رواية ظل البراق الفصل الثلاثون 30 بقلم مريمة


 رواية ظل البراق الفصل الثلاثون 

الانتظار ليس مجرد وقت يمر ....

وهنا أترككم مع الظل الثلاثون

إنه امتحان صامت بينك وبين قلبك هو أن تعيش بين لم يحدث بعد

الانتظار يعزيك من قوتك الزائفة، ويتركك أمام ضعفك الحقيقي.

وسيحدث يوما أن تمسك بالأمل بيد ترتجف وتخفي خوفك في اليد الأخرى.

فتتعلم أن تتكى على الله لا على الاحتمالات.

هو ليال طويلة تعيد فيها ترتيب يقينك، وتقنع نفسك أن التأخير

ليس حرمانا ....

الانتظار موجع لانه يطيل المسافة بين الأمنية وملامستها،

بل إعدادا خفيا لشيء لو جاء مبكرا ، لما احتملته روحك.

لكنه في الوقت ذاته، يبني فيك قلبا إذا وصل، عرف قيمة ما وصل إليه.

هل تعرف شعور السند؟

أن تكون قادرا على الوقوف وحدك، ومع ذلك تجد من يقف خلفك.

أن لا تحتاج شيئا، لكنهم يصرون أن يشاركوك كل شيء.

لا لأنك عاجز، بل لأنهم لا يرونك تمضي خطوة كبيرة دون أن يكون لهم أثر فيها.

هو شعور مختلط بين اعتزازك بأنك لم تعد بحاجة لأحد، وبين دفء خفي يخبرك أنك مهما

كبرت ستظل ابنا في أعينهم.

السند ليس أن يحملوا عنك الحمل، بل أن يضعوا أيديهم على كتفك ويقولوا ولو بصمت ، نحن هناء

كان " مروان" يجلس أمام " أبيه " و "جده"، متكنا قليلا إلى الخلف، وعيناه تتنقلان بينهما

بابتسامة هادئة، تختبئ خلفها مشاعر امتنان أعمق من أن تقال.

اعتدل في جلسته قليلا، وشبك أصابعه ببعضها، ثم قال بنبرة صادقة ثابتة:

والله معايا، أنتوا ليه مش عايزين تصدقوا أنا باين عليا الإفلاس ولا إيه؟

نظر إليه جده " بجدية ظاهرة، حاجباه معقودان قليلا، ثم وضع المال على الطاولة أمامه وهو

يقول بهدوء حازم

يا ابني عارفين إنه معاك ربنا يزيدك بس برضه خلي الفلوس دي معاك احتياطي عشان لو

احتجت حاجة.

أكمل " والده " الحديث، وهو يميل بجسده إلى الأمام قليلا، ونبرته يغلب عليها القلق الأبوي: مش هتخسر حاجة أو خدتهم يا مروان سعر الذهب بيغلى كل دقيقة، أفرض وانتوا بتشتروا كان زاد والحسبة اللي أنت عاملها اختلفت؟ أفرض نور عاجبها حاجة وطلعت زيادة عن الاتفاق ؟

رد مروان" سريفا، وقد ارتفعت نبرته بحماس ممزوج بثقة واضحة

هجيبها على عيني والله يا بابا يا حبيبي ويا جدي يا حبيبي ، أنا بشتغل من أولى كلية يا جماعة، ولما اتخرجت بقيت دكتور في الجامعة، وانتوا عارفين إني مش مستهتر في الفلوس ويضيعها. أنا عامل حسابي كويس قوي لليوم ده، والحمد لله معايا فلوس زيادة احتياطي ومش محدد حسبة معينة نور هتختار اللي يعجبها وزيادة كمان، واذا كفيل بأي مبلغ. تبادل" الأب" و"الجد" نظرة فخر واضحة، ثم أمسك "الأب " المال ووضعه في يد" مروان"

بإصرار، وقال بنبرة لا تقبل النقاش:

وإحنا متأكدين من ده، بس أنا مصمم برضه إنك هتاخدهم، وإياك تقول لا يا الا أنت مش هتكبر علينا وتقول معايا وبتاع مش كفاية بتجهز شقتك لوحدك ومش عايزنا تساعدك بأي

مبلغ.

هم "مروان بالاعتراض، وفتح فمه ليتكلم، لكن صوت" جده" سبقه بصرامة مصطنعة وعينين الامعتين بالمزاح

انت دماغك ناشفة ليه يا واد؟ حد طايل باخد فلوس يا أخويا ؟ طب أنا كان أبويا يديني

فلوس وأنا بتجوز زيك كده والله كنت أزغرط في قلب الشارع

انفجرت الضحكات في المكان، فتقدم " مروان" وقبل رأس جده ثم رأس أبيه، وعاد ليجلس بينهما وهو يقول بخضوع محبب

ربنا يخليكم ليا هاخدهم عشان ما أزعلش حد فيكم بس والله برضه أنا عامل حسابي يا عالم.

