رواية ظل البراق الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم مريمة


 رواية ظل البراق الفصل الثامن والعشرون 

بتلف في دواير تدور علي الأمان

وتلاقينا رجعنا ثاني لنفس المكان

الدور ... تدور ... ندور

الحلم وتحلم بالحياة المفرحة

وأثاري أحلامنا بلا أجنحة

ندور بجناح حزين مكسور

ساعات تشوف في العتمة

وساعات نتوه في النور

ساعات عيوننا بالأسى تفرح

وساعات في ساعة الفرح نتوح

ولا حاضر ولا ماضي

تروس بتلف علي الفاضي

ولا فينا شباب زعلان

ولا فينا شباب راضي

مفيش غير أننا بندور ...

الدور الدور

عبد الرحمن الأبنودي

في بيت الهاشمي، كانت "عائشة تقف في المطبخ منذ وقت تتحرك بنشاط واضح، تضع قدرا جانتا، وتتناول آخر، وعيناها تتابعان الوقت بين حين وآخر كانت "هدى "إلى جوارها، تساعدها بصمت تقطع الخضروات بدقة، وملامحها هادئة لكن ذهنها شارد.

التفتت" عائشة "إليها، ومسحت كفيها في المريلة قبل أن تقول بنبرة أمومية حانية:

خلاص با حبيبتي، كتابة عليك، واطلعي اجهزي عشان المغرب قرب يأذن وخطيبك على وصول.

رنت "هدى وهي تواصل تقطيع السلطة دون أن ترفع عينيها :

مخلص طبق السلطة وأطلع يا ماما، هو مروان فين؟

أنا هنا يا هدهد.

قالها "مروان" وهو يدخل المطبخ بخطوات هادئة متكذا يكتفه على إطار الباب، رفعت " هدى رأسها نحوه بنظرة غاضبة، والتقطت قطعة فلفل صغيرة ورمتها في اتجاهه بحدة:

قولت ما بحبش اسم هدهد ده اسمى هدى.... هدى يا عالم.

ضحك "مروان بخفة، وأسند كفيه على الرخامة، ماثلا يجذعه للأمام:

تشرفنا یا ست هدى بس ايه كمية الأكل دي؟ إنتوا عازمين قبيلة على الفطار ؟

ابتسمت "عائشة" وهي تراقبهما، وقالت بنبرة هادئة:

خطيب أختك هيفطر عندنا النهاردة. أنت ما تعرفش؟

تغيرت ملامح "مروان" قليلا، ورد بضيق مكتوم

عارف

التفتت إليه "هدى" وضيقت عينيها قليلا، وكأنها تحاول التقاط سبب انزعاجه:

حساك مضايق يا ماري، ونفسي أفهم ليه دايما بحس إنك من فتقبل أحمد؟

ابتسم "مروان "ابتسامة جانبية ساخرة، وقال:

- حاسة ولا متأكدة؟

قطعت "عائشة" الحوار بنظرة حادة وصوت تحذيري:

دكتور مروان

رفع يده مشيرا إلى فمه في حركة صامتة، بينما التفتت" عائشة" إلى "هدى" وقالت بنيرة أكثر هدوءا

يلا يا بنتي اطلعي أنت، وأنا خلاص خلصت.

قالت " هدى" وهي تضع طبق السلطة في الثلاجة بعناية:

ماشي يا ماما، طالعة أهو.

ما إن خرجت حتى اقتربت " عائشة " من مروان وضربته بخفة على ذراعه، و همست بغضب مكبوت

اختك زعلت على فكرة مش كل ما تيجي سيرة خطيبها تبين انك مش بتحبه.

ها کفيه بلا مبالاة وقال:

أكذب يعني ؟ ما دي الحقيقة.

تنهدت "عائشة" وقالت بصوت متعب

مروان الراجل محترم، وأنتوا بنفسكم سألتوا عليه وعلى عيلته، وطلعوا كويسين، وبناء على ده وافقنا. إيه اللي مخليك مش مرتاح له؟

نظر أمامه للحظة، ثم قال بصدق:

ما اعرفش يا ماما، بس أنا ما برتحش له خالص، وخايف على أختي.

رينت" عائشة على كتفه بحنان، وقالت بصوت مطمئن

إحنا ما عملناش حاجة وحشة في بنات الناس يا حبيبي، وربنا مش هيخذلنا أبدا، سلم أمرك لربنا وطمن قلبك شوية.

ابتسم وقبل رأسها:

أمرك يا ست الكل، هنزل على المسجد.

ماشي يا حبيبي، وجدك نزل برضه، وباباك هيستنى أحمد لما ييجي وياخده وينزلوا يصلوا.

قال وهو يبتعد:

يارب العربية تتعطل وما بيجيش.

قال وهو يبتعد

يارب العربية تتعطل وما يبجيش.

ضحكت "عائشة" وهزت رأسها بعجز محب.

بعد صلاة المغرب، كانت عائلة الهاشمي تجتمع حول المائدة، الأحاديث متداخلة، ورائحة الطعام تملأ المكان، جلس أحمد بينهم بهدوء ظهره مستقيم، وملامحه ثابتة.

قال الجد" هاشم " وهو ينظر إليه بتقدير:

نورت بيتنا يا دكتور أحمد.

ابتسم " أحمد" ابتسامة هادئة وقال:

البيت منور بناسه يا سيادة اللوا.

سأله " محمد " وهو يمد يده بالطعام:

باباك أخباره إيه يا أحمد؟ أنا قايله ييجي معاك هو والست الوالدة.

هو بيعتذر لحضرتك جدا، ما قدرش ييجي لأننا عازمين ناص قرايبنا النهاردة.

قال "مروان "وهو يأكل دون أن ينظر إليه:

وانت سببت قرايبك وجيت؟

رفع الجد رأسه سريعا وقال بنيرة دبلوماسية:

قصد مروان اننا غاليين عليك الدرجة إنك تتخلى عن التجمع العائلي اللي في بيتك وتقبل عزومتنا.

رد "أحمد " بنفس هدوءه:

ما أنا في تجمع عائلي برضه ، ولا أنتوا مش بتعتبروني ابنكم؟

قالت "عائشة" بسرعة وهي تبتسم:

لا إزاي يا ابني، أنت واحد مننا من يوم خطوبتك لهدى.

