رواية الصمت الباكي الفصل السابع والعشرون
_ ليلةُ شتاء باردة، المطر يهطل بغزارة، يتعالى صوت زخَّات المطر المُرتطمة بالنافذة والطامحة بكسر حاجز الهدوء..
الإضاءة خافتة مصدرها جهاز التلفاز الذي يقبع أمامهم وقد ضُبط على أحد البرامج الشهيرة، يشاهدونه وملامح السعادة والمرح قد رُسمت على وجوههم ..
_ أخذت “فراولة” تُربت على رأسها المُلقى على فخذها بحنان أموي حُرمتْ منه …
: متعرفيش أنا فرحانة قد أيه بوجودك معانا يا ليلو ..
_ أجابتها مُحتضنة يدها بحب: وأنا فرحانة جدًا بوجودي هنا يا فراولتي، وحبيتك أووي..
_ وأنا مليش من الحب جانب ولا أيه ..
صدح صوت “ليث” بمرح عند ولوجه إلى المنزل ..
_ اعتدلت “ليلى” مسرعة، وأخفضت رأسها بخجل، لتقول “فراولة”: أيه يا واد خضتني مش تتنحنح وإنت داخل،،،، وبعدين ما إنت الكوم الكبير
قالت جملتها الأخير بمكر ولوؤم .
_ جلس بجانب والدته من الجهة الأخرى بإنهماك بادي عليه: سلامتك من الخضة يا فراولتي
وواصل حديثة بمكر، مُلقيًا بأنظاره على تلك الخجولة: وإذا كان الكوم الكبير ليا …. فأنا راضي حتى بالصغير ..
_ لكزته “فراولة” بكتفة: بطل تكسفها يا ولد ..
_ اعتدل بـ جلستة، ورسم الجدية على وجهه، قائلًا بنبرة هادئة: المهم، عايز أتكلم معاكم في موضوع مهم ..
_ جعدت “ليلى” جبينها بتعجب، ونظرتا له بإهتمام
ليقول : أنا عندي مهمة وهسافر بكرا.. وهغيب حوالي تلت “٣” أيام .
_ اضطرب قلب “فراولة” بشدة، واعترى الخوف تقاسيمها، ولم تختلف “ليلى” عنها ..
كان أول من مزق الصمت المريب هذا هي “فراولة”، والتي أغرقته بوابل من الأسئلة كعادة أيةَ أم بوقفها: مهمة أيه يا ليث؟ … وتخص أيه؟ يعني خطيرة
وإزاي مفاجأة كدا؟
_ وضع يديه على كتفيها، مطمئنًا إياها: مش مستاهل القلق دا كله يا أمي، حاجة بسيطة مفيش داعي للخوف دا كله، وإن شاء الله مش هغيب كلهم يومين وتلاقيني ناططلك هنا ..
_ تدحرج الدمع من عينها، وقالت: لو ماخوفتش عليك يا قلب أمك هخاف على مين، هو أنا ليا غيرك، أنا مليش غيرك في الدنيا دي …
وكتير قولتلك بلاش الشغلانة دي ومتوجعش قلبي عليك..
رفع كفها لفمه، ولثمه بحب، يعلم خوفها وما عانته: أيه يا فراوله الكلام دة … إنتِ عارفة إن ده واجبي ومينفعش أتخلى عنه أبدًا ..
وبعدين أبنك أسد يا فراولتي متقلقيش
وتابع بمرح لتقليل من حِدة الموقف: أيه مش هتخضريلي شنطتي ولا أحضرها لنفسي… كل مرة تتخانقي معايا علشان تحضريها وشكلك المرة دي مليتي..
_ تضرعت إلى الله بداخلها ألا يُصيبه مكروه، وتسائلت بهدوء بعدما قالت: لا يا عين فراولة محدش يجهز شنطتك غيري … بس أنت هتمشي إمتى إن شاء الله؟
_ بكرا بإذن الله .
