رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل التاسع والعشرون 29 والاخير بقلم شروق مصطفي


 رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل التاسع والعشرون والاخير 

قررت مي أن تستقيل من الجريدة نهائيا، لم ترد أي احتكاك أو معاتبة من أي نوع، ولم ترغب في خسارة صديقتها أيضا، فقد رأت أن ذلك هو الحل الأمثل لها، ورغم حزن سيلا على هذا القرآن فإنها ارتضت به في النهاية.

اندمجت في خلال تلك الفترة في قراءة بعض الروايات الإلكترونية، علها لحسن من مزاجها وتشغل عقلها عن دوامة الأفكار، دلفت إلى الشرفة، ثم شردت قليلا في هاتفها، والغرورفت

عيناها بالدموع، وانسابت عبراتها في صمت.

وفجأة، قطع رنين هاتفها لحظة اندماجها. رفعت الهاتف وردت بصوت حاولت إخراجه طبيعيا

الو، مازن؟

فزع مازن بعد رؤيتها، وما إن دلف إلى الشرفة حتى وجدها تبكي:

يتعيطي ليه ؟ حد حصله حاجة؟ أو عملك حاجة؟ في ايه؟ طمنيني؟

نظرت له في العمارة المقابلة، تعيد في عقلها كلماته واستعادت صورة مرحها القديمة، على

النقيض من حالتها الان وقالت ببلاهة:

أبدا... أنا كنت بقرأ رواية اسمها صراع الحب والوهم اندمجت أوى فيها ... بس ليه بتقول كدة؟

سور الشرقة بالفعال، ثم رفع أحد حاجبيه وهتف:

استشاط غضبا لفعلتها، وخفق قلبه لرؤية دموعها، ظنا منه أن مكروها قد حدث. ضرب بيده على

كل المحزنة دي علشان بتقري رواية يا مي ؟!

آد... بسلي وقتي عادي يعني وبلا، اقفل بقى عشان أكمل، صفر عمل إيه مع مايا قبل ما أفصل

من المود، أيه دار أنت بدور على اية ؟

كان هو يكاد يخرج الدخان من أذنيه لفعلتها، وجال بعينيه في شرفته باحثا عن شيء ما، حتى وجده النقطه بيده، ثم فجأة، قذفه عليها، فأصاب شرفتها نظرا لتقارب العمارتين من بعضهما. استمع الصرختها، وهي تنظر حولها في ذهول بحثا عن الفاعل، فوجدته ينظر إليها مبتسما....

بابتسامته الصفراء.

ديت بقدميها على الأرض يغضب، وتهاتفه

والله ما هسيبك يا مازن أبعد على دلوقتي، فصيل بجد... هفا

هتف لها بمرح وهو يقهقه :

أحسن عشان انتي خوفتيني، وفي الآخر تقولي رواية وبتاع ابقي وريني لو عرفتي تكمليها.

نفخت وجنتيها وتركته في شرفته، ودخلت إلى الداخل.

سببتها لك أهوا حتى البلكونة مش عارفة أدخلها منك.

استمعت إلى حديثه بعدما هذا قليلا، ثم قالت له :

من ينزل أنا سبت الشغل أصلا بقالي أسبوع كده.

اراد ان يكسر الحاجز بينهما، فهتف إليها بشيء ما، فردت:

مش عارفة يا مازن يجد أنا أصلا كنت يشتغل في المركز قبل كده هشوف هيثم لو فيه مكان

متاح ليا، يا ريت لأني زهقت من البيت.... وحابة أنزل الشغل جدا.

بعد أن استمعت إلى حديثه، هنفت بضيق:

سكرتيرتك ؟!

. مش عارفة ... هفكر طيب، وارد عليك.

هتف لها بصوت مسموع، يعلوه بعض المزاح الممزوج بالجدية

في إيه محتاج تفكير الشغل موجود ومستنيكي، ومن بكرة كمان

ولو عاوزاني أبلغ هيتم أنتي كده هتكوني قريبة منه.

ومتتأخريش على شغلك، من بكرة الساعة واحدة الظهر يلا أجرى من قدامي بقى عشان أكفل

ها؟ في ايه تاني ؟ روحي كملي روايتك اجري

باقي شغلي... عطلتيني بجدا

قهقهت مي على أسلوبه الذي يلقى به كلماته، ثم أغلقت معه المكالمة، وتوجهت إلى والدتها

لتتحدث معها.

وبعد أن قضت عليها ما دار بينها وبين مازن هتفت مترددة

ها يا ماما، إيه رأيك ؟

أجابتها نبيلة بهدوء:

اللي تشوفيه انتي.

عموماً يعني الراجل ما شفناش منه حاجة وحشة، ووقف جنبك، وزميل أخوكي، وفي نفس

المركز اللي كنتي فيه قبل كده يعني من جديد عليكي.

المهم، انتي هتكوني مرتاحة ؟

تطلعت الأخرى بعينين رائعتين، لم تستطع الرد سريقا، فقد كان عقلها مشغولا بالكامل.

زفرت بعض الأنفاس الحارة، وقالت بصوت خافت

عارفة يا ماما والله هو جدع وكل حاجة، ووقف جنبي، ما سينيش في محتبي، ونفس

ظروفي كمان....

بس مش عارفة أعمل إيه بجد... عقلى مشتت السه.

ابتسمت والدتها، تربت على يدها بلطف، ثم قالت:

قومي نامي، وبكرة شوفي مترسي على ايه.

ومتنسيش تصلي استخارة قبل ما تنامي

هزت مي رأسها موافقة على كلام والدتها، ثم قبلتها من حبينها، ونهضت قائلة:

تسلمي يا ست الكل .... يا رب اللي فيه الخير ربنا يجيبه بإذن الله.

في الجهة الأخرى، في منزل عاصم بالإسكندرية، دلفت سيلا برأسها إلى داخل المكتب.

وابتسمت بمرح

ممكن ادخل ؟

اشار بيده أن تدخل، وهو ما يزال ينظر إلى بعض الأوراق أمامه، وقال بنيرة هادئة:

تعالي ... قربت أخلص .

تطلعت إليه بحيرة، تفرك يديها في توتر، وقد أدرك هو اضطرابها.