شكرا يا طنط، عقبال لما أبقى جوزها.

ابتسمت "هدى "يخجل وهي تضع طعام في طبق "أحمد" فلاحظ مروان ذلك وقال بغيظ خفيف

حبيبة أخوك افطري يا بابا واهتمي بأكلك أنت.

ما أنا ياكل أهو يا حبيبي

قالتها بهدوء، فتابع مروان بمزاح مقصود

طب ما تيجي جنبي انا عشان ما يعرفش أكل بعيد عنك.

تدخل "محمد" بنبرة مرحة:

بكرة تيجي اللي تقعد جنبك يا مروان كل وسيب أختك تاكل.

نظر "مروان "إلى أبيه بضيق طفولي، لكن "هدى" نهضت وسحبت كرسيها بجواره وهي تقول بفرح:

واحد ما تيجي باني، أنا هفضل لازقة فيه يا بابا.

ضحك "مروان":

حبيبة أخوها والله.

واستكملوا الطعام تحت نظرات متحفظة من مروان، وأخرى ثابتة من أحمد

بعد الإفطار جلس" أحمد " و "هدى" في الصالون وحدهما.

وفي الخارج اقترب" مروان" من والده، نظر إليه بعينين جادتين وقال:

بابا لازم أنزل، وأنت خلي عينك على الواد اللي جوه ده.

ابتسم "محمد" وهو يهز رأسه بخفة، صوته دافئ مطمئن

يا ابني الواد محترم والله، فك عقدتك من ناحيته شوية عشان الدنيا تمشي.

هر مروان كتفيه بنبرة تملؤها الصرامة قليلا، وهو برد:

بصر مهما تقولوا برضه مش مرتاح له.

هز "محمد" رأسه قليلا، وكأن لا حول له ولا قوة، وقال بنبرة فيها مزاح:

انت لابس كده و نازل رايح فين دلوقتي ؟

ابتسم " مروان" بهدوء، مسترخيا بعض الشيء

مالك صاحبي مسافر كام يوم ومش عايز يقفل العيادة الكام يوم دول، فانا هبقي مكانه.

ضحك "محمد". ورفع حاجبيه !

العيادة التي أنت شريك فيها وما بتروحش غير يومين في الشهر يا دكتور....

اديني رايح يا حاج عشان تتبسط المهم، هنزل أنا ، وزي ما قولت لحضرتك، عينك على الباشا اللي جوه

"محمد" نظر إليه بعينين مطمئنتين صوته ثابت

انا مش صغير يا مارو، توكل على الله أنت شوف طريقك وماتقلقش.

ابتسم " مروان"، قبل والده على رأسه برفق، وهو يتقدم نحو الخارج

ماشي يا حاج، مع السلامة.

في الداخل كانت "هدى تقدم له الحلوى، تتحرك بخجل واضح، بينما تابعها أحمد بنظرة هادئة.

قالت بابتسامة خفيفة:

ما تضايقتش من كلام مروان، هو بيحب يهزر

عشان خاطرك استحمل أي حاجة.

جلست يخجل ، فمال قليلا وقال بنبرة ثابتة:

مش ناوية تسمعي الكلام وتقدم معاد كتب الكتاب ؟

قالت برقض واضح، مع توتر في نظراتها :

إحنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده يا أحمد، وقولتلك سيب كل حاجة في الاتفاق الأول.

تنهد "أحمد"، وميزت هدى خفة نظراته وثبات صوته، حاول يقنعها بهدوء شديد.

ها كل حاجة زي الاتفاق يا هدى الفرح في معاده بعد ما تخلصي دراسة. أنا عايز بس تقدم معاد كتب الكتاب، ويكون بعد العبد عشان نقدر نخرج مع بعض براحتنا وتجيب اللي هنحتاجه وتختاري فستانك، وأقدر أكون معاك براحتي، إحنا بقالنا كثير مخطوبين وملتزمين مع بعض بالضوابط، يبقى ليه نفضل في الخطوبة دي كثير؟ كتب الكتاب هتبقى أمان لينا وليك أكثر حاجة عشان تقدري تتكلمي معايا براحتك.

كان "هدى" متعترض، لكن أحمد أكمل بنيرة أقرب إلى الإقناع الهادئ، مع ابتسامة خفيفة تتلاعب بزوايا شفتيه

أنا مش مفرض رأيي عليك أنا عايزك تثقي فيا شوية، ولا أنت شكلك ما بتثقيش فيا خالص ؟

قالت "هدى" بسرعة، مع بروز احمرار خفيف على خديها، ونبرة صوتها مرتجفة قليلا:

لا والله، يثق فيك جدا بس خطوة الجواز دي صعبة، وكمان أنا ما يحيش تغير المواعيد، حددنا معاد للكتاب من البداية، يبقى تلتزم به.

تنهد "أحمد" بضيق واضح، وقد على فمه للحظة، قبل أن يقول بصوت منخفض لكنه يحمل ليرة إحياط :

انت مش بتساعد بني يا هدى أنا كل ما أقرب خطوة بلاقي صد منك، لو مش عايزاني قوليلي بس ما تفضليش رافضة أي خطوة ياخدها، أنا عايز أقدم كتب الكتاب ليه ؟ مش عشانك ؟ أكيد انت نفسك تتكلمي معايا كثير وتخرج مع بعض لوحدنا، من غير ما يكون حد معانا، تيجي تختاري حاجات شفتك بنفسك، والخطوبة والضوابط محلياك مش عارفة تعملي ده. يبقى نكتب الكتاب عشان تكوني على راحتك معايا، لكن انت مش عاجبك أي محاولة مني، دي تاني مرة ترفضي كتب الكتاب، وبراحتك، أنا مش هتكلم معاك في الموضوع ده تاني.

كان "أحمد" سيقف، لكن هدى قالت بسرعة، مع توتر واضح في صوتها ونظرتها المشتتة:

خلاص خلاص اقعد أنا مش قصدي أرفضك والله بس انت عارف ممكن جدو و بابا يرفضوا

تقديم المعاد.

قال بنيرة تابعة محاولا تهدئة الجو، ونظراته لم تفارق عينيها :

المهم أنت توافقي، وهتعرفي تخليهم يوافقوا.

