رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل الثامن عشر
عاصم! مالك! اصحى!
والله هسمع كلامك! بس ما تمشيش…
ما تسبنيش!
والله هسمع كلامك… بس افتح عينيك، بالله عليك…
كان يبكي بصوت عالٍ، كطفل ضائع عن أمه، ينظر إليهم وهم يحملونه أمامه فوق ناقلة الإسعاف، بعدما أُجريت له الإسعافات الأولية بسرعة. تبين وجود انخفاض حاد في ضغط الدم، فهرولوا جميعًا خلفه، ملتحقين بسيارة الإسعاف حتى وصولهم إلى المستشفى.
ساد التوتر وأعصابهم مشدودة، ينتظرون بخوف خروج الطبيب من غرفة العناية الفائقة. لم تحتمل “سيلا” الوقوف أكثر، فجلست على أقرب مقعد قابلها، تدعو في سرّها أن يُنجيه الله.
رفعت عينيها بذهول نحو “معتز”، الذي كان يستند برأسه على الحائط، يدفعه بعنف كأنما يعاقب ذاته، فتدخل “وليد” مسرعًا ليمنعه:
وليد: بلاش يا معتز كده، هيبقى كويس، عاصم قوي وهيعدي منها.
معتز (بألم وقهر): أنا السبب… أنا اللي المفروض أكون مكانه، مش هو!
أنا اللي وصلته للحالة دي!
لو جراله حاجة، هموّت نفسي! مش قادر أشوفه كده… أنا تعبت… آآه… آه…
فجأة، أمسك برأسه، يئن من شدة الصداع الذي اجتاحه كعاصفة كهربائية رجّت رأسه، وبدأ يتلوى من الألم حتى خارت قدماه، وسقط كالهلام المرتعش، يصرخ مرتجفًا:
معتز: آه… آه… هموت! مش قادر!
انفجرت “سيلا” بالبكاء بحرقة، مما تشاهده أمامها، فلم تحتمل الموقف أكثر. وسرعان ما تم استدعاء طبيب آخر. حمله كلّ من “وليد” و”عامر” إلى غرفة الكشف المجاورة، حيث أُعطي بعض المسكنات المؤقتة.
ومع مرور ساعة من الانتظار، خرج الطبيب أخيرًا.
وقفت “سيلا” متلهفة، وركض كلّ من “وليد” و”عامر” نحوه:
سيلا: خير يا دكتور… طمّنا!
عامر: هو كويس، صح؟ يا دكتور طمّنّا!
رد الطبيب بنبرة مهنية، وقد بدا على ملامحه التعب والخبرة:
الطبيب: المريض تعرّض لضغط شديد أثر على عضلة القلب شبه جلطة، الحمدلله
لحقتوه بسرعة، لو كنتوا اتأخرتوا شوية كان الوضع هيبقى خطر، والتجلطات كانت هتزيد.
لكن السرعة أنقذته.
إحنا دلوقتي مدّيناه إبر سيولة لتذويب الجلطات، وهيبقى تحت المراقبة في العناية المركزة لمدة أربع وعشرين ساعة.
بعد كده، ينقلوه لغرفة عادية وتقدروا تزوروه.
سيلا بصوت مرتجف غير مصدّقة: يعني هو فاق؟! بجد؟!
عايزة أشوفه… بس من بعيد، مش هتعبه.
الطبيب: الزيارة مش هتنفع دلوقتي، خصوصًا في الساعات الجاية.
لكن ممكن تتابعوه من ورا الزجاج، من بعيد.
ممنوع يتكلم أو يتعرض لأي ضغط نفسي، عشان حالته لسه حرجة، وأي انفعال ممكن يسبب له جلطة بجد حاولوا تبعدوا عنه أي توتر… ممنوع يتعب تاني.
أنهى الطبيب حديثه وغادر سريعًا ليكمل عمله.
اقتربوا جميعًا من الزجاج الفاصل، يتأملون “عاصم” في الداخل، عاري الصدر، موصول بعدد من الأجهزة التي تصدر صوت التعرجات القلبية، وعيناه مغمضتان، كأنهما لم تعرفا النوم منذ دهر.
عامر: طيب دلوقتي وقوفكم هنا مالوش لازمة… الزيارة ممنوعة لحد بكرة.
إحنا نمشي ونرجع بكرة. إيه رأيكم؟
سيلا: مش همشي من هنا غير وهو معايا… امشوا انتو.
معتز: وأنا كمان… مش همشي غير لما أشوفه… ويسامحني.
مش هقدر أمشي. هقف هنا، مش ماشي!
وليد بلا حول: روح انت يا عامر، ريّح شوية وتعالى الصبح بدري، ونبدّل.
مش هينفع أسيبهم لوحدهم.
عامر: ماشي… همشي وأرجع الصبح بدري، في ناس بيكلموني في الفندق، حاجات معطّلة.
