![]() |
رواية عشق ودموع الفصل الثامن والعشرون بقلم سوسو أحمد
ليلة تُروى… ولا تُنسى
مر يايقرب شهرين هلي الخطبه
لم يكن الاستعداد لزفاف مؤيد وهمسة حدثًا عاديًا في حياة العائلة، بل كان تتويجًا لرحلة طويلة من الصبر، والانتصار، والنضج، وبداية مرحلة تُكتب بماء الفرح لا بمداد القلق.
منذ الأسابيع الأولى للإعداد، تحوّلت الأيام إلى خلية عمل هادئة منظمة؛ مريم تُشرف على التفاصيل بذوق أمٍّ ترى ابنتها تعبر نحو حياة جديدة، وغزل وجنّات تنشغلان بالاختيارات الصغيرة التي تصنع الفارق، أما يوسف فكان يتابع بصمت الواثق، لا يتدخل كثيرًا، لكنه يحرص أن يكون كل شيء في مستوى الليلة التي تليق باسم عائلته ومكانته.
اختيرت أكبر قاعة احتفالات في القاهرة، قاعة تُعرف بفخامتها واتساعها وأضوائها التي تشبه نجومًا هبطت من السماء لتستقر في سقف من بلور. لم يكن الهدف التفاخر، بل أن تكون الليلة كما ينبغي لها أن تكون: ليلة تُحكى طويلًا.
في مساء الزفاف، اتزينت القاعة بأزهار بيضاء ناعمة، تتدلى بخفة من الأعمدة، وتتوزع على الطاولات في تنسيق رقيق يفيض أناقة. الأضواء الذهبية الخافتة أضفت على المكان هالة من الدفء، والموسيقى الهادئة تنساب كأنها تمهيد لحدث أكبر من مجرد احتفال.
حضر رجال مهمون بزوجاتهم، وجوه معروفة في المجتمع، شخصيات مرموقة جاءت تقديرًا ليوسف، لا مجاملة فحسب، بل اعترافًا بمكانته واحترامًا لتاريخه. كانت التحيات متبادلة، والابتسامات صادقة، والأحاديث تدور حول العائلة، وعن الرحلة التي أوصلتهم إلى هذه الليلة.
دخل يوسف القاعة بثبات، إلى جواره مريم في أناقة راقية هادئة، لا مبالغة فيها ولا استعراض، لكن الحضور كله التفت نحوهما. لم يكن ذلك التفات هيبة فقط، بل التفات تقدير.
ثم خفتت الأضواء قليلًا…
وساد صمت قصير مشبع بالترقّب.
وانفتح الباب الكبير في آخر القاعة.
دخل مؤيد أولًا.
كان يرتدي بدلة سوداء فاخرة، مرصعة بأحجار ألماس دقيقة عند الياقة والأكمام، تلمع كلما انعكس عليها الضوء، لا بطريقة مبالغ فيها، بل بقدر يكفي ليمنحه حضورًا لافتًا. بدا كرجل مكتمل، لا كشاب في ليلة عرس فقط، بل كعريس يدخل مرحلة جديدة بكل ثقة واستعداد.
وقف في منتصف القاعة، ورفع بصره نحو المدخل مرة أخرى…
ودخلت همسة.
ارتدت فستانًا أبيض ناصعًا، رقيق القَصّة، منسدلًا بنعومة تحيط بها دون تكلّف. لم يكن الفستان صاخب التفاصيل، بل كان بسيطًا في خطوطه، فخمًا في حضوره. تطريز خفيف عند الصدر والأطراف، يلمع بخجل تحت الضوء، كأن النجوم قررت أن تستقر على ثوبها.
أما مكياجها فكان في غاية الرقة، يبرز جمال ملامحها دون أن يغيّرها؛ عيناها أكثر إشراقًا، وابتسامتها أكثر صفاءً، وبشرتها مضيئة كأنها تحمل ضوءًا داخليًا. لم تكن جميلة بالمظهر فقط، بل بالسكينة التي تسكنها، بالهدوء الذي يحيط بها، بالأنوثة الهادئة التي لا تحتاج إعلانًا.
سارت بخطوات واثقة، لا مترددة ولا متباهية، بل كأنها تعرف تمامًا أنها تدخل ليلة ستظل محفورة في الذاكرة.
عندما التقت عيناها بعيني مؤيد، لم يكن في النظرة انبهار اللحظة فقط، بل اعتراف عميق: نحن هنا لأننا اخترنا هذا الطريق معًا.
تعالت التصفيقات، وامتلأت القاعة بزغاريد الفرح، ووقف الجميع احترامًا لتلك اللحظة.
اقترب يوسف من مؤيد، صافحه أمام الحضور، ثم احتضنه احتضانًا قصيرًا عميق المعنى. لم يقل كلمات كثيرة، لكنه قال جملة واحدة سمعها من كان قريبًا:
«أوصيك بها خيرًا، فهي أمانة العمر.»