صمتت هدى لثوان، تحاول ترتيب أفكارها، وعيونها ترقب ردة فعله، بعد لحظة، قالت:

وانا موافقة.

ابتسم أحمد ابتسامة دافئة، ومال برفق نحوها ليخفف توترها:

مش عايزك تحسي إلى بقرض عليك رأيي أنا عايزك توافقي وأنت مرتاحة ومتطمنة.

ابتسمت هدى، وعيونها تلمع بخفة، وأجابت:

وأنا متطمنة يا دكتور، وهكلم جدو وبابا في أسرع وقت، وإن شاء الله يوافقوا.

ظله يسبق خطواتها، خفيف لا يرى

وكل لحظة معه تهمس بما قد يأتي

مستقبل غامض

مشرق أو مظلم؟!

ولا شيء بعد اليوم سيكون كما كان.

بعد ثلاثة أيام من يوم الافتتاح، عادت الحياة في الحارة إلى روتينها المعتاد، والنهار كان هادئا. كما اعتدنا في شهر رمضان، لكن في ورشة عامر البراق، كان كل شيء مختلفا الأجواء مشتعلة بالنشاط والحماس، لا تهدأ ولا تستكين، بعد صلاة الظهر مباشرة اجتمع الشباب أمام الورشة. كان مهاب ويوسف ومازن وسيف ومحمد وحسن وعبد الله وصديقه زياد، بالإضافة إلى بعض الشباب العاملين في الورشة، وعلى رأس الجميع كان عامر البراق وإبراهيم النجار

جلسوا جميعا أمام الورشة، يتبادلون النظرات ويضحكون والحماس يملاً وجوههم، بدا "حسن" وهو عبوس قليلا:

ايوه يعني بعد الكلام ده كله الماتشات هتبقى امتى؟

نظر "محمد إليه مبتسقا، وكأنه ينتظر الإشارة للكلام، وقال بغمزة للجميع :

انتظروا كده واعملولنا ماتشات جامدة .... عايزين الحارات التالية تتكلم عن فخامتنا لشهرين قدام یا معلمین

ضحك الجميع، و"عامر" رفع حاجبيه بخفة وقال:

تنشطروا الكلام ده لينا؟ يلا أنت وهو ؟

رد " حسن " وهو يلوح بيديه بنفي مضحك:

لا يا كبير هو انت محتاج قطارة؟

ابتسم " محمد " وقال بنفس المرح "

ده أنت معلم وإحنا منك ينتعلم يا بوص.

"عامر" ضرب كفه بكفه ضاحكا، فيما نظر مهاب إليهم مبتسما وقال:

شوف العيال الحريفة في التثبيت... الكبير سكت بكلمتين.

"يوسف" من كتفيه بحركة مرحة وأكمل بصوت مرح

هنمسك في معلمين التثبيت وننسى المهم الماتش يا عم مهاب الماتش يا أخويا، الماتش يا ليه

رد مازن "مبتسما وهو يهز رأسه:

خلاص أنت هتقول كل المصطلحات اللي حافظها.... هتعمل الماتش بس الصبر.

"يوسف " عبس قليلا، ورفع حاجبه قائلاً:

الصبر؟ وماله ؟ خلينا لما رمضان يخلص يا عيال عامر.

"عامر" شد كتف يوسف بخفة وهو يضحك:

عامر ماله يا هندسة ؟

"يوسف" ابتسم، وطبع قبلة على رأس عامر يضحك :

حبيبي يا كبير والله بدعيلك في كل صلاتي، ما أنت عارف.

العالت ضحكات الجميع، وقال "إبراهيم التجار" بصوت هادئ

الماتش كده كده هيتعمل الأسبوع ده.... عشان الأسبوع اللي بعده تبدأ في العشرة الأواخر من رمضان

تذكر" مهاب "وقال مبتسفا:

أيوه صح ياعم إبراهيم في اعتكاف .... خلاص خلوها آخر الأسبوع، ولا إيه رأيكم يا شباب؟

أجاب "عبد الله" البراق بحماس:

حلو آخر الأسبوع، تكون ظبطنا الفريقين والمكان.

تدخل "مازن" بحماس:

عندي فكرة مختلفة السنة دي، إحنا كل سنة بتعمل الماتش ده لكرة القدم، بس معانا شباب في الحارة مالهمش فيها ... وليهم لعب ثاني زي السلة والتنس ليه ما نعملش ماتشات ليهم كمان ؟

ما هم مش هيفضلوا متفرجين بس لازم يشاركوا في اللعب اللي بيحبوه.

زياد "رفع حاجبيه بفرح:

أنا أول الناس اللي ما بتعرفش تلعب كرة قدم، بس حريف في السلة، فأنا مع مازن قوي في الفكرة دي.

تحدث "عبدالله" زهق مصطنع :

وأنت هتشارك معانا كمان؟ مش كفاية معايا في الكلية والشغل ؟

ضحك "زياد" وقال بمشاكسة :

بفكر أحد شقة هنا وأعيش وسطيكم عشان أيقي جنبك يا عبده .

المرارة طفحت من التلزيق يا حلو أنت وهو .

جملة خرجت من " مازن " ثم نظر للجميع وقال :

رأيكم ايه في الفكرة دي ؟

هر الجميع رؤوسهم بإعجاب، فقال "عامر "مبتسقا:

عجبتني فكرتكم، نخلي الكل يشارك ويفرح، ولو عايزين تعملوا أي رياضة ثانية، أعملوا بس هتلحقوا ترتبوا ده كله امنی؟

أجاب" سيف: بحماس، وعينيه تتلألأ بالحركة:

هتلحق يا كبير أنت عارف أننا عاملين جروب للحارة .... هننزل عليه الفكرة عشان الكل يعرف في أسرع وقت، وزي كل سنة التسجيل بيتم في القهوة وهم عارفين النظام، هيسجلوا كل الأسماء ونوع الرياضة اللى هيشاركوا بيها، وتبدأ تحدد كل فريق والمواعيد.

ابتسم " مهاب " وقال:

بس خلي معاد التسجيل قليل عشان العدد هيبقى كبير أوي لو سبنا التسجيل لفترة طويلة. واحنا ماعندناش وقت.

