رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم شروق مصطفي


 رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل الرابع والعشرون 


جمر الجليد الجزء الثالث حصري بقلم شروق مصطفى

صمت فجأة حين لاحظ أن في أغلقت الكشاف الصغير، ثم سألته بهدوء:

وانت بقى... ناوي ترجعلها بعد كل ده ؟

نهض من مجلسه، يتطلع إليها بنظرة لم تتمكن من فهمها بعد تأملها لحظة قبل أن يجيب بنيرة هادئة تحمل عمقا خفيات

"أقدر أقولك إن دي كده ثالت جلسة ... ليكي هفهمك دلوقتي "

سكت يتابع ردة فعلها باهتمام ثم أكمل:

انتي اتظلمني لسبب ما يعلمه هو وحده، ولو ربنا نصرك هير جعلك ثاني، وأنا كمان كنت مظلوم والحمد لله ربنا نصرتي ورجعتها ليا، بس أنا ... اللي موقفش في محنني، واتمسك بيا، وشاركني محتني وحزني زي ما شاركتي فرحي ما ينفعش أأمن له تاني رغم إني كنت شاري ومتنازل عن حقي في الأبوة عشانها، وتحاملت لحد ما وقفت على رجلي ثاني "

وصوته يزداد وضوحًا وثقة، قال:

الجلسة دي بوصلك فيها معلومة إن مهما كانت درجة الظلم اللي اتعرضت ليه، ربنا هيتصرك المطلوب منك تتماسكي، وتنقي في نفسك، وأفضل شيء هو التجاهل "

ثم أشار بعينيه إلى عمقها :

اللي باديكي في وقت ما، ما ينفعش تردي الإساءة بإساءة. جمعي عند ربنا، وعنده تجتمع الخصوم، دورنا إننا تقوي نفسنا ما تنهزمیش انتي أقوى من أي حاجة، فشلني مرة ؟ وقعتي ؟ عافري وقومي لحد ما تنجحي، وما تبصيش وراكي، هدفك قدامك من خلفك فاهماني؟ وكده تكون خلصنا جلستنا. وفعلاً كنت حابب أحكي معاكي وافضفضلك "

ابتسمت له ابتسامة جذابة، وقالت بحماس صادق:

"برافو عليك فعلاً هعمل كده مش هيص ورايا. هدفي دلوقتي قدامي، مش ورايا، بجد مش

عارفة أقولك إيه، كل مرة بخرج بأمل وتفاؤل جديد

ما أن بدأت تنهض حتى هاتف إليها ليبلغها بموعد الجلسة القادمة، فنهضت من أمامه متجهة نحو الباب. لكنها توقفت فجأة كأنها تذكرت شيئا، ثم التفتت نحوه متسائلة بدهشة:

هو انت كنت امبارح في العمارة اللي في وشنا ؟ بتعمل إيه ؟ هو كنت انت فعلاً، صح ؟!"

قهقه يصوت عال وهو يجيبها

" انتي مش عارفة إن كنت أنا ولا لا؟ بتتأكدي ؟! طيب يا سيدتي ... كنت أنا الساكن الجديد.

اتمنى مكنش ضايقتك في حاجة ؟"

اصطبغ وجهها بحمرة خجل واضحة، وترددت قبل أن تقول وهي تغادر مرة أخرى:

ها. لا أبدا. بس..... مصدقتش إنه يكون انت، وكده يعني "

ناداها ضاحكا

استني بس ا تهربي ليه  هقولك، أوقفي "

توقفت والتفتت إليه، تخفى عينيها وراء رمشيها الطويلين، و همست:

"عادي... نورتنا، ممكن أمشي بقى ؟"

أوما برأسه وقال مبتسما:

"ماشي يا مي اتفضلي تكمل الجلسة المرة الجاية."

بعد خروجها، ارتسمت على وجهه ابتسامة داخلية وهو يتأمل خجلها المفرط، لكنه سرعان ما شرد بما قصه عليها. ثمة شيء ما لم يفهمه بعد لم يكن يعلم تحديدا لماذا فعل ما فعله معها، ولم شعر بذلك الانجذاب نحوها، أو تلك الرغبة الدفينة في الحديث معها، لم يكن يرغب القلبه أن يتألم من جديد، لذا تنهد بعمق، وألقى بتلك الأفكار خلفه، ثم تابع عمله.