دفعه "الجد " بخفة على كتفه، وقال بمرح وهو يغمز بعينه:

أمال الباشا محوش كام؟ أصلك بتتكلم بثقة كده. ولا مرتبك زاد يا نمس ؟ أه ما أنتوا يتقبضوا كثير برضه.

ضحك "مروان" وهو يرفع يديه باستسلام مبالغ فيه:

الله أكبر الله أكبر المرتب هينزل ناقص الشهر ده يا سيادة اللواء إحنا غلاية والله ومش ناقصين.

نظر" الجد" إلى " محمد" يمكر، وقال وهو يلوح بيده

غلابة ؟ أبوك برضه جهز نفسه بنفسه يا أخويا ودلوقتي أنت بس أنا كده عرفت شغلانة

الدكاترة دي بتكسب دهب.

التفت " محمد " إلى أبيه بنظرة جانبية وقال بتذمر خفيف:

ايه اللي جاب سيرة محمد دلوقتي ؟ ما أنا ساكت أهو وبعدين يا حاج أنت ينقر علينا ولا ايه؟ ده إحنا ماشيين بالبركة.

تدخل " مروان" بخبث وهو بيتسم نصف ابتسامة:

بالله عليك يا سيادة اللوا تسبب الدكاترة في حالها، عشان احنا ينكح تراب، مش زيكم يا باشا

رد "الجد" سريعا، وهو يشير بإصبعه نحوه

وإحنا ينكح أكثر منكم يا قلب الباشا، كلها بتكح يا حبيب.

تعالت الضحكات مجددا، فقال " محمد" بتساؤل:

هنمشي من هذا الساعة كام؟

أجاب " مروان" وهو ينظر إلى الساعة المعلقة على الحائط:

سأل "الجد" وهو يحدق فيه بشك مصطنع:

قبل العصر يا بابا المهم تصلي العصر هناك عشان بعد الصلاة نروح المحل الذهب على طول

ابتسم "مروان" وقال:

نور اختارت محل ولا أنت غشيم وهتوديها أي محل؟

الله يكرمك يا كبير لا، هي قالت مش هتفرق بس حفيدك مش غشيم. هيوديها المحل اللي أمه وأخته بيحبود، ما تقلقش .

قال "محمد "مؤكدا:

عموما المحل في شارع الصاغة اللي في الحسين، وهناك محلات كثير لو ما عجبهاش حاجة في محل تدخل غيره.

عندها غير" مروان "ملامحه فجأة، وقطب حاجبيه متصنف الضيق ليري رد فعلهم فقال بجدية:

قاضيين إحنا بقى عشان تلف على المحلات؟ هو محل واحد اللي هندخله وتختار منه .....

لم يكمل جملته حتى باغته " جده" بدفعة خفيفة أسقطته عن الأريكة، وهو يقول بتبويخ

مش فاضي ليه يا دكتور الضروس ؟ وراك حشو ولا خلع يابا ؟ إن شاء الله عنك ما فضيت يا حلو

حد سألك من أصله.

وأكمل "الأب ينفس الأسلوب، وقد شبك ذراعيه يتحد:

ما حدش أخد رأيك أصلا مش عاجبك غور يا حبيبي، إحنا فاضيين وهتلف معاها للصبح.

نظر إليهما" مروان" بصدمة مقتعلة لبضع ثوان، ثم انفجر ضاحكا وهو جالس على الأرض:

يا جماعة أنا ابنكم مش هيا إنتوا قلبتوا علي في ثواني كده ليه ؟ إيه يا حاج ده أنا ابنك

حبيبك وانت يا جدو أنا حفيدك الغالي

قال " محمد" بملامح متجهمة تمثيليا:

ولا أعرفك يا واد.

وأضاف الجد هاشم" وهو يلوح بيده باستخفاف مرح

ولا طايقك أصلا. أنا مستحملك لحد لما تتجوز ونجيبلي حفيد بذالك عشان أنت مش على هوايا.

ضرب "مروان" كفا بكف، ثم عاد وجلس بينهما وهو يضحك:

ما هو هيبقى شبهي يا جدعان

قال " محمد" سريعا وهو يضحك

أعوذ بالله تف من يؤكد يا حلوف هيبقى شبه أمه بإذن الله.

ارتفعت ضحكات " هاشم " أكثر، بينما فتح "مروان "فمه بدهشة وقال :

أعوذ بالله؟ وقف من بؤك؟ هي حصلت يا محمد يا هاشمي؟ ده أنا ابنك، وبيقولوا إني شبهك!

قال جملته الأخيرة بمكر واضح، فضحك "هاشم" وهو يصفق بيده:

قصف جبهة محترم.

ضرب" محمد كتف مروان بخفة وقال ضاحكا:

للأسف شبهي، أعمل إيه بقى في الحظ ده؟

ابتسم "مروان "بحب، وعانق أباه وجده دفعة واحدة، ثم قال وهو ينظر إليهما بعينين لامعتين بالفرح

تفتكروا البس بدلة ولا حتة صعيدي زبكم؟

للنساء عالم خاص عالم لا يدخله الرجال، ولا تتقن تفاصيله سواهن.