ترك ما بين يديه من أوراق، ونظر في عينيها باهتمام وسكينة

مالك يا حبيبتي ؟ فيه حاجة؟ شايفك متوترة .... عايزة تقوليلي حاجة ؟

ابتلعت ريقها بتردد وقالت محاولة إخفاء ارتباكها:

لا مفيش.... بس قولت أقعد معاك شوية، وحشتني... فيها حاجة دي؟

ابتسم بمكر وهو يغمض عينيه، مجبرا نفسه على تصديقها، لكنه لم يقتنع تماما:

لا مفيش حاجة يا حبيبتي... بس قولي عليكي فاضحاكي، عربك مش بتعرفي تخبي علياء قولي.

غمامت ببعض التردد، أخرجت أنفاشا مكتومة، ثم زفرتها ببط، وهي تنظر له برجاء وتوسل: أنا فكرت في حاجة كده يعني.....

ايه رأيك في التبني ؟ بس تختاره رضيع صغير... نفسي بجد يا عاصم أحس بشعور الأمومة. ووقتي يتملي .... نفسي أحس إلي أم، ويقولي يا ماما ... نفسي أسمع كلمة "ماما" أوي ... إنت ليك

معارف، ممكن تتوسط لنا ....

ونتبني... أرجوك يا عاصم، مترفضش ووافق.

تابعت نظراته وردود افعاله تراقب حركة ملامحه ... لكنها لم تستطع تفسير شيء، فوجهه ظل جامدا.

زفر بعمق، ثم ابتسم لها نصف ابتسامة لم تصل إلى عينيه، جمع أوراقه، وأغلق الحاسوب، ثم نهض واقترب منها، جذبها من ذراعيها برفق، ووقف أمامها، يحتضن خصرها يتملك، وقرب

أنفاسه منها، متحدثا بهدوء:

بس انا عاوزه من صلبي... ومنك إنتي.

بجد مش عاوز في الدنيا دي غيرك....

انتي بنتي، وأمي، وأختي ومراتي وكل دنيتي، ولو شعورك ناحية الأمومة، إحنا ممكن تكفل يتيم. لكن التيني، حتى لو عندي واسطة أو معارف .... حرام يا سيلا لكن الكفالة مش حرام، ومن

بكرة ننزل تروح تكفل أي طفل.

ولو عاوزة خمسة كمان يا ستي !

روحي الدار يوميا، اقعدي معاه جيبي له مستلزماته، وتتحمل مصاريفه لحد ما يكبر....

ده اللي تقدر عليه، يا قلبي.

اختلطت أنفاسهما معا، وقد ذابت مشاعرها من قريه وهمساته، لم يمنحها فرصة للرد، بل أخذها

بين أحضانه في رحلة طويلة.

لم يتركها إلا عندما احتاجا إلى بعض الهواء.

تلامست نظراتهما، وعيناه تلمعان بشغف، ثم عمر لها بخفة:

تعالي لما أقولك نعمل ايه في موضوعك ... بس في أوضتنا!

دفعته بخفة من صدره:

قليل الأدب أنا غلطانة إلى بكلمك في موضوع جاد.

قهقه عاليا وهو يلاحقها بعينيه

الله ما هو ده جاد برده، ولا مش جاد؟!

استنی بس... رايحة فين؟

ركضت إلى الخارج، تشير له بيدها ساخرة، وجلست أمام التلفاز.

مش عيب ؟! تمشي وتسيبيني ؟

بعد قليل، خرج وجلس بجوارها، حاوطها بذراعيه وتحدث بمرح:

كنمت ضحكتها وخجلها، وقالت:

مش قلنا تكفل الموضوع؟ تهربي ليه ؟ جبانة أوي !

بس بقى .... خليني أتابع المسلسل، ده جميل أوي.

"الحب لا يفهم الكلام ، البطل ده بحبه أوي، والبطلة ......

التفت لما تشاهده، تم جذب الريموت وأغلق التلفاز، حاولت أن تأخذه منه، لكنه خياه وراء ظهره

وهي تحاول الإمساك به:

یووه يا عاصما بطل برود يقي!

سبتي أتفرج ... قفلته ليه ؟ هانه يقي، هزعل منك بجدا

بحركة سريعة، نهض فجأة، وأوقعها على الأريكة، ثم علاها مكيلا يديها يمكر:

مش عيب؟ تهربي مني وتيجي تتفرجي على البتاع ده؟

"الحب ما يفهمش الكلام دا والواد الملزق ده؟ او جوزك جنبك ؟

مش عايزك تجيبي سيرة راجل غيري .....

لا الواد الملزق ده ولا تتفرجي عليه أصلا... ماشي ؟

حاولت التملص، لكنها لم تستطع.

تطلعت في عينيه، تحاول كنم ضحكتها:

انت بتغير ؟! بس أنا معجبة بتمثيله، مش شكله.

هو أنا ناقصة ذنوب ؟! إنت مكتفني كده ليه؟ مش عارفة أتحرك سيبني بقى!

هز رأسه رافضا، وقال بمكر:

ما تستعيطيش... لا تمدحي شغله، ولا تجيبي سيرته وكمان عاجبتي الوضع كدها

مش انتى بتهربي مني ؟ اشربي باني !

كنتي قايلة لي إنك بتغيري .... منين ؟ منين 

قال الأخيرة بصوت متفكر، تتحرك بعشوائية، وقد أدركت نواياه فهقه بصوت عالي، ثم بدأ في دغدغتها :

لا لاا أوعى يا عاصم أذا بس خلاص مش مهرب ثاني، خلاص خلاص

نهض من فوقها، يعدل من ثيابه، ثم قال مبتسفا:

ايوه كده

تعالي بقي... كنا بنقول ايه؟ في المكتب جوه؟

وما إن فك عنها حصاره، هرولت بعيدا وهي تضحك، فأشار لها يمكر وهو يتبعها:

بابت تعالي هذا ياني ... كده ماشي ؟

مصيرك توقعي تحت إيديا

أعمل إيه ؟ بحبك وبموت فيكي يا طفلتي.....

همس بها تم ذلف إلى غرفته فوجدها قائمة على الفراش.

تعدد إلى جانبها، واحتواها بذراعيه.

تمسحت به نقطه تشتم رائحته و همست:

يحبك....

رد عليها، يربت على راسها:

يحبك....

تم غفيا معا إلى عالم الأحلام.

صباح اليوم التالي، داخل عيادة الطب النفسي بأحد المراكز الطبية.