داخل غرفة العمليات من أكثر من خمس ساعات، والجميع يرتكز أمام الباب المغلق، يتأهبون للحظة خروجه أو فتحه من قبل أحد الأطباء، كانت سيلا إلى جوار عاصم، تمسك يكفيه، تبث فيهما شيئا من الأمان والقوة لما يحدث في الداخل، بينما وليد بجانبهما لم يفارقهما منذ البداية. لم يحتمل عاصم الجلوس أكثر، فنهض وبدأ يسارع الخطى ذهابا وإيانا بتوتر بالغ، يتمتم مناجيا رنه

يارب اوقف معانا يا رب، ونجيه ماليش غيره في الدنيا... يا رب انت اللي عالم بينا، عارف إنه ابتلاء عشان يخفف من اللي عمله في دنياه، يا رب هو عبدك وتاب سامحه، ورجعه شافي معافي، يارب ...

ظل يتمتم ويناجي، فتقدمت إليه سيلا محاولة تهدئته:

ربنا معاه دلوقتي، ويخرج بخبر تعالى اقعد ها تتعب كده الت.

مش قادر... حاسس إلى أنا اللي جوه مش ها طفن غير لما أشوفه ... يا رب يا لطيف، الطف بينا يا رب.....

جلست بجانب وليد وهتفت له بهدوء

حاول تقعده خايفة عليه يوقع بجد... ده بقاله ثلاث أيام ما دانش النوم.

همس وليد ردا:

- مفيش فايدة.... امبارح اتحايلت عليه يقوم ينام ساعة، وقت ما كنتي بتعملي التحاليل، وهو ابدا... عاصم العناد فيه مش ها يهدي غير لما يخلصوا.

صمت للحظات، ثم تذكر شيئا

الا ... نتيجة التحاليل بتاعتك والأشعة، متطلع إمتى؟

المفروض النهارده يا وليد والله مش عارفة إيه اللي بيحصل لنا ده....

هتف بها وليد بغضب:

- استغفري ربنا إيه اللي بتقوليه ده ؟ هتدخلي في إرادة ربنا ولا إيه ؟ الحمد لله على كل شيء.

ونعم بالله .... والله من قصدي، بس عاوزاك في حاجة يا وليد ممكن؟ بعد إذنك ... أنا بعتبرك زي اخويا، بس عاوزاك تروح تشوف تحاليلي، ولو لقيت فيها حاجة ما تقولش العاصم.... هو فيه اللي مكفيه، كفاية عليه لحد كده.... ومعتز يقوم لنا بالسلامة، مش عاوزة صدمة، وأنا متأكدة من حالتي ... على الأقل من دلوقتي فهمني؟

كانت تنتظر منه وعذا، رجاء بصمتها المتوصل، حتى حمدت الله على قبوله في النهاية، حين هز رأسه موافقا بصمت، ابتسمت له شاكرة:

- شكرا يا وليد

نهض من أمامها متجها إلى الطبيب المسؤول عن التحاليل، يسأل عن النتائج، وقد وضع يده على صدره، يحاول تهدئة قلبه المضطرب....

خرج طاقم الأطباء أخيرا بعد أكثر من ست ساعات قضوها داخل غرفة العمليات، ركض عاصم نحو الطبيب، يهتف بلهفة واضحة، نطقت بها عيناه قبل لسانه فبادرة الطبيب بهدوء:

الحوار (مترجم) لقد بذلنا أقصى ما يوسعنا لإزالة التورم، خاصة أنه كان بالقرب من منطقة شديدة الحساسية، ادعوا له أن تمر الثلاثة والسبعون ساعة القادمة بسلام، حينها يمكننا القول إنه تجاوز مرحلة الخطر، بعدها، سأتابع معكم التعليمات التي ستسير عليها، ادعوا له.

