رواية عشقت محتالة الفصل الثاني 2 بقلم سلمي جاد


 رواية عشقت محتالة الفصل الثاني 

— "ياسمين مين؟ أنا اسمي جميلة.. إنت مين يا بيه؟ وعايز مني إيه؟"

أدهم ابتسم ،وقال بلهفة:
— "أنا أخوكي يا ياسمين.. أنا أدهم."

— قولتلك أنا اسمى جميله ومليش اخوات انا ابويا وامي ماتوا من زمان ومسابوليش اخوات

على بجديه:"طيب ممكن يا انسه جميله ندخل وهتفهمى كل حاجه ."
جميله بصتلهم بتمثيل التردد لكنها هزت راسها بموافقه.

بعد شويه ..

أدهم كان قاعد قدامها على الكرسي الخشبي المتهالك اللي في الصالة، وعينيه مش مفارقة وشها.. حاسس ببركان مشاعر جواه، الفرحة بإنها قدامه، والوجع على الحالة اللي هي فيها.

جميلة رفعت راسها ببطء من بين إيديها، وعينيها كانت حمراء من كتر العياط المزيف، وبصت له بنظرة تايهة وقالت بصوت مبحوح:
— "يعني إيه؟ يعني السنين دي كلها كنت عايشة في كذبة؟ الناس اللي شلت اسمهم وحبيتهم ودفنتهم بإيدي مطلعوش أهلي؟ وأنت.. أنت جاي دلوقتي تقول لي إنك أخويا؟ أنت كنت فين يا أدهم بيه وأنا بترمى في الشارع عشان مش لاقية أدفع إيجار الشقة دي؟ كنت فين وأنا بجوع بالأيام ومحدش بيسمي عليا؟"

أدهم غمض عينيه بوجع حقيقي، كلامها نزل على قلبه زي السكاكين.. مكنش يعرف إنها شافت كل ده، كان فاكر إن العيلة اللي خدوها حافظوا عليها. قام وقف وقرب منها وقال بنبره خشنه متلقش أبدًا على كلامه الحنين

— "والله ما بطلت أدور عليكي.. كنت بقلب مصر حتة حتة،دورت في كل السجلات.. حقك عليا، أنا عارف إن مفيش كلام يعوضك، بس أوعدك إن من اللحظة دي مفيش دمعة واحدة هتنزل من عينيكي تاني."

جميلة في سرها: "يا حلاوة! ده طلع حنين أوي، والتمثيلية ماشية زي السكينة في الحلاوة.. بس لازم أتقل عليه شوية عشان ميشكش."

مسحت دموعها بظهر إيدها زي الأطفال ،وقالت بتمرد:
— "أنا مش عايزة وعود.. أنا مش عارفاك، ومش متعودة أخد حاجة من حد.. سيبني في حالي يا بيه، أنا خلاص اتعودت على عيشتي كده."

أدهم بص في عينيها بتصميم ونظرة مش مفهومة، مزيج بين الحنية وبين السيطرة اللي متعود عليها:
— "مش بمزاجك يا ياسمين.. أنا ملقيتكيش عشان أسيبك تاني. أنتِ هتيجي معايا دلوقتي، هتعيشي معايا في القصر اللي كان لازم تكبري فيه."

وقبل ما جميلة تنطق، كمل أدهم ببرود وثبات وهو بيحط النقط على الحروف:
— "طبعاً لازم إجراءاتنا تكون رسمية، وعشان قلبي يطمن وعقلي يرتاح، أول ما نوصل هنعمل تحليل DNA.. ولحد ما النتيجة تظهر، مش هسمحلك تغيبي عن عيني ثانية واحدة، ولا هقبل إنك تقعدي في مكان زي ده يوم كمان."

نادى بصوته الجوهري اللي هز جدران الشقة: "علي!"

علي دخل فوراً: "تمام يا فندم؟"

أدهم بلهجة آمرة: "الآنسة ياسمين هتيجي معانا، شنطة هدومها وكل حاجتها تتحط في العربية فوراً."

جميلة وقفت بذهول مصطنع، وبدأت تمثل دور البنت العزيزة النفس اللي مش فارق معاها الفلوس:
— "أنت بتؤمرني؟ أنت فاكر عشان غني هتمشي كلامك عليا؟ وبعدين تحليل إيه؟ أنت شاكك فيا ولا إيه يا بيه؟"

أدهم بص لها بابتسامة خفيفة، أول ابتسامة تشوفها جميلة، كانت ساحرة لدرجة خلت قلبها يدق بعنف حقيقي المرة دي مش تمثيل، وقال بوقار:

— "أنا مش بؤمرك.. أنا برجع حق أختي الصغيرة اللي اتسرقت مني زمان، والتحليل ده مجرد روتين عشان أقطع لسان أي حد ممكن يتكلم.. يلا يا ياسمين، اجهزي، مفيش وقت نضيعه هنا."

