رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل التاسع عشر
غادر مازن متوجّهًا إلى منزله، وكان الحظ حليفه حين لمح صديقه هيثم يركن سيارته أمام منزل والدته بجانب الطريق. أوقف سيارته إلى جواره، وأشار له لضبط زوايا الركنة، ثم ترجّل من سيارته هاتفًا به:
هيثم: عاش يا صاحبي! مبروك، صحيح نقلت ولا لسه؟
أجابه مازن بابتسامة مرحة:
– آه نقلت، فاضلي حاجات بسيطة كده بنقلها معايا في العربية. كنت عاوزك في موضوع كده، ما تيجي معايا فوق، وأهو تتفرج عليها. إحنا طلعنا جيران، عمارتك قصاد عمارتي.
قهقه هيثم وقال:
– يا عمّ، ما أنا اللي جايبهالك! تتهنّى بيها يا رب، ويجعلها قدم السعد ليك. يا دوب أشوف الوالدة بعافية شوية، أسلم عليها وامشي على طول.
ثم صمت فجأة كأنه تذكّر أمرًا ما، وقال:
– موضوع إيه اللي قلتلي عليه؟ كلّمني طيب فون أو في المركز بكرة ولا إيه؟
تنحنح مازن وقد بدا عليه التردّد:
– أحم… أنا، ومي. المهم، أنا عايز أجي أزوركم. أنا كلمت مي النهارده صدفة قدام الجريدة. بص، من الآخر يا هيثم، أنا مرتاح، وفيه قبول من ناحيتي. ومش هينفع غير لما أتكلم معاها، وتشوف هي بعدها من ناحيتها إيه. كلّمها تاني كده، عشان خاطري… ماشي؟
تأمّله هيثم وقد شعر بصدق كلماته، ثم قال:
– اللي ربنا رايده هيكون، وكل شيء قسمة ونصيب. هعمل اللي عليا برضه وأقولك.
ردّ عليه مازن بأمل:
– جرّب تاني، والله حاسس إن نصيبنا مع بعض، وإن شاء الله أسعدها عن اللي شافته.
ابتسم له هيثم، وربّت على كتفه، ثم ودّعه وغادر متجهًا إلى داخل البناية.
بينما غادر مازن إلى بنايته الجديدة، فتح باب الشقة ودخل، ثم ألقى مفاتيحه بإهمال على أقرب سطح أمامه، وجلس على المقعد المقابل، يشاهد التلفاز باحثًا عن أي شيء يسلّي به نفسه. ابتسم فجأة عندما خطرت بباله بخجلها وبراءتها وركضها من أمامه، وهمس لنفسه:
– شكلك هدوّخيني… عقبال ما تتكلمي معايا.
نهض من مجلسه عندما سمع صوت اصطدام زجاج نافذة غرفته. دخل الغرفة، فوجد النافذة مفتوحة، وصوت التصادم ناجم عن حركة الهواء. كاد أن يغلقها، لكنه توقف فجأة.
كانت هناك… أمامه. أسدالها يتمايل، ووجهها الملائكي يشعّ نورًا وهي تحتسي مشروبًا ما. وقف متأملًا من نافذته، يتطلّع إليها بصمت، وابتسم داخليًا لما اجتاحه من مشاعر غريبة لم يألفها من قبل. وما إن رآها تدخل إلى الداخل، حتى أغلق نافذته هو أيضًا، بهدوء.
—
على الجانب الآخر، صعد هيثم إلى والدته، وفتح الباب بمفتاحه الخاص. دخل إلى الشقة فوجد نبيلة في غرفتها، فاقترب منها وجلس إلى جوارها ليطمئن عليها.
قال بلطف:
– إيه يا أمي؟ عاملة إيه دلوقتي؟
سعدت نبيلة برؤيته، وابتسمت بدفء مع دخوله عليها:
– ببقى كويسة أول ما أشوفك داخل عليا، الحمد لله… بس الكحة مش عاوزة تسيبني.
