بابي كمان زعلان منها جدًا. 


ميرهان بلهفة:


ـ ليه كدا بس؟ 


رنا بتردد:


ـ أصل. أصلها بتاخد دوا عشان متجيبش بيبي ليا أنا و بابي. 


عودة إلى الوقت الحالي 


كانت تؤنب نفسها لأنها تفوهت بهذا الأمر خشية من أن يغضب والدها إذا علِم بأنها أخبرت عمتها بذلك، ولكنها كانت حزينة ولا تعرف مع من تتحدث. 


زفرت بقوة وهي تمحو دمعة تدحرجت فوق خدها لتنتفض جزعًا إثر هذا الصوت المازح:


ـ قفشتك و أنتِ سرحانه. 


شهقت رنا بفزع إثر صوت سهيلة التي ضحكت بقوة على مظهرها المرتعب لتهتف رنا بحدة:


ـ حرام عليكِ يا سهيلة خضتيني. في حد يعمل كدا ؟!


بترت سهيلة ضحكتها حين شاهدت حزن رنا لتهتف باهتمام:


ـ رنا أنتِ بتعيطي؟ أنا آسفة والله مكنتش اعرف انك متضايقة. انا كنت بهزر معاكي.


رنا بنبرة خافتة:


ـ طيب. 


سهيلة بقلق:


ـ قوليلي مالك في ايه! و أيه اللي مزعلك و مخليكي تعيطي كدا ؟


لم تكُن تعرف ماذا عليها أن تفعل! هل تتحدث أن تصمت؟ شعرت بالحيرة مُجددًا لتزفر بتعب مما جعل سهيلة تقول بلهفة:


ـ رنا متقلقنيش عليكِ قوليلي في ايه؟ هو أنتِ مش بتثقي فيا ؟ 


رنا بخفوت:


ـ بثق فيكِ و كل حاجة بس أنا مخنوقة شوية. 


شعرت سهيلة بأن رنا لا تريد الحديث لذا لم تضغط عليها بل هتفت بحماس:


ـ طيب بما انك مش عايزة تحكي، فأنا خلاص مش عايزة اعرف بس أنا مش هسيبك زعلانه كدا. أنا لازم اخرجك من اللي أنتِ فيه. 


رنا باهتمام:


ـ يعني هتعملي ايه! 


ـ بصي يا ستي. عيد ميلاد البت لمار آخر الأسبوع و بنحضرلها مفاجأة و هنعملها بارتي عشان عيد ميلاد في ديسكو كدا بنتجمع فيه. 


رنا بصدمة:


ـ ديسكو! انتوا بتروحوا ديسكو! 


سهيلة بلامُبالاة:


ـ أيوا و أيه المشكلة؟ 


رنا بذهول:


ـ و كمان بتسألي ايه المشكلة ؟ دا مكان مش كويس أبدًا. ازاي تروحوه؟


قهقهت سهيلة بقوة على رنا و ملامحها التي تحولت من الذهول إلى الغضب من ضحكات سهيلة التي شعرت بأنها جرحتها لذا هدأت ضحكاتها وهي تقول باعتذار:


ـ متكشريش. و متزعليش مقصدش اتريق عليكِ بس لو البنات سمعوكي و أنتِ بتقولي على الديسكو أنه مكان مش كويس هيزفوكي و هتبقى فضيحتك بجلاجل في المدرسة كلها. 


رنا بصدمة:


ـ فضيحتي ! ليه هو أنا عملت ايه؟ 


ـ يا بنتي الكلام اللي بتقوليه دا خلص من عشرين سنة و اكتر من ايام الطربوش و الملاية اللف. الديسكو دلوقتي زيه زي النادي مبقاش مكان عيب. و كلنا بنروحه و بنسهر فيه عادي.


هكذا تحدثت سهيلة إلى رنا التي شعرت بالاندهاش من حديثها مما جعلها تقول بتوتر:


ـ أنا. انا أول مرة اعرف الكلام دا بصراحة. 


سهيلة بسخرية:


ـ والله أنا اللي حقي اتصدم من كلامك. أنتِ ازاي قريبة هايدي الوتيدي ! 


رنا بصدمة:


ـ هو أنتِ تعرفي هايدي ؟ 


ـ طبعًا. انا متبعاها على الانستا، و كمان يشوفها كتير في الديسكو اللي بنسهر فيه. دي أيقونة في الجمال و الموضة. الصراحة مش شبهك خالص.