جميلة لفت وشها وهي بتمثل الضيق، بس في سرها كانت بتقول: "ده طلع مش سهل خالص.. بس ماشي يا أدهم يا سويسي، لما نشوف  هتودينا لفين!"
وافتكرت إن إبراهيم طمنها، وإنه مظبط كل حاجه تخص التحليل لو أدهم أصر يعمله .

مرت ساعه تقيلة على أدهم وهو قاعد في عربيته الفارهة، مستني جميلة وهي بتلم حاجتها. . بعد دقايق ركبت جنبه في العربية، وكانت منبهره من فخامة الكراسي الجلد وريحة العربية اللي تخطف النفس، أما هو فكان بيبص لها بنظرات كلها ذنب، وكأنه بيعتذر لها عن كل ليلة قضتها بعيد عن حضنه وحمايته. 

أدهم أمر السائق يتحرك، وطول الطريق عينه مكنتش بتنزل من عليها، كأنه خايف تغيب عن نظره ثانية واحدة فتطلع سراب ويصحى من الحلم الجميل ده.
وصلت العربية قدام بوابة حديد ضخمة اتفتحت إلكترونياً، عشان يظهر وراها جنينة واسعة وفي نصها قصر يخطف الأنفاس.. قصر السويسي.

جميلة بذهول حقيقي المرة دي:
— "هو.. هو إحنا هنعيش هنا؟"

أدهم بابتسامة حنونة:
— "ده بيتك يا ياسمين.. القصر ده ملكك زي ما هو ملكي بالظبط. ومن بكرة، كل شيء في حياتك هيتغير."

نزل أدهم وفتح لها الباب بنفسه، ودخلوا من الباب الرخامي الكبير.. الشغالات كانوا واقفين في استقبال أدهم. لكن فجأة، قطع السكون ده صوت خطوات صغيرة وسريعة جاية من الدور اللي فوق، وصوت طفل بينادي بأعلى صوته:

— "بابا أدهم! بابا أدهم!"

جميلة اتسمرت مكانها، وبصت لأدهم بصدمة وهي شايفة طفل عنده حوالي 10 سنين بيرمي نفسه في حضن أدهم، وأدهم بيبادله الحضن بحب وحنيه..

جميلة (بهمس وارتباك):
— "بابا؟! هو أنت متجوز يا أدهم بيه؟"
أدهم شال يزن وباسه، وبص لجميلة بملامح هادية ومرتاحة وقالها:
— "لا يا ياسمين.. يزن يبقى أخونا الصغير

قطع حبل أفكارها يزن اللي ساب حضن أدهم وجري عليها، وقف قدامها وبص لها بعيون واسعة مليانة براءة وفرحة وقال بصوت طفولي خطف قلبها:
— "إيه ده.. هو أنتي أختي؟ أنتي ياسمين اللي بابا أدهم كان بيحكي لي عنها؟"

جميلة اتسرعت دقات قلبها وسكتت، مكنتش عارفة ترد تقول إيه، حست بوزن الكذبة بدأ يتقل على كتافها قدام براءة الطفل ده. بصت لأدهم بتوهان، فأدهم بابتسامة حنونة ركع على ركبته قصاد يزن،وقال:
— "أيوة يا حبيبي.. جميلة تبقى أختك الكبيرة، ومن النهاردة كلنا هنبقى عيلة واحدة وما فيش حد فينا هيبعد عن التاني أبداً."

أدهم رفع عينه لجميلة اللي كانت بتبص له بتوهان وعدم فهم، هز لها راسه بطمأنينة وكأنه قرا اللي في دماغها، وهمس لها:
— "هفهمك كل حاجة بعدين.. المهم دلوقتي يزن."

يزن قفز من الفرحة وهو بيصقف بإيده:
— "هيييه.. يعني هتعيشي معانا في القصر وتلعبي معايا؟ بابا أدهم بيبقى مشغول دايما في الشركة ومش بيلعب معايا كتير، أنا كنت زهقان لوحدي أوي!"

جميلة حست بغصة في حلقها، رقت ملامحها غصب عنها ورسمت ابتسامة هادية على وشها، وطبطبت على شعر يزن:
— "إن شاء الله يا حبيبي.. هنلعب كتير سوا."