جلس مازن ينتظر حضورها يترقب قدومها بفارغ الصبر. استقبل الحالات واحدة تلو الأخرى. حتى أشرف اليوم على نهايته زفر بضيق عدة أنفاس متتالية، فقد غابت، ومجيتها اليوم كان سيكون بمثابة بداية جديدة لقصتهما معا، كان ينتظرها بشوق، ومع تأخر الوقت أمسك بهاتفه واتصل بها، وما إن جاءه الرد حتى تحدث بنبرة عتاب امتزجت بالضيق

هو ده اللي اتفقنا عليه برده با مي ؟ ينفع اللي بتعمليه ده ؟

استمع إلى أنفاسها المترددة، وحين طال صمتها، بالأخير جاءه ردها!!

فهتف بضيق:

انتي شايفة كده يعني ؟ ده اللي فهمتبه من كلامي طول الفترة دي كلها ؟

صمتت قليلا، ثم جاءه صوتها متوترا:

مازن، أنا مش بفكر في أي ارتباط خالص، لو لسه طلبك ليا موجود، أحب أقولك تلغيه تماما. لأن أنا معنديش حاجة أديها لحد.

أما في موضوع شغلك ليا، وتوفيرك وظيفة معاك لو فاكر إن ده ممكن يقربنا من بعض، يبقى انت غلطان بس حبيت أوضح بعض النقاط عشان متستناش على الفاضي.

عارفة إن كلامي جارح بس أسفة بجد... أنا مش مستعدة.

استمع إلى كلماتها حتى النهاية، ثم أجابها بصوت هادئ لكنه يحمل جرحًا خفيا:

على فكرة، أنا مش بوفرلك شغل عشان مستنى منك حاجة .....

أنا فعلا محتاج سكرتيرة في عيادتي أكون واثق فيها، ومنى هلاقي غيرك أثق فيه

وانتي كمان ما تنزليش أي شغل مع حد مش محل ثقة، ولو مش واثقة فيا، تمام فهمت ردك بس أنا مش هضغط عليكي يا مي، عارف اللي مريتي بيه، ومقدر ده كله، لأنك شبهي للأسف. هسيب الأيام لتبتلك كده.

وانتي عارفة كويس اني عمري ما هفرض عليكي حاجة فوق إرادتك أنا مضطر أقفل دلوقتي عندي حالة مع السلامة.

أنهى المكالمة، والتى الهاتف بإهمال على الطاولة، لم تكن هناك أية حالة تنتظره كما ادعى أسند رأسه إلى المقعد وتمتم بصوت خافت كأنما يحدث روحه التائهة

كل ما المسافة تقرب تبعد وترجع من الصفر

ليه كل حاجة حلوة في حياتي لازم تيجي في الوقت الغلط.

مزريده على وجهه، يتنهد بعمق متمتقا:

طب يا مي... ابعدي، بس أنا مش هبعد.

في الجهة الأخرى.

مفضل موجود.... لحد ما تتأكدي إني مش شبهه، وإنك تستاهلي حد يحبك من غير ما يكسرك.

أغلقت في الهاتف وهي تتنفس بضيق، ما أثار دهشة والدتها التي دلفت إليها قائلة:

مالك يا مي ؟ كنت بتكلمي مين؟ ووشك مقلوب كده ليه ؟

هزت في رأسها نافية:

مفيش... ده مازن.... كان بيكلمني يشوف مجيتش ليه الشغل، وكان مضايق وأنا الصراحة، بعد تفكير طول الليل، مرضيتش أروح عشان ميتعشمش فيا أكثر. خلينا كده بعيد بعيد.

وبعدين إزاي بعد ما كان طبيبي، وحكيت له كل حاجة عني، أقدر أتعامل معاه ثاني لا لا... أنا کده صح انا مش بفكر في أي ارتباط خالص دلوقتي

ريدت نبيلة على يد ابنتها، تخفي ابتسامة داخلية على حيرتها، وقالت بصوت دافئ

- عموماً، صوابعك مش شبه بعض يا بنتي

فيه الأناني، وفيه البخيل، وفيه الكريم، والمريض، والصاحب، والزوج في نفس الوقت. ليه توقف على الوحش بس لما ممكن ربنا يبعت لنا الحلو بعد الفر؟

رينا بعد الابتلاء بيعوض، وعوضك هيكون خير أنا متفائلة.

سيبيها على الله انتي.

ونعم بالله يا أمي .... أنا راضية بنصيبي، الحمد لله، بس خايفة من التجربة ثاني.... خايفة من الفشل .....

فتحت الباب ببطء وأدلت برأسها إلى الداخل.

وجدته جالسا، وقد الشغل تماما بشاشة الحاسوب شعر بوجودها، لكنه لم يتحدث، فقط أشار

بیده مشيرا إليها بالدخول.

تعالى حبيبي، عايزة ايه؟

حفحمت بتوتر و جلست امامه تدرك تماما ما سيكون رده على ما تنوي طلبه.

- حبيبي، عايزة أتكلم معاك شوية.... وعارفة لما تدخل المكتب بتنشغل وقت طويل علي.

أغلق الحاسوب، وركز نظراته عليها بحدة:

ادخلي في الموضوع على طول، بلاش لف.

أخذت نفسا عميقا، تم زفرته، مستعدة لخوض هذه المعركة معه:

صراحة أنا زهقت من القعدة. أنت عارف ان شغلي كصحفية كان ايه بالنسبالي .....

ثاني اللي هنعيده نزيده؟

قاطعها بملل واضح.

یا عاصم، مش كل مرة تنهي النقاش بينا بالعصبية دي. بحاول أرجع لحياتي العملية وأشغل

امارس حياتي عادي وانزل الشغل، ليه الخوف بقى ؟

وقتي، بص، أنا مقدرة إنك خايف عليا اتعب ثاني، بس أحنا عملنا تحاليل، والدكتور أكد إني أقدر

نفخ بضيق، ولم يبد أي اهتمام، وكأنها لم تتحدث، فتح الحاسوب مجددا دون أن ينظر إليها.

استشاطت من بروده وتجاهله المستمر وهتفت غاضبة:

محتاجة أسلي وقتي يومي طويل، وانت دايما في الشركة طول النهار، وبالليل بتخلص شغل

في المكتب. أفهمني، أنا من حقي كمان أشتغل مش متعودة على القعدة كل ده.

مش فاكرة تعبتي ازاي ؟ بعد ما مي سابت الجريدة، والشغل تراكم عليكي ووقعتي مننا.