غضبت رنا من حديثها لتهتف بلهفة:


ـ ليه يعني ؟ انا لسه صغيرة اني اروح أماكن زي دي، و بعدين أنا اصلًا مابحبش لبس هايدي و هتكسف ألبسه.


سهيلة بلهفة:


ـ بصراحة عندك حق. هي لبسها أوفر. بس سيبك من موضوع اللبس دا. أنتِ لازم تحضري معانا عيد الميلاد.


رنا باندفاع:


ـ لا طبعًا بابا استحالة يوافق اني أروح الأماكن دي.  


سهيلة بملل:


ـ رنا حبيبتي أنتِ مش صغيرة. أنتِ في تانية ثانوي عندك ستاشر سنة. 


رنا بتوضيح:


ـ قربت اكمل السبعتاشر على فكرة. 


سهيلة بسخرية:


ـ طيب أنتِ اللي قولتي اهو. كلامك دا تقوله واحدة في خامسة ابتدائي. المهم. سيبك من العيد ميلاد دلوقتي. عايزين نخرج بعد المدرسة عشان أنا لسه مجبتش حاجة احضر بيها. أيه رأيك نروح نعمل شوبينج سوى!!


رنا بتردد:


ـ معرفش إذا كان بابي هيوافق أو لا؟


سهيلة بتهكم:


ـ و هتعرفي ازاي إذا كنتِ مقولتيلوش؟! اتصلي قوليلة و شوفي هيقولك ايه؟ 


ـ بتقول ايه يا كمال؟ يعني ايه اتجوزت آسيا تاني؟ 


هكذا استفهم خالد بحنق ليُجيبه كمال بهدوء:


ـ طلبتها من والدها تاني، و روحنا كتبنا الكتاب.


خالد بجفاء:


ـ هو أنا بقولك خطوات الجواز كانت ايه؟ بسألك ازاي وصلت للقرار دا و ناوي على أيه؟ 


كمال بحنق:


ـ كل خير يا خالد. أنا قولت اعرفك عشان محبتش اعمل حاجة من غير ما تعرف. 


زفر خالد بتعب و حين أوشك على الرد رن هاتفه ليجد رقم رنا، فأجاب على الفور:


ـ أيه يا حبيبتي. 


ـ بابي. حضرتك عامل ايه؟


هكذا تحدثت رنا بخفوت ليُجيبها خالد بحنو:


ـ أنا كويس. أنتِ كويسة ؟!


رنا بلهفة:


ـ أنا كويسة. متقلقش. انا بس كنت عايزة اطلب من حضرتك طلب.


ـ اطلبي.


التمع التردد في عينيها وهي تناظر سهيلة التي أشارت لها لتخبره مما جعل رنا تقول بخفوت:


ـ هو أنا ممكن أخرج مع صاحبتي بعد المدرسة؟ 


خالد باستفهام:


ـ صاحبتك مين؟ و هتخرجوا تروحوا فين؟


رنا بلهفة:


ـ سهيلة. صاحبتي سهيلة حضرتك سمعت عنها قبل كدا.


ـ أيوا افتكرتها، و عايزين تروحوا فين ؟ 


هكذا تحدث خالد لتُجيبه رنا:


ـ كنا عايزين نروح نشتري شوية حاجات من المول. لو ينفع يعني؟ 


شعر خالد من لهجتها بأنها تتوق للذهاب مع صديقتها و أيضًا ما حدث هذا الصباح من المؤكد أنه أثر عليها لذا قال بحنو:


ـ تمام يا حبيبتي. روحي مع صاحبتك بس السواق هيوديكي و الحرس هيكونوا معاكوا لحظة بلحظة و متتأخريش. ساعتين بالكتير و ترجعي و تخلي بالك من تليفونك عشان هكلمك اطمن عليكِ كل شوية. 


على الرغم من أنها توترت حين أمطرها بهذا الوابل من التحذيرات ولكنها كانت ممتنة لأنه سمح لها و لهذا وعدته الالتزام بأوامره.  


بدأت جولة الفتيات و قد كانت رنا سعيدة بشكل كبير لم تعهده مُسبقًا، فقد كانت تشعر بأنها حرة و ليست الطفلة التي يحذُر عليها الخروج وحدها. تنفست هواء الحرية لأول مرة لذا كانت ضحكتها صافية و ملامحها مُشرقة.