رد مؤيد بصوت ثابت:
«بل هي نصيبي الذي أحمد الله عليه.»
مريم احتضنت همسة طويلًا، ودموعها تنساب في صمت لا يفسده المكياج ولا تخجله الأضواء. لم تكن دموع حزن، بل دموع اكتمال مرحلة، دموع أمّ رأت ابنتها تعبر بأمان.
بدأت مراسم الاحتفال، وتوالت الكلمات.
ألقى أحد الحاضرين كلمة قصيرة عن يوسف، عن صموده، عن حكمته، وعن الأسرة التي بناها على أساس متين. لم يكن الحديث عن مال أو نفوذ، بل عن قيمة العائلة حين تكون متماسكة، وعن الحب حين يكون مسؤولية لا شعورًا عابرًا.
ثم انطلقت الموسيقى، وبدأت اللحظات التي يتحول فيها الفرح إلى ذاكرة.
رقصة العروسين الأولى لم تكن استعراضًا، بل كانت هادئة، متزنة، مليئة بالطمأنينة. كانت همسة تضع يدها في يد مؤيد بثقة، وكأنها تقول: أنا هنا، لا أخاف. وكان مؤيد يقودها برفق، لا بقوة، وكأنه يقول: أنا معك، لا أمامك.
الأنوار تدور، والضحكات تعلو، والكاميرات تلتقط تفاصيل لن تُنسى.
قالت إحدى السيدات لزوجها وهي تتابع المشهد:
«ليلة كهذه تُروى طويلًا.»
وردّ آخر بصوت خافت:
«بل ستُذكر كأجمل ما شهدناه هذا العام.»
امتد الاحتفال ساعات، والقاعة لا تزال ممتلئة بالحيوية. الأطفال يركضون، الشبان يضحكون، النساء يتبادلن التهاني، والرجال يتحدثون عن عرس لم يروا مثله منذ سنوات.
لكن وسط كل ذلك الصخب الجميل، كان هناك لحظة هادئة.
وقف يوسف في طرف القاعة، يتأمل المشهد كاملًا.
مريم إلى جواره، وضعت يدها في يده.
قالت له بهدوء:
«تذكر يوم كنا نخاف أن نخسر كل شيء؟»
أجاب بابتسامة عميقة:
«اليوم أدركت أننا لم نكن نخوض حربًا لننجو… بل لنصل إلى هذه اللحظة.»
نظر إلى مؤيد وهمسة وهما يضحكان وسط الأضواء، وقال في داخله:
لم تكن المعركة على النفوذ ولا على الأسماء… كانت على هذا المشهد، على أن يكبر أولادي في أمان، ويختاروا حياتهم بحرية، ويحتفلوا دون خوف.
وفي ختام الليلة، ومع اقتراب منتصف الليل، وقف العروسان في منتصف القاعة مرة أخرى.
توقفت الموسيقى، وخفتت الأضواء، وبقي شعاع واحد مسلط عليهما.
قال مؤيد بصوت مسموع، وهو ينظر إلى همسة:
«لم أعد أخاف الغد… ما دمتِ معي.»
فابتسمت، وأجابت بهدوء:
«ولا أنا أخاف الطريق… ما دمنا نمشيه معًا.»
تعالت التصفيقات من جديد، وامتلأت القاعة بالفرح الذي لا يشبه لحظة عابرة، بل يشبه بداية عمر.
وهكذا انتهت ليلة سيحكي عنها كل من حضر، ليلة لم تكن مجرد زفاف، بل إعلانًا بأن الحب حين يُبنى على الطمأنينة، يصبح أقوى من كل عاصفة.
وفي الخارج، كانت القاهرة تضيء ليلها كأنها تشاركهم الفرح…
وبدأت حياة جديدة، لا بصوت حرب،
بل بنبض قلبين اختارا أن يعيشا معًا
نهاية ليلة العمر… وبداية الحكاية الجديدة
بعد أن هدأ التصفيق، واستقر الجميع في أماكنهم، لم يبقَ سوى أصداء الضحكات في القاعة، وألوان الأضواء الخافتة تتراقص على الجدران. لم يكن هناك أي توتر، لا خوف، لا قلق، لا شعور بأي واجب أو مسؤولية ملحة، بل شعور عميق بالاكتمال، بالطمأنينة، وبأن كل شيء على ما يرام.
مؤيد وهمسة تجولا بين الحضور، يلقّيان التهاني بابتسامات صادقة، كل كلمة وكل لمسة كانت بعفوية مطلقة. لم تكن مجرد عبارات تهنئة، بل اعتراف بمسيرة طويلة من الثبات، من الصبر، ومن الحب الذي نما بهدوء بعيدًا عن الصخب.
جلس يوسف ومريم على مقعدين قرب المنصة، يراقبان أولادهما وهم يتفاعلون مع أصدقاءهم، يضحكون، يلعبون، يركضون دون خوف، دون قلق، كأنهم أبطال صغيرون في عالم صامت من الأمان. غزل وهمسة كانتا تتبادلان النظرات مع مؤيد، وابتساماتهما تقول كل شيء: “لقد بدأنا حقًا حياتنا معًا.”