ثم غادر بعدها بصمت.
جلست “سيلا” على أقرب مقعد، فجلس “وليد” إلى جانبها يطمئنها:
وليد: هيعدّي، كله هيعدي.
أحمدي ربنا، واهدي شوية، عشان ما يزعلش لو شافك كده.
ازدردت ريقها، وكبحت دموعها، قائلة بشفاه مرتجفة: مش قادرة يا وليد… أول مرة أشوفه كده.
الدكتور بيقول لحقناه… يعني لو اتأخرنا شوية بس… كان…
غطّت وجهها براحة يدها، تشهق بقوة، كأنها تستشعر ألم خسارته قبل أن تقع.
اقترب منها “معتز”، وجثى على ركبتيه أمامها، بعينين دامعتين، وقلب يعتصره الألم: آسف يا سيلا… سامحيني… عشان خاطري، سامحوني كلكم. أنا السبب! هو فعلاً أبويا اللي رباني… عشت معاه أكتر من أبويا نفسه.
يعزّ عليا أشوفه كده…
ما تزعليش مني يا سيلا، أرجوكي، وما تبكيش هعمل اللي يريحكم… بس متخلهوش يزعل مني!
نظرت إليه “سيلا” وابتسمت، ثم ربت “وليد” على كتفه يحثه على الوقوف، واحتضنه بقوة: أقوى يا مان كده… خليه يشوفك قوي، وبطّل عياط أنشف كده!
وقفت “سيلا” أيضًا، تمسح دموعها: وأنا مش زعلانة منك…إنت أخويا، والله، وبعزّك.
عمري ما زعلت منك غير مرة واحدة بس… لما باعدت عن مي… وسبتوا بعض.
حاول تكلمها يا معتز… هي لسه بتحبك.
قصص الحياة
تطلع إليها وابتسم دون أن ينطق بكلمة أخرى.
وظلّ المشهد صامتًا، لكنه مشبع بكل ما لا يُقال.
على الجانب الآخر، كانت “مي” تمارس روتينها المعتاد في الجريدة. وبعد ساعات طويلة من العمل، أنهت دوامها وغادرت من البوابة الرئيسية. وقبل أن تتخطى العتبة، فوجئت بشخص يقطع طريقها، واقفًا أمامها بابتسامة عريضة، هاتفًا:
مازن: إيه الصدف الحلوة دي!
تسمرت في مكانها، تحدق فيه بدهشة، ثم ردت بتردد:
مي: مازن؟! إزيك؟… بتعمل إيه عندنا؟
مازن: كان معايا واحد صاحبي بزوره، قريب من هنا… دي الجريدة اللي فيها، صح؟
هزّت رأسها بالإيجاب، وابتسامة باهتة شقّت طريقها إلى شفتيها، لكنها لم تصل إلى عينيها:
قصص الحياة
مي: آه… هي.
استرسل في الحديث، مشيرًا إلى الكافيه القريب:
مازن: عارفة الكافيه ده؟ بيعمل قهوة جامدة جدًا!
إيه رأيك أعزمك عليها؟ فرصة نتكلم شوية…
بدت عليها علامات التوتر، أخذت تفرك كفيها، ثم قالت بسرعة:
مي: أحم… يعني… آسفة، مش هينفع وكده…
أعمل حاجة من ورا هيثم؟!
أنا كمان متأخرة، ولازم أمشي.
استدارت لتغادر، لكنه استوقفها بصوت هادئ وابتسامة ما زالت تلازم وجهه:
مازن: عندِك حق فعلاً…
بس لو تسمحي، أكلم هيثم تاني ونحدد ميعاد أزوركم في البيت قريب.
إيه رأيك؟
خفضت نظرها خجلًا نحو الأرض، وصمتت دون رد.
وحين طال صمتها، بادر هو بالكلام، نبرة صوته تحمل مزيجًا من الصدق واللين:
مازن: صدقيني… القبول ده حاجة مش بإيدينا.
أنا أول ما شوفتك… حسّيت براحة، وحبيت أتكلم معاكي وأعرفك بجد.
صمت لبرهة، ثم أكمل:
مازن: احنا هنتكلم… مجرد تعارف، مش أكتر.
لو لقيتي نفسك مش مرتاحة، كلّمي هيثم، ومش هيبقى في أي خطوة تانية غير لما تكوني متأكدة من مشاعرك.
ازدادت توترًا، واحمرّ وجهها من شدة الخجل.
هتفت بصوت متقطع، وهي تسرع مبتعدة عنه:
مي: لازم أمشي… ضروري… اتأخرت أوي!
راقبها وهي تبتعد، ثم ضحك بخفة، ورفع يده يمسد شعره متأملًا، تمتم ضاحكًا:
مازن: هو لسه في حد بيتكسف دلوقتي؟!
طيب أعمل إيه… أنا هكلم هيثم برده، وزي ما تيجي بقى…