وجهت حديثها لـ “ليلى” بحنان: أنا هدخل أحضر شنطة ليث يا ليلو وإنتي زي الشاطرة كدا حضري العشا من إيدك الحلوة دي ..
أماءت “ليلى” بإجاب ..
بينما انتظر “ليث” حتى توارت والدته خلف الأبواب، واقترب حيث “ليلى” التي ظلت صامتة لم تشارك في الحديث تاركة لهم المجال..
_ رفعت أنظارها إليه لتتشابك أعينُهما سويًا في رحلة مليئة بالمجهول، حدجها بنظرات غامضة متسائلًا بغوض أكبر: مش هتقولي حاحة؟
_ هدر قلبها بغرابة، وأجابته وهي تنظر لعمق عينيه الدافئتين واللذان إختلفتا كثيرًا عن رؤيتهما إياهم بمرتها الأولى: ترجع بالسلامة … خد بالك من نفسك
_ صمت وأغمض عينيه يستدعي هدوئه الداخلي والذي تبعثر بنظرة عينيها الهالكة… لكن هيهات فقد سبق السيف العذل …
أقترب منها بحركة متهورة وقد بات لا يفصل بينهما سوى إنشًا واحدًا، وضمتها عيناه بدلًا من صدره، وقال أمام وجهها بقلب مُلتاع وعشق متوارى خلف أجنحة الظلام:
كَيف السَبيلُ إلى لَيلىَ وقَد حُجِبَت
عهدي بها زَمَنًا ما دونَهاحُجُبُ
_ غشت الحُمرة وجنتيها فأصبحت كـ فراولة طازجة على وشك الإلتهام..
أخفضت رأسها، وقالت مُغيرة مجرى الحديث وهي تقف من مقعدها: أنا هروح أحضر العشا …
وأسرعت من أمامه، تاركة خلفها أعين مليئة بمزيج غامض من الحب والحزن وأخيرًا الخــــــــــوف…
لكن من ماذا يا تُرى؟؟؟؟
______________سارة نيل ______________
شقت سيارته الظلام بين الأشجار الكثيفة التي تُصارع الأمطار الجارفة المصتدمة بها ..
فُتحت أبواب القصر على مصرعية ليُكمل طريقة حيث القصر ..
أوقف السيارة وخرج منها بهدوء ظاهري متجهًا صوب الباب الأخر حيث تستكين براحة والإرهاق متمكن من ملامحها الشاحبة..
حملها برفق بين زراعيه وهي غائبة بعالم موازي أخر ..
تسارعت خطواته مُتجنبًا البرودة والأمطار بقدر الإمكان..
تعجب كثيرًا عندما وجد باب المُلحق مفتوح لـ نصفه ..
سرعان ما زال تعجبه عندما رأى “يزيد” جالسًا بالردهة الصغيرة يحمل لعبته..
_ مالك يا بطل … قاعد ليه كدا
نظر له “يزيد” بلهفة، وأسرع إليه والسعادة تتناثر من حوله ..
احتضن ساق “مؤمن” بسعادة: عمو مؤمن أنت جيت .. وكمان جبت ماما.. أنا بحبك أوووي قد البحر وسمكاته..
_ شبح إبتسامة ارتسم على فمه، وقال بلطف: مش أنا وعدتك .. وأنا عمري ما بخلف بـ وعدي أبدًا…
_ تسائل “يزيد” ببرائة: بس أنت ليه شايل ماما أسوة… هي نايمة ..
_ قال “مؤمن” وهو يتجه لـ غرفة النوم الوحيدة بالملحق: أيوا يا بطل ماما نايمة علشان تعبانه شويه .. يلا تعال أنت كمان ورايا .
وضعها على الفراش برفق، ودثرها بغطاء ثقيل ليبعث الدفء إليها، وكان على وشك الإستدارة لـ “يزيد” الذي يقف على نهاية الفراش
لكنه توقف إثر تمللها المنزعج وكأنها تصارح وحشًا ..
حركت رأسها بعنف، وإنتفضت بقوة … فيبدوا أنها تنافس كابوس مزعجًا ..