اسكني يا سيلا، هنزعل من بعض بجد.....

قالها بنيرة لا تحتمل أي نقاش، ثم التفت لبعض الأوراق أمامه.

ومين قال إلي متعب؟ دا شغل إداري مش سفر وإرهاق هقول لصاحب الجريدة مش مسافر. بليز وافق، محتاجة للشغل.

حرك رأسه بيأس من عنادها، ولم يرد فتوقفت بتدمن واضعة كلنا يديها على خصرها.

يكلمك على فكرة، ويتناقش معاك بلاش التجاهل دا معايا، وتبصر لي من تحت لتحت. مش كل مرة تنهي الموضوع دا على فاضي.....

أخرج أنفاشا متمهلة، وهو يتطلع إليها محدرات

أنتي ناوية على خناق، مش كده؟

لا مش كده بس ممكن تسمعني وتفهمني ؟ أنت من أول ما عرفتني وأنا بشتغل، مش حاجة

لسه مجربها وجديدة.

لانت ملامحه، فاسترسلت في حديثها وهي تمسك بكف يده بين راحتيها.

جلسا على الأريكة المقابلة للمكتب، واستمرت تخاطيه بنبرة مليئة بالمشاعر:

- عاصم، انت علمتني كل حاجة ما سيتنيش، وقفتني على رجلي بعد ما كنت فاقدة كل حاجة.

أنت الدعم والسند لحد دلوقتي، ومحتاجاك جنبي بجد.

الوحدة اللي بحس بيها صعبة لما تكون مش موجود، وانت غايب عني....

اه اوقات همس أختي بتزورني هي وولادها وييملوا عليا اليوم.

بس في الآخر بيمشوا، وبافضل توحدي... حاول تفهمني.

مديده ليعيد شعرها القصير متحدثا بنيرة عادلة:

- حبيبي، أنا مش عاوز أتعبك، ده أولاً.

وثانيا، وده الأهم، عاوز أرجع البيت الاقيكي قدامي

سواء في المطبخ واقفة تعمليلنا أكلة، أو قاعدة تتفرجي، أو نايمة.

لازم أشوفك أول ما أرجع.

لو اشتغلتي، وأنا بشتغل مش هنتقابل إلا في أوقات بسيطة جدا.

وممكن ما تشوفش بعض كمان

- عاصم، يجد عاوزة أشغل نفسي وأعمل حاجة.

طيب اقترحلي انت، أعمل ايه؟ الفراغ مموتني.

حاول أن يثنيها عن فكرتها، لكنه فشل، فاقترح أخيرا:

طيب ايه رأيك تيجي تشتغلي معايا ؟

طيب، وأنا أعمل ايه عندكم ؟

مش هفهم حاجة في شغلكم.... أنا وشركات السياحة والطيران

ابتسم، وقال بنبرة حاسمة :

من الآخر يا سيلا، مش هخليكي تشتغلي بعيد عني.

يا توافقي تكون سوا، يا تفضلي زي ما انتي كده.

خلاص خلاص... موافقة، المهم أنزل شغل

هتفت بفرحة قبل أن يغير رأيه، لم تمتمت بينها وبين نفسها:

انت اللي هتخسر بقرارك ده.....

انتبه عاصم إلى همساتها:

ها، بتقولي إيه يا حبيبتي ؟

لا أبدا، يقول موافقة طبقا ....

ماشي، حبيبتي بكره ننزل سوا وأعرفك على كل حاجة

توسطت بين ذراعيه و همست:

حاضر يا حبيبي، بحبك أوي....

حبات وجهها بين ذراعيه، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة.

وفي عقله، كانت تتوالى أفكار كثيرة .... لتطفيشها.

في الصباح، نهضا معا، وقاما بتجهيز نفسيهما، ثم تناولا الإفطار سويا.

حاول عاصم مجددا أن يثنيها عن فكرة العمل:

فهمت ما يرمي إليه، فأجابته بمشاكسة وهي تبتسم:

حبيبي ايه رأيك أحد أجازة أسبوع وتسافر أي مكان نغير جو؟ طالما حاسة يمثل وزهقانة.

- عاصم، أنا الشغل هو اللي هيطلعني من المود اللي فيه.

وبعدين، إنت مش حرمني من حاجة، ولسه جايين الشهر اللي فات من الغردقة.

أنا عاوزة أحس إني بعمل حاجة.

أكيد مش هكون زي زمان وشغل التنطيط من مكان للثاني،

يكفيني حتى إن يبقى ليا كيان واحس بالاستقلالية، وأعمل كاريزما لنفسي كدها

وبعدين أنا وافقت اشتغل معاك إيه رجعت في كلامك ؟

ضحك ساخرا وهو ينهض من على الكرسي:

ماشی با کارزم هانم قدامي .... هنتأخر على الشركة

داخل السيارة، كانت تتأمل الطريق وتحدثه بحماس:

ياه لو تخليني سكرتيرتك الخاصة!

أرتب المواعيد، وأرد على الاتصالات، واتعامل مع العملاء وكده....

أخفى ابتسامته خلف وجه جاد حتى لا تفضح نواياه

لا، إنني مكانتك أعظم من إنك تكوني سكرتيرة ... بس.

سيلا، وقد اشتعل حماسها:

طيب قولي، مشتغل إيه معاك؟

عاصم وهو يقود:

توصل يس، وهفهمك... هتنبسطي أوي.

بعد قليل، وصلا إلى الشركة.

لكن عاصم توقف أولا بمكتب السكرتارية، ثم طلب من سيلا أن تنتظره قليلاً في مكتبه حتى

يلحق بها.

وابتسامة عريضة على وجهه

بلغت سيلا إلى الداخل، وبعد دقائق قليلة، دخل هو الآخر

- عجبتك الشركة ؟

التفتت إليه بالبهار وابتسامة صادقة:

حلوة أوي أوي ومكتبك يجنن

رد بنظرات ماكرة وبنبرة والقة

- معمم.... ومكتبك هيعجبك أوووي، متأكد

كانت كلماته تنطق بتأكيد مبطن، لكنها لم تنتبه إليه.

بل صاحت بحماس و صفقت بيديها

- متحمسة أوي أشوفه!

عاصم مبتسقا:

أنا وضيت السكرتيرة، وشوية وهتدخل تاخدك وتروحي تشوفيه، وهي هتفهمك كل حاجة.

