رواية حرب سقطت راءها الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم نور زيزو


 رواية حرب سقطت راءها الفصل التاسع والعشرون بقلم نور زيزو



يقولون إن العتمة تُخيف الجميع، لكنهم لا يخبرونك أن الأصعب منها هو أن تعتادها، أن تظن أن النور لم يعد خُلق لأجلك يومًا. ثم فجأة... تمتد يدٌ دافئة إلى روحك المرتجفة، لا تُجبرك على الوقوف، ولا تعدك بأن الألم سينتهي، فقط تُخبرك بهدوء:
"أنا هنا " وأحيانًا يكون هذا وحده كافيًا ليُولد الأمان من جديد
 _________________________ 

فى الوكالة داخل شوارع حي الأزهر وحزم الأزقة المتكدسة بالأشخاص ، صعد العامل إلى الطابق الثالث حين مكتب "الجارحي" ووضع فنجان القهوة على المكتب وغادر من المكتب ليقابل "يزيد" يدخل المكتب يلقى بالسلام:-
_السلام عليكم 

ألتف "الجارحي" إليه حاملًا دفتر من الورق وجلس على المكتب يرد السلام بجدية":-
_وعليكم السلام، عامل أى يا ريس 

_ بخير يا معلم جارحي ، بعتلى !! 
قالها بهدوء شديد، هز "الجدارحي" رأس بنعم وأشار إليه بان يجلس بينما يديه تغلق الأوراق المنثورة أمامه فقال بنبرة خافتة بينما تشابكت يديه فى بعضهما فوق المكتب :-
_ هو سؤال واحد ومحتاج جوابه، اي اللى وداك فيلا الصياد يا يزيد ؟

صمت "يزيد" بهدوء لا يملك جواب او بالأحري لا يرغب فى الحديث الآن عن ماضي قد فات ، فتحدث "الجارحي" بنبرةٍ خافتةٍ :-
_ دفعت للقاتل دا تمن قتل عمران صح ؟

_ أنا بس عرفته معلومة واحدة ومشيت، عرفته أن اللى حاول يقتل مراته المصونة هو عمران 
قالها بجدية صارمة مقتنع تمامًا أن ما فعله هو الصواب وكان السبيل الوحيد لأخذ بثأر زوجته من هذا الحثالة دون أن يلوث يديه بالدم ويصبح مجرم ، تنهد "الجارحي" بضيق وقد تأكدت كل شكوكه وأصبح الأحتمال يقين ، أغلق الحديث فى هذا الأنتقام عندما فتح الأوراق من جديد ينظر بها ويقول بحدة:-
_ متتصرفش تاني من دماغك من غير ما ترجعلي

_ أسف يا معلم بس دا حق مراتي وأنا مش عاجز 
قالها برسمية وهدوء لم يعقب "الجارحي" على كلمته فغادر "يزيد" المكتب فى صمت ومع صوت أغلاق الباب رفع "الجارحي" رأسه للأعلى ينظر على "يزيد" من خلف الزجاج .....

___________________________ 

وقفت "قُدس" أمام باب الشقة للحظات، تحمل فى يدها طبقًا صغيرًا من الحلوى التى صنعتها بنفسها، بينما يدها الأخرى تستقر فوق بطنها بحركةٍ عفوية تطمئن جنينها بحنية تملأ قلبها البرئ، هزت رأسها قليلًا تتذكر "ليل" ولا تعرف لماذا تشعر بهذا القلق الذى يضغط قلبها كلما تذكرت "ليل"، ولا لماذا يراودها إحساس غريب بأن ابنة عمتها تحتاج إليها الآن أكثر من أى وقت مضى وهذا الزواج العجيب الذي حدث أسرع من زواجها هي الذي كان له ظروف خاصة، فجأة هكذا ظهر "يزيد" وتزوج من "ليل" بدون أى مقدمات فتنهدت بلطف ثم طرقت الباب برفق 
مرت ثوانٍ طويلة قبل أن يُفتح الباب ببطء وظهرت "ليل" أمامها بوجهٍ شاحبٍ وعينين غارقتين فى الإرهاق وكأن النوم لم يعرف طريقه إليهما منذ أيام اتسعت ابتسامة "قُدس" فور رؤيتها متناسية كل الأسئلة التى تضرب عقلها وقالت بعفوية:-
_ وحشتينى