غادر الطبيب، تاركا خلفه جسدا مترتخاء بالكاد يثبت في مكانه بدا وكان عاصم قد فقد توازنه تماما، يتمايل يمينا ويسارا، حتى أسرع إليه وليد قبل أن يسقط، وأجلسه محاولا تهدئته

- معتز قوي وهيعدي ادعيله انت بس... هيقوم لنا بالسلامة، لازم ترتاح عشان تقدر تكفل اللي جاي، إحنا ملناش لازمة دلوقتي، خد سيلا وامشوا ارتاحوا، وأنا ها فضل قاعد لحد ما ترتاحوا وترجع لبدأ ثاني. يلا بقى يا عاصم، كفاية عناد
هر عاصم رأسه موافقا بصمت، ثم نهض وجذب سيلا لتسير معه وهو يحتضنها كأنها ما تبقى له من تماسك. لكنه توقف فجأة، كمن تذكر شيئا هاما:

نسبت أسأل على دكتور التحاليل بتاع سيلا.

نظرت اليه سيلا بقلق واضح، فهتف وليد بسرعة مطمئنا:

اطمن، لسه مطلعتش انا سالت عليها، والدكتور كان مش موجود.... أجازة، وجاي بكرة. امشي انت وارتاح، وأنا متابع لما ييجي واستلمها، اطمن ونام لك شوية، انت مش قادر توقف..

تنهد عاصم بوجع داخلي، ثم التفت من جديد، متجها إلى منزل الخشبي الصغير في ألمانيا.

تولت سيلا القيادة بدلاً منه بعد أن فقد قدرته على التحكم بأعصابه، أسند رأسه إلى الخلف.

معمضًا عيديه غير قادر على الحديث كان جبالاً من الهموم تنقل صدره.

كانت سيلا تطل عليه بين الحين والآخر بعينين مليتتين بالحزن، متأملة ملامحه المنهكة، ثم

تعود تركز في الطريق، حتى وصلت إلى وجهتهما.

على الجانب الآخر، فتحت في الباب وقد علت السعادة وجهها لرؤية الزائرة، فاحتضنتها مرحبة بحرارة، ثم هتفت

- إيه المفاجأة دي؟ لما كلمتيني وقلتيلي إنك جاية مصدقتش وحشتيني خالص يا ندله .... تعالي، أمال فين بنوتك؟

كانت الطفلة ذات الأعوام الخمسة مختبئة خلف والدتها يخجل، فايتسمت همسة وجديتها للأمام، تخلف بها إلى الداخل، وقالت ممازحة:

مكسوفة شوية .... طالعة لمامتها بقى.

قهقهت مي على حديثها، لم انخفضت المستوى الطفلة تقبلها من وجنتيها بحنو:

اه أوي هتقوليلي... تعالوا يا جماله على الصغنن اللي كبرا حبيبتي.

أشارت لها بالدخول وهي تتابع:

- تعالي، ماما عاوزة تسلم عليكي وفرحت أوي لما عرفت إنك جاية ... تعالي.

تلقوا إلى غرفة والدتها، وبعد السلام والترحاب، أدخلتها في إلى غرفتها الخاصة وقدمت لها بعض العصائر، ثم جلسن سونا بتبادان الأحاديث، هتفت مي:

ايه يا بنتي الغيبة دي ؟ اخيرا وليد سامحلك تنزلي

ابتسمت همسة وقالت:

- وليد مسافر والله، وأنا قلت أجي أشوفك .... وحشتيني | عاملة إيه؟ إنتي أخبارك إيه ؟

أجابت في بعد أن التقطت أنفاسها، مبتسمة بثقة :

أنا الحمد لله كويسة جدا، زي ما إنتي شايفاني أهو .... بحمد ربنا كثير على كل اللي وصلتله لحد دلوقتي.

ريات همسة على يدها قائلة:

الحمد لله يا قلبي طبعا، بس يعني ... لو لسه فيه من العشرة بينكم شوية حب أو عشم، لو جه وقت وحس بندمه وليه نية للرجوع وكده.... إنتي نفسك كده، صح؟ أكيد جواكي نفسك ده يحصل؟

أغمضت مي عينيها تستعيد بعض الذكريات المؤلمة، في داخلها بركان على وشك الانفجار.... فقط بمجرد سماعها لكلمة "نية رجوع"، فماذا بعد؟ ندم ؟ حب ؟