وقفت بجوار مكتبه وأسندت بدها إلى المقعد، تقترح:

طيب ما تخليني معاك هنا في نفس المكتب؟

أنا شايفة إنه كبير، بص دي....

وأشارت إلى الأريكة المقابلة لمكتبه)

ملهاش لازمة، نشيلها ......

قاطع حديثها طرقات على الباب، تبعها دخول السكرتيرة، فقال عاصم بحزم

- رضوى خدى الأستاذة سيلا ووربها مكتبها، وفهميها المطلوب بالضبط

ثم وجه حديثه السيلا:

روحي معاها، وشوية وهجيلك.

خرجت مع رضوی، وسارا معا نحو مكتبها .

لكن ما إن حلفت إلى الداخل، حتى وقفت مصدومة من موقعه، كان في آخر عمر جانبي، يكاد

يكون بعيدا عن كل شيء

وبدا كما لو كان قبوا تحت الأرض !

بدأت رضوى بشرح طبيعة عملها مبدنيا.

لكن سيلا لم تكن معها، ولم تسمع شيئا.

كانت نظراتها معلقة بالمكان

حتى غادرت رضوي دون أن تلاحظ تجاهل سيلا لها، ثم انفجرت في حديث مع نفسها غير.

مصدقة

ماشي يا عاصم

تجيبني في آخر مكان في الشركة ؟ ده تحت الأرض ده ولا ايه ؟

أعمل إيه في الأرشيف أنا بقى ده؟

ثم قلدت صوته ساخرة)

انتي مكانك أعظم من إنك تكوني سكرتيرتي.....

الأرشيف! آه لو شفتك دلوقتي....

وقفت ومربعة بديها، وزفرت بضيق.

حتى دلف إليها عاصم بوجه متصنع البراءة، يخفي ضحكة تفضحه

- حبيبي عجبك مكتبك ؟

تفاجأ بردها، إذ توقع أن ترفض.

لكنها واجهته ببرود يخفي بركانا بداخلها:

- تحفة يا حبيبي ... جميل ا ده فعلا أعظم من السكرتيرة ممكن بقى تسيبني أشتغل؟

ابتسم بثقة، وقال:

عايز اشوف شطارتك، اثبتي نفسك الأول هنا .....

صرخت بتحد وابتسامة عريضة

ماشي يا عاصم.... وأنا مركبة جدا!

غادر عاصم المكتب وقد أعطاها ظهره، قديت بقدميها على الأرض غاضبة، وجلست تتأمل

المكان الذي بدا ضيفا، يأخذ شكل حرف (L)، يضم ممرا حادا مليلا بالأرفف الثقيلة التي تكدست

عليها ملفات ورقية عديدة، وضعت كفيها على وجنتيها، ونفخت بضيق وهي تجلس على ما

يطلق عليه مكتبا، وهو بالكاد يكفيها.

قطع تذمرها رئيس الهاتف، فرفعت السماعة لتجد السكرتيرة على الخط، تخبرها بشيء، فردت

سيلا بدهشة:

لا، معملتش حاجة لسه!

قصدك أجمع ملفات اخر ثلاث سنين؟

طيب وليه ؟ مش دا شغل المحاسب برضه؟ يشوف كسب كم خلال المدة دي ؟

استمعت لردها، ثم تمتمت بفتور:

تمام حاضر....

أغلقت السماعة، لتبدأ في السباب الخافت تشتم حظها الذي أوقعها في هذا المأزق. كانت تهيئ

نفسها لنوع مختلف تماما من العمل.

"قال أعمل كاريزما انا كارزمتي ضاعت هنا بقيا

أنا أجمع وأحسب ليه ؟ سنين فاتوا مش خلصت وكسبوا ولا انتيلوا ؟ أنا مالي ؟!"

تمتمت في ضيق تنفخ بحدة وهي تبحث عن تلك الملفات، حتى جذبت ثلاث مجموعات منها أمامها، قلبت الأوراق واحدة تلو الأخرى، ولم تفهم شيئا مما تراه أغلقتهن بعنف، تم وضعت قدميها أعلى سطح المكتب، وأخذت تنظر لأعلى وتصفر بلا مبالاة.

في الجانب الآخر، كان عاصم يجلس في مكتبه، يتابعها من خلال الحاسوب أمامه، حيث تظهر له عبر الكاميرات، يتأمل ما تفعله من تذمر واضح قهقه بصوت عالي :

مجنونة يا سيلا....

ضحك طويلا حتى دمعت عيناه غير قادر على تمالك نفسه، وتذكر، في لحظة شرود، ما مرا به

سويا من وجع والم وخوف، وتلك الأيام التي تحملت فيها وحدها عبء المرض اللعين، قلت عزيمتها حينها، لكنها لم تستسلم، يحمد الله الآن على وجودها بجانبه لم تكن فقط زوجته بل كانت ابنته حبيبته صديقته، وشريكة حياته التي أعادته إلى النور بعد عتمة طويلة.

لم يكن يوما أنانيا، لكنه الآن لا يريد لها أن ترهق نفسها، يعلم كم حلمت بالأمومة، وكم تمنيا ذلك مقا بعد سبع سنوات من الزواج، وهو يدرك تماما كم تشعر بالوحدة بداخلها، لكن خوف عليها أكبر من كل أحلامها.

فاق من شروده حين لاحظ غيابها عن الكاميرا، جال بعينيه في الزاوية التي كانت بها، فلم يجدها، كاد أن يلتقط هاتفه ليطمئن عليها، لكنه فوجئ بمن يقتحم المكتب فجأة .....

كانت سيلا، وقد فقدت صبرها تماما، دفعت الباب دون استئذان، واقفة أمامه تنظر إليه بشراسة.

اه قاعد مرتاح طبقا، ومكيف ومروق، وسايبني تحت الأرض

ثم قلدت صوته بسخرية "هشغلك معايا، مكانك أعظم من السكرتارية !"

بقی کده یا عاصم ؟ دا مكاني عندك ؟!

تغير صوتها من الغضب إلى رجفة قريبة من البكاء، فتوقف عن الضحك واقترب منها بعينين

يغمرهما العتاب يحاول أن يخفي خوفه الشديد عليها.

لم يكن يريد سوى إبعادها عن المشقة، من دون أن يخبرها بما قاله الطبيب بشأن حالتها.

كان يعلم أنها ستغرق في الحزن، وقد قرر أن يلهو معها قليلا اليوم، لكن يبدو أن طفلته لم نصير....