ـ تعالي نشوف المحل دا في فساتين حلوة أوي.


رنا بصدمة:


ـ حلوة ايه يا رنا؟ دي فساتين مكشوفة أوي و كمان مش سننا.


سهيلة بملل:


ـ يا بنتي إنتِ عايزة تشليني! ماهو اللبس دا للي في سننا. تعالي تعالي بطلي هبل.


جرتها سهيلة إلى الداخل لتتوسع عيني رنا و هي تشاهد هذه الفساتين الرائعة، و إن كانت تكشف عن الكثير، ولكن ألوانها كانت جميلة، و تفاصيلها التي و إن كانت جريئة ولكنها مُبهرة لمن في مثل عمرها و خاصةً حين رأت أحد الفتيات وهي تجرب رداء أسود من الستان المطرز عند الصدر و الخصر ولكنه كان مكشوف الصدر بشكل فاضح، يضيق حد إبراز المفاتن بطريقة فظة ثم يتسع قماشه تدريجيًا حتى يغطي القدم يتوسطه شقًا كبيرًا يصل إلى منتصف الفخذ. 


احمرت وجنتي رنا وهي تتخيل نفسها ترتدي مثل هذه الأثواب أمام الناس لتشهق بعُنف حالما صرخت سهيلة بجانب أذنها وهي تقول بحماس:


ـ رناااا. خدي جربي الفستان دا. 


كانت تتحدث وهي تضع أمامها فستان من اللون الكريمي الذي كان عاري الصدر و قصير يصل إلى اعلى الركبة بقليل لتبرق عيني رنا وهي تهتف بذهول:


ـ أنتِ اتجننتي يا سهيلة! انا البس فستان زي دا؟ دا بابا كان قتلني! 


سهيلة بملل:


ـ بقولك ايه يا ست سندريلا متقرفنيش. هو انا قولتلك اخرجي بيه قدام الناس! بقولك البسيه جربيه اشوفه عليكِ. أيه هيعرف باباكي؟!


رنا بتوتر:


ـ طيب ولما انا مش هخرج بيه ايه لازمتها اني اجربه؟


سهيلة بتهكم:


ـ من باب التجربة يعني. عايزة تقنعيني انك مش نفسك تخرجي و تسهري و تلبسي زي البنات اللي حوالينا دي! مش نفسك تجربي حاجة جديدة غير الحياة الروتينية اللي أنتِ عيشاها دي؟! يا رنا يا حبيبتي الحياة مليانه حاجات حلوة أنتِ تقريبًا متعرفيش حاجة عنها..


نجحت في إثارة حواسها لتجربة هذه الأشياء الجديدة كُليًا عليها لتلمع عيني رنا وهي تنظر إلى الفستان بالرغم من أن هناك شيء داخلها كان يلومها بشدة ولكنها أقنعت نفسها بأنها سترتديه لثواني لترى كيف سيكون عليها ثم تنزعه حتى لن تجعل سهيلة تراها. 


جذبت الثوب من يد سهيلة التي التمعت عينيها وهي ترى رنا تتوجه إلى غرفة تبديل الملابس لتقوم بنزع زي المدرسة الموحد و ترتدي هذا الفستان، وما أن انزلق فوق جسدها حتى ارتج جسدها ما أن اقتحمت سهيلة غرفة الملابس….


اللهم ارزقني رزقًا حلالًا طيبًا مباركًا فيه، واغنِني بفضلك عمّن سواك ♥️


★★★★★★★★


كانت تدور حول نفسها في الغرفة لا تعلم ما الذي عليها فعله، فقد مضى يومان وهي تتجاهله و تتجاهل نظرات العتب في عينيه وقد كان هذا يقتلها و يُضيف عذابًا إلى عذابها. فقد كانت جانب كبير منها يصدقه ولكن هناك جانب آخر يستنكر هذا الواقع، و أن يكون والدها ذلك الشخص السيء. 


