رواية نداهة السيالة الفصل الثاني بقلم أندرو شريف
بعد ثواني، رجعت الدنيا تنور من تاني لما سمعت صوت الباب بيفتح، وفي ايد بتمسكني من دراعي:
-ايهاب باشا، انت كويس؟.. مالك مهبط كده ليه؟
في اللحظة دي دماغي كانت تقيلة وحاسس بدوخة حواليا، لكن شوية شوية بدأت اهدى وفتحت عينيا، بصيت حواليا، شوفت خليفة واقف قدامي ووراه كام عسكري، واضح على وشهم القلق والتوتر.
-انا كويس مافيش حاجة، شوية تعب وراحوا لحالهم.
رد عليا خليفة بخوف:
-متأكد يا باشا؟؟.. لو في حاجة قول وناخدك على اقرب مستشفى.
-مافيش حاجة يا خليفة قولت، ويلا.. كل واحد يروح يشوف شغله، احنا عندنا كلام مهم ومحتاجين نتكلم فيه هنا.
العساكر طلعوا برة الأوضة وأخر واحد قفل الباب وراه، ارتاحت في قعدتي وطلعت سيجارة ولعتها وخدت منها نفس وخرجته وانا بكلم خليفة:
-ها يا خليفة، ايه الجديد؟
-بس انا ماقولتلكش اني جاي اقولك حاجة!
رديت عليه بتوتر:
-يعني هتكون جايلي ليه، ما أكيد في جديد في قضية هشام.
-بس احنا عندنا قواضي كتير غير قضية هشام.
-خليفة، قول اللي عندك من غير اسئلة كتير، مش فزورة هي، هيكون عفريت قالي اللي هيحصل يعني.
-لا.. عفريت ايه يا باشا، احنا بتوع الكلام ده، بس عامة انا جاي اقولك ان واحنا بنمشط المنطقة، لقينا اتنين بيرموا شوال في البحر، وفي اشتباه ان اللي جوة الشوال جثة، وخلاص، احنا قبضنا عليهم وهم موجودين برة.
انت مستني ايه، ماتدخلهملي.
-الصبر يا باشا، انا ماقولتش كل حاجة لسه، أصل احنا بعد ما شوفنا المكالمات اللي على موبايل هشام، لقينا المعلم حمتو اتصل بيه كذا مرة في نفس اليوم اللي اختفى فيه، وده تاجر كبير وله في أي حاجة، ده غير انه بيتجوز في السنة بدل الواحدة اربعة، كإنه بيغير عربيته بالظبط.
-انت تقصد يعني ان الرجالة اللي برة دي تبقى رجالة حمتو؟!
-الله ينور يا باشا، وبكده يبقى الموضوع مش سهل، وشكل الحكاية فيها حكاية تانية، لإن المكان اللي اترمت فيه الجثة، كان قريب من المكان اللي اتلقى فيه الموبايل، يعني ااا...
-يعني تدخلهملي حالا يا خليفة... حالا.
-لحظات ويبقوا قدامك يا باشا.
خرج خليفة وبعد كده دخلوا اتنين رجالة، شكلهم سوابق ولبسهم مهلهل، واحد منهم كان واضح عليه التوتر، والتاني ثابت كإنه ماعملش حاجة، وبمجرد دخولهم، قربت منهم وانا بقولهم:
-ها.. احكولي الموضوع من الأول.
رد عليا التاني اللي كان ثابت:
-احنا ماعملناش حاجة يا باشا.
لما قال كده، رد عليه زميله بتوتر:
-ماعملناش ايه يا جمعة، احنا اتقبض علينا واحنا بنعمل عملتنا، احنا روحنا في داهية يا جمعة.
-ماتهدى ياض يا خرع وامسك نفسك شوية، انا ماعملتش حاجة يا ابن فاطمة، ولو عايز تشيل الشيلة، شيلها انت.
قاطعته بعصبية:
-ما تنطق يا روح امك منك له، الجثة دي تخص مين وعملتوا كده ليه؟
رد عليا جمعة بنفس الثبات:
-والله يا باشا ما اعرف، احنا كنا بنرمي شوال زبالة في البحر ورجالتك قالوا انها جثة.
-اه.. وانا المفروض اصدق بقى، صح كده؟
-والله يا باشا لو مش مصدق روح اسأل البحر، انا راجل ماشي في السليم وبتاع ربنا، جثث ايه بس اللي ارميها.
-اااه، ده انت شكلك عايز العلقة التمام عشان تنطق؟
-ربنا هو اللي هيجبلي حقي بقى يا باشا، انا راجل غلبان وانتوا هتفتروا عليه.