- فعلا... مكانك أعظم عندي

مش مجرد أرشيف، ولا سكرتارية ... وأشار إلى صدره مكانك هنا ... وبس.

أنهى كلماته وهو يتأمل شفتيها، ثم الحتى يقبلها متذوقا رحيقها.

فتحت عينيها مذعورة، تحاول الابتعاد وقد أدركت أنهما في مكان العمل، لكنه لم يسمح لها.

ارتجفت وهي في أحضانه أنفاسه الساخنة تداعب عنقها.

اندمجت معه وتناسيا كل ما حولهما.

حتى ابتعدا قليلا، يلتقطان أنفاسهما،

وظل يتأمل عينيها، بينما عطت على شفتيها بحرج.

و همست بخفوت

في مكتب المدير، وقف عاصم أمامها بينما كانت هي تلتفت حولها يقلق، همست بصوت مرتجف

عاصم .... إحنا في الشركة، عيب كده .... حد ممكن يدخل!

رفع أحد حاجبيه في مكر وعيداه تتفحصان ملامحها بشغف

مش كل الناس زيك يا حبيبتي تدخل، دا مكتب المدير.....

بدت وكأنها تذكرت للتو الغرض الذي جاءت من أجله، ونظرت له بتوتر ممزوج بعتاب، كم هو ماكن يعرف كيف يشتت انتباهها

- ما تنسنيش اللي جايه عشانه با عاصم.... أنا مش هينفع هنا، أنا عايزة أرجع شغلي كصحفية، دا

مش مکانی....

اقترب منها خطوة، بينما تراجعت هي إلى أن التصقت بالحائط. قال بمكر، ونظراته لا تفارق عينيها:

- تصدقي ؟ كان عندك حق فعلاً إنك تشتغلي سكرتيرتي... إنني مكانك هنا فعلا....

الحتى برأسه وطبع على شفتيها قبلة صغيرة، أريكتها، فاندفعت بعناد بعدما أفلتت من بين ذراعيه

لا، أنا غيرت رأيي أنا كمان، ماله الأرشيف يقول أروح أكمل شغلي، لأحسن المدير عصبي... أنا ماشية، دا ما صدق دا ولا إيه....

كانت تخرج، لكنه سحبها إليه بذراعيه وأعادها إلى الداخل، وهو يضحك:

تعالي يا بت هنا رايحة فين؟ قولت خلاص هشيل الكتبة دي ملهاش لازمة .... خلاص.

هتفضلي هنا، في تكييف بقى معايا وكده.....

عمر لها بعينيه وأجلسها أمامه، ثم عاد إلى مقعده. نظرت له وقالت بصوت خافت:

- خلاص يا عاصم هرجع مكاني، مش عايزة اعطلك ....

لأنها انتي عطلتيني خلاص، أحلى عطلة دي ولا ايه.....

أحمر وجهها خجلا من تصرفاته، ومن نظراته التي لا تهدأ. ومن ابتساماته التي تعشقها ... كم تتمنى أن تسعده، بل وتحمل في أحشائها طفلا يشبهه.

ساد الصمت لحظات، تم يذد عاصم السكون بصوت جاد

سيلا اذا كنت بعكسك مش أكثر، لكن من بكرة هتلاقي مكتبك هنا معايا ... مقدرش تغيبي عن

عيني بعيد...

نظرت له باندهاش، وتساءلت:

يا سلام يعنى لو ماكنتش جيت وقلتلك كنت هتخليني هنا برده؟

ابتسم وطلب منها الاقتراب

- تعالي بصي كده.....

قلب شاشة الحاسوب إلى موقع الأرشيف، ثم قال:

أنا كنت شايفك من هنا، ومستنيكي تيجي... وأهو حصل.

ضحكت وهي تتذكر أيامهما الأولى:

أه منك لسه فيك الحركات دي برغم إنك تقاعدت عن شغلك خلاص ... فاكر يا عاصم لما هربتني من البلد؟ و خطفتني بره؟ وأنا أعمل كل مصبية والثانية، وتكشفني بسهولة؟ وأنا أبدا ما أتعلمش .... أو منك....

قهقهت وهي تردد الذكريات، لكن سرعان ما غير نبرته إلى الجدية:

سیلا، مش عايز افتكر الأمور دي... انا اتغيرت بسببك. كنتي المفتاح اللي فتح قلبي، ونور حياتي .... كانت لمسة منك كفيلة ترجع قلبي يبيض من جديد لما بفتكر اللي حصل، واللي عملته .... قلبي بيوجعني، بلاش یا سیلا....

همست، وقد بدا الندم على ملامحها:

أنا كنت عنيدة يا عاصم.... انت كنت بتحميني ماكنتش أعرف إني كنت مهددة فعلاً بالتصفية. ما استوعيتش وقتها .... كنت شايفة إنك شخص بيبعدني عن أعز صديقة ليا، فها جمتك. وعائدت... لكن انت كنت بتنفذ واحبك لحمايتي، إحنا عيشنا أوقات صعبة جدا، وعدينا كثير..... الحمد لله على كل حال مش قصدي أضايقك ولا أو جعك .....

تنهدت، وتابعت:

- عاصم، أنا عايزة أقولك ... إنك كل حاجة في حياتي، سندي وظهري .... بس لما شوفت الكاميرا دي، افتكرت أيام زمان واللي عشناه سوا... كنا قط وفار.....

نهض عاصم وهو يجمع أوراقه، ثم نظر لها قائلاً بابتسامة دافئة:

طيب بما انك طالبة ذكريات تعالي نروح مطعم تتغدي... أنا جعت، يلا بينا....

بعد قليل، جلسا يتناولان الطعام في هدوء، لكن نظرات العشق التي تبادلاها كانت تفضح ما تخفيه قلوبهما، لم تصدق سيلا أن كل ما مر بهما أصبح من الماضي، وكان حكايتهم لا تصدق. عشقهم لو روي تصنعوا منه كتابا وسموه "جمر الجليد، هو كالجليد، وهي الجمر... لكن الله وضع بذرة صغيرة في طريقهما، تحولت إلى نار عشق ولوعة لا تنطفئ.

لاحظ عاصم تغيرات غربية في ملامحها، فسأل بقلق:

- مالك يا سيلا؟

هتفت الأخرى بنفور مفاجئ من الطعام

- مش عارفة مش متقبلة الأكل... حاسة معدتي مقلوبة، أو هو زفر.