لم تُجب "ليل"، فقط اكتفت بالنظر إليها نظرة معبأة بالإنكسارات والخيبات لكن صديقتها كانت أرحم عليها من العالم الخارجي فلم تنزعج "قُدس"، ولم تسألها لماذا تبدو هكذا، بل رفعت الطبق أمامها وقالت بمزاح خفيف:-
_ عملت كيك بإيدي مخصوص وإنتِ عارفاني فى الطبخ ماليش حل ، فطبعًا ملاقتش غيركِ يشاركني فشلي

رغمًا عنها ارتجفت شفتا "ليل" وكأن ابتسامة صغيرة تحاول الخروج من بين كل هذا الحزن، منذ ولادتهما وقلبيهم أحن على بعض كتوأم الحياة 
دلفت "قُدس" إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها ثم جلست بجوارها على الأريكة فى هدوء وساد الصمت بينهما لدقائق ،صمت مريح .. الصمت الذى لا يحتاج صاحبه إلى تبرير نفسه أو شرح أوجاعه

مالت "قُدس" برأسها على كتف "ليل" وقالت بهدوء:-
_ عارفة؟ ساعات الواحد بيبقى مخنوق أوى ومش عارف يقول ماله

أطرقت "ليل" برأسها إلى الأرض فأكملت "قُدس" بنبرة دافئة:-
_ وساعات بيبقى نفسه حد يقعد جنبه وخلاص .. من غير أسئلة ولا نصايح ولا حتى كلام ، أنا جاية أقعد معاكي من غير كلام، وحشني أن نقعد فى صمت كدة لا  أحكي ولا تحكي ، أحس بس بوجودك جنبي وتحسي أني جنبك واللى يحب يتكلم فى أى حاجة يتكلم من غير أى مقدمات 

شعرت "ليل" بغصةٍ مؤلمة تتصاعد داخل صدرها وأول شخص لم يسأل ويقتله الفضول عما بها فربتت "قُدس" على يدها بحنان وأضافت:-
_ عشان كدة أنا هنا

رفعت "ليل" عينيها إليها لأول مرة تستنجد بنظرتها إلى "قُدس" ، تتمني أن تأخذ بيدها من القاع المظلم الذي وقعت فيه ، ابتسمت "قُدس" بحبٍ صادقٍ وقالت:-
 _ مش لازم تحكيلى حاجة ولا تبررى حاجة ولا حتى تردى عليا ، أنا بس حبيت أقولك إنك مش لوحدك ولو الدنيا كلها زعلتك .. أنا موجودة ، ولو الدنيا كلها سابتك .. أنا برضو موجودة ولو حبيتى تعيطى، عيطى ولو حبيتى تسكتى متحكيش  أسكتى ولو حبيتى نفضل قاعدين نبص فى الحيط ساعة كاملة، والله ما هزهق منك

اتسعت عينا "ليل" بالدموع ولأول مرة منذ وقتٍ طويل شعرت أن أحدهم لا يريد منها شيئًا ، لا تفسيرًا ، لا تبريرًا ، لا قوةً زائفة فقط يريد البقاء بجوارها فمدّت يدها المرتجفة ببطء وأمسكت يد "قُدس" لتشدّ "قُدس" على أصابعها بحنان وقالت هامسة:-
 _ كدة أحسن... خليكِ ماسكة فيا براحتك

ثم أسندت رأسها فوق كتفها وأكملت بخفة:- 
 _ وبعدين أنا حامل وممنوع الزعل عليا ، العيل هيطلع بومة لأمه

خرج من بين دموع "ليل" ضحكة صغيرة مرتجفة فضحكت "قُدس" هى الأخرى وكأنها انتصرت فى أهم معركة اليوم وأن تجعل صديقتها تتذكر ولو لثانية واحدة أن قلبها ما زال قادرًا على الحياة

___________________________ 

كان الصباح مثقلاً بالوداع حقيبة السفر وُضعت قرب الباب، وصوت خطوات "فتحي" و"ياسمين" يملأ المكان بارتباكٍ مكتوم وسط توديع "وصيفة" و"هادي" معا ، فقال "فتحى" بنبرة أسف :-
_ مرة كمان أنا بعتذر على اللى حصل زمان ويعلم ربنا أنى مكنتش أعرف أن ليان مخطوفة وإن شاء الله الأمور كلها تتظبط 