= ظلت تصرخ بصوتها كُله حتى كادت أحبالها الصوتية أن تتمزق..
تُحاربهم بأقصى ما لديها … لكن للأسف قد خارت قواها..
_ وفي خضم تلك الأمور، بعيدًا، بين الأدغال، يقف ک ضرغام أشد، وألجمه صُراخها، ولم يعد يشعر على أي أرضٍ يقف…
_ لتختم هي صراخها بأعمق صوت بداخلها: مـــــــــــــــــــــــــــــؤمن
وبقى النداء مكنون بين ثنايا الجحيم ..
_ ظل يترقبها ويشاهد إنتفاضتها الشديدة بأعين تائهة .. يعلم أن تحَّمُلها اليوم قد فاق حد الإحتفال
ويُقِّر بأنه أرغمها اليوم على الكثير بقدر لا تتحمله إنثى ضعيفة مثلها …
مهلًا عزيزي مؤمن! … من تكون تلك الضعيفة؟!
_ جلس على طرف الفراش بحيرة لا يعلم ماذا يفعل ليُوقف إنتفاضتها … وبكاء “يزيد” الحاد على والدته أيضًا قد أثقل توترة ..
يخشى أن يُصيبها مكروه …. إنتظر!!!
مؤمن يخشى على أحد ؟!
نفض تلك الأفكار عن رأسه واعدًا ذاته أنه سيُناقش هذا الأمر لاحقًا …
_ اقترب منها ووضع كفيه على كتفيها ثم جذبها برفق ليجعلها تجلس ..
ظلت تنتفض بين يديه .. وما حدث بعد ذلك كان خارج إرادتهم فقد تجاذبت أقدارهم وتشابكت قلوبهم
لتستكين بداخل أحضانه بعدما جذبها إليه
وتشبثت هي به محتضنه إياه بقوة وهي غافلة عما يدور حولها ..
_ نظر إلى دموعها التي أخذت تتساقط على وجنتيها كـ الندى عندما يفارق أوراق الشجر ..
لم يستطيع الحد من الشعور الذي يجذبه لمحو تلك القطرات
وبِرق شديد لا يليق به رفع أنامله مُزيلًا تلك القطرات المُتسبب هو بهطولها…
_ تطمئن بأعينه على “يزيد” الذي توقف بكائه عندما رأها هدأت، ليُقرر إنهاء هذا الموقف الذي فرض سيطرته عليه وبعثر داخله ..
عاودها للفراش، وحاول حلّ يديها المتشبثة به بقوة وكأنه حبل نجاتها .. لكن لم ينجح، وظلت مُتمسكة به
وتمتمت وهي تهزي من بين غفوتها: متسبنيش ،،
_ هدر قلبه بقوة عندما إخترقت أسماعه تلك الكلمة العجيبه بل العجيبه جدًا ..
هل تستنجد به هو؟!!
من البديهي إن تستغيث منه!!
لكن بدلًا من هذا تستغيث به!!
أقنع ذاته بأن هذا مجرد هذيان لا أكثر ..!-
تمسك به “يزيد” من الجانب الأخر، قائلًا برجاء طفولي: ممكن تنام معانا أنا وماما النهاردة يا عمو مؤمن …. أصل أنا خايف قوي وماما تعبانه ..
_ ما هذا الهراء ..؟! لن يحدث هذا بالطبع..
نظر إلى الطفل وكان على وشك الرفض،،، لكن نظرته الراجية إخترفت قلبه وحركت شيء ساكن بداخله ومجهول ..
تمسكة به بتلك الطريقة وتلك الهزيلة أيضًا التي لم تختلف في تمسُكها به عن هذا الطفل .. جعله يُقلع عما كان سيفعله ..
_ استسلم للأمر الواقع، وربت على خصلاته بيدة الحره
أحكم الدثار الثقيل من حولهم وأصبح بالمنتصف بينهم وكلاهما بأحضانه ..
