رواية عشق ودموع الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم سوسو أحمد



 رواية عشق ودموع الفصل الرابع والعشرون  بقلم سوسو أحمد 

هدنة القلب… ودفء ما بعد العاصفة


لم يكن الصباح الذي تلا تلك الليلة صباحًا عاديًا، كان مختلفًا… هادئًا بشكل غريب، كأن العالم قرر أن يمنحهم هدنة، ليس لأن الخطر انتهى، بل لأن الأرواح المتعبة تحتاج أن تلتقط أنفاسها. استيقظ البيت على ضوء شمس دافئ يتسلل بهدوء من بين الستائر، يملأ الغرف بنور ناعم لا يوجع العين، ولا يوقظ الخوف، بل يوقظ الطمأنينة. في المطبخ كانت مريم تقف أمام الموقد، تصنع الإفطار بنفسها لأول مرة منذ أيام، رائحة القهوة امتزجت برائحة الخبز الطازج، وصوت الملاعق لم يكن مزعجًا، بل مريحًا، كأنه موسيقى حياة عادية اشتاقها البيت. دخل يوسف بهدوء، لم يكن يحمل هاتفًا، ولا ملفات، ولا وجوه قاسية، كان يحمل فقط كوب قهوة ووجه رجل أب عاد إلى بيته لا إلى معركة. نظر إلى مريم، فابتسمت له ابتسامة بسيطة، صامتة، لكنها مليئة بالامتنان. قالت بهدوء: «أول مرة أحس إن البيت بيت… مش غرفة عمليات». اقترب يوسف، وضع يده على يدها، وقال بصوت منخفض: «حتى لو العالم كله حرب… البيت لازم يفضل أمان».

دخل الأولاد واحدًا تلو الآخر؛ غزل بوجه هادئ لأول مرة منذ زمن، لا مشدود ولا قلق ولا مترقب. همسة كانت أكثرهم تغيّرًا، نظرتها لم تعد مكسورة ولا خائفة، في عينيها شيء جديد يشبه الاطمئنان. مؤيد دخل بهدوء غير معتاد، جلس دون توتر، دون مراقبة للأبواب، دون تصلب في الجسد. سيف كان صامتًا، لكن صمته هذه المرة لم يكن غضبًا بل راحة. جلست جنّات بجوار غزل وقالت بصوت خافت: «حاسّة إن البيت نفسه اتنفس». جلسوا جميعًا على السفرة، لا كعائلة مهددة، بل كعائلة عادية. لحظة بسيطة، لكنها نادرة. قال يوسف وهو ينظر لهم: «النهارده مفيش أخبار، مفيش ملفات، مفيش اجتماعات، مفيش خوف… النهارده يوم عيلة». نظرت له مريم بدهشة وقالت: «بجد؟» فابتسم لأول مرة براحة حقيقية وقال: «بجد». ضحكت همسة بخفة، ضحكة صغيرة لكنها حقيقية، وقالت غزل: «نسيت شكل الضحك من غير توتر». رد مؤيد بهدوء: «يمكن دي الهدنة اللي بنحتاجها علشان نكمّل».

وفي الشرفة، جلس يوسف لاحقًا وحده قليلًا، لا يفكر في المافيا، ولا في «الكنج»، ولا في الشبكات، ولا في الملفات، بل في شيء واحد فقط: أولاده. جاءت همسة وجلست بجواره وقالت بصوت هادئ: «بابا… هو الأمان دايم؟» نظر لها طويلًا ثم قال بصدق: «الأمان مش دايم… بس الحب دايم، والبيت اللي فيه حب… يقدر يقاوم أي خوف». سكتت قليلًا ثم أسندت رأسها على كتفه. وفي الداخل كانت مريم تراقبهما من بعيد، وقلبها لأول مرة منذ شهور ليس مشدودًا ولا خائفًا ولا مترقبًا، بل مطمئنًا. ذلك اليوم مرّ بلا أخبار، بلا تهديدات، بلا رسائل، بلا مكالمات غامضة، بلا رعب. كان يومًا بسيطًا، عاديًا، إنسانيًا، لكن قيمته كانت أعظم من أي نصر.

وفي نهاية اليوم، اجتمعت العائلة مرة أخرى، لا خوفًا بل قربًا. قال يوسف بهدوء: «مش كل الانتصارات بتكون في المعارك… في انتصارات بتحصل لما العيلة تفضل واقفة مع بعض». ردت مريم: «ولما القلب يفضل نضيف رغم كل اللي شافه». وابتسمت همسة ابتسامة هادئة، ليست ابتسامة نجاة، بل ابتسامة حياة.