تنظر حولها فلا تجد بيت ولا عائلة ولا جذور تنتمي إليها فقط هو. ماذا لو مل منها ؟ ماذا لو شعر بأنه يريد الأفضل ؟ ماهو مصيرها ؟ تخشى أن تؤمن بأنه جيد بهذا القدر فيصدمها القدر بصفعة خذلان قوية قد لا تنجو بعدها أبدًا 


اخفضت رأسها لتضعه بيه كفيها لتسمح بعباراتها مغادرة جفنيها عل هذا الثُقل في قلبها يهدأ ولو قليلاً لتشعر بيد حانية تُمسِك بكفيها لترفع رأسها بلهفة فاشتبكت عينيها مع خاصته ليصدمها حين اقترب يُلثم كفوفها كُلًا على حدا وعينيه لا تفارقان عينيها ثم جلس قبالتها وهو يقول بنبرته الرخيمة التي لها وقعًا ضاريًا على قلبها:


ـ لو أعرِف بس أيه مزعل الچميل أكده!


نجاة بنبرة مُشجبة:


ـ كنت هتعمَل أيه لو عرفت؟


رحيم بنبرة صادقة:


ـ كنت هديت الدنيا عشان أرچع ضحكتك الحلوة من تاني. 


ارتج قلبها تأثرًا بكلماته العذبة ولكن هواجس العقل لم تعطي لها الفرصة للراحة إذ تزاحمت الأفكار برأسها مما جعلها تتراجع إلى الخلف وهي تقول بجفاء:


ـ ده حب ولا تأنيب ضمير ؟!


تجعدت ملامحه جراء كلماتها ولكنه تحلى بفضيلة الصبر معها ليقول بنبرة هادئة:


ـ أنتِ اللي مفروض تحسي دا يا ست البنات. لكن اني هريحك. لو كان الموضوع موضوع تأنيب ضمير كان زماني وجفت چارك زي ما بقف چار اي حد حداه مشكلة و كنت هرضي ضميري من ناحيتك. لكن ليه أتچوزك و أربط حياتي بيكِ ؟ هل في حد چابرني اعمل اكده؟ 


اهتزت من حديثه ولكنها هتفت بجفاء:


ـ معرفش. 


رحيم بقوة:


ـ لا اعرفي أن رحيم الوتيدي مفيش حد يقدر يچبره على حاچة واصل، ولا هو بيحب يچبر حد على حاچة.


لا تعرف لما انتابها القلق حين سمعت جملته الأخيرة مما جعلها تستفهم بخفوت:


ـ تجصد ايه؟


رحيم بنبرة يخالجها الألم رغم ثباتها:


ـ يعني أن أنا راچل مبخلفش و أنتِ عارفة الموضوع دا فلو كان اللي أنتِ فيه دا بسبب الموضوع ده، فدا حجك و مش هلومك أبدًا لو جولتيلي حالًا انك عايزة تطلقي. بس تصارحيني. انما كل ساعة الاجيكي في حال دا ميعچبنيش. 


كانت كلماته كالمطارق التي تسقط فوق رأسها، و قد آلمها أن يظن بأنها تريد الابتعاد عنه لهذا السبب وقد كان هذا الأمر بعيد كل البعد عن تفكيرها لذا هتفت بلهفة:


ـ أنت فهمت الموضوع غلط. 


ـ أي موضوع فيهم اللي فهمته غلط يا نچاة؟ في مواضيع كتير مش مفهومة يا بت الناس وأنتِ بتباتي في حال و تصحي في حال 


هكذا تحدث رحيم بعتب لم يخلو من الحدة مما جعلها تهب من مكانها وهي تقول بانفعال:


ـ اني ضايعة. واحدة كل حياتها ملخبطة متعرفلهاش أول من آخر. ابويا اللي فكرته مات طلع عايش و مش بس أكده دا انت بتجول أنه قتال قتله، و أمي اختفت و رمتني للراچل اللي سمم حياتي و بسببه اتمنيت الموت، و يشاء ربنا أن الراچل دا يكون هو الراچل الوحيد اللي آمنتله، و معرِفش كل دا غير لما ابقى مرته. عايزني ابقى ازاي يا رحيم بيه؟!


يعلم أن ما مرت به لم يكُن سهلًا و لكنه مر يخابره هو أيضًا ليس بالهين. لذا تحدث بنبرة صادقة مثقلة بالتعب:


ـ عايزك تصدجيني. و يبقى عندك ثقة فيا..


نجاة بجمود:


ـ موافجة بس لما تثبتلي أن انت صوح.


ـ عيزاني اثبتلك دا ازاي؟ 


نجاة بلوعة:


ـ عيزاك تثبتلي ان أبويا فعلًا زي ما قولتلي. 


رحيم بترقب:


ـ عيزاني اثبتلك كيف؟ 


نجاة بقوة:


ـ تچيبلي أمي من تحت الأرض. لو سمعت حديتك دا منيها وجتها هصدقك.. 


"اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي❤️


★★★★★★★★


ـ يا قلبي يا بنتي. أيه كل دا؟!


هكذا تحدثت سوزان وهي تنظر إلى غنى التي كان الحزن يعشعش في ملامحها، و يسكن عينيها بوضوح و يحتل نبرتها حين قالت:


ـ أنا مش مكتوبلي افرح أبدًا. انا شؤم فعلًا زي ما هيام قالت. 


آسيا بحدة:


ـ شؤم في عينها البومة دي. بطلي كلامك دا قولتلك ياسر خرج و جاي في الطريق. 


امتدت يد سوزان تحتضن يدها و بكفها الآخر تربت فوق كتفها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:


ـ لو كان الموضوع زي ما بتقولي مكنش هيبقى في حياتك واحد زي ياسر. 


رفعت غنى رأسها تناظر سوزان بأعيُن تلمع في سماءها العبرات كالنجوم لتتابع الأخيرة برفق:


ـ تزعلك الدنيا و يراضيكِ هو. الناس تقسى و هو يطبطب. أنتِ فاكرة ان حظك وحش وانك مش مكتوبلك الفرح. طب ايه رأيك بقى في واحدة شافت اكتر من كل اللي أنتِ شوفتيه بمراحل بس مكنش في حياتها ياسر يطبطب ولا يحتوي ولا يراضي ؟ دي تعمل ايه بقى؟!


غنى بلهفة:


ـ دي عايشة ازاي؟ 


سوزان بنبرة تعج بالألم:


ـ عايشة عشان لسه أجلها مجاش. بتبص على أي حاجة حواليها حلوة و تحمد ربنا. 


فهمت غنى المغزى من حديثها لتهتف بهدوء:


ـ الحمد لله على كل حاجة. 


سوزان بحنو:


ـ أنا عارفة انك اتوجعتي كتير. بس أن يكون جنبك حد بيحبك دا في حد ذاته نعمة كبيرة أوي. نعمة تستحق انك تكوني قوية عشانها، و عشان هو كمان لما يجيله وقت الدنيا تيجي عليه تكوني جنبه تسنديه زي ما هو عمل. 


اومأت غنى برأسها وهي تبتسم براحة لتُتابع سوزان بنُصح:


ـ اوعي تسيبي الدنيا تغلبك يا غنى، و اعرفي أن ربنا دايمًا موجود و سامعك، ارفعي إيديك و ادعي واوعي الشيطان يضحك عليكِ و يخليكِ تبقي ناقمة على حياتك مهما شوفتي فيها. عشان ميضيعش عليكِ أجر الصبر. ربنا قال في القرآن الكريم "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ" 


(سورة الزمر، آية 10) وقال كمان إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ"


(سورة يوسف 90) صدق الله العظيم. اوعي ضيعي عليكِ الأجر دا و دايمًا بصي للجانب الحلو عشان ربنا يحليلك الدنيا يا بنتي.


شعرت غنى بالراحة تغمرها من حديث سوزان لتجد نفسها ترتمي بين ذراعيها بقوة، فقد كانت هذه المرأة جميلة بشكل مختلف. تحمل الأمان و السلام في ملامحها و عينيها و حديثها. يشعر المرأة بأنه يعرفها منذ زمن، لا يمل من الحديث معها..


ـ غنى…


انتفض جسدها حين سمعت صوت ياسر الآتي من الخلف لتبرق عينيها حين رأته و لم تتردد لثوان في الاندفاع إلى أحضانه أمام كل هذه الأعيُن وهي تصرخ بلوعة:


ـ ياسر…..


احتوتها ذراعيه و كأنها شقًا من روحه قد غاب عنه و الآن عاد ليلتحم معها من جديد، و ضمها إليه بقوة وكأن ذلك الضلع الذي خُلِقت منه اشتاق للإكتمال بقربها. 


في الخارج كان عمر ينظر إلى البيت عله يلمح طيفها من الشرفة فيهدأ الألم في قلبه ولو قليلًا، ولكن القدر كافئه حين رآها عائدة من اتجاه البحر ليبتهج قلبه و تتلاحق أنفاسه وهو يتوجه إليها قائلًا:


ـ دا موضوع حورية البحر طلع حقيقي بقى. 


