رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل الثاني والعشرون
لم تقتنع سيلا بكلام عاصم، وقررت الذهاب إلى معتز، تهاتفه محاولةً ثنيه عن قراره، لعلّه يهاتف مي ويخبرها بكل شيء، فتكون تلك البداية لمصالحةٍ مرتقبة بينهما.
طرقت باب غرفته بهدوء، وهي تستند إلى عصاها، ثم توقفت قبالته، تخاطبه بينما تراه يُجهّز حقيبته استعدادًا للسفر صباح الغد.
قالت بنبرةٍ مترددة:
– معتز، مفيش حاجة عاوز تقولّها لي قبل ما نسافر؟ ونفسي تفكر تاني يا معتز… إنت محتاجها دلوقتي عن أي وقت بجد.
ترك ما بيده واقترب منها، وعيناه تلمعان بالألم:
– لو ربنا كاتب لي عمر تاني، هتحدّى الدنيا عشان أرجعلها… بس دلوقتي مقدرش، مقدرش أشوف دمعة من عينيها نازلة عشاني، بجد… هم.وت لو شفت دموعها.
مش عايزها تتقهر على مو..تي وتترمّل بعدي… مش حابب أشوف بكاها، عاوزها تعيش حياتها بعدي… سيبيني يا سيلا في اللي فيّا، أرجوكي.
قاطعته وهي تهتف بسرعة، محاولةً قطع سيل التشاؤم في حديثه:
– هتقوم لنا بالسلامة يا معتز، ما تجيبش سيرة الم..ت تاني، أرجوك…
عموماً، زي ما تحب… أنا همشي أجهّز نفسي أنا كمان.
غادرت الغرفة بخطواتٍ مثقلة، لتجد عاصم واقفًا عند الباب، متّكئًا عليه، يتطلع إليها بعينين تملؤهما الغيرة والضيق.
احتضنها بين ذراعيه وهو يهتف بنبرةٍ تجمع بين العتاب والحب:
– برده يا سيلا؟ العناد بتاع حبيبتي ده!
سيبيه على راحته… هو لو عاوز، كنت أنا بنفسي هروح وأكلمها.
وضعت يدها على فمها بضعف، وقالت بخضوعٍ يائس:
– حاضر، خلاص… مش هتكلم تاني، أهو سكت خالص.
…
نطقت مي بصدمة، وقد باغتها حديث الطبيب:
– مريض؟ إزاي؟
ردّ الآخر بنبرة هادئة وهو يحاول شرح ما استنتجه من حديثها:
– مش مريض بالمعنى العضوي، إنما مرض نفسي… هبسطهالك: لما حسّ إنك اكتشفتي خيانته، وإنك ممكن تفضحيه، قلب الترابيزة عليكي، عشان تسكتي قدام الناس وما تجرحيش صورته قدام أخوه وقرايبه.
وكمان، عشان الست تتنازل عن كل حقوقها في مقابل إنها ماتتكلمش عليه مثلًا.
بس هو لاعبها صح… وكل الرسايل، أكيد هو اللي بعتها.
ده مجرد تخمين، لكن من اللي سمعته منك، ومن بداية حبكم لحد ما وصلتوا له دلوقتي… شاكك إنه هو ورا كل ده.
نظرت إليه مي في ذهول، وقد بدأت تهز رأسها نافية، غير مصدقة لما تسمع:
– إزاي؟ هو! هو اللي بيبعت رسايل؟ إيه الكلام ده؟ مستحيل… لأ، لأ، مش هو… لأ.
ظل الطبيب ينقر بالقلم فوق سطح مكتبه، غارقًا في التفكير، ثم هتف:
– أنا بقول تخمين، مش أكيد… تعالي نفكر سوا، ممكن أسألك كام سؤال؟
قالت بصوت خافت:
– اسأل، طبعًا.