ربّت هيثم على يدها بحنان وقال:
– يباركلي فيكي يا رب… هي البِت دي مش بتعمل حاجات دافية ولا إيه؟ هي فين؟ ما شفتهاش وأنا داخل.
ربّتت نبيلة على كتفه:
– حرام، لسه عاملالي من شوية أول ما جيت من الشغل، وكل نص ساعة تعمللي حاجة. هتلاقيها في أوضتها… خبط عليها كده.
تنفّس هيثم بهدوء، ثم قال:
– بصي يا ست الكل، دلوقتي مازن كلّمني تاني… وكلم مي كمان. ونسيت أقولك إنه باع الشقة اللي كان متجوز فيها، وجاب الشقة اللي في العمارة اللي قدّامنا، عشان العروسة الجديدة ما تدخلش على شقة حد.
المهم… هو اشترى، ومش عاوز غير إنهم يتكلموا، يشوفوا إذا فيه قبول ولا لأ.
وهو قالّي لو مفيش من ناحيتها، كأنه ما اتكلمش خالص.
ها، يا ست الكل؟ أخليه ييجي؟
تنهدت نبيلة وهي تلتقط أنفاسها وقد تهيّج صدرها من السعال. وبعد أن هدأت قليلًا، قالت بصوت مبحوح:
– الرأي الأول والأخير ليها… كلّمها وشوف رأيها، أنا مش هضغط عليها في حد.
كفاية إننا اتسرعنا أول مرة… وكمان شايفة نفسيتها مضايقة، كابتة في نفسها يا عين أمها.
رغم إنها بتظهر قوية، بس هي هشّة من جوا.
عاوزة تتحسّن نفسيتها الأول، مش ورا بعض كده… فاهمني؟
أومأ برأسه وقد فهم ما تحكيه، وأخذ نفسًا عميقًا وقال:
– حاضر يا أمي… هقوم أشوفها وأكلمها، وأعرف دماغها فيها إيه.
واللي ربنا رايده… هيكون.
طرق باب غرفتها، فلم يتلقَّ أي رد. فتح الباب ودخل مناديًا عليها، ثم وجدها تدخل من الشرفة.
قال بنبرة تحمل العتاب:
– إيه يا بنتي، بنادي من بدري… بتعملي إيه عندك؟
هتفت مي وهي تعود من الشرفة:
– هيثم! جيت إمتى؟ معلش، مسمعتكش… شوفت ماما؟
أومأ برأسه وقال مباشرة:
– آه، شوفتها. وكنت عايزك في كلمتين كده… انتي شفتي مازن النهاردة؟
تفاجأت من سرعته في طرح السؤال، وسرحت في حديث مازن، وفي إصراره على التحدث معها عن ارتباط جديد وزواج، بينما هي لم تلتئم بعد من جرحها الأول. وما إن وصلت لتلك النقطة في التفكير، حتى ارتجف بدنها وهتفت بتوتر:
– آه… آه، شوفته صدفة. كان عاوز نقعد في كافيه، وأنا مرضتش طبعًا.
قالّي إن أنسب حل إنه يزورنا وكده…
مش عارفة يا هيثم، أنا خايفة… خايفة أدخل في علاقة جديدة.
أنا فعلاً مرعوبة من الفشل تاني، مش عارفة أعمل إيه،
أنا بقيت بخاف أوي من أي راجل.
ربّت هيثم على كتفها، ثم احتضنها ليهدّئ رجفتها، وتأكد من حديث والدته أن الجرح ما زال يسكنها، وأنها بحاجة إلى أن تستعيد ثقتها بنفسها قبل اتخاذ أي قرار. لم يعد الأمر بسيطًا، فقد ترك معتز داخلها أثرًا نفسيًا عميقًا يصعب تجاوزه بسهولة.
قال برفق:
– أهدي… وماتخافيش من حاجة. مازن مش وحش، وطبعه هادي ومسالم جدًا وصبور.