انتفض جسدها و اهتاج قلبها الخائن فرحًا لرؤيته، ولكنها قمعت خيانته خلف قناع الجمود حين رمقته بنظرة عابرة قبل أن تتوجه إلى البيت ولكنه لم يجعل الفرصة تفوته ليهرول حتى يقف أمامها بجسده الضخم مما جعلها ترفع رأسها تناظره بسخط تجاهله ليتابع بنبرة هادئة:


ـ عايز اتكلم معاكِ.


شروق بجفاء:


ـ وأنا لا عايزة اتكلم معاك ولا عايزة اسمعك.


عمر بهدوء:


ـ انك ترفضي تتكلمي دا أنتِ حرة فيه. لكن انك تمنعيني اتكلم دا انا مش هقبل بيه. أنا عارف انك متضايقة، و حاسة انك ضايعة بعد اللي عرفتيه عن والدك، و محتاجة تتكلمي مع حد. خليني اكون انا الحد دا. 


أوشكت على الاعتراض ليقاطعها قائلًا:


ـ خلينا متفقين أننا كنا أصحاب كويسين، و كان في بيننا حاجات كتير مشتركة. محدش فينا يقدر ينكر دا.


شروق بحدة:


ـ عمر…


تجاهل اعتراضها قائلًا:


ـ أيه رأيك نحاول نقف في المنطقة دي. يعني تسمعيني و اسمعك. انا محتاج اتكلم معاكِ في حاجات محدش ينفع يعرفها غيرك، وأنتِ كمان زيي، و أوعدك اني مش هجيب سيرة موضوعنا لا من قريب ولا من بعيد.


شروق بجمود يخفي الكثير من الانهيارات:


ـ اشمعنى دلوقتي! عشان طلعت من عيلة كبيرة…


عمر بقوة:


ـ وهو أنا لما خطفتك يوم خطوبتي و سبت عروستي والدنيا كلها تتقلب و مشيت كنت اعرف انك من عيلة كبيرة و الكلام دا؟ 


تعلم الإجابة ولكنها كانت تريد الهرب من إغوائه، فقد كانت في أمس الحاجة للحديث مع شخصٍ ما و إفراغ مكنوناتها و التخلص من هذا العبء الذي تحمله، و لكنها واصلت المقاومة حين قالت:


ـ متفكرنيش بعمايلك السودا عشان مكرهش اشوفك اكتر مانا كارهه..


اقترب عمر يمسك بكتفيها من الجهتين وهو يقول بقوة ناظرًا إلى عينيها:


ـ بطلي حجج، و بصي في عنيا. أنتِ عمرك ما كرهتيني، ولا أنا عمري كرهتك. أنت بتفكريني بنفسي لما كنت بقاومك، و اقعد اقنع في نفسي اني مش عايز اجري على البيت عشان بس اشوفك بعد ما كنت بهرب منه، و بفضل بالشهور بعيد عنه. 


اغضبها تجاوزه لذا حاولت التملص من بين يديه وهي تهتف بتحذير:


ـ عمر ابعد ايدك عني…


لم يفلتها بل تابع وعينيه تخاطب عينيها حين قال بنبرة مُتحشرجة:


ـ الدم اللي بيجري في عروقك نفس اللي بيجري في عروقي. نفس المقاوحة و العند و التكبر، رافضه ضعفك قدامي و بتمثلي انك قوية. انا كنت بعمل كدا معاكِ. كنت بقنع نفسي انك مش مناسبة ليا، و أنا قلبي أصلاً مش شايف ولا حاسس بحد غيرك. 


لمح وميض من الضعف في عينيها مما جعله يتابع بنبرة يشوبها الضعف:


ـ فضلت أقاوح و اتكبر و اقنع في نفسي اني مش هفتقدك بس والله العظيم ماقدرت أقعد لحظة في البيت و أنتِ مش فيه. انا هربت لأبعد مكان ممكن تتخيليه عشان انساكي و بردو معرفتش..


كانت قاب قوسين أو أدنى من الارتماء بين ذراعيه ولكنها قاومت إذ تملصت بين يديه وهي تقول بحدة:


ـ سيبني يا عمر..


لم يبدو و كأنه سمعها إذ تابع بنبرة تئن من فرط العشق و الألم معًا:


ـ لحد ما اتحطيت في اختيار بينك وبين كل حاجة فكرت أنها مهمة في حياتي، و وقتها اختارتك أنتِ. مفرقش معايا اي حاجة ولا اي حد غيرك أنتِ..