وكان هذا التجمع في بيتها أكثر من مجرد استعداد الخطوبة كان طقشا أنتويا عتيقا، يتوارثنه

جيلا بعد جيل، كما تنوازت الحكايات والدعوات والدموع الخفية خلف الضحكات.

وقفت ناهد "" في منتصف الغرفة، وكعادتها كانت تمسك بالذف في يدها كأنه امتداد طبيعي لشخصيتها المرحة رفعت حاجبها يتحذير متصنع، وفي عينيها لمعة مزاح واضحة، ثم نظرت إلى السداسي الواقف أمامها وقالت بنبرة تجمع بين الجد المرح والمشاكسة:

والله العظيم اللي مش هترد ورايا لأكون قاصالها شعرها، أقول أسمع الرد يزلزال الشقة. مفهوم؟

شددت على كلمتها الأخيرة بلهجة حازمة، فارتسمت على وجوه" رقية" و"نور" و "هنا"

و"سمية" و "هبة" و "سما" ابتسامة واسعة، وتبادل النظرات في ما بينهن قبل أن يقلن بصوت

واحد، وكأن الرد خرج عفويا من قلب واحد

مفهوم يا ريسة.

انفجرت "ناهد" ضاحكة، ومالت قليلا وهي تبدأ في الدق على الدف بإيقاع ثابت، ثم صدح

صوتها بالغناء:

ياما حمامي سرح ويا حمام الواد علي.

تعالت التصفيقات من حولها، ورددن خلفها بحماس

ياما حمامي سرح و يا حمام الواد علي

ازدادت حركتها حيوية، وأخذت تضرب على الدف بمهارة أوضح، وهي تكمل بصخب لطيف:

وطلعتله بالتولي ونزلتله بالتولي

تصاعدت ضحكاتهن، ورددن معها بنفس الحماسة:

وطلعتله بالتولي.. ونزلتله بالتولي

حاولت "ناهد " أن ترقص وهي تدق فاختلطت خطواتها وتعثر إيقاعها قليلا، فارتبكت للحظة.

ثم قالت مكملة وهي تضحك على نفسها:

متلخيط وردي على قلى وأنا بزقى حمام الواد علي.

انفجرن ضاحكات بشدة، وصفقن بإيقاع واحد كأنهن روح واحدة، وأكملن الغناء معا:

ياما حمامي سرح ويا حمام الواد علي..

ياما حمامي سرح و يا حمام الواد علي.

وبينما كانت الضحكات لا تزال تتردد في أرجاء الشقة التفتت " نور" إلى " رقية " بعينين

لامعتين من الحماس وقالت:

زغرطي يا رقبة بالله عليك، ماحدش بيعرف يزغرط غيرك.

لم تستطع "رقية " أن ترفض، ارتفعت زوايا فمها بابتسامة واسعة، وأغمضت عينيها لحظة كأنها

اتستجمع نفسها، ثم انطلق صوتها بزغاريد قوية ملأت المكان أخذت الأخريات يشجعتها بالتصفيق والهداف، وظلت تزغرد أكثر من مرة، حتى احمر وجهها قليلا من شدة الصوت والضحك

توقفت فجأة، فسكتن جميعا لثوان قصيرة، وكان الصمت هبط عليهن دفعة واحدة، ثم ما لبث

قالت "سمية " وهي تضفهن بذراعين حانيتين، وصوتها يحمل دفء أم تخشى على بناتها :

الله أكبر عليكم، ربنا يفرحنا دايما ويبعد عننا أي حزن.

أمن وراءها في صوت واحد، ثم سألت "هية" وهي تنظر حولها بتفخص عملي

انتوا كده فاضلكم إيه لسه ؟ مش خلص ؟

اجابت" رقبة" وهي تعد على أصابعها بهدوء منظم، ونبرة صوتها تعكس تحملها المسؤولية المعتادة

الخطوبة هتبقى في بيت خالتو، وإحنا نصفناه كويس وعملنا ديكور بسيط وجهزنا الأكل.

باقي التسوية بس ودي بعد العصر المشروبات والحلويات دي مروان ويوسف ظبطوها، مش فاضل حاجة كده.

قالت " نور" بانتباه، وهي تهز رأسها بتأكيد:

ولبسنا جاهز ومكوي وزي الفل يبقى كده خلاص مش محتاجين حاجة تاني.

فجأة شهقت" هنا"، واتسعت عيناها وهي تلتفت إلى رقية بصدمة واضحة

الليس ومكوي ؟ يا رقية أنا ماكوتش الدريس بتاعي لسه!

ابتسمت "رقية" يهدوم مطمئن، واقتربت منها قليلا وهي تقول بنبرة دافئة:

أنا كويتهولك يا حبيبتي، هدي نفسك، مش عايزين قلق.