يالسخرية القدر … فقد أصبح “مؤمن الصياد” مئواى أحدهم ريثما هو لم يستطع أن يجد مئواه حتى الآن ..
_ ابتسم “يزيد” في الخفاء بفرحة طفولية، قائلًا بداخله: دلوقتي بقى عندي بابا وماما …
______________الصمت الباكي___________
تلك الليلة لم تمر بسلام بعد .. فمازالت الضغينة تملىء قلوب البعض ..
_ دلفت بخطوات ثابتة إلى غرفة مكتبه بعدما طرقت عدة طرقات على سطحه، فقد أخبرتها دادة سميرة بـ أنه يريدها…
أحكمت إزارها الثقيل حولها فـ برد تلك الليلة ليس كمثلها ..
_ صدح صوته الرزين فور دخولها: تعالي يا سروري أقعدي..
_ ابتسمت على هذا اللقب الذي أطلقه عليها وبات لا يناديها إلا به، وجلست على المقعد المقابل لمكتبه ..
مد يده واضعًا أمامها بطاقة ما!
جعدت جبينها بتعجب، وتسائلت: أيه ده؟!
_ قال “صالح” موضحًا لها: دي يا ستي كريدت كارت خليها معاكي .. واعملي حسابك هنعلن عن خطوبتنا بعد بكرا إن شاء الله… والفرح بعد إسبوعين أيه رأيك؟
رص كلماته خلف بعضها ليجعل منها بلهاء لم تفهم مما قاله شيء ..
_ أنا كدا فهمت يعني … ممكن تفهمني بشويش
_ لم يتمالك نفسه وضحك بقوة على كلمتها الأخيرة..
تعجبت من ضحكه، ووقفت غاضبة ودارت حول مكتبه لتقف أمامه ثم طرقت على سطح المكتب، قائلة بغضب: حضرتك بتضحك على أيه … هو أنا قولت نكته ..
_ توقف عن الضحك، وفاجئها جذبه إياها بقوة لينه لتسقط على قدميه جالسة، أحكم يده حول خصرها بتملك يمنعها من أن تبتعد عنه إنشًا واحدًا
همس لها ببطء: أيه إللي مش مفهوم يا سروري .. بقولك هنعلن عن خطوبتنا بعد يومين .. وفرحنا بعد إسبوعين …. ودي كريدت علشان كل إللي تحتاجيه تجبيه يا حبيبة قلبي ..
_ هذا التقارب الذي لم تحظى به أبدًا من قبل، وتلك الكلمة الأخيرة بالأخص جعلتها بحالة اللاوعي بعدما أخذت الطبول من قلبها موطنًا، وتسارعت أنفاسها وكأنها كانت تركض أميال ..
دائمًا ما كانت تؤمن أن الحب وهذه المشاعر ليس لها وجود ولن تطرق باب قلبها ..
لكن على ما يبدوا أن هذا القاسي الحاني، زوجها المجهول قد احتل هذا القلب الصلد ..
_ ابتلعت ريقها، وهربت بعينيها من محيط عينيه والتي بمثابة شلال من العسل المُسال ..
قالت بتلعثم بعد أن وضعت يديها على صدره محاولة أن تُبعده … لكن هيهات فقد قابلتها ذراعية القويتان
_ إللي فهمته منك أن الكرت ده زي الفلوس… وأنا مش محتاجة أي حاحة … أنااا
توقفت عن مواصلة الحديث عندما تذكرت أن العروس عليها تجهيز بعض الأشياء لزوم الزفاف كأي أنثى ..
فـ هذه هي العادات والتقاليد المتوارثة لكن من سوف يهتم لهذا فهي ليس لديها من يعولها..
والدها قد توافه الله، ووالدتها قد ألقتها للحياة لتواجه مصيرها المجهول ..
كيف لها أن تتجاهل كل هذا وتُغمض عينها عن تلك الحقيقة..؟!
إنطلى وجهها حزنًا وترقر الدمع بعينيها فأصبحت كـ كوكب دُري..