إجابت "ياسمين" بهدوءٍ قائلة:-
_ قريب جدًا تتظبط الأمور كويس ويتحل كل شيء 

هز "هادى" رأسه بهدوء ثم قال:-
_ بالعكس أنا مُمتن جدًا أنك كبرت بنتي وربتها وطلعت دكتورة ، شكرًا جدًا لكن الباقي أنا قادر عليه مجرد مشاكل 

تبسم "فتحي" بلطف وكانت "مديحة" تقف فى الخلف تتابع بصمت متجهم، كأنها تحاول أن تُخفي قلقها خلف قسوتها المعتادة، بينما "هادي" كان واقفًا عند الباب يشيعهم بنظرات شاردة لا تشبهه ، قال "فتحي" وهو يربت على كتفه:-
_خلي بالك من ليان

أومأ "هادي" بصمت، لم يكن قلبه حاضرًا بالكامل، كان هناك شيء آخر يضغط عليه من الداخل، شيء اسمه "ليان" ،تحركت السيارة أخيرًا غادرت أمام أعينهم، وابتعد صوت المحرك تدريجيًا حتى اختفى لكن "هادي" لم يتحرك إلى الداخل ؛ بل ظل واقفًا للحظة طويلة كأن شيئًا داخله انكسر مع تلك السيارة ثم قال بصوت خافت:-
_ لازم أشوفها

لم تنتبه "مديحة" لكلمته، فقد دخلت إلى الداخل وهي تتمتم بضيق كعادتها وقد تخلصت من ضيوفهم التى لم ترحب بهم لفترة طويلة ،أما هو فاتجه مباشرة إلى الخارج أو بالأحرى إلى القصر التى تسكن به ابنته المتمردة
__________________________ 

 << قصــــــــــــــــر الصيــــــــــــــــــــاد  >>

كان القصر كما هو باردًا، منظمًا، مليئًا بالحراس الذين لا يعرفون الرحمة ولا الأسئلة لكنها فى نهاية المطاف ابنته ولن يتخلى عنها مقابل تمردها او إنكارها له كأب لها، تقدم "هادي" نحو البوابة، وعيناه ثابتتان كأنهما لا ترى سوى هدف واحد فوق أمام باب الحراسة وقال :-
_ عايز أشوف بنتي ليان

الحارس نظر إليه ببرود وجحود ثم قال بصرامة:-
 _ مين حضرتك؟

ارتفع صدره بغضب مكبوت:-
_ أبوها 

تبادل الحارسان النظرات، قبل أن يُسمح له بالدخول على مضض وأتصله يخبره القصر بوصوله وحتى جاء الأذن من "كريم" مساعد "جلال" فدلف بخطواته داخل القصر لم تكن هادئة ،خطوات رجل يحمل داخله عاصفة لا تُرى
في الداخل
 كانت "ليان" تجلس على طاولة الطعام وبجانبها "جلال"، يتناول الطعام بهدوء غريب، كأن شيئًا في العالم لم يعد يزعجه لكن عيني "ليان" لم تكن مرتاحة كانت تنظر إلى الباب بين لحظة وأخرى، كأنها تنتظر شيئًا لا تعرف شكله وفجأة انفتح الباب بقوة دخل "هادي" تجمد الهواء، رفعت "ليان" رأسها ببطء واتسعت عيناها من رؤية والدها وأخيرا تذكرها رغم كبرها وصمودها فهمست :-
_ هادى بيه

لكن الكلمة خرجت متكسرة، كأنها لا تعرف إن كان لها حق النطق بها الآن وقف "هادي" أمام الطاولة ونظراته مرت على "جلال" أولًا بحدة صامتة ثم استقرت على ابنته قال بصوت منخفض لكنه يقطع:-
_ بقى الكلام اللي سمعته صح؟

ارتبكت "ليان" فورًا وحان وقت مواجهتها لوالدها بحقيقة الزواج فتابع الحديث قاطعها بصوت أعلى:-
_ اتجوزتيه من ورانا؟