"يوسف"، بنبرة شبه جدية، قال وهو يشير بيده

ابدؤوا من دلوقتي ووزعوا الشغل على بعض عشان تنجل ومش عايز مشاكل في كل سنة، اللي يعمل مشكلة، يخرج .... مفهوم؟

ضحك الجميع، وقال "سيف" مازحا:

ما حدش غيرك بيعمل مشاكل كل سنة !!!

تعالت ضحكاتهم، ونظر" يوسف" إلى " سيف "الذي أمسكه " مهاب" تحت ذراعه

ماشي يا سيف، ليدا بيت يلمنا.

سأل "مهاب" بتحذير لطيف:

هتعمله ايه يعني ؟

ضحك "يوسف" وقال ملوحا بذراعه

هيوسه من رأسه يا مهاب هبوسه يا حبيبي.... بتبصلي كده ليه بعينك اللي هتاكلني دي ؟

ضحك "مهاب " وهو يغمر :

مت هاكلك، أصلي صايم يا حلو

"يوسف" بضيق:

يخربيت ثقل دمك

"مهاب " عبس بنفس الطريقة:

رخما

نظر "ابراهيم" إليهم بإبتسامة وقال ضاحكا:

شوفوا مهما تكبروا هتفضلوا تناقروا في بعض ، ما تعقلوا شوية.

ضحك "عامر" وقال وهو يهز كتفيه بخفة:

سببهم يا إبراهيم دول لما بيبطلوا تفاهة، بيعملوا مصايب وبلاوي.

ضحك الجميع وبدأوا يتحدثون عن أحداث أشهر مباراة كرة القدم في الحارة خلال شهر رمضان، والذكريات ملات وجوههم بالحماس والمرح. فجأة، قاطع حديثهم دخول رجل كبير ظهره منحني قليلا، وصوته منخفض وهو يقول:

السلام عليكم يا رجالة.

ردوا جميعا بصوت واحد

وعليكم السلام.

أشار "عامر" إلى كرسي بخفة وقال:

اتفضل اقعد يا حاج

قال الرجل متواضعا

مالوش لزوم یا معلم عامر

رفض "عامر" مبتسما لكنه جاد:

مالوش لزوم ازاي؟ اقعد اشتريح الدنيا صيام.

اقترب الرجل وجلس على الكرسي، وبينما تحرك ظهر شاب لم يعرفه أحد سوى " عبد الله " و "مازن"، اللذان تبادلا نظرات صامتة، فتخيلين ما سيحدث بعد قليل.

صمت الرجل الثوان وهو وسط كبار الحارة، ثم قال باعتذار

انا جايب ابني النهاردة يا حاج عامر عشان يعتذر على اللي عمله، والله أنا ماكنتش أعرف غير امبارح كنت في عمرة رمضان ولسه واصل، ولما عرفت اللي عمله هنا قلت لازم أجيبه يعتذر ويارب تقبل اعتذاره.

تبادل مهاب ويوسف والشباب ومعهم ابراهيم النظرات بدهشة، بينما قال " عامر" بهدوم، متأثرا بشكل الرجل وخائفة من رد فعل مهاب ويوسف

خلاص یا حاج ابنك أخذ جزاته وخلصنا ياريت تاخده من هنا وما يدخلش هنا تاني.

ابتسم الرجل وهو ينهض

تشکر يا حاج، والله ما هبدخلها ثاني.

لكن "مهاب "قال بتساؤل :

احنا مش فاهمين حاجة يا بابا جزاته ايه ؟ وابن الحاج عمل ايه بالظبط ؟

"يوسف" أتم كلامه بتصميم :

عم عامر مش هيقول ما يدخلش هنا تاني غير لو كان عامل مصيبة ... الواد ده عمل إيه في

حارتنا واحنا ما نعرفش ؟

أجاب الشاب، صوته حاد ومتكبر:

واد؟ أنا لي اسم، وكمان أنا مش جاي اعتذر أنا جيت مع أبويا عشان أريحه وأقولكم إلى مش هسيب حقي.

وضع والده يده على وجهه، ومهاب ويوسف عروقهم بارزة من الغضب... لو لم يكن عامر جالسا لربما القضوا عليه فورا.

نظر" مهاب" إلى عامر بهدوء قاتل وقال:

معلم عامر... حضرتك هتقولي العيل ده عمل ايه ولا أعرف أنام.

رد "عامر" بهدوء محاولا تهدئته:

اهدي يا ابن عامر الدنيا صيام.... خليهم يمشوا وبعدها تقعد تتكلم.

لكن الشاب بدا مصمقا على استفزاز مهاب، وأشار بيده إلى مازن وقال بفظاظة:

قبل ما تمشي مش هسيبك ....

لم يكمل كلامه، فقد كان "مهاب واقفا أمامه يلمح البصر، وأمسك بيده التي أشار بها :

مازن البراق ما يتهددش يا حلو... تبقى أهبل لو فاكر إنك هترفع صوتك على أخويا، وأنا مسكتلك.

ثم قال وصوته مرتفع وعيناه حمراوان من الغضب بعدما أمسك الشاب بشدة.

قسما بالله الواد ده مش هيتحرك من قدامي غير لما أعرف عمل إيه هنا وجاب الجرأة إنه يقف

قدامنا ويتكلم بالشكل ده مع اخويا.

مازن و عامر تبادلا نظرات استسلام، ومازن اشار بعينيه نحو شباك رقية الذي طلت منه بعد سماع الصوت العالي رقية التي كانت تنظر لمازن وتهز رأسها بعنف عندما رأت الشاب، لاحظ ذلك مهاب فصاح بغضب :

الواد ده عمل ايه يا مازن یا براق؟

أخذ" مازن " نقدا عميقا وقال بجمود:

دخل مطعم ناهد وعاكس بنات المهدي... وحصل خناقة بينه وبين رقية وضربته بشيشيها بعد لما قل أديه عليها بالكلام !!!!

صدم الجميع، ورفعت "رقية" يديها على رأسها من الخوف.

"مهاب" شديده على الشاب، والغضب يتدفق في عروقه ... "عاكس ؟ وقل أدبه ؟" كانت عروقه بارزة من الغضب.

يوسف وسيف اللذان تملكهم الغضب أيضا، ضغطوا على أيديهم بشدة.