ذاق بعض اللقيمات من صحتها ذاته، وقال مطمئنا:

لا مش زفر خالص دا مطعم السمك اللي بتحييه، وذوقت الأكل، مفيش حاجة ... طيب اشربي سورية السي فود، جميلة.

لكنها أبعدت الطبق في ضيق

مش حلو يا عاصم قولت زفرا كل شوية معيد كلامي يعني ؟ أنا هستناك في العربية لحد ما تخلص

نهضت غاضبة، وتركت الطاولة مغادرة المكان دفتر عاصم من تصرفها المفاجئ، فقام سريعا.

دفع الحساب، ثم لحق بها. ركب السيارة، وأدار المفاتيح، وهتف بحدة:

- ممكن أعرف إيه اللي عملتيه جوه دا؟ أسميه ايه ؟

مش هكور كلام تاني الأكل وحش، قالتها وهي تنفخ بضيق

صاح بصوت عالي، وقد بدأ يفقد صبره:

- سيلا، إيه الجنان المفاجئ دا؟ شكلي دلعتك أوي

ادارت وجهها ناحية النافذة، تستنشق بعض الهواء الطبيعي، فمد يده وأغلقها مشغلا المكيف.

عائدته، ففتحت النافذة من جديد فزاد غيظه، وأغلقها مرة أخرى، وأعاد تشغيل المكيف نظرت

له من جانب عينيها، وأعادت فتح النافذة، فوقف بالسيارة جانبا، والتفت إليها قائلا:

بت مالك ؟ إيه الجنان دام عارفة يا سياد، لو شغل الجنان دا عشان أقولك مش ها خدك معايا الشغل تاني، ارجعي شغلك دا بعينك فتهدأ كده بدل ما أقولك مفيش نزول خالص، ماشي ؟!

كانت كلماته الأخيرة مصحوبة بنبرة غاضبة، كأنما فقد السيطرة على أعصابه، وفجأة، الفجرت سيلا في البكاء الخلع قلبه من هيئتها، وتنهد يضيق، يمرر أصابعه في شعره من توتره. هذا حاله

قليلا، ثم التفت نحوها بنبرة حانية:

- يا سيلا، ممكن أعرف مالك أنتي هتجننيني ما كنا حلوين الصبح ... تعالي.

ضفها إلى صدره، يمتد على ظهرها ليهدئ من روعها. تطلعت إليه من بين دموعها، وقد تذكرت موقفا قديما جمعهما في السيارة ذاتها، فابتسمت وسط بكانها وقالت:

فاكر با عاصم الظابط اللي قفشك في العربية، وقالك "رخصك فين ؟"، لما كنت معاك كده

برضه ؟ وقالك ذا فعل فاضح في الطريق العام .....

قها نهت بصوت عال وهي تبتعد عن احضانه، لا تزال تذكر الموقف، وتضحك رغم ما كانت تشعر به ضحك معها عاصم، متذكرا كيف أخرج كارنيه الخدمة الخاص به حينها، وسمح له الضابط بالمرور

أمسك بيافة فستانها مداعبا، وقال وهو يضحك:

يا بنت المجنونة، منين بتعيطي وبتضحكي؟

ضرب كله بكفه، وأدار المقود متجها إلى منزلهما. ساد الصمت بينهما، إذ لم يفهم بعد ما جرى. حتى وصلا

دخل إلى الغرفة أبدل ثيابه بشورت، تاركا جسده العلوي عاريا دخلت بعده وقد أخذت حماقا باردا ينعشها بعد يوم طويل لم تكن تفهم بعد ما يحدث لها، أرادت أن تبكي فيكت، والآن عليها النعاس بشدة، اقتربت منه وأسندت راسها على ذراعيه، فضمها إليه بحتان، وطبع قبلة على جبينها، لم تمر دقائق، وكانت قد غفت بين ذراعيه، فلم يتحق حتى أن يحادثها ....

في صباح اليوم الثاني، استيقظ مبكرا كعادته، وجدها لا تزال نائمة، اقترب منها ووضع قبلة لخفيفة على جبينها دون أن يوقظها. ثم دلف إلى الحمام، أخذ حماقا ياردا، وما أن خرج، حتى وجدها جالسة على الفراش، وآثار النوم ما زالت عالقة بجفتيها، تتأوب بكسل وهي تقول:

صباح الخير يا حبيبي، هقوم حالا البس.

رد عليها وهو يلتقط منشفة صغيرة

- خليكي كفلي نوم، وخدى أجازة النهارده ابدأي من بكرة لو حاسة إنك تعبانة.

نهضت على مهل واقتربت منه تعانقه وتهمس بدلال:

- لا لا، أنا لازم أنزل... أصل المدير بتاعي صعب خالص ومقدرش أغيب عنه، قصدي شغلي .....

غمرت بعينيها بعدما طبعت قبلة على وجنتيه، ثم توجهت إلى الحمام. تابعها ببصره وهو يحرك راسه في صمت، وكان لا حيلة له أمام مزاجها المتقلب.

داخل المكتب، كان قد جهز لها مكتبها الملحق بجانب مكتبه الخاص، وجلس منهمكا في إنهاء الأعمال المتراكمة، خاصة مع غياب كل من أخيه معتز، وابن عمه وليد. لم يلتفت لها كثيرا. فانشغل بمتابعة الكشوفات والمحاسبات التي لم تكن تفهم منها شيئا. مما دفعها للتأقف بصوت خافت.

أسندت ذراعيها على المكتب، ووضعت رأسها عليه، وغفت دون أن تشعر، من الوقت، وعندما انتبه لها، ابتسم تلقائيا على هيئتها. انهي ما بيده ثم نهض مقتربا منها، اعتدلت من نومتها. تناوب وهي تقول:

- خلصت؟ يلا بينا...

- يلا ليه حاسس إني جايب بنت أختي معايا ؟.... أووها مسكتك !!

اختل توازنها فجأة، فأمسك بها قبل أن تسقط، واستدها برفق حتى صعدت إلى السيارة، ما إن جلست حتى أرجعت المقعد إلى الوراء، وأكملت غفوتها.

مش عارف اذا شغل إيه دا بس.... ما كانت نامت في بيتها أربح، تمتم بها ساخرا وهو يقود السيارة في طريق العودة إلى المنزل.