في اللحظة دي، قربت واحدة من الخادمات وقالت باحترام:
— "أدهم بيه.. الغدا جاهز في السفرة."

أدهم قام وقف وشال يزن على كتفه بحفة، وبص لجميلة بنظرة جادة ورجعت له هيبته وتفكيره العملي وقال:
— "يلا يا جميلة عشان نتغدا.. وبعد الغدا عايزك في موضوع مهم جداً، الدكتور زمانه على وصول عشان إجراءات التحليل اللي اتفقنا عليها."

جميلة بلعت ريقها، حست إن وقت الجد جه، وموضوع التحليل ده هو اللي هيحدد يا إما تعيش هانم في القصر ده، يا إما ترجع في الشوارع تاني .. وده هيبقى أهون بكتير من اللي أدهم ممكن يعمله فيها لو كشف كذبتها .مشيت وراه وهي بتدعي في سرها إن خطة إبراهيم تكون محبوكة صح.

بعد الغدا، الجو في القصر كان مشحون بهدوء يسبق العاصفة. فريق من المعمل جيه وسحب عينات دم من أدهم وجميلة وسط نظرات أدهم الثابتة اللي مابتتهزش، ونظرات جميلة اللي كانت بتحاول تداري ارتباكها ورا قناع من الثبات المزيف.

بعد ما الفريق مشي، جميلة لقت نفسها بتتوجه لمكتب أدهم بناءً على طلبه. دخلت وقعدت على كنبة جلد كبيرة باللون البني، كانت بتتلفت حواليها بذهول من ضخامة المكتب والكتب اللي واصلة للسقف، وبدأت تفرك إيديها بتوتر وهي مستنياه.

فجأة باب المكتب اتفتح، ودخل أدهم.. جميلة بلعت ريقها بصعوبة أول ما شافته. أدهم كان غير هدومه الرسمية، ولابس هدوم بيتي عبارة عن تيشرت رصاصي أبرز عضلات جسمه الرياضي وتقسيمة صدره، وبنطلون أسود مريح.

جميلة أول ما شافته بالهيئة دي، غمضت عينيها بسرعة وهي بتهمس لنفسها بصوت واطي جداً:
— "يا مري.. إحنا متفقناش على كدة! هو في بني آدم بيبقى حِلو كدة وهو ببيجامة؟ على رأي ياسمين عز كتاف الراجل بالدنيا !"

ارتباكها زاد لما لقت ريحة برفانه، اللي بقت أهدى وأجمل، بدأت تخترق أنفاسها وهو بيقرب منها وقعد جنبها على الكنبة بمسافة تسمح لها تحس بحرارة جسمه، وقال بهدوء:
— "إن شاء الله نتيجة التحاليل هتظهر بعد يومين."

جميلة اكتفت إنها تهز راسها "أيوة" وهي لسه باصة في الأرض، مش قادرة تنطق كلمة ولا ترفع عينها فيه. أدهم لاحظ سكوتها، فنداها بصوته الرجولي الخشن اللي فيه نبرة حنين:
— "جميلة.."

جميلة رفعت عينيها في عينه فجأة، وحست إن قلبها هينفجر من دقاته لما سمعت اسمها خارج منه بالنبرة دي، كأنه بيغنيه مش بينطق اسم عادي.

أدهم ابتسم وقال بوقار:
— "أنا عارف إنك لسه متعودتيش على اسمك الحقيقي، وعشان كدة هناديكي جميلة لحد ما تاخدي على المكان وتتعودي.. وبعدين، أنا كنت عايز أحكيلك عن يزن، عارف إن فيه حاجات كتير بتدور في دماغك ومش فاهماها."

أدهم اتنهد تنهيدة طويلة كأنه بيطلع وجع سنين، وبدأ يحكي:
— "بعد ما عيلتك جت اتبنتك من الميتم وبعدتك عني، قعدت شهور مش بتكلم مع حد، كنت طفل وحيد مكسور.. لحد ما في يوم، جت أسرة غنية، راجل وست طيبين جداً، أول ما شافوني حبوني وقرروا يتبنوني، خصوصاً إنهم مكنوش بيخلفوا."