صرخ "سيف" بعصبية، متجها نحو الشاب تحت قبضة مهاب:

ده انت ليلة أهلك سوده بالا .... بتعاكس أخواتي وقلبك جايبك كمان لعند هنا..

"يوسف" ممسكا بالشاب بغضب، أضاف:

لا وكمان بيقول مش جاي اعتذر؟ ده إحنا هنخليك تلحس أسفلت حارة البراق

اقترب " عامر منهم، يشد سيف ويوسف بحزم

سيف يوسف... مش عايز حد منكم يتكلم.

ثم اقترب من مهاب " محاولا تهدئته:

وانت با مهاب سبب الواد أنا قولتلك الحوار خلاص خلص.

نظر" مهاب" إلى والده، وعيناه حمراوان، وقال:

خلاص ؟ خلاص انه دخل حارتنا وعاكس حريمنا، ورفع صوته عليهم؟ مش هسأل امتى الوقت مش هيفرق معايا الد الفعل.

قال "عامر" يهدوء مقصود، وهو يرمق مهاب بنظرة يحاول بها كبح غصبه

أخوك ضربه .....

اشتعل وجه مهاب"، وانقلت صوته بغضب حات

بعد ايه ؟ بعد لما قل أدبه ؟

ثم ارتفع صوته أكثر والناس بدأت تتجمع حولهم، عروقه بارزة وتيرته تحمل تهديدا صريحًا:

ورجانة حارتنا كانوا فين ؟! وعيل وسخ زي ده بيتخالق مع بنت من حنتهم!

تدخل أحد الرجال الواقفين، وكان شاهدا على الخناقة، وقال وهو يهز رأسه:

يا ابني إحنا ما لحقناش تعمل حاجة الست رقية أخدت حقها ثالث ومثلث من غير ما تتدخل...

سارع "عامر" بالكلام، محاولا تهدئة ابنه قبل أن ينفلت الموقف أكثر:

ما فيش أصعب من إن ست تنزل شبشبها على دماغ راجل، فسبب الزفت ده، ومش عايزين مشاكل

لكن الشاب لم يصمت، بل بدا وكأنه مصمم على موته، فابتسم بسخرية وقال بوقاحة

بس تفرق يا معلم عامر شبشب است. عن ست يفرق؟ دي مش است عادي، دي حتة فرس.....

لم يكمل جملته، إذ انقض مهاب عليه كصفر مفترس حركة يد مهاب كانت سريعة كالبرق. ضربة على وجهه أوقعته للخلف، واللكمة التالية أصابته في صدره بعنف، حتى ارتجت أطرافه. حاول الشاب المقاومة، لكنه لم يقدر على قوة مهاب، كل لكمة، كل صدمة، كانت تحدث صولا تقيلا يملأ المكان، وكأن الأرض نفسها ارتحت

الدفع والد الشاب نحو مهاب، وصوته يرتجف وهو يتوسل:

والنبي يا ابني كفاية، والله ها خده ومش هتشوفه ثاني هو غلط وانا عارف وهربيه

نظر إليه "مهاب" بهدوء يتناقض تماما مع العاصفة المشتغلة داخله، وقال بنبرة باردة:

اقعد على كرسيك تاني يا أبونا، أنت راجل كبير ومش حمل تربي وسخ زي ده، سيبلي انا المهمة دي.

تراجع الرجل بخوف واضح في عينيه، وعاد فعلا إلى مكانه، فهم "عامر" أن ابنه لن يهدأ. فسحب كرسيا وجلس بجوار إبراهيم بعيدا، ولحق به الشباب ..

أمسك " مهاب" بالشاب من ملابسه، وصاح بصوت عال هز المكان:

قانون حارتنا الأول إيه يا رجالة ؟

قال " سيف "ببرود قاتل:

اللي يمس حريمنا بنظرة .....

وأكمل "يوسف بنفس البرود، وهو يسحب كرسيين إلى الخلف ويجلس، مشيرا لسيف أن يجلس على الآخر:

نحوله الحرمة !

قال "مهاب " بنبرة هادئة تسبق العاصفة:

عشرة على عشرة، وده كله كان نظري، نيجى بقى للجزء العملي بتاع التحويل

في تلك اللحظة، كانت رقية قد هبطت من شفتها، ووقفت بجوار سيف ويوسف، وقالت بقلق واضح

يوسف الصرف وابعد مهاب أنت مش شايف ماسك الواد إزاي ؟

رد "يوسف" دون أن يلتفت ببرود تام

ما حدش ينكش الأسد ويقول عضني ليه، وهو جاي بنفسه يبقى يستحمل.

وأضاف" سيف"، وكأنه أكبر من عمره بكثير

واللي يدخل برجله في المعركة، ما يعيطش من الدم.

نظرت إليهما "رقية" بصدمة، لكنها أفاقت على صوت الشاب الذي بدا وكأنه قرر أن يموت اليوم:

أنت متعصب كده ليه ؟ أنا ما غلطتش يومها على فكرة، أنا كنت بوصف الجمال اللي قدامي، ما هو يبقى أعمى اللي يشوف جمالها ويسكت يا جدع، ولا إيه يا طعم

اتسعت عيون الجميع من بجاحته التقت "مهاب" خلفه، فوجدها واقفة تنظر في كل الاتجاهات ما عدا هو همست في سرها، وشرارة الغضب تملأ عينيها:

يخربيت اللي خلفوك والله لو موتك دلوقتي يبقى حقه.

أغمض "مهاب" عينيه للحظة، ثم عاد يركز على الشاب ضحك بسخرية، يده على دقته، صوته بارد لكنه يجلد المكان

طعم لا حلوة وعجبتني والطعم لما نزلت شبشبها على دماغك كنت بتعاملك معاملة الحريم اللي تستحقها، بس أنا النهاردة متبرع وأعلمك ازاي معاملة الرجالة، يا عيل يا....

وانهال عليه باللكمات واحدة تلو الأخرى، ضربات متتالية على الوجه والصدر، أصواتها الثقيلة تملأ المكان، كل حركة تظهر قوة مهاب وسقوط الولد بلا حول ولا قوة، يحاول الدفاع بيديه، لكن بلا جدوى. كان مهب مطاردا نكل حركة كل صرخة، وكل محاولة للهرب.