لكن الهدوء لم يكن سلامًا كاملًا، كان فقط صمت ما قبل حركة، سكونًا يخفي تحته توترًا لا يُرى، وفي تلك الليلة، بينما كانت العائلة مجتمعة في الصالة، الضوء خافت، والهواء ساكن، والهاتف صامت على غير العادة، شعر يوسف بشيء داخلي غير مريح، إحساس غريزي لا تفسير له، كأن صدره ضاق فجأة دون سبب، كأن القلب التقط ذبذبة خطر لم يصل بعد. نظر إلى مريم، فلاحظت تغيّر ملامحه، لم يكن خوفًا، بل تركيزًا حادًا، صمتًا يقظًا، فقالت بهدوء: «حاسّة إنك مش مرتاح». لم يرد مباشرة، اكتفى بجملة قصيرة: «الهدوء اللي ييجي بعد العواصف الكبيرة… بيكون دايمًا مخادع». في تلك اللحظة، دخل مؤيد من الشرفة وهو يحمل هاتفه، لم يكن وجهه مذعورًا، لكن ملامحه مشدودة، وقال بصوت منخفض: «بابا… في حركة غريبة حوالين الشركة». رفع يوسف عينيه فورًا: «حركة إيه؟» رد مؤيد: «مش تهديدات، مش رسائل، بس في مراقبة غير مباشرة… عربيات بتقف، ناس بتسأل، حسابات بتراقب». سيف تدخل بهدوء: «مش هجوم… بس تمركز». صمت ساد المكان، ليس صمت رعب، بل صمت إدراك. قالت غزل بصوت واطي: «يعني الهدنة انتهت؟» رد يوسف بنبرة ثابتة: «لا… الهدنة موجودة… بس في اللي بيراقبها». همسة كانت صامتة، لكن يدها تشبثت بيد غزل دون وعي، فقالت جنّات محاولة كسر التوتر: «يمكن احتياط أمني عادي». نظر لها يوسف وقال بهدوء عميق: «في فرق بين تأمين… وترصّد». في نفس الليلة، جلس يوسف في مكتبه مرة أخرى، لكن هذه المرة بلا ملفات مافيا، بلا خرائط، بلا أسماء دول، بل أمام شاشة واحدة فقط، شاشة مراقبة داخلية، عليها حركة كاميرات محيط البيت والشركة، كل شيء هادئ، لكن الهدوء كان مراقَبًا، محسوبًا، باردًا. دخلت مريم بهدوء، وقفت خلفه، وضعت يدها على كتفه، وقالت: «رجعنا لنقطة القلق؟» رد دون أن يلتفت: «لا… رجعنا لنقطة الوعي». نظرت للشاشة ثم له: «يعني؟» قال: «يعني مش كل اللي ساكت آمن… ومش كل اللي اتحطم اختفى». في الخارج، كانت المدينة طبيعية، الناس تتحرك، السيارات تمشي، الضوضاء عادية، الحياة مستمرة، لكن داخل هذا البيت كانت هناك مرحلة جديدة تتكوّن، مرحلة أخطر من المواجهة، لأنها صامتة، بلا صوت، بلا دم، بلا تهديد مباشر، فقط مراقبة، ترقّب، انتظار. في غرفة الأولاد، كانت همسة جالسة على السرير، لا تبكي، لا ترتجف، لكنها لا تنام، عقلها مستيقظ، تفكر في سؤال واحد: هل الأمان حالة مؤقتة أم قرار؟ هل الخوف قدر أم مرحلة؟ وفي غرفة سيف، كان يقف أمام المرآة، لا يرى نفسه شابًا، بل يرى شخصًا تغيّر قبل أوانه، شخصًا كبر بسرعة، شخصًا تعلّم أن الخطر لا يعلن نفسه، بل يتخفى. مؤيد كان يراجع الكاميرات، لا بعين الخائف، بل بعين الحارس. غزل كانت تحاول التماسك، لكن داخلها قلق مكتوم، ليس على نفسها، بل على همسة، على مريم، على يوسف. جنّات كانت تشعر أن البيت دخل مرحلة جديدة، ليست حربًا، وليست سلامًا، بل منطقة رمادية. وفي منتصف الليل، تلقى يوسف رسالة واحدة فقط، بلا تهديد، بلا اسم، بلا توقيع، جملة واحدة قصيرة: «العيون مفتوحة». قرأها، لم يظهر أي رد فعل، أغلق الهاتف بهدوء، نظر إلى الظلام خلف الزجاج وقال بصوت منخفض لا يسمعه أحد: «وأنا صاحي». عاد إلى الداخل، نظر إلى أولاده، إلى مريم، إلى البيت، وقال في داخله: المعركة لم تعد بالسلاح… بل بالعقل، لم تعد بالصوت… بل بالصبر، لم تعد بالضربة… بل بالنَفَس الطويل. وهكذا انتهت هدنة العائلة كحالة شعورية، لكنها لم تنتهِ كمرحلة، بل تحوّلت إلى استعداد، وعي، ترقّب، ثبات داخلي، لأن بعض المعارك لا تبدأ بصوت الرصاص… بل بصمت المراقبة، ولا تُخاض بالسلاح… بل بالأعصاب، ولا تُكسب بالقوة… بل بالثبات.