اشرقت ملامح " هنا" فوزا، ولوحت بيدها ترسل قبلة في الهواء، وقالت مبتسمة:

ربنا يريحك يا شيخة زي ما أنت مريحاني، يبقى إحنا كده زي الفل. نعملنا كام ماسك، وناخد

شاور ونلبس

قالت "ناهد" وهي تضع يدها على خصرها في دلال مرح، وعبداها تلمعان بحماس :

بمناسبة الماسكات يقى عندي ليكم حتة ماسك خطير.

تعالت الضحكات فوزا، فرفعت "رقية" يدها كأنها تستسلم قبل أن يبدأ الهجوم، وقالت بتحذير

الطيف وصوت تختلط فيه الجدية بالمزاح

إنت تاني بالله عليك يا شيخة بلاش إنت وماسكانك يا ناهد عشان آخر مرة وشك فضل

أحمر يومين واحنا عندنا فرح ومش ناقصين.

قهقهت "سما " وهي تميل بجسدها إلى الأمام قليلا، وقالت بمرح متعقد:

ليه بس كده يا ابلة رقية دي عمتو عندها شوية ماسكات تجيبلك التهاب في دقيقة!

انفجرن ضاحكات فنظرت لها "ناهد" بضيق مصطنع، وضيقت عينيها كأنها تتوغدهن، ثم قالت: اتريقوا اتريقوا يا أختي إنت وهي يا هبلة منك ليها هقولكم وصفة ماسك الجيلاتين والكركديه.

شهقت "رقية" شهقة طويلة، ووضعت يديها على رأسها في حركة مسرحية أضحكتهن أكثر. وقالت:

يا خداااااااااالي

مسحت "نور" دموع الضحك من طرف عينها، ثم قالت وهي تشير إلى وجهها بثقة:

متر محط ماسكات، كفاية، أنا عاملة امبارح تنظيف بشرة ومش هحط حاجة على وشي

النهارده، أنا كده زي الفل والله.

قالت "سمية بساطة عفوية، وكأنها تذكر أمرا بديهيا:

وحواجبك اللي هتشلني دي، يا بنت أنت عروسة.

رفعت "رقية" حاجبا واحدا ونظرت إلى خالتها نظرة تجمع بين الدهشة والعتاب الخفيف.

وقالت بهدوء:

سمية يا سمية الله يرضى عنك، قولنا لا.

أصدرت "سمية " صوتا يدل على عدم اقتناعها، ولوحت بيدها باعتراض:

اركني إنت على جنب يا بنت دي عروسة يا ماما ... عروسة

تقدمت "نور" خطوة صغيرة، وهدأت نيرة صوتها فجأة، وقد يدت على ملامحها الجدية، وقالت

بهدوء موزون

یا خالتو مش موضوع عروسة ولا مش عروسة، هو ما ينفعش في كل الأوقات، قال له: «لعن

الله النامصة والمتنمصة». لعن الرسول الله يدل أن الفعل ده من الكبائر، والرسول بينهانا عنه.

والله عز وجل قال: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).

ثم نظرت إليها مباشرة، وصوتها يزداد عمقا:

فالموضوع أولا اتباع أوامر، واحنا عارفين يعني ايه لعن اللعن هذا معناه الطرد من رحمة ربنا. متخيلة يا خالتو تنطردي من رحمة ربنا عشان كام شعرة معايير الجمال الوهمية بتاعت

المجتمع قالت شكلهم وحش؟

أكملت "هنا" الحديث، وقد انعكست الحماسة في عينيها وهي تلوح بيدها أثناء الكلام

وعلى فكرة شكلهم مش وحش خالص بس يقى المعتاد إن ماحدش بيحافظ على شكلهم

طبيعي، فلما تيجي بنت تتبع الأوامر وتسبب حواجبها في حالهم وتخرج للمجتمع وتشوف اللي حواليها، بتحس إنها غريبة، أو تسمع كلام وحش من صاحبتها أو حد من أهلها زي يا بنتي ما تخففي حواجبك دي انت شبه الرجالة وتقعد تتريق للصبح فالينت يا عيني يا إما تسمع كلامهم عشان تبقى زيهم وماحدش يتريق عليها، يا إما تكره شكلها وتدخل في صراع مع نفسها و برضه تسمع كلامهم، يا إما تبقى واثقة في نفسها وتعرف إنها هي الصح من وسطهم، وإن الكام

شعراية دول ما قللوش من جمالها، بالعكس.

ساد صمت قصير ثم نظرت "رقية" إليهن بعينين لامعتين بشيء من الصدق الداخلي، وقالت

بنبرة أهدأ، وكأنها تعترف بشيء قديم:

ومع الوقت بتتعود على شكلهم وينحبهم قوي، عارفين؟ أنا واحدة بحب قوي شكل الحواجب المترتبة، ولما بشوف بنت حواجبها حلوة بفضل باضة لها كثير أه والله، وكنت ببقى هموت وأعمل زيهم وعايزة حواجبي تبقى عاملة كده، وإيه يعني ما فيهاش حاجة، بس لما يقعد أفكر بالعقل بقول، هو أنا ماشية وعايشة إزاي ؟ مش برحمة ربنا ؟ هدخل الجنة بإيه؟ برحمة الله بجد.