ابن فاطمة اتدخل في الحوار وهو خايف:
-لا يا باشا، علقة ايه اللي اخدها، انا اصلا ماكنتش عايز اعمل الحوار ده من الأول، ولولا اني عارف المعلم وقلبته، ماكنتش حطيت نفسي في الموقف ده.
-اهو كده الكلام يا ابن...
-محسوبك حسنين يا باشا، حسنين الجزيري.
-طيب قولي يا حسنين، ايه الحكاية؟
قاطعنا جمعة وهو متعصب:
-انت هتقول ايه الله يخربيت امك؟.. عايز تلبسنا في حوار ماحصلش، ما تمسك نفسك بدل ما اعجنك دلوقتي، بقولك ايه يا باشا، انا ماعرفوش، واللي هيقوله ده يخصه هو لوحده، مايخصنيش.
-والا.. اظبط كده بدل ما اظبطك، وانت يا حسنين، احكيلي الحوار وماتخافش، انت في حمى الحكومة.
هز راسه ورد عليا وهو بيبص لجمعة بطرف عينه من الخوف:
-هقول يا باشا، وماقولش ليه يعني؟.. اه، الموضوع وما فيه ان راجل من رجالة المعلم حمتو خالف أوامره، وف عُرف الشغلانة، العصيان بموتة، وده اللي حصل، المعلم قتل الواد وقالنا نرميه في البحر.. انا خوفت في الأول والله، بس انا عندي عيال، ولو عصيت أمره هترمي معاه، فـ وافقت مُجبر، وعشان اللي اتعمل غلط، اتقبض علينا وادينا واقفين قدامك دلوقتي يا باشا، لكن والله انا ما قتلت، انا نفذت اللي اتقالي خوفا على نفسي مش اكتر.
-واللي اتقتل ده يبقى هشام المليجي.. مش كده؟
بصوا لبعض بـ استغراب، وبعد لحظات من الصمت حسنين قالي:
-هشام المليجي ايه يا باشا؟.. ده الواد ابو العلا، ابن صباح الخدامة، لكن هشام ااا.
قاطعه جمعة وهو متعصب:
-ما تسكت بببقى، اسكت، انت عايز تودي نفسك في داهية وخلاص، اسكت بدل ما انت عمال تخطرف بالكلام وهتندم بعدين.
رديت عليا وانا متعصب:
-انت بتهدده وانت واقف قدامي يا روح امك؟
-لا يا باشا، اهدده ايه بس، انا راجل غلبان وبجري على كوم لحم، وهو عبيط في دماغه و مش عارف بيقول ايه، بس لو هتاخدوا على كلام واحد عبيط يبقى برة عني، انا جيت ارمي شوال زبالة لقيت الحكومة بتقبض عليا، بس.. بس قولي يا باشا، عقوبة رمي شوال الزبالة كام يوم؟
-انت هتهزر ياض يا ابن ال...
-الا الأم والأب يا باشا، دول نعمة كبيرة ومانقدرش نغلط فيهم.
-وانت مقدر النعمة دي؟
-اهو بنحاول، وربك شايف وعارف.
-قديم اوي الكلام ده يا جمعة، بس هسيبك تعيش عليه شوية، وانت يا حسنين، كمل.. قولي اللي تعرفه وماتخافش.
-هقول يا باشا، الموضوع وما فيه ان المعلم حمتو بيتجوز في السنة طقم حريم، والسنة اللي بعدها بيطلقهم وبيتجوز غيرهم، وكله بالغصب والإكراه، بس حظه وقع في البت كوريا، اللي لما شافها في الحتة عينه زغللت بيها وقرر يتجوزها، هي اه رفضت في الأول، بس الفلوس والخوف بيعموا، وحصل، اتجوزها والسر اللي كانت دفناه اتفضح، وده لما عيل من عيال المعلم سمعها بتكلم واحد تاني، وعشان المعلم كان جايب لكل واحدة من حريمه خط وتيلفون، عرف هي بتكلم مين، ووقتها خد منها التليفون وحبسها في اوضة ضلمة، وحاول يتصل بهشام كتير بس ماكنش بيرد، وبكده ماكنش قدامه غير انه يكلم حد من رجالته عشان يجيب هشام، بشرط، انه يبقى حي وبشوكه.
-وطبعا مالاقوش هشام.
-بالظبط يا باشا، كان فص ملح وداب ومابقالوش أي أثر.
-واللا.. انت تعرف لو كنت بتكدب عليا هعمل فيك ايه؟
-اللي تعمله يا باشا، انا مابقتش خايف من حاجة غير من ربنا، وبعدين هي كده كده نهايتي قربت.