سكتت والصمت كان الإجابة ضرب "هادي" الطاولة بيده فاهتزت الأطباق:-
_ في يوم عزاء عماد في يوم الدنيا كلها كانت مكسورة فيه وإحنا فى دوشة العزاء ،إنتِ عملتي كده؟
ارتجف صوتها بتردد لكن جمعت شجعتها وقالت بثقة:-
_  أنا بحبه وجتلك وقولتلك أنى بحبه وعايزة اتجوزه وأنت اللى رفضت ومسبتلتيش أى خيار 

ضحك "هادي" ضحكة قصيرة بلا روح:-
_ بتحبيه؟

اقترب خطوة منها، وعينيه تلمعان بوجع لا يقل عن غضبه:-
_ وإحنا؟ أنا؟ واختك ؟ بيتك؟ اسمك يا دكتورة؟

ثم أشار نحو "جلال" وقال :-
 _ ده يبقى إيه وسط كل ده؟

وقف "جلال" بهدوء، لكن "هادي" رفع يده بإشارة صارمة:-
_ ما تتكلمش… الكلام بيني وبين بنتي

ساد صمت ثقيل وكان صوت أنفاس "ليان" وحده يُسمع فقال "هادي" أخيرًا بصوت أخفض، أخطر:-
_أنا جاي آخدك معايا ويطلقك ونخلص من العك اللى بتعمليه دا ، دا لا شبههنا ولا من عالمنا 

ردت بسرعة، وكأنها تتمسك بأي شيء:-
_ مش هقدر أسيبه وأنت مالكش الحق أنك تقرر أى حاجة فى حياتي ، أنت مين أصلًا عشان توصل نفسك للمساحة دى فى حياتي

تجمد للحظة من صدمته لما قالته ونظر إليها طويلًا ، نظرة لم تكن غضبًا فقط… كانت خيبة ، شيء يشبه السقوط فقال بهدوء مخيف:-
_ تمام ، أنا مين فعلا ؟ 

اقترب منها خطوة أخيرة، وقال:-
_ من النهاردة… إنتِ مش بنتي، أنا مخلفتش غير قُدس وإنتِ مش عايز أشوف وشك تاني خليه ينفعك 

تجمد الزمن واتسعت عينا "ليان" فجأة:-
_ إيه؟

لكن "هادي" لم يتراجع أكمل بصوت مكسور رغم صلابته:-
_ البنت اللي أعرفها ماتت يوم ما اختارت طريقها ده، ويوم ما أنكرتني من حياتها

سقطت الكلمات عليها كرصاص بارد ، لم تصرخ ولم تبكِ فورًا ..فقط نظرت إليه كأنها لا تصدق وكأن العالم توقف عن الترجمة فاستدار "هادي" دون كلمة أخرى ليخرج والباب أُغلق خلفه وفي اللحظة نفسها اهتز جسد "ليان" واتسعت عيناها فجأة، ثم ارتخى جسدها بالكامل وقبل أن تستوعب ما يحدث سقطت على الأرض فاقدة للوعى بينما "جلال" التفت بسرعة نحوها، ووجهه لأول مرة لم يكن هادئًا كما كان قبل دقائق عندما رآها على الأرض لا حول ولا قوة لها 
________________________

عاد "يزيد" في وقتٍ متأخر من الليل وأغلق باب الشقة بهدوء، وحرص كعادته أن يطرق الباب قبل الدخول، احترامًا لوجودها وخوفًا من أن يفاجئ خوفها من جديد وطرق الباب بخفة :-
_ أنا يزيد

لم يكن يتوقع ردًا لكن في اللحظة التالية… سمع صوت حركة سريعة داخل الغرفة صوت خطوات خفيفة متسارعة ثم إغلاق الباب من الداخل بإحكام فتوقف للحظة ثم أغمض عينيه بهدوء لم يكن غضبًا؛ بل إدراكًا صامتًا أنها ما زالت تهرب ، تقدم ببطء داخل الشقة ونظر إلى الطاولة والأطباق كانت فارغة والكوب الذي وضع فيه الشيكولاتة الساخنة لم يُترك كما هو شيء صغير داخله ارتاح دون أن يشعر ابتسامة خفيفة ظهرت على وجهه وتمتمة بلطف :-
_أكلت