فإزاي يجيلي قلب أعمل حاجة تخليني أطرد من الرحمة دي ؟ لا، وأعملها بمزاجي كمان عليه بعد تعمل في نفسنا كده؟ وموضوع انت عروسة ولا مش عروسة مش هيفرق اللي ربنا أو الرسول بينهوا عنه يبقى خلاص الموضوع انتهي

نظرت "سمية "إليهن وقد بدا على وجهها شيء من الاقتناع، لكن ظل في عينيها أثر اعتراض خافت وقالت يضيق خفيف:

طب حتى يوم الفرح يا بنت عشان جوزها.

انفجرن ضاحكات من جديد خاصة حين قطيت جبينها بتعبير جاد وسط موجة الجدية السابقة.

ابتسمت "رقية " وقالت يخفة محببة:

الله يزوجنا باحب الرجال إليه يا خالتو وده هيبقى عارف كويس إنه ما ينفعش، ولو شيطاننا

ضحك علينا، هو هيقومنا ويفهمنا إن رحمة ربنا أغلى من كام شعراية.

ساد صمت لثوان قليلة، وكانت ملامح الرضا بادية على وجوههن جميعا، وكأن الكلمات استقرت في القلوب قبل الأذان، قطعت ناهد الصمت وهي تصفق بيديها بخفة، وعادت نبرنها المرحة كعادتها:

هتفضل بقى تتكلم عن الشعر وننسى الوقت، وإنكم لازم تبقوا جاهزين العصر ؟

قالت "هبة "وهي تضحك وتشير إليها باصبعها في اتهام لطيف:

والله ما حد معظلهم غيرك.

تعالت الضحكات من جديد، ونظرت" ناهد" إليها بغيظ محبب فبادلتها هبة ابتسامة واسعة، ثم

التفتت إلى سما وهي تنهض من مكانها:

يلا يا سما نمشي عشان معاد درسك، ونسيب عمتك بقى تساعدهم.

وقفت " سما وعدلت حجابها بخفة، ثم قالت بمكر واضح وعيتين لامعتين:

من كانت بتعملهم من شوية يا ماما ؟

رفعت "هبة" يدها وضربتها بخفة على ذراعها، وقالت وهي تبتسم رغما عنها:

مش يتستري مؤمن أبدا يلا يا بت عشان تلحقي.

قالت "نور" بتحذير لطيف، وهي تميل برأسها قليلا للأمام:

لو ما جنوش بالليل هزعل قوي.

اقتربت " هبة "منها وربعت على كتفها بحنان، وقالت:

أول ناس هتبقى عندك يا ثور، ربنا يتمم لك على خير يا بنتي حبيبتي، همشي أنا بقى، وبإذن

الله هتلاقوني فوق راسكم بالليل.

وذعنها بالأحضان والابتسامات، ثم خرجت هي وسما، وبقيت الأخريات ينظرن إلى بعضهن

لحظة بصمت قصير قبل أن تقول "سمية" فجأة وهي تضحك:

طب زغرودة كمان عشان خاطر خالتك يرضيك ماحسش بالفرح ؟

رفعت "هنا "حاجبيها بخبت مرح، وقالت وهي تتصنع الجدية

وانت يعني ما تحشيش بالفرح غير بزغرودة رقية يا سوسو ؟ ما تسمعينا جمال صوتك إنتا

قطبت " سمية " جبينها باستياء تمثيلي، ولوحت بيدها قائلة:

أعمل إيه ؟ ما أختك الوحيدة اللي يتعرف تزغرط فينا ما تزغرطي با روقا بقى هنشحت منك الزغرودة؟

رفعت " رقية "ذقتها قليلا، وتظاهرت بالغرور وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:

مش جايلي مزاج

اقتربت منها خالتها خطوة، وانحنت قليلا نحوها وقالت بمكر واضح

هديك على كل زغرودة مية جنيه.

اتسعت عيونهن جميعًا في صدمة حقيقية، فنظرت إليهن سمية وهي تضحك بصدق : والله العظيم.

تبادلت "رقية " النظرات مع "هنا "و "نور" في صمت دام لتوان، وكان اتفاقا غير منطوق انعقد بينهن، ثم فجأة انفجرت الضحكات، ومعها انطلقت زغاريد رقية قوية متتالية، ملأت الشقة بصوت حاد مبهج، فتداخلت الضحكات مع الزغاريد، وعاد الفرح يعلو فوق كل شيء، كأنه يعلن

أن هذا البيت لا يعرف إلا البهجة حين تجتمع قلوبه

في الوقت نفسه، كان المشهد في الأسفل مختلفا تماما. جلس يوسف ومهاب وسيف، ومعهم عامر وإبراهيم ومازن، في مدخل البيت يرتبون بعض الأمور الخاصة بالخطوبة المسائية كراس تنقل من مكان لآخر أسلاك تعمل، وصناديق تفتح وتغلق، بينما الأحاديث الجانبية لا تنقطع. وفجأة اخترقت زغاريد قوية سكون الحارة، فرفع " مهاب " رأسه تلقائيا، وقد عرف صاحبة الصوت دون عناء، تغيرت ملامحه في لحظة، واتجهت عيناه نحو السلم، ثم مديده فجأة

وجذب " سيف " من طرف قميصه.