أي حب هذا بعد أن قتلت بينهما اخر فرصة ؟

اي عشم ؟! ألا يعلمون أن ذلك العشم مات داخلها بلا رجعة ؟

لاخت على وجهها ابتسامة جانبية تهكمية، ثم فتحت عينيها وهتفت بنيرة جامدة، خالية من الحياة

- لو معتز آخر راجل قدامي في الدنيا.... مش هرجع له، حتى لو كان لسه في حب ليه جوايا، هو قتل الحب ده. معتز ق تل كل حاجة حلوة جوايا، قتل روحي فاهمة يعني إيه روحي ؟ يتتكلمي عن إيه يا همسة؟ اسكني بالله عليكي .... مش حابة أجيب

سيرته، لأني بخرجه من جوايا.

تألمت همسة مما سمعته، فقد كان معتز في هذه اللحظة بين يدي الله يصارع الموت، أرادت أن تخيرها بحاله، لكنها صمحت عندما رأت الأبواب كلها تغلق في وجهها، بلعت ريقها بصعوبة. وغيرت دفة الحديث، خاصة حين أصدرت الطفلة بعض الإزعاج لجذب انتباه والدتها، وهي تشد

على يدها.

يا مامي عاوزة الفون... أكلم صاحبتي.

هنفت من بدهشة:

صاحبتها مين يا همسة؟ هي لحقت تصاحب؟ البنت ديا

قهقهت همسة محببة:

- صاحبتها في الحضانة ... اسمها ذهب يتكلمها، وبيشوفوا بعض في النادي، بيلعبوا مع بعض.

ظلوا لبعض الوقت يتبادلون الأحاديث ويترترون، حتى غادرت همسة مع ابنتها.

رجعت مي تحضر العشاء مع والدتها، تم تناولت دواءها، ودلفت إلى غرفتها. نظرت إلى الشرفة وهفت بالخروج إليها، لكنها عدلت عن ذلك وجلست على الفراش، تنظر إلى لا شيء مسترجعة

كلمات همسة الأخيرة. ابتسمت بسخرية وهي تتمتم:

عشم... محدش قاله أن عم عشم مات من زمان، وقت ما قتل روحي.

زفرت أنفاشا حارة، وكان تيرانا تشتعل داخل صدرها، ثم حاولت تهدئتها يذكر الله واستغفار حتى سكنت قليلا، وغفت بعدها مطمئنة.

بمرور يومين، ظل في غفوة عميقة كأنما لم يذق النوم من قبل، مستسلما للتعب الذي أنهكه.

تركته سیلا ليرتاح، واتجهت للاتصال بوليد مجددا، فأخبرها الأخير أن حالة معتز ما تزال مستقرة حتى الآن.

وبعد أن اطمأنت عليه هست بصوت خافت يملؤه الخوف والترقب

وليد سألت على تحاليلي ؟ طلعت ؟ ولا لسه الدكتور في إجازة ؟

وما إن استمعت إلى جوابه، حتى وضعت يدها على صدرها من شدة خفقان قلبها، محاولة

تهدفته، ترمش بعينيها عدة مرات بعدم تصديق، مرددة:

الحمد لله ... الحمد لله .....

تم أنهت المكالمة، واتجهت إلى الفراش حيث يرقد زوجها، تسللت إلى جانبه الأيسر، واحتضنته

من الخلف بقوة، تضمه وتشتم رائحته بعمق وكأنها تستمد منه الأمان.

الغفضت عينيها، تكنم دموعها خشية أن تفضحها، حتى عفت بجانبه بهدوء

في صباح اليوم الثالث بدأ يتململ من نومانه، ليجد يدها تحتضنه من الخلف، ريت على يدها

بلطف، ثم نهض وهو يمسك رأسه من شدة الصداع.

قلقت من حركته، فاستيقظت هي أيضا، تقول بدهشة:

- صباح الخير .... كل ده نوم؟ بقالك يومين نايم

وما إن أنهت جملتها حتى هب واقفا يحدق بها بصدمة:

- إيه ؟ يومين ؟! أنا نمت يومين ؟ إزاي ؟ وسبت معتز لوحده كل ده ؟!

أخذ يدور حول نفسه لا يدري ما يفعل، يلوم ذاته صارحا:

ليه ؟! ليه مصحتينيش ؟ ليه ؟!


تعليقات