رواية غلط غير مقصود الفصل الثاني بقلم الاء محمد حجازي
أنا بحبك يا يارا، وعايز رد منك… دلوقتي، علي علقتنا دي؟
— إنت بتقول إيه يا عبد الرحمن؟!
صوتي طلع عالي من غير ما أحس، وقلبي كان بيدق بسرعة تخوّف.
— إنت عارف إن إحنا…
سكت لحظة، وبعدين كملت وأنا بحاول أتماسك:
— إحنا أخوات.
وبعدين أنا مخطوبة!
جت ضحكته خفيفة، مش سخرية، قد ما كانت وجع.
وقال بهدوء غريب:
— يارا…
إحنا مش هنضحك على بعض.
شدّدت على الفون في إيدي.
نفسي يتقال إنه غلطان.
نفسي أصدّق إن اللي في دماغه وهم.
كمل وهو صوته ثابت أكتر مما توقعت:
— إنتِ بتحبيني.
زي ما أنا بحبك.
لا.
قاطعتُه بسرعة، كأني بخاف أسمع باقي الكلام.
— لا، إنت أكيد فهمت غلط.
أنا… أنا…
ماعرفتش أكمّل.
قالها بهدوء قاتل:
— لا، أنا مش فاهم غلط.
أنا عارف.
سكت ثانية، وبعدين كمل وكأنه بيعدّ عليّ كل حاجة كنت بحاول أنكرها:
— نظراتك ليا.
هزارك معايا.
كلامك.
اهتمامك.
خوفك عليّ.
كل كلمة كانت بتشدني من مكان، وتفضح حاجة كنت مستخباها حتى عن نفسي.
— كل ده يا يارا بيأكد إنك بتحبيني…
زي ما أنا ما بحبك.
هزّيت راسي لا إراديًا، حتى وهو مش شايفني.
— لا…
إنت غلطان.
ردّ بسرعة، بنبرة واثقة أكتر من اللازم:
— لأ.
أنا عمري ما كنت متأكد من حاجة قد كده.
سكت لحظة، قبل ما يقول الجملة اللي خوفتني بجد:
— سيبي أحمد.
اتنفضت.
— عبد الرحمن!
بس هو كمل، من غير ما يديني فرصة أهرب:
— سيبيه، وأنا هاجي لك.
ومش هسيبك لحظة.
القرار دلوقتي في إيديك.
صوته واطي، بس واضح، حاسم:
— صدقيني…
أنا عمري ما هبعد عنك.
أنا بحبك.
وعايزك.
سكتّ.
ما رديتش عليه.
السكوت طال.
ثواني… وبعدين ثواني أطول.
سمعته يتنفس في التليفون، وبعدين قال بصوت واطي، فيه نبرة انتصار خفية:
— أفهم من كده إن السكوت… علامة الرضا؟
ما جاوبتش.
ولا قلت آه، ولا قلت لأ.
وقتها ما كنتش عارفة إن السكوت أوقات بيبقى أخطر من أي كلمة.
وما كنتش عارفة إن اللحظة دي بالذات…
كانت بداية كل حاجة وحشة حصلت لي في حياتي.
من بعدها، حياتي اتقلبت ١٨٠ درجة.
حرفيًا.
يمكن ذنب أحمد؟
بروده؟ إهماله؟ قسوته في أوقات أنا كنت محتاجة حضن مش نقاش؟
أو يمكن الذنب ذنبي أنا.
ويمكن…
أنا استاهل اللي حصلي.
عدّت تلت شهور.
وأنا ببعد عن أحمد أكتر وأكتر.
المسافة بينا كانت بتكبر من غير خناقات، من غير صوت عالي، بس ببرود قاتل.
وفي نفس الوقت…
كنت بقرب من عبد الرحمن أكتر وأكتر.
بقى جزء من يومي.
من تفاصيله.
من تفكيري.
لدرجة إني لما نعمل أكل في البيت، كنت أسيب جزء على جنب ليه.
ألفه في علبة، وأستناه.
ولما أجيب شوكولاتة أو فاكهة، كنت أفتكر هو بيحب إيه.
وأخد له.
حتى الفلوس…
هو ما كانش بيطلبها صراحة.
عمره ما قال: اديني فلوس.
بس كان يقولها كده، بعفوية:
— أنا محتاج كارت شحن.
محتاج أشتري حاجة.