وهو كمان ظروفه زي ظروفك، لكن هو ماوقفش، لسه مستمر.
لازم تكسري حاجز الخوف اللي جواكي،
بصي… إيه رأيك تبقى العلاقة بينك وبين مازن… علاقة دكتور ومريضة؟
انتي عارفة إنه طبيب نفسي، وانتي فعلًا محتاجة دعم نفسي،
عشان تكسري الحواجز اللي جواكي.
وده مش هيحصل إلا لما تحكي مع حد… ويسمعك.
تيجي معايا بكرة المركز زيارة عنده؟
لو ارتحتي، كان بها…
ولو ما ارتحتيش، يبقى احنا زي ما احنا.
تطلعت إليه في صمت، ثم هزّت رأسها بالموافقة. فقبّل جبينها هامسًا بحنان:
– خلاص يا حبيبتي… كله هيعدي وهيبقى زي الفل.
ريّحي انتي دلوقتي، وأنا هشوف ماما وامشي.
هعدّي عليكي بكرة من قدّام الجريدة… ونروح سوا المركز، ماشي؟
يلا… تصبحي على خير.
خرج من غرفتها، واطمأن على والدته، ثم غادر بعدها. استقلّ سيارته، وأخذ يهاتف صديقه، فقصّ عليه كل ما حدث، وشرح له الطريقة التي سيتعامل بها مع الأمر، ثم أغلق الهاتف متنهدًا، داعيًا لها في صمت بصلاح الحال.
…
بعد مرور أربعٍ وعشرين ساعة، نُقِل عاصم إلى غرفة عادية. دخل عليه كل من سيلا، ومعتز، ووليد، ولحق بهم عامر.
ابتسم عاصم رغم شحوب وجهه، ونظر إلى طفلته التي وقفت بعيدًا، محاولًا أن يبدو بخير، وهتف:
– سيلا… قربي، واقفة بعيد ليه؟ وحشتيني.
قهقه الحاضرون داخل الغرفة، فحمحمت وليد بمرح:
– احم احم… إحنا هنا، ها! خد بالك.
حمد لله على السلامة يا عاصم، كده تخضّنا عليك!
اقتربت سيلا منه، تمسك براحة يده، تقبّلها برقة، وتبتسم له بحب:
– وحشتني أوي… كده تقلقنا عليك!
إنت كويس؟ ما تتعبش نفسك بالكلام.
ابتسم لها محاولًا طمأنتها، ثم وجّه أنظاره نحو أخيه الأصغر، الذي كان متوقفًا عند باب الغرفة، وناداه هامسًا باسمه، بينما التعب ظاهر في صوته:
– معتز…
ربّتت سيلا على يده، وهمست له تطمئنه:
– معتز كان خايف عليك أوي، وزعلان من نفسه،
وحاسس بذنب ناحيتك… فوقلنا انت، بس، عشان نقدر نفوق له.
استمع إلى كلماتها الأخيرة، وحاول أن يعتدل في جلسته، رغم اعتراض عامر ووليد، لكنه أصرّ على الجلوس، ونادى على معتز أن يقترب.
فدلف الأخير إلى الداخل، ثم ارتمى في أحضانه، يبكي بصمت داخل صدره:
– متزعلش مني… حقك عليا.
ربت عاصم على ظهره، وحدّثه بنبرة حازمة دافئة:
– أجمد كده… أوعى أشوفك تعيط تاني، سامع؟
إنت ابني… عمري ما أزعل من ابني.
أنا بقيت كويس… وعايز أخرج من هنا.
ثم التفت إلى عامر وقال بجدية:
– شوف لي إجراءات الخروج بسرعة، عشان أحجز للسفر برّه.
همس له معتز معترضًا بلُطف:
– استنى… نطمن عليك الأول، ونشوف موضوع الـ…
لكن عاصم قطع حديثه بنظرة نارية حادة، وقال بصرامة:
– مفيش “نستنى” تاني… سامع؟