كان الحضور واقفا مذهولا، أما مازن ويوسف وسيف، فقد جلسوا مسترخين، رجل على رجل يصفرون لمهاب، بينما الضحك يمتزج مع القلق ...

قال "مازن" ضاحكا بمرح وهو ينظر لرقية:

مش قلتلك هيعرف وهيعلقه.

صرخت رقية بغصب

أنت تخرس خالص ا إحنا في إيه ولا في إيه؟

هر "عامر "رأسه، عاجزا عن التصرف، بينما والد الشاب وضع يده على رأسه باسي

واصل مهاب ضربه حتى بدت علامات العجز على الشاب يديه ورجلاه تتلوى، وهو يعتذر ويبكي:

خلاص... اسف، والله اسف.

أمسكه" مهاب " يعنف، ولكمة على وجهه تصفعه بقوة:

اسف دي تقولها في المدرسة يا لاااا ما يتقبلش آسف هنا يا روح أمكا اللي يتجرأ ويدخل حارتنا ويعاكس اللي يخضنا، ويقف قدامنا بكل بجاحة، مالوش أسف عندنا.

ثم نظر إلى والد الشاب بصرامة

لو هسيبك دلوقتي فعشان خاطر أبوك الراجل الكبير... بس قسما بربي، لو لمحتك ثاني ولا عقلك الصغير وسوسلك تعمل حاجة غلط، الأعلقك على باب حارتكم، وما حدش هيقدر يحلك من تحت ايدي.

قال الشاب بخوف، ووجهه مغطى بالدم

حاضر.... حاضر... والله ما مقرب من هنا تاني.

قال "مهاب" ببرود:

برافو .... كده بقيت شاطر، وهتبقى شاطر أكثر لما تروح حالا تعتذر من مازن باشا وست البنات

تبادل مازن ورقية نظرة سريعة حملت توترا قبل أن يتحرك الشاب نحوهما وهو يجز قدمه جزا.. كان جسده يميل قليلا مع كل خطوة، وملامحه مشدودة من الألم. توقف أمام مازن رأسه منخفض، وعيناه مثبتتان في الأرض، وقال بصوت مكسور

اسف یا مازن باشا

ثم أكمل وهو لا يزال ينزل عينيه أكثر، وكأن الاعتذار أثقل عليه من الضرب نفسه:

واسف باست رقبة، انا غلطان

كان "مهاب" يتابع المشهد بصمت وعيناه تنتقلان بين مازن ورقية بالتبادل، نظرة فاحصة لا تعرف الرحمة، قبل أن يقول بصوت ثابت يحمل تهديدا صريخا

مسامحين ولا تكفل ؟

لم تتردد" رقية"، وقالت بسرعة وكأنها تريد إنهاء الموقف كله دفعة واحدة:

مسامحين، خلاص خليه يمشي.

مال " مهاب " قليلا، وهمس بغضب مكتوم، صوته بالكاد يسمع:

يا هبلة كنت هموت وأكمل ضرب.

فجأة، وقف " سيف "بعصبية جسده مشدود وملامحه قاسية، وقال بانفعال:

بس انا بقى مش مسامح.

وقبل أن يعترض أحد الدفع للأمام وسدد الشاب ضربتين متتاليتين بقبضته، واحدة تلو الأخرى، بقوة جعلته يسقط على الأرض مرة أخرى جسده يرتطم بالأرض والله تخرج رغماً عنه.

ارتفع صوت "محمد" و "حسن" بالتصفيق، وهما يهتفان بحماس في

يا سيفوووو يا جامدا

نظر" مهاب " إلى سيف بجدية، ورفع حاجبه قليلا، وقال بنيرة تجمع بين السخرية واللوم:

تو طب ما قولتش ليه إنك عايز تاخد جولة يا ابني ؟ كنت سيبتلك حتة سليمة في وشها

عاد "سيف" ليجلس مرة أخرى يبرود مستفز، وكأنه لم يفعل شيئا، وقال بهدوء:

التيشيرت مكوي والله يا أخويا، مش عايزه يتكرمش.

كانت " رقية " تتابعهم بصدمة حقيقية، فمها مفتوح قليلا، وعيناها تتحركان بينهم بلا تصديق.

وكل ما يدور في رأسها أنهم شوية مجانين... لا تفسير آخر.

وقف " عامر "فجأة، وصوته خرج جانا حازما لا يقبل نقاشا:

قوم یا حاج خد ابنك وامشوا من هنا، وزي ما الباشمهندس قال ابنك ما يدخلش حارتنا ثاني

قاطعة الرجل بسرعة، وهو يتحرك ليمسك بابته ويحاول إستاده

حاضر يا معلم هو يستاهل اللي اتعمل فيه، والله ما هيقرب منكم ثاني

سحب ابنه من ذراعه، وغادر المكان مسرعا، وكأنه يفر مما تبقى.

في تلك اللحظة، وقف" يوسف"، ورفع صوته عاليا ليصل للجميع، نبرته قوية وواضحة:

اللي حصل ده أقل حاجة تعملوها لو ذكر فكر يقرب من ستات حارتنا، سواء من جواها أو براها، حريمنا خط أحمر، وزي ما إحنا بنمشي من جنبهم وعيونا في الأرض، تخلي غيرنا بمشي من جنبهم وعيونه في الأرض، واللي ما يعرفش... تعلمه إحنا.

مهاب البراق عمره ما إيجي على حد ولا ضربه كده بس اللي حصل من العمل ده كان لازم الرد بتاعه يبقى كده عشان ما حدش يستجرأ يقرب من بناتنا تاني ويلا كل واحد يشوف حاله.

أنهى كلامه بنيرة آمرة، فبدأ الجميع في الانصراف، ولم يبق سوى الشباب الذين كانوا في أول الجلسة، بينما ظلت رقية واقفة في مكانها، لم تتحرك..