التفت "سيف إليه مفزوعا، لكن بنيرة ما زالت تحمل مرخا

يا لهوي في إيه يا كبير؟ ما عملتش حاجة والله عشان ماسكة الحرامية

نظر إليه "مهاب " بصرامة ظاهرية، لكن خلفها غيرة واضحة لم يستطع الخفاءها، وقال:

تطلع تسكت اللي صوتها ملعلع في الحارة دي، وكل الناس سمعته.

ليه بس كده يا عمنا ؟ ما تسيب النسوان تفرح وتتبسط يا عم دول حتى عاملين جو حلو -

رد "سيف "ببساطة مستفزة، وهو بغلت قميصه من يده:

لم يكمل جملته: إذ جذبه "مهاب" نحوه بقوة أكبر، وقال بصدمة ممتزجة بتهديد مرح:

نسوان وجو؟! ده انت هنتروق النهارده يا ابن المهدي ... ماشي صبرك علياء المهم تطلع

تسكنها عش -

وقبل أن يتم جملته انطلقت زغرودة أعلى من سابقتها حادة وقوية، كأنها تعلن التحدي.

أغمض " مهاب عينيه، وشد على أسنانه، تم قال بهمس مسموع السيف:

ناقص تجيبلها مايك.

قال "سيف" بهدوء غريب، وهو يمد يده بشيء أمامه:

معايا واحد أهي أوديهولها يا مهاب؟

فتح "مهاب" عينيه ببطء، ونظر إليه بذهول حقيقي، ثم انتقلت عيناه إلى الميكروفون الذي

يحمله سيف، كأنه لا يصدق وجوده اصلا فتح فمه أكثر من مرة ليقول شيئا، لكن الكلمات خانته

من شدة الصدمة، ثم رفع بصره إلى السماء وقال بيأس تمثيلي:

ضحك "يوسف" من خلفه وقال:

الصبر من عندك يا رب عشان بنت المهدي وأخوها هيجيبوا أجلي.

بعد الشر عليك يا هوبا، إن شاء الله اللي يكرهك يا رب.

رفع "مهاب" رأسه قليلا، وقال بنيرة يغلب عليها قلة الحيلة:

و ابن خالتهم برضه يا رب.

غمر "عامر" بعينه وقال بخفة:

بس بيحبهم يا رب، وما يقدرش يستغنى عنهم.

ابتسم "مهاب" ابتسامة جانبية، وقال وهو يهز راسه

حتى انت يا حاج ؟ بس أعمل إيه بقى ... القلب فهرأ قوي يا أبو مهاب.

انفجروا ضاحكين، فقال" إبراهيم" وهو يشير إليه بمزاح:

طب يا مهزاً - قصدي يا حبيبي إنت وهو يلا نشوف اللي ناقص عشان تخلص.

عادوا إلى أماكنهم، وما زالت الضحكات تتردد، بينما قال " يوسف" وهو يربت على كتف م

آباد

يلا يا أبو المهزاً، ماشي يا حاج، مقبولة منك.

تدخل " سيف " فجأة قائلا:

العمرة ولا الحج ؟

نظروا إليه باستغراب، فابتسم وهو يوضح يضحك:

المقبولة عمرة ولا حج ؟

تبادلوا النظرات في صمت مصدوم اثوان ثم دفع مهاب كرسيه بقدمه فانقلب على الأرض من

شدة الضحك، ونهض بعدها وهو يضحك بشدة ويقول:

طب وريدا الأطلع أقعد مع الحريم اللي فوق دي على الأقل قعدتهم طراوة

ظلت الضحكات تتردد في أرجاء المكان للحظات، تختلط بزغاريد خافتة ما زالت تتسلل من الأعلى، وكأن البيت كله انقسم بين عالمين عالم يضج بالأنوثة والبهجة في الطابق العلوي، وآخر

يمتلئ بالمرح الثقيل والمشاكسة الرجولية في الأسفل.

من الوقت على قلوبهم كأنه دهر طويل، لا يقاس بساعاته بل يثقل انتظاره.

فعند بيت الهاشمي، كان "مروان" جالتا يعد الثواني بعين قلقة وقلب يسبق خطواته، ينهيا للذهاب إليها. كان ينهض ثم يجلس ينظر إلى ساعته، ثم إلى الباب، وكأن اللحظة تأبى أن تأتي. وقبل أذان العصر بساعة كان قد ارتدى ملابسه كاملة، يمرر يده على شعره بين الحين والآخر. ويستعجل أهله بلهجة يغلب عليها الحماس : يريد أن يتجهوا إلى بيت محبوبته بأسرع ما يكون.