اقترب من باب غرفتها ولم يطرقه هذه المرة وضع بهدوء على الأرض الكتب التي اشتراها لها وكيس صغير فيه بعض الأشياء البسيطة وعلبة الشيكولاتة ثم تراجع خطوة نحو غرفته وأغلق الباب دون أن يدخل فكان يتجسس جيدًا منتظر أى رد فعل منها 
بعد دقائق طويلة انفتح باب الغرفة ببطء شديد وخرجت "ليل" وكأنها تتحرك بحذر داخل عالم لا تثق به عيناها تجولتا في الشقة حتى تأكدت أن لا أحد وصمت كامل اقتربت بخطوات مترددة من الباب وانحنت قليلًا لمست الكتب بأطراف أصابعها كأنها تتأكد أنها حقيقية ثم بسرعة خاطفة أخذتها إلى صدره ونظرت حولها مرة أخرى فتحت باب غرفتها بسرعة واختفت من جديد خلفه لكنها لم تره كان يجلس على الأرض في ممر الشقة، بجوار بابها مباشرة ظهره مسند إلى الحائط ورأسه مائل قليلًا يراقب بصمت لا يقترب ولا يفرض نفسه  فقط موجود
من خلف الباب المغلق سمع صوت حركة خفيفة ثم صوته الهادئ وصلها دون أن يدخل :-
_ خدي نفس

سكت لحظة ثم أكمل بصوت أهدأ:-
_ أنا مش داخل ومش هضغط عليكي

صمت قصير لكنه كان يحاول أن ينتشلها من القاع والعزلة التى بداخلها ثم قال:-
_بس لازم أقولك حاجة

انكمشت "ليل" داخل الغرفة، لكن لم تهرب هذه المرة وكان صوته مختلفًا ليس أمرًا، ولا شفقة ؛ بل ثبات :-

_ الراجل اللي أذاكي… اسمه عمران… مات

تجمد كل شيء داخل الغرفة ولم تتحرك أو تصدر صوتًا تابع "يزيد" بهدوء:-
_أنا مش جاي أقولك تفرحي ولا تنسي بالعافية أنا جاي أقولك إن اللي حصل… انتهى الراجل ده مش موجود تاني في حياتك والماضي… مش لازم يفضل عايش جواكي أكتر من كدة

من داخل الغرفة تسارعت أنفاسها فجأة لكن هذه المرة… ليس خوفًا فقط ؛بل ارتباك كأن كلمة "انتهى" اصطدمت بجدار داخلها لا يعرف التصديق بسهولة واصل بهدوء:-
_ مش بطلب منك تنسي أنا بطلب منك تسيبي الحاجة اللي بتكسرِك كل يوم

كان الصمت ثقيلًا لكن ليس مخيفًا هذه المرة، بل يشبه الانتظار الطويل لشيء لا يُعرف متى يأتي
داخل الغرفة وقفت "ليل" في مكانها وكلمة "مات" لم تكن مجرد خبر كانت شيء اصطدم بجدار عميق داخلها ، جدار لم تكن تعرف أنه ما زال موجودًا بهذا الصلابة تسارعت أنفاسها فجأة ثم توقفت لحظة و عادت بشكل متقطع، كأن صدرها لم يعد يعرف كيف ينظم الهواء رفعت يدها إلى صدرها دون وعي وضغطت عليه بخفة ليس ألمًا جسديًا واضحًا؛ بل ارتباك داخلي، كأن شيئًا في داخلها فقد مكانه فجأة بعد كلمة (مات) خرجت الكلمة من شفتيها بصوت خافت جدًا، لا يشبه التصديق وتراجعت خطوة إلى الخلف اصطدمت بالحائط خلفها لم تكن تبكي في البداية ؛ بل كانت عيناها مفتوحتين على اتساعهما، تحدقان في الفراغ كأن عقلها يعيد تشغيل كل شيء بسرعة لا تُحتمل ، ثم فجأة ارتخت كتفاها كأن جسدها تعب من المقاومة جلست على طرف السرير ببطء شديد ويدها ما زالت على صدرها، لكن قبضتها خفتت ثم بدأت الدموع تتجمع دون استئذان
 