وفي لحظة سكون كاملة، بينما البيت غارق في صمته، والأنفاس نائمة، والضوء خافت، حدث شيء صغير… لكنه كان كافيًا ليكسر الهدوء كله، أحد أجهزة الإنذار الصامتة في النظام الداخلي أطلق إشارة قصيرة جدًا، ليست صفارة، ليست صوتًا مسموعًا، بل ومضة ضوئية على شاشة المراقبة في مكتب يوسف، نقطة حمراء ظهرت ثم اختفت، كأنها ومضة عين، كأنها توقيع خفي لوجود غير مرئي. فتح يوسف عينيه فورًا، جلس مستقيمًا، نظر للشاشة، لم يجد شيئًا واضحًا، لا حركة، لا اقتحام، لا دخول، لا اختراق مباشر، فقط إشارة تم تسجيلها ثم مسحها. دخل مؤيد بهدوء سريع وقال: «السيستم سجل محاولة فحص… مش اختراق». رد يوسف بنبرة هادئة خطيرة: «يعني حد بيجس النبض». قال سيف من الخلف: «مش هجوم… اختبار». مريم وقفت عند باب المكتب، لم تسأل، لم تصرخ، فقط نظرت ليوسف بعين زوجة تعرف أن شيئًا ما بدأ يتحرك، قال لها بهدوء مطمئن ظاهريًا: «مفيش حاجة تقلق… بس خلي بالك من الأولاد». نظرت له وقالت بثبات: «أنا دايمًا بخلي بالي… بس المرة دي خلي بالك إنت». في الخارج، عبر إحدى كاميرات الشارع، ظهرت سيارة سوداء متوقفة على بُعد، لم تقترب، لم تتحرك، لم تُصدر صوتًا، مجرد وجود، مجرد علامة. قال يوسف بهدوء: «دي مش مراقبة عشوائية». رد مؤيد: «دي رسالة وجود». همسة كانت واقفة خلف الباب، لم تتكلم، لكن عينيها كانت ثابتة، مختلفة، لا خوف، بل إدراك. اقتربت من يوسف وقالت بصوت هادئ جدًا: «هم مش عايزين يضربوا… عايزين يقولوا إنهم هنا». نظر لها يوسف طويلًا ثم قال: «صح». وفي تلك اللحظة، وصل إخطار آخر على الهاتف، مش رسالة، مش تهديد، مجرد ملف صوتي مدته ثانيتان فقط، فتحه يوسف، لم يكن فيه كلام، فقط صوت تنفّس بطيء، هادئ، بارد، ثم صمت. أغلق الهاتف فورًا، رفع عينيه، قال بجملة واحدة: «اللعبة بدأت رسمي». لم يكن في صوته خوف، بل يقين. مريم شعرت بقشعريرة، لكنها تماسكت، قالت: «يعني اللي فات كان هدنة؟» رد يوسف: «كان اختبار صبر». نظر لأولاده وقال: «من اللحظة دي… مفيش ذعر، مفيش انفعال، مفيش تهور، اللي جاي مش مواجهة… اللي جاي حرب عقول». في الخارج، تحركت السيارة السوداء ببطء واختفت من نطاق الكاميرا، بلا صوت، بلا أثر، بلا أثر مرئي. قال سيف: «انسحبوا». رد يوسف: «لا… ثبتوا وجودهم». عاد الهدوء مرة أخرى، لكن لم يعد نفس الهدوء، لم يعد دفء، بل هدوء ثقيل، مشحون، واعٍ، كأن البيت كله دخل حالة استعداد صامت. وفي داخله قال يوسف: الهدنة انتهت، والمرحلة الجاية مش نار ولا دم… المرحلة الجاية صبر، أعصاب، عقول، واستنزاف طويل. نظر إلى مريم، إلى أولاده، إلى البيت، وقال في نفسه: المعركة دي مش على النفوذ… ولا المال… ولا السلطة… المعركة دي على العيلة. وفي الظلام خارج البيت، كانت هناك عيون تراقب، وعقول تخطط، وأسماء لا تُعرف، وشبكات لم تتحرك بعد، لأن الجولة الأولى دائمًا لا تكون ضربة… بل جس نبض، ولا تكون حرب… بل اختبار حدود، ولا تكون صوت… بل ظل

الفصل الخامس والعشرون من هنا


stories
stories
تعليقات