شروق بحدة:


ـ مفرقش معاك اي حاجة ولا مقدرتش تتحمل أني أكون مع حد غيرك؟


عمر بلهفة:


ـ أيوا انا فعلًا مقدرتش اتحمل تكوني مع حد غيري أو حتى أن حد يقرب منك، و دا لو فكرتي لثواني معناه اني بعشقك و بغير عليكِ من الهوى. 


صمت لثوان قبل أن يقول بنبرة صادقة:


ـ بحبك يا شروق. بحبك. افهمي. جرحتك انا عارف. عايزة تجرحيني و توجعيني زي ما جرحتك أنا قابل. لحد ما تحسي انك خلاص قادرة تسامحي و نبتدي صفحة جديدة. 


كان كل شيء مشوش داخلها و تكالبت عليها الأوجاع، وصارت فريسة بين أنياب الكبرياء و مخالب العشق الذي كان ينهش في قلبها يطالبها بالصفح ولكن لذلك القلب العاشق كبرياء أيضًا وهذا الكبرياء يأبى الخضوع.


ـ أنت عارف انك بتطلب المستحيل. 


عمر بقوة:


ـ عارف، و مؤمن أن المستحيل بيتحقق. ماهو أني أحب أصلًا كان بالنسبالي مستحيل..


شروق بجمود:


ـ فكرتك عن المستحيل غلط يا دكتور عمر. المستحيل عمره ما يخون نفسه عشان وقتها هيفقد هويته و هيبقى مجرد شيء مُمكن، مهما كان الطريق طويل و صعب.


عمر بنبرة واثقة:


ـ لا بيحصل و وقتها مبيفقدش هويته ولا بيتحول لمجرد شيء ممكن. وقتها بيكون اسمه معجزة، وأنا مؤمن أن المعجزات لسه موجودة و بتحصل..


ما أن أوشكت على الحديث حتى رن هاتفه ليلعن تحت أنفاسه ذلك المتصل، ولكنه اضطر للإجابه رغمًا عنه لتصل إليه صرخات هايدي التي هتفت بذُعر:


ـ الحق ماما يا عمر….


"اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمّن سواك." ♥️


★★★★★★★★★


كانت تبكي كما لم تفعل من قبل. ينتفض جسدها و كأنه ورقة في مهب الريح. تؤلمها دقات قلبها و كأنها ضربات تبرح ضلوعها ضربًا، يتعالى صوت أنينها و كأنها تريد من العالم أجمع أن يستمع إلى وجعها. تعلم بأنها اختارت أصعب الطرق ولكنها كانت مُجبرة حتى لا تلقى مصير من سبقوها. 


تحمل في جوفها السُم ولا تستطِع أن أن تتقيأه خوفًا على أحبائها من غدر أولئك الشياطين الذي يعج بهم هذا الجحيم..


توجهت إلى المرحاض لتفعل أكثر شيء يمكن أن يجعلها ترتاح وهو الصلاة. توضأت وخرجت لترتدي ملابس الصلاة لتبدأ في ذرف أحزانها دفعةً واحدة حتى تبللت سجادة الصلاة التي روتها بعبراتها وهي تردد بقهر:


ـ رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين. 


أطالت في السجود وهي تطلب العون من الله فيما هو قادم، لتنتهي أخيرًا وتجلس مستندة بظهرها على الحائط تتلو دعاء تفريغ الكرب:


" لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم." حتى غفت من فرط التعب و الإنهاك، فلم تشعر به حين دلف إلى الغرفة الغارقة في الظلام ليسترعي انتباهه هذا الجسد المُلقى أرضاً، فهوى قلبه من فرط الرعب ليهرول تجاهها و يخر على ركبتيه يحمل رأسها بين يديه وهو يهتف باسمها بنبرة مُلتاعة:


 ـ أشجان…


لم يأتي منها أي ردة فعل، ولكن أنفاسها كانت منتظمة و كذلك ضربات قلبها، ليُدرك أنها غفت على سجادة الصلاة، فقربها إليه يحتويها بين ذراعيه للحظات حتى يهدأ قلبه المُلتاع، فشعر بها تتململ بين ذراعيه مما جعله يتراجع وهو يحملها بين يديه ليضعها فوق مخدعها، ولكن يديها تشبست بمقدمة قميصه، فقد استيقظت حين حملها، ولم تطاوعها يداها بتركه لتمر لحظة عصيبة على كليهما هو يجاهد حتى يبتعد، وهي تجاهد حتى لا تسمح له بذلك، و الإثنان يتشاركان في الألم الذي يجيش بصدر كليهما..