حسنين خلص كلامه وطلعت سيجارة من العلبة، بعدها أمرت بتحويلهم على النيابة وناديت على العسكري اللي خدهم من قدامي وكلمت خليفة، قولتله يطلع أمر بضبط واحضار حمتو وبسرعة.. لكن انا.. انا من التعب رجعت البيت نمت شوية، وبعد ما صحيت وفوقت تاني يوم، روحت القسم، دخلت مكتبي وقعدت وسرحت شوية في القضية لحد ما حمتو وصل، وبعد وصوله، قعد قدامي وكان واضح على وشة علامات الثقة:
-انت عارف ان رجالتك قالوا عليك كل حاجة؟
رد عليا وهو بيضحك ضحكة بايخة بصوته التخين:
-والله يا باشا انا ماعرفش انت بتقول ايه، ولو على حسنين، ده عبيط، شغلته معايا عشان مش لاقي ياكل، وادي أخرت اللي يعطف على عالم جعانة.
-بس انا مش حسنين، وفاهم وعارف كويس اللي فيها.
-طب رسيني على اللي فيها، أصل بعدم اللامؤخذة الكلام مش واضح، وانا راجل متجوز، والبت كوريا عايزه تاكل أكلة سمك حرشة النهاردة، وبعيد عنك بقى، انا مابقدرش ارفضلها طلب.
-وكوريا بقى قالتلك ايه على علاقتها مع هشام؟
-هشام المليجي ده ماضي عند كوريا واتنسى، وانا قولت اتصل بيه عشان أرسيه وأفهمه انها دلوقتي ست متجوزة وعلى ذمة راجل، ومش أي راجل، ده المعلم حمتو، اللي اسكندرية تمًا بتتكلم عنه.
-وانت بقى لما لقيته مش بيرد، قتلته، مش كده؟
-لأ، انل ماكنتش هتصل لو كنت ناويله على شر.
-طب والشوال، كان فاضي.. ولا ايه الكلام؟
-دي حاجة تسألهم هم فيها، اما انا، برة عني الكلام ده، اصلي مش ابوهم ولا ولي أمرهم.. حاجة تانية يا باشا؟
-لا يا حمتو، بس افتكر اننا هنعوزك تاني، والمرة الجاية هتكون ورا الحديد.
قام من مكانه وهو بيرد عليا:
-ربنا ما يجيب حديد يا باشا، استأذن أنا.
-ماشي...
سيبته يمشي عشان مافيش دليل واحد عليه، خاصة ان ماحدش شاف الشوال ده جواه ايه، لا زكمان احنا ماقدرناش نجيبه من البحر مرة تانية، أصل الموج كان عالي واللي بيترمي مابيرجعش، حتى الشهادة، كانت كلمة لكلمة، من حسنين لجمعة، ومش بعيد جمعة يخرج منها زي الشعرة من العجينة.. ومع تفكيري في كل ده، قطع التفكير صوت رنة تليفوني، مسكته وبصيت فيه وعرفت ان اللي بيتصل كان خليفة، فرديت عليه، بس قبل ما انطق اتكلم هو وقالي:
-سميرة عاملة مشاكل يا باشا ومخليانا مش عارفين نشوف شغلنا.
-ايه اللي حصل تاني؟.. انا فيا اللي مكفيني.
-ماشية على البحر وعمالة تقول النداهة ندهت جوزي، وواضح كده ان برج من عقلها طار، خاصة بعد اللي حصل لجوزها.
-والله انا مابقتش فاهم مين اللي برج من عقله طار، بس ماشي، انا عايزها على مكتبي حالا يا خليفة، خلينا نخلص من القضية المعقربة دي.
-وحمتو يا باشا؟.. ايه اللي حصله؟
-هيحصله ايه يعني؟.. ماهو مافيش دليل واحد عليه، واللي شهد ضده، التاني بيقول عكس كلامه، واحنا مش بناخد اللي على مزاجنا يا خليفة، لازم دليل، والدليل في البحر دلوقتي.
-تمام يا باشا، أنا هجيب أمر بـ استدعاء سميرة وهتكون على مكتبك حالا.
قفلت مع خليفة وريحت ضهري على الكرسي، بصيت للسقف وانا بقول لنفسي(ماهو ده اللي كان ناقص، العفاريت كمان بقت بتخش في شغلنا، بس لأ، حمتو ورا كل اللي بيحصل، واكيد فيه دليل، والدليل ده هيظهر لما نكثف المراقبة عليه، ووقتها بس هيقع في أي غلطة تكشفه)...