________________________ 

خرج "الجارحي" من الغرفة بخطوات هادئة يبحث عن زوجته فى أرجاء الشقة حتى وجد "قُدس" كانت جالسة أمام اللوحة والغرفة غارقة في ضوء الصباح، ونافذتها نصف مفتوحة تسمح لنسمة خفيفة أن تعبث بالستائر وترتدي بيجامة وردية بسيطة، شعرها منسدل على كتفها، وخصلات منه تسقط أحيانًا على وجهها فتزيحها دون أن ترفع نظرها عن اللوحة وكانت ترسم بهدوء النسيم تغمس الفرشاة في الألوان، ثم تعيدها إلى الورقة بانسيابية، كأن يدها لا تتحرك وحدها؛بل تتحرك معها مشاعرها ، اقترب "الجارحي" دون صوت توقف عند الباب لم ينادِها فقط نظر إلى لوحة البحر كانت تتشكل أمامها أمواج خفيفة، وأفق بعيد يشتعل بشروق شمس دافئ وهناك شيء في الرسم ليس مجرد ألوان؛ بل إحساس كامل بالنجاة خفض عينيه عليهاتفاصيلها الصغيرة كانت تسرقه دون إذن انحناءة ظهرها الخفيفة طريقة إمساكها للفرشاة تركيزها الذي يجعل ملامحها أكثر هدوءًا من العالم كله حتى أنفاسها بدت منتظمة كأنها تعيد ترتيب فوضاه هو دون أن تدري ابتسم دون أن يشعر ثم قال بصوت منخفض:-
_ كل مرة بشوفك فيها بتبقي أحلى من أي صورة في دماغي

لم تنتبه في البداية لكن لحظة الصمت التي تلت صوته جعلتها تلتفت ورفعت "قُدس" نظرها فوجدته واقفًا هناك يحمل كوب عصير برتقال دافئ، ينظر لها كأنه لا يرى غيرها فابتسمت بخفة :-
_ أنت بتخضّني كل مرة كده؟!

اقترب "الجارحي" بخطوة فوضع الكوب على الطاولة بجانبها ثم مد يده وأخذ الشال من على الكرسي، ووضعه برفق على كتفيها لم يتكلم لكن عينيه كانت تقول الكثير ثم انحنى قليلًا واحتضنها من الخلف أحاطها بذراعيه بهدوء، كأنه يخاف أن يوقظ العالم من حولها ، أسند ذقنه على كتفها، وقال بصوت دافئ:-
_ إنتِ دايمًا ناسية نفسك… حتى وإنتِ مرهقة

أغمضت "قدس" عينيها للحظة ثم ابتسمت، وتركت جسدها يميل للخلف قليلًا داخل حضنه كأنها تستسلم للأمان همست :-
_ وأنا لو نسيت نفسي… برجع أفتكرها لما أكون في حضنك

ساد صمت جميل ليس صمت فراغ ؛ بل صمت ممتلئ فشدّ ذراعيه حولها أكثر قليلًا وقال بصوت أهدأ :-
_ عارفة يعني إيه حب؟

رفعت رأسها قليلًا لتسمعه فأكمل وهو ينظر للوحة ثم لها
_ الحب مش كلام حلو وبس الحب إنك تلاقي حد، مهما الدنيا وجعته… يفضل هو هو، سند مش بيطلب منك تبقي قوية طول الوقت بس بيبقى موجود لما تقعِك الدنيا
التفتت إليه بالكامل هذه المرة وعينها لامعة بهدوء
_ وأنا بالنسبة لك إيه؟

ابتسم "الجارحي" ابتسامة صغيرة، فيها يقين لا يهتز وأجاب:-
_ إنتِ مش "بالنسبة لي" إنتِ المكان اللي برجعله لما أتعب

اقتربت خطوة وأسندت جبينها على صدره وهمست:-
_ يبقى أنا كدة مطمنة

أحاطها بذراعيه أكثر وقال بهدوء أخير، كأنه يغلق العالم خارج هذا اللحظة مُتابع الحديث :-
_ والمفروض إن العالم كله يهدى لما تبقي في حضن حد بيحبك بجد
"قُدس" ما زالت داخل حضنه، مستندة إليه كأنها وجدت مكانها الوحيد في العالم، و"الجارحي" يحتضنها بصمت، وكأن الزمن توقف احترامًا لهذا الأمان الصغير لكن فجأة اهتز هاتفه على الطاولة ،لم يتحرك في البداية كأنه لا يريد أن يفسد اللحظة لكن النظرة التي التقطها على الشاشة جعلت ملامحه تتغير قليلًا تنهد بهدوء ثم أبعد ذراعيه عنها ببطء شديد، كأنه يترك جزءًا من نفسه يبتعد خطوة أمسك الهاتف، وفتح المكالمة وصوت عميق خرج منه مٌتحدث قائلًا:-
_ أنا جاي