ـ خالد. أرجوك متسبنيش.


هكذا تحدثت أشجان بنبرة تئن من فرط اللوعة و الألم الذي كان ينهشه كوحشٍ ضاري بالاضافة إلى الغضب المُريع الذي يعصف بعقله، فالخذلان الذي ناله منها أصاب جميع حواسه و هز كيانه بشدة:


ـ ابعدي إيدك عني. 


هكذا تحدث بنبرة جافة رغمًا عن ألمه، لتُصيب كلماته صدرها كطلقات نارية كادت أن تُجهِز عليها ولكنها قاومت الوجع و هتفت بأسى:


ـ أرجوك متبعدش عني..انا عارفة اني وجعتك..


تراجع عنها بغتة وهو يناظرها بغضب أسود أذاب عظامها و كذلك فعلت كلماته حين قال بقسوة:


ـ وجعتيني! اللي عملتيه أكبر من كدا بكتير. أنتِ خذلتيني. طعنتيني في ضهري و أستغفلتيني. كذبتي عليا و أنتِ عينك في عيني..


لم تحتمل كل هذا الألم و اللوعة الذي يقطر من بين كلماته ولو كانت لهجته قاسية لتهتف من بين شهقاتها:


ـ أرجوك يا خالد..


خالد بتحذير:


ـ أرجوكي أنتِ. خليكِ بعيدة عني. أنا فعلًا مش عايزك تدوقي غضبي، ولا تكوني ضحيته.


كانت معالمه مرعبة و عينيه لا تشبهان عيني الرجل الذي أحبته ذات يوم، فقد نفرت عروق رقبته حتى كادت أن تخترق جلده و أسودت نظراته، بالإضافة إلى تنفسه الغير منتظم، فقد عاد الوحش الذي ظنت أنها روضته ولكنه عاد بطريقة أسوأ من ذي قبل. 


تحلت بشجاعة لا تمتلكها حين قالت:


ـ أنا عارفة غضبك كويس وووو


قاطعها بنبرة افزعتها:


ـ اللي عرفتيه قبل كدا حاجة واللي جوايا دلوقتي حاجة تانية خالص، فأحسنلك تسكتي. 


كانت تناظره بألم تعاظم حين لمحت تلك اللمعة في عينيه والتي تعرف جيدًا بأنها عبرات تأبى مفارقة جفونه، وهنا أدركت فداحة ما ارتكبته، و لكنها و لسوء حظها كانت مُسيرة لا مُخيرة..


"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال." ♥️


★★★★★★★★★


خطت إلى داخل المنزل خلفه بعد يومٍ شاق لم تكُن تتخيل أنه سينتهي، ولكن هل انتهى بالفعل؟ فقد طافت عينيها في الصالة الواسعة ذات الطراز الحديث والذوق الرفيع لتتوقف أنظارها عند المطبخ الواسع الذي كان على الطراز الأمريكي و بداخله تقف إمرأة فاتنة ما أن رأت كمال حتى حيته برسمية، ولكنها لم تكُن ترتدي زي الخدم، مما جعل أنفاسها تهتاج و نبرتها تتهدج حين قالت باستفهام:


ـ مين دي؟ 


استدار كمال يناظرها بغموض قبل أن يقول باختصار:


ـ هتعرفي كل حاجة دلوقتي…


لا تعلم لما شعرت بهذا الشعور السيء الذي جعل الألم يتسرب إلى قلبها، و خاصةً حين سمعته يتحدث بالإيطالية مع هذه الفتاة التي كانت تتحدث برسمية ثم اومأت برأسها باحترام و صعدت الدرج ليتوجه خلفها تاركًا آسيا في حالة من الترقب و القلق الذي جعل طنين دقات قلبها يصل إلى أذنيها، لتبرق عينيها حين شاهدته يخرج من أحد الغرف و يهبط الدرج وهو يحمل طفلًا صغيرًا بين ذراعيه، و يتوجه إليها بعينين صافيتين ليقف أمامها ثم و بكل هدوء يقول:


ـ أحب اعرفك بسيف كمال الوتيدي….




الفصل السابع عشر من هنا


stories
stories
تعليقات