اتجه " مهاب" نحو مازن الذي نهض واقفا بخوف واضح كنفاه مشدودتان وعيناه متوترة:

الواد ده عمل عملته إمتى بالظبط ؟

رد "مازن" بصوت مهتز:

يا كبير مش أنت لسه قابل مش مهم الوقت؟

اشتدت نبرة "مهاب" فجأة

مازن

ابتلع "مازن " ريقه وقال بسرعة

أول أسبوع في رمضان

رفع "مهاب" حاجبه ببطء. وقال باستغراب مشوب بغضب:

وما قوالعليش ليه يا كبير يا عاقل ؟

أشار" مازن " ناحية رقية، وقال مدافعا عن نفسه:

والله هي اللي قالتلي ما أتكلمش دي رفعت السكينة على يا مهاب رفعت السكينة على أخوك شفت ؟ وهددتني لو قولتلك هتقتلني ؟

قالت " رقية بذهول، وقد نسبت كل من حولها، ونبرة صوتها خرجت عفوية:

سلمنني من أول قلم يا مازن ؟ ده أنت حتى ما أخدتش القلم.

ضحك الجميع على كلام" رقية "، حتى "مهاب" ابتسم للحظة رغم غضبه منها، لكنه سرعان ما عاد العبوسه، وعيناه تنقدان بنار الانتباه، وقال بحدة مخلوطة بسخرية

ليك عين تتكلمي يا ست رقية؟ يا ترى في مصايب ثانية حصلت ومخباها انت وهو ؟

الصاعد غضب رقية"، وجهها احمر، وعينيها تشتعلان، وقالت بصوت مرتفع متوتر

انت بتعلي صوتك عليا ليه أصلا؟ وإيه ليك عين تتكلمي دي ؟ وما يبقاش ليا عين ليه يا ابن البراق؟ واحد وقل أديه وعلمناه الأدب خلاص، خلصنا.

ابتسم "مهاب" بسخرية قصيرة، ثم أكمل بنبرة تهكم:

وبتزعقي كمان؟ وعلمتيه الأدب بقى إزاي ؟ بضربتين الشبشب ؟

ثم عاد إلى جديته، صوته أصبح أعمق وأكثر حزمًا، عينيه لا تفارقها:

ما قولتيش لحد فينا من يومها ليه ؟ ما فكرتيش إن الوسخ ده ممكن يتهجم عليك في وقت تكوني فيه برا الحارة؟ أو يراقبك لعند لما تجيله فرصة ينتقم منك ؟ ولا عقل الأستاذة مصور لهاش إن واحد زي ده مش هيعمل حركة وسخة زيه؟ كنت هتتصرفي ازاي لو طلع في طريقك وأنت لوحدك؟ الشيشب هيحميك ؟

صمنت، كان كلامه فيه حق لا يمكن إنكاره، لكن عنادها بطبيعة حواء، لم يسمح لها بالاستسلام. فقالت ببرود محاولة السيطرة على نفسها:

وما حصلش و خلاص مش لسه قابله خلصنا؟

مسح مهاب وجهه بيده، وأكمل بنبرة خليط من الانفعال والتعب.

بتعصبيني والله يتعصيني وترفع ضغطي بنت المهدي..

ثم نظر إليها بعينين صارمتين، وقال بابتسامة نصف مخادعة:

تصدقي بالله أنت عايزة واحد سرسجي، وأنا بحاول أكون معاكد جنتل، بس أنت مصممة تخرجي روح السرسجية اللي جوايا، وأنا عينيا ليك.

ضحك "سيف" ضحكة عالية صوته يعكس المرح والفهم:

أيوه هي عايزة كده أختي وأنا حافظها!

صفعتها" رقية على كتفه بغضب عينيها متسعة، وجهها يحمر من الانفعال:

أنت بتهزر يا روح اختك؟ مش بدل ما تاخد موقف منه ده بيعلي صوته علي، ولا شاطر بس تضر يلي اللي ما كانش قادر يقف اصلا

رد "سيف" بهدوء متظاهر بالبساطة

لو سمحتي يا روقا، دي نقرة ودي نقرة.

قالت بغيظ:

والفرق في النقرات يا عيوني؟

استمر "سيف" في شرحه، نبرة صوته بسيطة :

العيل ده غلط في حقك غلط جامد ، لكن مهاب حبيبي زعق ويس وكمان ليه حق يزعق براحته.

صرخت رقية بغضب واضح عينيها تنقدان

ومين اداله الحق ده يا قلب اختك يا اللي هتتروق فوق .....

قاطعها سيف بغرور، ووجهه يلمع بالفخر:

أصله طلب إيدك مني، وأنا وافقت، وعمك إبراهيم وافق، وخالتك وافقتك، وعمك عامر ... به حتى يوسف موافق.

قال جمله ببساطة بطريقة جعلتها تقف مصدومة تنقل نظراتها بينهم واحدا تلو الآخر عامر ابراهيم يوسف، وسيف.

أما "مهاب"، فوقف ساكنا كجندي منتصر عينيه تصبعها، وعلم أنها لن تأتي إلا بهذه الطريقة، وأنه إذا ترك لها القرار سوف تختار الفلق على قلبها ، وهو لن يسمح بهذا الشئ .

نظرت إليه بصمت، وتوقع أن تصرخ أو تهدف لكنها هذه المرة اكتفت بالصمت، السحيت. وصعدت إلى شقتها بخطوات غاضبة.

تنهد مهاب"، وامسك راسه بيده، ثم قال يزهق واضح

الواد فرهدلي وضيع طاقتي، واحنا لسه الظهر.

انفجرت الضحكات في المكان، وبند صداها بقايا التوتر العالق في الجو، اندفع " زياد" نحو مهاب بخفة، وفي يده منديل، يلوح به أولا ثم يقترب أكثر، يربت على كتف مهاب وهو يمسح العرق

المتصيب من جبينه بحماس واضح.

سلامتك من الفرهدة يا كبير بالله عليك يا شيخ تعلمني حركتين ثلاثة من اللي انت عملتهم

دلوقتي؟

رفع " مهاب" حاجبه ونظر إليه بنظرة جانبية ساخرة، قبل أن يرد بكسل متعمد:

وماله يا حبيبي ... يوسف.

لم يتحرك "يوسف " من مكانه اكتفى يرفع رأسه قليلا، صوته ثابت كعادته:

نعم يا صاحبي.

أشار " مهاب" بيده ناحية زياد وعيداد تلمعان بحيث واضح

ابقى فكرني تاخذ زياد معانا الجيم تتدرب عليه.... قصدي ندريه على الملاكمة.