أغلق الهاتف والتفت إليها وكانت ما زالت واقفة مكانها، تحمل دفء اللحظة على كتفيها وكأنها لا تفهم لماذا انقطع اقترب منها مرة أخرى، لكنه هذه المرة لم يحتضنها ؛ بل نظر لها فقط .. نظرة مختلفة فيها قرار قال بهدوء:-
_ أنا رايح أعمل حاجة لازم تتعمل من زمان

رفعت حاجبها بخفة وقلق شديد :-
_ حاجة إيه؟

سكت لحظة ثم قال بجدية:-
_ هقسم الميراث

تجمدت ملامحها ناظرة إلى تعبير وجهه الجادة ولا مجال للأحتمالات أو الجدال فتمتمة بتلعثم:-
_ إزاي يعني؟
أخذ نفسًا عميقًا، كأنه يضع ثقل سنين على كتفه قبل أن يتكلم ثم قال موضحًا:-

_وصية جدي كانت بتخلّي الورث يتجمع في إيدي أنا لوحدي بس أنا شايف إن ده كان سبب الخراب مش القوة والعائلة اللى كبرها أتفككت منه خلاص، وأديكي شايفة وصلنا لاي يا قُدس فى الحرب دى 

اقترب خطوة، وصوته أصبح أكثر ثباتًا:-
_ الفلوس فرّقتنا… خلتنا نتحارب بدل ما نسند بعض وأنا مش عايز العيلة دي تفضل تاكل في بعضها

نظرت له بصمت، كأنها تحاول تفهم عمق القرار ومسكت يده بلطف تدعمه فى أى قرار يتخذه وقالت:-
_وهتعمل إيه؟

رفع عينيه إليها وكانت هذه المرة مختلفة… فيها يقين رجل لا يتراجع حسم أمره لإنهاء هذه الحرب فقال:-
_هوزع كل حاجة بالعدل… زي الشرع ما بيقول أنا عارف أن اللي جاي مش سهل… بس وجودك في حياتي هو اللي مخليني أقدر أبدأ

تبسم لها بلطف يطم~نها من هول القرار والخطوة القادمة ثم خرج وظلت "قدس" واقفة بين دفء حضنه الذي لم يكتمل وصدى قراره الذي بدأ يهز بيت العائلة كله

_____________________________

استيقظ "يزيد" بصعوبة لم تكن ليلة نومه كاملة، وكأن عقله ظل مستيقظًا حتى وهو نائم فتح عينيه ببطء… ثم اعتدل وهو يتثاءب، يمسح وجهه بكفّه محاولًا استعادة وعيه الهدوء في الشقة كان مُعتادًا هادئًا أكثر من اللازم فنهض من فراشه بخطوات شبه ناعسة، واتجه نحو باب غرفته وهو يمد ذراعيه بتكاسل يفتح الباب وهو يمطى جسده ويتثاءب ، في البداية لم يلتقط عقله أي شيء مجرد ضوء خافت، وصمت، وهواء ساكن لكن خطوة واحدة إلى الأمام كانت كافية ليتجمد مكانه توقف التثاؤب في منتصفه وتوقفت الحركة في جسده كله كأن الزمن نفسه قرر أن يتوقف لثانية واحدة اتسعت عيناه تدريجيًا ثم أكثر ثم على مصراعيها تمامًا، كأنه لا يصدق ما يراه ارتخى ذراعه بجانبه ببطء وتغيرت ملامحه من النعاس إلى صدمة كاملة، صمتت فيها كل الأفكار حدق أمامه غير قادر على النطق أو الحركة فقط دهشة صافية انكسرت داخل عينيه لحظة الوعي الأولى، وكأن ما يراه الآن ليس شيئًا عابرًا… بل بداية شيء أكبر بكثير مما كان يتوقعه وظل واقفًا مشدوهًا وعينيه المفتوحتين على آخرهما .........

تعليقات