وأنا…
كنت بجيب.
وأعمل.
ومن غير ما أفكر.
كنت بحس إني بعمل حاجة حلوة.
إني واقفة جنبه.
إني بعوّضه عن ضعفه، عن وجعه، عن الدنيا اللي كانت قاسية عليه.
لحد ما بقيت مش شايفة غيره.
ولا سامعة غير صوته.
وفي يوم…
رجعت من الشغل متأخرة، تعبانة، ومخنوقة.
فتحت باب البيت، ولسه بدخل…
لقيت أحمد قاعد.
مستني.
رفعت عيني عليه…
وشفت نظرة في عينيه.
نظرة عمري في حياتي ما شفتها.
بصّيت له باستغراب مصطنع، وحاولت أثبّت صوتي:
— خير يا أحمد؟
غريبة… أول مرة تيجيلي وإنا في الشغل.
ما ردّش على سؤالي.
كان واقف قدامي، ضهره مستقيم، ووشه جامد زيادة عن اللزوم.
وبصلي نظرة خوفتني.
قال بهدوء يخوّف أكتر من الزعيق:
— يارا، أنا هسألك سؤال…
وقف شوية، وكمل وهو مركز في عيني:
— وتردي عليا بصراحة.
قلبي وقع.
— سؤال إيه؟
قالها مرة واحدة، من غير لف ولا دوران:
— إنتِ بتخونيني؟
اتلخبطت.
اتوترت.
إيدي بردت.
— إيه؟!
ضحكت ضحكة مش في محلها، وأنا بحاول أهرب:
— إنت بتقول إيه يا أحمد؟
بخونك مرة واحدة؟
بطل هبل والنبي!
بس هو ما اتحركش.
ولا حتى غمض.
قال بثبات موجع:
— أيوه.
أسمي إيه إنك على طول بعيدة عني؟
أسمي إيه إنك بتكلمي عبد الرحمن… صاحب أخوكي؟
قاطعته بسرعة:
— عبد الرحمن؟!
ده صاحب أخويا، وزي أخويا بالظبط؟
قال وهو بيقرب خطوة:
— وأنا مش بقول كده من فراغ.
الناس في الشغل كلها…
مفيش سيرة غير عنكم إنتوا الاتنين.
حسيت الدنيا بتلف.
بدأت أطلع مبررات تافهة، وأنا عارفة إنها ضعيفة:
— كلام ناس يا أحمد.
وأنا أصلًا الفترة دي مضغوطة.
وبعدين ده شغل، وكلام، مفيش حاجة غلط.
سكت شوية، وبعدين قلت وأنا بحاول أتمسك بأي حاجة:
— على العموم…
أي حاجة إنت عايزها، أنا هعملهالك.
بصلي نظرة طويلة، وبصوت مبحوح قال:
— عايزة إيه؟
طلعت الكلمة من بقي تقيلة، بس طلعت:
— عايزة…
بلعت ريقي.
— عايزة كل واحد فينا يروح لحاله.
كأن الكلمة خبطت فيه.
سكت ثواني.
وبعدين قال بهدوء مكسور:
— الظاهر…
مفيش حل غير كده.
مدّ إيده.
وقلع الدبلة.
حطها على الترابيزة.
ولف ومشي.
أول ما الباب اتقفل وراه، حسيت كل حاجة بقت ضدي.
الحيطان قربت.
الهوا اختفى.
حسيت إن في حتة من قلبي…
مشيت معاه.
قعدت على الأرض، وأنا مش فاهمة نفسي.
مش عارفة أنا عايزة إيه.
أحمد؟
ولا عبد الرحمن؟
يمكن كنت محتاجة حنية أحمد.
الحنية اللي افتقدتها بقالها كتير.
أكتر شخص كان بيحبني.
كان بيحتويني.
كان أحن عليّ من نفسي.
بس الفترة الأخيرة؟
كان متغير جامد.
وفجأة…
قلم.
قلم نزل على وشي.
قلم جامد.
رفعت وشي وأنا مش مصدقة.
بابا.
بابا اللي عمره في حياته ما ضربني.
قال بصوت مكسور وغضبان في نفس الوقت:
— يا خسارة تربيتي فيك.
دموعي نزلت من غير صوت.
كمل وهو بيبصلي بقرف ووجع:
— اللي إنتِ عملتيه ده غلط.