وعندها ... كانت تقف أمام المرأة للحظات، ثم تلتفت إلى أخواتها، ثم تعود إلى نفسها، لا تدري ماذا تفعل تحديدا، لم تكن سوى مبتسمة لفرحتهم، وللنبض الخفي الذي يملأ قلبها. صحيح أنها لم تعرف مروان معرفة عميقة بعد، ولم تقض معه وقتا طويلا، لكن قلبها كان مطمئنا إليه، فرخا

بصحبته على نحو غير عادي، وكان بينهما ألفة ولدت قبل اللقاء.

ومع ارتفاع أذان صلاة العصر، كان "مروان" وأهله قد وصلوا إلى الحارة، استقبلهم "يوسف بابتسامته الواسعة، صافحهم بحرارة، ثم اصطحب الرجال إلى المسجد، أما "سيف"، فأخذ النساء ليوصلهن إلى شقة رقية عند أخواته، ثم عاد بخطوات سريعة إلى المسجد ليلحق بالرجال.

عند النساء في شقة " رقية"، كان الجو دافلا ومفعها بالفرح.

"عائشة "كانت تحتضن " نور " بقوة وحنان، كأنها تحتضن ابنتها لا عروس ابنها، عيناها تلمعان

بفخر واضح، وابتسامتها لا تفارق وجهها، وبعد الصلاة، وقفت أمامها تعدل لها الخمار بأصابع

حريصة، وتقول بصوت حنون ونبرة أم تخشى على ابنتها من أقل خاطر:

عايزاك تختاري اللي يعجبك في المحل وما يهمكيش أي حاجة دفعي الواد ده دم قلبه واللي حيلته كله وأنا راضية، أهم حاجة عندي ماتخليش في نفسك حاجة وماتجيهاش، سامعاني يا نور؟

قالت كلماتها الأخيرة وهي تضع يدها على خد نور، تربت عليه بحنان.

ابتسمت " نور "بمحبة، وارتعشت شفتاها قليلا قبل أن تتر فرق الدموع في عينيها رغما عنها.

ارتمت في حضن عائشة وهي تقول بصوت مختنق من التاثر:

أنا بحبك أوى يا طنط تعرفي أن كنت يدعي دايما ربنا يرزقني بزوج عيلته تحبني زي بنتهم.

وبنا رزقني بيكم وبيك.

دموعها:

ربنت "عائشة " على كتفها بخفة، ثم أبعدتها قليلا وهي تنظر إليها بمرح متعمد لتخفيف عنها

لما هو كده يا حلوة بتقوليلي طنط ليه ؟ ماما مش عاجباك ولا ما ستحقش ؟

رفعت" نور" رأسها بسرعة، تمسح دموعها بطرف أصابعها، وقالت بنفي سريع وصادق :

تستاهلي والله تستاهلي، ده أنت أجمل ماما في الدنيا.

هالله هالله ويأختي اسم الله عليكم.

قالتها "هدى" وهي تدخل عليهما بضحكة خفيفة وضيق مصطنع، تضع يدها على خصرها كأنها

تعترض بجدية.

ضحكت " نور" وقالت

ايه يا كيداهم خير يا حبيبي؟ ليه الدخلة الشريرة دي ؟

هتخطفي أمي من أولها ؟ لا يقولك إيه الست دي أمي أنا.

اقتربت هدى " من عائشة، تشدها إليها وتحتضنها من الجانب قائلة:

أسرعت" نور" لتحتضن عائشة من الجهة الأخرى، فأصبحت عائشة بينهما، تضحك بصوت عال.

وقالت نور بغیظ مرح:

شوقي أنا كثير إزاي ؟

أمك فقط ؟ لكن حماتي ومامني وأم صاحبتي وأم خطيبي وهتبقي جدة عبالي بإذن الله.

تصدقي اقنعتيني

نظرت "هدى" بمرح وقالت:

دفعت "عائشة الاثنتين برفق وهي تقول متظاهرة بالاختناق

النفس يا ماما أنت وهي، هفطس وسطكم!

تعالت ضحكاتهن، وفي تلك اللحظة دخلت " رقية"، تراقب المشهد بعينين دافئتين وابتسامة

هادئة، وقالت:

الرجالة خلصوا صلاة ومستنين تحت، جاهزين؟

قالت "نور" وهي تأخذ نفسا عميقا:

أنا جهزت خلاص، لو أنتوا تمام يلا ننزل.

دخلت" سمية " في تلك اللحظة، فالتفتت إليها نور وقالت يضيق لطيف:

ردت" سمية" ببساطة:

يا خالتو انت لسه بليس البيت، بتهزري والله.

وأنا هغير ليه يا بت؟ أنا هفضل هنا أصلا.

تغيرت ملامح " نور" قليلا، وظهر الحزن في عينيها. اقتربت منها "سمية" وربتت على يدها

قائلة بنبرة مطمئنة:

يا حبيبة خالتك أنا لازم أفضل هنا عشان أجهز الأكل والحاجة، وكمان انت هتحتاجيني ليه؟

هتروحوا تختاروا الذهب وترجعوا.