ابتسم قليلًا، ثم باشر بسؤاله:
– هو في العادي، كان بيمسك تليفونك؟ أو نبهك قبل كده إنك بتمسكي التليفون كتير؟ أو إنه بيتضايق من كده؟
نفت كل شيء بوضوح:
– أنا أصلًا مش بمسكه… معنديش وقت له، كان هو شاغل وقتي كله: بيتي، نظافته، هدومه، أكله الخاص… كل حياتي كانت هو.
أول مرة يخطف التليفون من إيدي… بس أنا موجهتهوش لما اكتشفت خيانته، أو يمكن ملحقتش، كان هو سابقني…
معقول يكون هو؟ طيب، ليه يعمل كل اللفة دي؟ ده ده…
توقفت فجأة، وقد تداخلت أفكارها، فحثّها الطبيب على المواصلة:
– كمّلي… ده إيه؟
خفضت مي نظرها إلى الأرض، أغمضت عينيها لحظة، ثم فتحتهما وتحدثت بصوت منخفض:
– أصل أنا اتكلمت معاه بعد الانفصال، لأنه مسكتش… فضِل يبعتلي كتير من أرقام مختلفة، لحد ما جوايا بقى عندي فضول أعرف عاوز إيه مني… بس، بس مش هو، لأ.
هتف الطبيب فجأة، بانفعال:
– إيه عرفك إنه مش هو؟ شُفتيه؟
وليه تتكلمي مع حد ما تعرفهوش من الأساس؟ لمجرد إنه بيبعتلك ويتحايل عليكي بأي كلام معسول؟
إيه يجبرك على كده؟ إنتي مش صغيرة على كده!
أسرعت في الردّ، محاولة الدفاع عن نفسها:
– لا، لا طبعًا، مشوفتوش، والله… كانت محادثة بس بينّا.
ثم ارتجفت قليلًا، وقد شعرت بتأنيب من لهجته الحادة، فأكملت حديثها بتردد ظاهر:
– م… مش عارفة، وقتها كنت خارجة، وحسيت إني لوحدي، وقلت يمكن أنسى…
واتكلمنا فترة، ب… بس أنا بعدت عنه، آخر مرة كلّمني فيها حظرتُه، وكسرت الشريحة كمان عشان ما يوصلش تاني.
نظر إليها الطبيب بنوعٍ من الندم، ثم قال باعتذار صادق:
– أحم… أنا آسف على طريقتي، بس مكنش مبرر إنك تكلميه من البداية.
ده سبب خراب بيتك… مكنش يصح تعملي كده.
المهم دلوقتي… إشمعنا بعدتي عنه؟
أخرجت زفرةً طويلة من صدرها، ثم قالت:
– مش عارفة، لوحدي… فجأة حسيت إني بعمل حاجة غلط، حاجة تغضب ربنا…
لأني مش أنا اللي أستمر في كده، عمري ما عملت كده.
كان وقت شيطان… خلاني أتكلم، أو فراغ، ووحدة…
لكن عرفت أملّى فراغي إزاي دلوقتي، الحمد لله.
ابتسم الطبيب ابتسامة خفيفة، تأمل فيها مدى نقائها الداخلي:
– وملّيتي فراغك إزاي دلوقتي؟
رفعت نظرها إليه، تنهدت بعمق، وقالت بثقة وهدوء:
– لجأت لحاجات كنت مقصّرة فيها… خصّصت لنفسي ورد يومي من القرآن،
وبقيت أفضفض لربنا، وأتكلم معاه، أحكيله عن اللي مضايقني…
وده الفضل يرجعلك طبعًا، لما قولتلي إن حقي ربنا شايله ليا، ولو بعد حين.
فأنا وكلت همّي لربنا، قولت له: “يا هم ليك رب”،
وبقيت مش محتاجة ليك كمان… إيه رأيك بقى؟
قهقه الطبيب ضاحكًا بصوت مرتفع، وقد ظهرت غمازته اليسرى، مما زاد من جاذبية ملامحه:
– يعني من تاني جلسة، بعتيّني كده؟
على العموم، موافق طالما لقيتي البديل ده.
بالعكس، أنا أشجّعك أكتر… بس لسه الجلسات مخلصتش، يا هانم.
ميعادنا بعد يومين.