"يوسف" رفع يده إلى عينيه، أشار بإصبعيه ثم غمر بابتسامة ذات معنى :

عينيا لزياد.

استغل " زياد" اللحظة، فالتفت إلى عبد الله وأشار إليه بحماس:

وناخد عبد الله كمان ما أنا مش هسيب صاحبی

اتسعت عيبنا" عبد الله" فجأة، وتراجع خطوة لا إراديا، فقد فهم المعنى من كلام مهاب قبل أن يشرح له، حاول أن يغلف خوفه بالمزاح وهو يقول:

انت مالك ومال عبد الله؟ ما تسيبه في حاله يا اللي منك لله، هو عبد الله اشتكى ولا قال عايز يتعلم ؟

ضحك " زياد" وضربه بخفة على كتفه :

الحق عليا، عايزك تبقى بعضلات.

هر "عبد الله راسه بغداد رافعا يديه كمن يستسلم:

مش عايز والله ما عايز طالما هو اللي هيد زيني اسكت انت غلبان ومش فاهم حاجة

تعالت ضحكات الرجال، خفيفة وصافية، وكأن المكان كله استعاد نبضه الطبيعي.

تحرك "سيف" من مكانه، عدل من وضعه وقال بنبرة حاسمة:

همشي أنا بقى عشان عندي مذاكرة.

التفت "يوسف" إليه وسأله:

هنطلع فوق ولا هنروح عندنا؟

رفع "سيف" رأسه ناظرا إلى شباك شقتهم، وارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة وهو يقول:

عندكم طبقا، أنا لو طلعت فوق بعد اللي قولته ممكن بعد خمس دقايق تلاقوها حدفاني من الشباك، وأنا لسه صغير وعايز أعيش.

شده "مهاب" إلى حضنه فجأة، ضاحكا بصوت عال:

تفتكر هتكتفي بحدفك بس ؟

اتسعت عبدا" سيف" يخوف مصطنع

بالهوي، هي ممكن تعمل أكثر من كده يا ابيه ؟

اقترب "مهاب" منه وهمس في أذنه بنيرة درامية:

قتل ... تشريح ... تعذيب، واختك تخصص تعذيب يا سيفو

ابتلع " سيف" ريقه، ونظر مرة أخرى نحو الشباك، ثم قال بتردد:

بيت خالتي أولى بيا، صح؟

هر مهاب" رأسه موافقا وهو يضحك، فالتفت" سيف" إلى يوسف:

حيث كده بقى أنا هروح عند أم يوسف حبيبتي هتيجي معايا يا جو ولا هتفضل هنا؟

نهض يوسف "وهو يقول:

لا مروح معاك يلا سلام يا رجالة.

رد الجميع التحية، وقبل أن يبتعد "يوسف" وقف قبالة مهاب، نظر إليه نظرة ذات مغزى وقال:

اجهز لطوفان بنت المهدي يا ابن البراق

ضحك مهاب بخفة وقال:

مستعد لأي حاجة منها يا ابن النجار، أي حاجة إلا البعد.

ضحك "يوسف"، جذب سيف من ذراعه، وغادرا معاء

حينها تقدم "مهاب" من "عامر" وقبل يده و راسه باحترام واضح

ماكانش ينفع أسكت يا حاج، الواد ده غلط في حقنا.

ها "عامر" رأسه وقال بهدوء:

عارف یا ابن عامر بس هي حلفتنا ما تتكلمش.

تنفس " مهاب" بعمق ثم قال بجدية:

في حاجات السكوت عنها بيجيب مصايب يا بابا والواد ده ما کانش هیسکت غیر بکده. مش هستنى لما يعمل فيها حاجة.

وضع "عامر" يده على كتف ابنه وزيت عليه بمزاح خفيف

ماشي يا باشمهندس يا اللي حواراتك الجاية هتبقى كثير مع ست البنات

ضحك مهاب، وقاطعه صوت "مازن" وهو يتسحب بهدوء:

احم همشي أنا يا بابا عشان أروح أجيب نادين من الشغل.

نظر إليه " مهاب" واقترب منه خطوة، صوته انخفض فجأة:

قولتيلي هي رفعت عليك السكينة عشان ما تقوليش ؟

ابتلع "مازن" ريقه وقال بخوف:

اه والله يا مهاب

وانت خوفت؟

ما هي بتخاف منها بصراحة، دي مفترية ؟

مزر" مهاب" يده على ذقته ببطء

فخبيت على مصيبة زي دي والمدة دي كلها.

قال " مازن" سريعا:

حقك على مش هخبي حاجة ثاني.

ثبت مهاب" نظره فيه، نظرة جعلت مازن يتوتر

وأنا مصدقك، وحقك أنت على راسي عشان رفعت عليك السكينة يا قلب أخوك.

وفجأة، ودون إنذار، ضربه برأسه ضربة روسية قوية، ثم استدار وهو يقول:

أنا اللي هجيب نادين النهاردة، بعد إذنك يا حاج عامر، انت والحاج إبراهيم.

تركهم ورحل.

امسك مازن رأسه وهو يتاوه بألم ممزوج بالضحك، ونظر إلى أبيه وإبراهيم اللذين تظاهرا بعدم

رؤية شيء

عجبكم اللي عمله فيا؟ رأسي اتفتحت.

التفت "عامر" إلى إبراهيم وقال بهدوء متعمد:

تيجي نروح تقعد في المسجد شوية قبل العصر؟

ضحك " ابراهيم " وقال:

يلا يا خويا، أحسن الجو هنا بقي مرة واحدة.

وقف "عامر" خلف كرسي إبراهيم وبدأ يدفعه وهو ينادي بصوت عال على عبد الله ومازن داخل الورشة

خلوا بالكم من المكان يا رجالة.

ومضى.

بقي مازن مكانه، يحدق في أثره بصدمة، ثم تمتم بغضب ساخر:

حتى أنت يا بابا غدرت بيا؟ مش كفاية ابنك واللي عمله فيا ... منك الله يا رقية يا بنت أم رقية.

صمت لحظة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة تصميم:

مسيرك هتبقي مراته، وهقلبه عليك، واخليه يعيشك في نكد عشان تدوقي اللي بتعمليه فينا با

مفترية يا قادرة .

تعليقات