أكمل وهو باصص للفراغ وكأنه شايف الأحداث قدامه:
— "عشت معاهم أجمل سنين حياتي، حبوني كأني ابنهم بجد، بس عمري ما نسيتك. عدى 8 سنين، بقى عندي وقتها 18 سنة، وفجأة حصلت المعجزة.. الأم اللي اتبنتني ومكنتش بتخلف حملت! كلنا فرحنا، بس الفرحة متملتش.. وهي بتولد يزن، توفت لأن قلبها مكنش مستحمل، وسابت لي يزن حتة من روحها. وبعدها بسنة لحقها بابا، ومبقاش ليا حد غير يزن.. اعتبرته ابني مش أخويا، أنا اللي ربيته وشلت همه لوحدي لحد ما اتخرجت وكبرت ثروة أهلي وبدأت أكبر في شغلي."

سكت شوية وبص لجميلة وكمل بصدق:
— "وقتها بدأت أدور عليكي.. كنت عارف إن والدي ووالدتي الحقيقيين ماتوا في حادثة، بس عرفت إن عندي عم اسمه إبراهيم وقدرت أوصله، وفرحت جداً إن ليا عيلة. فضلنا ندور عليكي سنين، والحمد لله ربنا عوضني ولقيتك. أنا مش عايزك تزعلي من حكاية التحليل دي، ده مجرد إجراء شكلي عشان الورث والشركات، لكن أنا قلبي متأكد إنك أختي."

جميلة في اللحظة دي مسحت دموعها اللي نزلت غصب عنها.. المرة دي الدموع كانت حقيقية، تأثرت بكلامه وبحياته اللي كانت شبه حياتها في اليتم والوجع. بصت له بتأنيب ضمير بياكل في قلبها.. هي بتخدعه، وهو بيحكي لها أسرار حياته

أدهم لاحظ إن ملامح جميلة بدأت ترهق من كتر التفكير والتمثيل، فقام وقف وقال بهدوء:
— "أنا عارف إن اليوم كان طويل وصعب عليكي.. اطلعي دلوقتي عشان أوريكي جناحك، لازم ترتاحي وتنامي كويس."

جميلة فتحت عينيها بذهول وقالت بعفوية:
— "جناح؟! هو أنا هنام في جناح لوحدي؟"

أدهم ابتسم على براءتها اللي لسه بيستكشفها وقال:
— "تعالي ورايا وانتي تشوفي."

خرجوا من المكتب وطلعوا السلالم الرخامية العريضة اللي بتوصل للدور العلوي، وجميلة كانت ماشية وراه وهي بتنهج من كتر الانبهار.. مع كل درجة بتطلعها، فخامة القصر كانت بتزيد. الدور الفوقاني كان عبارة عن ممرات طويلة، وكل ممر فيه عشرات الغرف، فعلاً كأنه فندق سبع نجوم مش مجرد بيت.

أدهم وقف قدام باب خشب أبنوس ضخم، فتحه وشاور لها تدخل. جميلة دخلت وشهقت من الجمال؛ الجناح كان عبارة عن قطعة من الجنة. السرير مفروش بستان ناعم لونه لؤلؤي، والسجاد يدوي بيغوص فيه الرجل، والحيطة كلها عبارة عن شباك زجاجي بيبص على حمام السباحة والجنينة اللي منورة بالليل. وفيه ركن ليفينج صغير بكنب مريح، وحمام خاص كله من الرخام الإيطالي.

أدهم ابتسم لما شافها بتلف حوالين نفسها زي الطفلة التايهة، وقال بصوت دافي:
— "هسيبك بقى تنامي، ولو احتجتي أي حاجة، التليفون ده بضغطة واحدة تقدري تنادي على الخدم تحت وهيكونوا عندك في ثانية."

جميلة هزت راسها وهي لسه مش مستوعبة إن ده بقى مكانها، 

لكن فجأة اتصنمت مكانها وحبست أنفاسها لما لقت أدهم قرب منها فجأة. المسافة بينهم بقت معدومة، لدرجة إنها حست بحرارة جسمه بتخترق لبسها، وأنفاسه السخنة ضربت في خدها.

فتحت عينيها على آخرهم وخرجت منها شهقة مكتومة لما أدهم ميل راسه ناحية خدها، وطبع بوسة رقيقة وهادية جداً.. بسببها رعشة قوية سرت في جسم جميلة خلت أطرافها تتلج وقلبها يقع في رجليها.

أدهم بعد بهدوء، وبص في عينيها بنظرة غامضة مليانة حنان وقال بصوت واطي وهامس:
— "تصبحي على خير يا جميلة."

خرج أدهم وقفل الباب وراه بكل هدوء، وساب المسكينة واقفة مكانها زي الصنم، حاطة إيدها على خدها، وعينها متعلقة بالباب.. مكنتش قادرة تفوق من الصدمة ولا من إحساس الرعشة اللي هز كيانها.

تعليقات