وفي زاوية القاعة، توقفوا قليلًا لمشاهدة تفاصيل الليلة:
الزهور البيضاء التي تنتشر بهدوء كأنها رقصة سماوية.
الأضواء الذهبية التي تعكس فرحة لا تحتاج إلى كلمات.
الموسيقى التي تسير مع نبضات القلوب، لا أكثر ولا أقل.
كان كل شيء منسجمًا، متناغمًا، جميلًا بطريقة لا يمكن تخيلها إلا حين يُبنى على حب حقيقي، على احترام متبادل، وعلى اختيار الحياة معًا.
مع اقتراب منتصف الليل، خرج مؤيد وهمسة إلى شرفة القاعة، حيث الهواء البارد يلامس وجوههما، والنجوم تضيء السماء بنورها الخافت. وقفت همسة تنظر إلى الأفق، وقالت بابتسامة هادئة:
«أخيرًا… كل شيء يبدو بسيطًا وجميلًا… كما ينبغي أن يكون.»
ابتسم مؤيد، ووضع يده على كتفها، وقال:
«صحيح… لم نعد بحاجة لنثبت أي شيء… فقط لنعيش… ونستمتع باللحظة.»
رفع الاثنان بصرهما، ينظران إلى القاهرة التي تمتد أسفلهم، أضواء المدينة الصغيرة تلمع كأنها تحتفل معهما، وكل شيء يبدو وكأنه يشهد على بداية حياة جديدة.
عادوا إلى القاعة، والضيوف بدأوا يتوجهون نحو الخروج، لكن الجو لم يفقد دفئه أو حيويته. كان هناك شعور بالاكتمال: الليلة لم تكن مجرد فرح مؤقت، بل كانت إعلانًا عن حياة جديدة، عن أمل طويل، عن بداية صفحة تُكتب بالطمأنينة والفرح والعيش المشترك.
يوسف ومريم وقفا عند الباب لتوديع الحضور، ينظران إلى كل شخص بابتسامة صادقة، شاكرين له حضوره، لكن أعينهما دائمًا تعود إلى مؤيد وهمسة، ليجدوا أن الحياة فعلًا قد أخذت شكلها الصحيح.
وفي اللحظة الأخيرة قبل أن يغادر الجميع، اقترب مؤيد من همسة، وهمس لها في أذنها:
«الليلة كانت البداية… كل يوم بعد اليوم… هو لحظتنا لنعيشه كما نريد.»
ابتسمت همسة، ووضعت يدها في يده، وقالت:
«وأنا معك… كل لحظة، كل يوم، لكل العمر.»
وبينما خرج آخر ضيف من القاعة، وغابت الأضواء، ساد هدوء عميق وصمت ممتد، لم يكن صمت خوف أو ترقّب، بل صمت الأمان، صمت البيت الذي يعرف أنه لا يوجد أي تهديد، صمت القلب الذي أصبح حاضرًا بالكامل، صمت اللحظة التي تشبه البداية الحقيقية لكل شيء جميل.
وهنا، في هذه اللحظة، ومع اكتمال الفرحة، ومع ضحكات الأطفال التي بدأت تتلاشى تدريجيًا، ومع تأمل العروسين لغرفة القاعة الفارغة بعد مغادرة الجميع، شعروا جميعًا بشيء لم يعرفوه منذ سنوات طويلة:
شعور بالنهاية الحقيقية لكل فصل مرّ… وشعور بأن الحياة قد بدأت للتو… بدون خوف، بدون قلق، بدون أي غموض… فقط أمان، فرح، وحب حقيقي.
وفي الخارج، القاهرة تلمع بسلامها الليلي، وكأن المدينة نفسها تشاركهم فرحتهم، وكل شيء يبدو وكأنه يهمس لهم: «ابدأوا حياتكم… اليوم هو أول يوم لأيامكم الجميلة.»
وبذلك، ينتهي الفصل الثامن والعشرون…
لكن مع انتهاء الليل، في غرفة همسة ومؤيد، جلسا معًا بهدوء، ينظران إلى بعضهما، ويشعران بأن الفصول القادمة لن تكون عن أحداث صاخبة أو تهديدات، بل عن تفاصيل الحياة الحقيقية: السعادة، المشاركة، الحب، والأيام التي تُبنى على الأمان.
وفي انتظار اليوم التالي، حيث تبدأ تفاصيل جديدة، صغارها وكبيرة، تأتي لحظة ستجعل القارئ متشوقًا:
ما الذي سيحمله الفجر الجديد لمؤيد وهمسة… وكيف ستبدأ قصة حياتهما اليومية بعد ليلة لا تُنسى؟.
كانت ليله لاتنسي لدى الجميع فرح وسعادة للعشاق وسعاده لي الاهل