في صباح اليوم الثالث استيقظ ولم يجدها إلى جواره أنهى حمامه، وارتدى ملابس أنيقة:

بنطال بيج، وقميص أبيض، ثم نثر عطره المفضل، وغادر الغرفة.

وجدها في المطبخ بكامل أناقتها، وقد حضرت الإفطار، استقبلته بابتسامة عريضة قائلة:

- صباح الخير يا حبيبي | شوفت النشاط ؟ صاحية قبلك، وجاهزة كمان

اه طبقا، حبيبتي نشيطة جدا، رد وهو يقترب منها يطبع قبلة على جبيتها.

تواني والقهوة تجهز ....

- خلي دادا سعاد تعملها، وتعالي نقطر سوا.

- ماشي.

داخل المكتب، جلست إلى جواره تتابع ما يقوم به تراقب الأوراق وتدقيقاته، فشرع يشرح لها خطوات عمله. وبإشرافه، بدأت في تنظيم بعض الملفات وترتيبها في أماكنها المخصصة.

الملف دا كمان، إحفظيه مع التاليين، وخلاص كده شغل النهاردة خفيف.

نهضت التحفظه، لكن فجأة، شعرت بدوار حاد تراخت قدماها حتى أصبحنا كالهلام، لم تسعفها يداها لتعيد المقعد فسقطت مغشيا عليها.

انتقض فرعا، وهرع نحوها، جانيا على ركبتيه، رفعها بين ذراعيه وأجلسها على المقعد محاولاً إفاقتها، يريت على وجنتيها بلطف وهو يهتف:

سيلا سيلا في إيه ؟ مالك؟ فوقي يا حبيبتي ....

لم ينتظر أكثر. حملها سريعا بين ذراعيه، وخرج بها راكضا خارج المكتب، ليقف موظفو الشركة مذهولين من المشهد الذي أمامهم.

فتح باب السيارة، أراحها على المقعد الخلفي، ثم قاد بسرعة جنونية نحو أقرب مشفى، وما إن وصل حتى تولى الطاقم الطبي أمرها، وتم نقلها إلى غرفة الفحص، بينما يقي هو بالخارج، يسير ذهابا وإيابا في الممر، أعصابه تالفة، يلوم نفسه على إنهاكها اليوم.

وبعد قليل، خرج الطبيب، فهرع إليه عاصم يسأله بلهفة:

مالها يا دكتور؟ طفني فاقت، صح ؟

اطمن هي بخير، علقنا لها محاليل، ضغطها كان واعلي شوية، وده سبب الإغماءة، بس هي محتاجة تغذية، عندها أنيميا، وده خطر على الجنين....

- تمام ممكن أن...

توقف فجأة، وكزر في ذهول:

قولت ايه؟ جنين ؟ متأكد يا دكتور ؟!!!

ايتسم الطبيب بهدوء:

- مبروك المدام حامل في ثلاث أسابيع زي ما قلتلك محتاجة تغذية كويسة جدا، عندها أنيميا. هسبب لك الروشتة فيها الفيتامينات اللازمة، وتتابع مع دكتور مختص من دلوقتي.

تركه الطبيب ودلف عاصم إلى الغرفة بخطوات متسارعة، فوجدها جالسة على السرير، تمسك بطنها، وعلى شفتيها ابتسامة رقيقة. اقترب منها واحتضنها بقوة، يقبل وجهها في كل موضع وهو يبكي بهمس بالحمد والشكر، بينما بادلته العناق، تبكى بدورها، شوقا وفرحا، طالما دعت الله في سجودها، أن يرزقها، وها هو قد استجاب، بعد سبع سنوات من الانتظار

جلس إلى جوارها، ومسح دموعها بأنامله، ثم أخذ يقبل كل دمعة تسيل منها بشغف وامتنان. يردد من قلبه:

- الحمد لله الحمد لله يا رب..... مش لاقي كلام أقوله، ألف حمد وشكر ليك يا رب.

نظرت إليه وهي تهمس بذهول:

- عاصم، أنا مش مصدقة .... أنا من يحلم، صح ؟

لا مش حلم. ومش عاوز أشوف دموعك الحمد لله ربنا رضانا، وكمان كام شهر، هييجي فرد جديد ينور حياتنا.

عشان كده كنت متقلبة اليومين اللي فاتوا جننتيني ... تضحكي، تعيطي، تنامي فجأة... أنا

شكيت فيكي.

يعني عايز تقول إلى مجنونة ؟

وأحلى مجنونة بحبك.....

انتهت حكاية مي ومعتز ماكنش فراقهم لحظة غضب، ولا قرار لحظي... كان نهاية طبيعية لحب

اتوجع واتكسر كثير

مي سامحته كتير وصبرت أكثر وشالت فوق طاقتها سنين.

كانت بتشوفه بعين القلب حتى وهو عاجز، فمستحيل كانت هتتخلى عنه وهو مريض.

المشكلة كانت في تفكيره، في أنانيته.

هو اختار نفسه، ومي أخيرا اختارت نفسها.

دلوقتی می مش مستعدة تبدأ من جديد.

مش علشان قلبها انقفل، لكن علشان لسه بتجمع شتاتها.

يتقفل كل باب قديم، ويتلم جراحها واحدة واحدة.

الحب ما ينفعش يدخل قلب مكسور، ولا طريق يتبني على أرض لسه بنهتز.

لما تبقى مي قوية تاني، لما تحس انها فعلاً استردت نفسها.

ساعتها بس ممكن تفكر تفتح باب جديد....

لكن لحد اللحظة دي حكايتها مع معتز انتهت.... وبكرامتها .

بعض القلوب يربطها رباط قوي ومتين، لا يستطيع أحد كسره، وإن ارتخى أحد طرفيه، أمسك

الطرف الآخر به بشدة حتى النهاية. فحبهم هو أقوى ما يجمعهم، مثل عاصم وسيلا.

ورغم توفر المادة، إلا أن بعض النواقص في حياتهما لم تكتمل، لكن رباط الحب ظل أقوى.

وهناك من تفرقوا، لأن الرباط بينهم كان هذا وضعيفًا، وأنانية أحدهم مزقته بيديه، ثم ندم على ما اقترفه ... كما فعل معتز مع زوجته.

وآخرون. ينعمون ببعض الاستقرار والأمان، مثل همسة ووليد فمركبهم تسير بهدوء وسط بحار الحياة.


تمت بحمد الله
تعليقات