_ ظل يراقب صمتها بهدوء وعلم ما يدور بخُلِدها، وما أحزتها …
مال عليها ووضع جبينه على جبينها: إنسي كل إللي بتفكري فيه … زي ما اتفقنا الماضي بقى ماضي وسيبك من الحاجات التافهة دي .. إنتي مسئولة مني أنا ..
أنا هو حبيبك وجوزك وأبوكي وأخوكي، وكل حاحة إنتي هتحتاجي تحسيها أنا هكون هي ..
_ تلاحقت دموعها، وهزت رأسها بألم: بس الحاجات دي بتكون مهمة عند أي بنت وووو….
_ قاطعها بأصبعه: إحنا قولنا أيه يا سروري … دا كله مش مهم، كفاية إنتي عليا
وتعرفي كل إللي محتاجة منك هو …. قلبك
_ أخفضت رأسها بخجل وشبح إبتسامة إرتسمت على فمها، وحمدت الله بداخلها … فـ أخيرًا حياتها قد وجدت لها مرسىَ بعد كم هذا التخبط بين العواصف والأمواج…
_ بينما “صالح” فقد كان غارقًا بها ولا يريد طوق نجاة لتنقذه من غرقة المُحبب إليه..
إنها بالفعل كتلة من البراءة وتُحيط بها هالة من اللطافة والبساطة، جاهلة عن فنون الحياة، وطُمست عينيها عن السيء بها…
_ كان على وشك الحديث لكن قاطعه دخول والدته المفاجىء …. فكان دخولها بمثابة سحابة سوداء على ورود بيضاء ..
فزعت “سارة” من طريقة دخولها وقفزت مبتعده عنه
ثم مضت إلى أقصى الغرفة وداخلها يرتجف فور رؤيتها تلك السيدة ذات الوجه الدائم الوجوم ..
منذ أن أتت هنا وهي تتجنبها، وتلك الأخيرة لا ترغب برؤيتها من الأساس ..
_ ارتفع حاحب “بسمة” بمكر عندما رأتهم بتلك الوضعيه، لتقول بداخلها: الله الله.. أيه ده، دا واضح إن الموضوع تطور قوي …. حلو قوي يا صالح باشا علشان الوقعه تبقى أقوى ..
_ أجبرت فمها على إبتسامة عريضة، وقالت بطيبة زائفة: صالح حبيبي؛ لو مش فاضي أجي وقت تاني
_ أجلى صوته، وقال وهو يقف لها إحترامًا مشيرًا لها بالجلوس: لا إتفضلي يا أمي… أنا كنت هاجيلك أصلًا لأن عايزك في موضوع ..
وأشار بأعينه لتلك الواقفة كي تجلس ..
_ صدح صوت “بسمة” مستفهمة بفضول: خير يا صالح .. في أيه؟
_ سكت بُرهة ليردف بعدها: إن شاء الله بعد بكرا هنعلن عن خطوبتنا أنا وسارة، وبعد إسبوعين يكون الفرح ..
أيه رأيك؟
وتابع بإبتسامة عريضة: عايزك تبقى مسئولة عن كافة الترتيبات ..
_ عقب سماعها لتلك الكلمات التي لم تُرضيها بالفعل ..
إعتدلت بجلستها واضعة قدمًا فوق الأخرى وعادت برأسها للخلف وهي تمرر أصابعها بخصلاتها المصبوغة
كانت تتوقع هذا فقد أخبرها قبل يومين بعد تحريَّه عن براءة تلك الصُعلوكه، وأنها ليست الفتاة المقصودة
لكن مهلًا أيها المعتوه فلن أجعل زمام الأمور يتفلت من بين يدي..
قالت بتمثيل بارع لسعادة تُحسد عليه: بجد!!! ألف مبروك يا حبيبي …. وأخيرًا هتتجوز بقى … سيب كل الأمور عليا ولا تشيل هَمّ، أنا هظبطلك كل حاجة متقلقش … هو صالح هيتجوز كل يوم ولا أيه..