ولو فعلًا ما كنتيش عايزة أحمد، كنتي تبعدي عنه من غير قرف.
وحتى لو قررتِ تكلمي حد…
كنتي تختاري حد نضيف.
قرب أكتر وقال:
— تجيبي واحد بيشرب حشيش وسجاير، وبيكلم بنات؟
— يا شيخة اختاري حد نضيف!
صوته علي:
— الراجل النضيف عمره ما كان يكلمك وهو عارف إنك مخطوبة.
وده عمل كده وهو عارف.
سكت شوية، وبعدين قال بحسم:
— على العموم…
— إنتِ خسرتي أحمد.
وخسرتي معاه كل حاجة حلوة.
لف، وبعدين وقف وقال:
— فين تليفونك؟
قلت بصوت واطي:
— اهو…
مدّ إيده، خدّه،
ومشي.
وسابني واقفة…
لوحدي.
-------------------------
الأيام اللي بعد كده…
ما بقتش حلوة خالص.
بابا منعني من الشغل.
وأخد مني التليفون.
مرة واحدة اتقطعت عن الدنيا كلها.
كنت قاعدة في البيت، بس حاسة إني محبوسة جوا نفسي.
مش عارفة أوصل لعبد الرحمن،
ولا حتى أعرف هو فين، بيعمل إيه،
ولا ليه ساكت.
كان واحشني.
وحشني بشكل وجعني وأنا مش قادرة أعترف بده لحد.
عدّى شهر بالظبط.
شهر تقيل، طويل، كل يوم فيه شبه اللي قبله.
لحد ما بابا وافق إني أرجع الشغل.
رجعت…
بس رجعت وكل حاجة متغيّرة.
عبد الرحمن ما بقاش عبد الرحمن اللي أعرفه.
معاملته معايا كانت غريبة، باردة، قاسية.
ما بقاش فيه اهتمام، ولا خوف، ولا حتى ود.
كنت متعودة إنه يطلب مني فلوس.
كنت بعمل كده من غير ما أفكر.
بس لما بطّلت،
ولما كنت أتهرب في الكلام،
بقينا نتخانق.
خناقات كتير.
على ولا حاجة.
وفي مرة، وسط خناقة سخيفة،
سمعته بيقول:
— حسبي الله ونعم الوكيل فيك.
سكتّ.
بس هو كمل، من غير ما يرحم:
— إنتِ إنسانة زبالة.
فضلت باصة في الأرض.
مش فاهمة.
مش عارفة ليه قال كده.
ولا ليه بقى كده.
وده فضل الحال بينا فترة طويلة.
أنا أقدّم له كل الحلو.
وهو يقدّم لي كل الوحش.
طريقة كلامه بقت قرف.
شتيمة.
أسلوب مهين.
دخل يكلمني في يوم، وأنا فاكرة إنه جاي يصلّح حاجة.
قال لي بكل برود:
— يارا، أنا مش عايز أعرفك تاني.
أنا ندمت على الفترة اللي عرفتك فيها.
قفلت الشات.
وقعدت أعيّط.
ساعتها…
أنا كمان كنت ندمت.
بجد.
ندمت إني عرفته.
لأنه شخص خد مني كل حاجة.
خد وقتي.
طاقتي.
مجهودي.
خد حاجات مش ليه، ومش من حقه.
حتى قلبي…
خده.
وما سابليش ولا حاجة واحدة أتهنى بيها.
أنا مش مسامحاه.
ولا عمري هسامحه.
عشت فترة صعبة جدًا.
أهلي بقوا يشكّوا فيا.
إخواتي بقوا يبصولي بنظرة غريبة.
ضميري كان بياكلني حتة حتة.
وقرفي من نفسي كان أقسى من أي كلام.
كنت بموت بالبطيء.
كل يوم أقل من اللي قبله.
فكرت أنتحر.
أيوه… فكرت.
بس كنت بسأل نفسي:
هقابل ربنا إزاي؟
عبد الرحمن…
أنا مش مسامحاه.
مش مسامحاه بجد.
وحتى أحمد…
أنا زعلانة عشانه.
يمكن كل اللي حصلي ده، كان علشان أحمد.
علشان اللي عملته فيه.
واول لما ابتديت أتعافى.
لسه بحاول أقف على رجلي.
في وقت ما كنت بحاول أتنفس فيه…
جالي الخبر اللي صدمني.