ثم نظرت لـ سارة: ألف مبروك يا سارة .. ربنا يسعدك يا حبيبتي.. وصدقيني مش هتلاقي حد زي صالح .. راجل بجد، وعايزاكي تنسي كل إللي فات ونفتح صفحة جديدة ..
_ أجابتها “سارة” بأدب حَيَّي، وهي تؤنب ذاتها على ظنها السيء بتلك السيدة الودود كما تبدو ..
_ مسح “صالح” على شعرة، وقال بنبرة يغمرها السعادة: تسلمي يا أمي … ربنا يباركلي فيكِ
_ حبيبي أنا هجهز كل حاجة متقلقش، يس كنت عايزة منك حاجة ..
نظر “صالح” لها بإستفهام لتُكمل حديثها وهي تضع أمامه بعض الأوراق: ده شوية أوراق خاصين بالجمعية بنجدد شوية حاجات ومحتاجين إمضتك على الورق ده ..
ألقت كلماتها وانتظرت ردة فعله والتوتر يستولى على داخلها خوفًا من أن يتفخص تلك الأوراق والتي حرصت على جعل الجزء السفلي منها فارغًا من محتواها..
تنفست الصعداء عندما رأته يضع النقش الخاص بإمضائه أسفل كل ورقة بجهلٍ تام وثقة عمياء سيتحصر عليها بالمستقبل القريب ..
نظرت له بتشفي وهو يقوم بالإمضاء على نهايته المحتومة بالسواد والآلام..
قالت بنبره يقطر الشر منها: خلاص دي نهايتك يا صالح باشا .. وهتخلص منك زي ما اتخلصت من أخوك.. أبقى وريني هتتجوز السنيورة إزاي ولا هتبص في وشها تاني إزاي، ولا هي هتحب تشوف وشك للأبد …
_____________ THE FUZZY____________
_ استيقظت الشمس وأطلت على هذا البستان الفردوسي الرائع، الكثيف الأشجار ..
أسبلت عليه الطبيعه ثيابًا سُندسيه موشَّاة بجلالها القُدسي، فأوت إليه البلابل والعصافير وانطلقت تشدو وتُغرد مُترنمة بجمال الكون البديع ..
_ إفترق جنفبه كلاهما عن الآخر والتي تُمثل ستار على كلتا الخرزتان المتوشحتان بالسواد..
وبالحقيقة لم يكن تغريد البلابل والعصافير التي تسكن أشجار غابته المحاوطة للقصر السبب في إستيقاظه وإنما إهتزاز هاتفه بجيبه ..
نظر إلى اللذان مازال متشبثين بملابسه بقوة بين أحضانه مستوطنين صدره..
نمت على شفتيه إبتسامة ساخرة من هذا المشهد الهزلي الذي لا يليق به بتاتًا ..
لكنه لا يُنكر أن تلك أهنأ نومه رئتها عينه، فـ على الأقل لم يُعاني ليغرق بالنوم كعادته ..
انسحب من بينهم بهدوء بعدما أزال أيديهم من حوله، وألقى الدثار عليهم مُحكمًا حولهم ..
ألقى نظرة خاطفة على تلك الغافلة بعالم أخر، وقال بأعين يملؤها الغموض: طريقنا طويل ومليان شوك
وإنتي شكلك نفسك قصير … بس لازم تقاومي ..
ثم خرج غالقًا الباب خلفه بهدوء …
فتحت أعينها بنظرة مليئة بالإصرار: وأنا هفضل أقاوم لأخر نفس فيا ..
……………………………..
أخرج هاتفه ليرى من المُتصل … ولم يكن سوى العم عثمان..
جعد جبينه بتعجب فالعم عثمان لا يُهاتفة إلا للضرورة القصوى ..
أعاد الإتصال على الفور ليقابله صوت عثمان الملهوف:
مؤمن يا ابني الست جميلة تعبت جامد ونقلناها المستشفى ….