أكملت "عائشة" بهدوء وهي تضع ذراعها حول نور:

وانا هفضل مع سمية، وقبل ما تزعلي بجد انت مش هتحتاجينا، وكمان الأفضل ليك ما يبقاش

معاك رحمة يا نور.

قالت" نور" بحزن واضح

إنتوا مش زحمة بالنسبالي ... وكمان فين ناهد ؟

دخلت "هنا" وهي تقول:

ناهد في المطبخ ومتفضل هنا معاهم.

احتضنتها "عائشة " وقالت بهدوء:

انت عارفة إني بتعب من الطريق، وكمان إحنا هنفضل هنا عشان تجهز لاستقبال العروسة

القمر بتاعتنا، غير كده خالة مروان جاية المغرب، فالأفضل إني أبقى هنا مستنياها.

أضافت "سمية":

وانت معاك أخواتك ويوسف ومهاب ومازن وصحابتك.

ابتسمت" رقية" بشقاوة وقالت:

وعريسك أظن مش هتحتاجي حد تاني.

احمر وجه" نور" وقالت بخجل:

ماشي يا روقا ماشي... يلا بقى ننزل تحت.

وبالفعل تحركن جميعًا إلى الأسفل، ما عدا سمية وعائشة اللتين ستذهبان لاحقا إلى بيت سمية. في الأسفل عند الرجال، كان الجد هاشم جالسا بجوار إبراهيم وعامر يمسح على لحيته البيضاء

وهو يقول للشباب بوفار

قال "مروان" بمرح متعمد:

مروان إحنا هنفضل هذا، وأبوك هو اللي هيجي معاك، وطبقا الشباب.

شباب مين؟ أنا مش عايز أخدهم معايا أصلا.

رد عليه " مهاب" بغيظ خفيف، رافعا حاجبه

معايا؟ عاجبني ثقتك بنفسك، مين قالك إننا جايين معاك ولا عشانك؟ إحنا هنيجي مع أختدا

وعشان خاطرها.

ضحك "سيف" وقال:

واحد صفر للكبير.

أكمل" يوسف" وهو يضع يده على كتف مروان:

بص يا أخ أنت عشان شكلنا مطولين مع بعض، إحنا أسرة بنروح ونجي مع بعضينا، فإنت

متخطب البت اللي حيلتنا ومعاها الباكدج الرائع ده.

وأشار إلى "سيف" و"مهاب" و "مازن" الواقفين مستندين إلى السيارات بابتسامات واثقة، ثم

اضاف بتفاخر:

وفوق الباكدج ده أنا محسوبك يوسف النجار.

قال "مروان" ضاحكا:

ده شکله هیبقی مرار طافح يا بوي.

المرار وصل ... أقصدي العروسة وصلت.

قالها " سيف" وهو يضحك عندما لمح أخواته ينزلن الدرج.

التفت "مروان" إليها، وابتسم ابتسامة هادئة استقرت على شفتيه الثوان، وهي كذلك ردت له

الابتسامة بخجل واضح

نهض "محمد الهاشمي وهو يستقبلهن قائلا بحفاوة

یا مرحب بالحلويات كلها، ازيكم يا بنات؟

ردت" رقية " باحترام وابتسامة مهذبة:

مرحب بيك يا دكتور، بخير الحمد لله.

بدأوا يتبادلون السلام، بينما كان هناك عاشق يقف مستندا إلى سيارته، يراقب معذبة قلبه بنظرة

طويلة لا يملك أن يقترب ولا أن يبتعد. تنهد مهاب البزاق بصمت، وعيناه لا تفارقان رقية، حبه

لها يسري في عروقه حتى النخاع

قال محاولاً إخفاء ما به:

يلا عشان ما تتأخرش، الدكتور محمد والدكتورة نور والدكتورة هدى هيركبوا مع مروان

عشان العربية كلها تبقى دكاترة.

ضحكوا، فأكمل " يوسف " :

وسيف هيبقى مع مازن في عربيته، وأنا ورقية وهنا هنركب مع مهاب في عربيته.

تجمدت" رقية" لحظة، ثم قالت بسرعة ظاهرة التوتر:

أنا وهنا هنركب مع سيف ومازن عشان يعني دول ما ينفعش يبقوا مع بعض لوحدهم ليلبسوا

في حيطة ولا حاجة.

رفع " مهاب" حاجبه وقال بهدوء

مازن بيسوق بالراحة.

قال "مازن"، وقد انتبه لاحتمال أن تركب "هنا" معه:

بس أحيانا بسرح، إنت صح يا رقية تعالوا اركبوا معانا، وسيبي يوسف مع مهاب، هما صحاب

وبينهم أسرار فنسيبهم براحتهم. ضغط "مهاب" على شفتيه ونظر إليه نظرة حادة، فتراجع " مازن " خطوة إلى الخلف وأمسك

بید سیف وهو يقول بسرعة:

بس برضه الكبير معاه حق وهو معلمني السواقة وبسوق كويس يلا يا سيف عيونه بتطلع شرار

فتح باب السيارة وصعد ولحقه سيف وهو يضحك.

نظر" مهاب" إلى رقية بنظرة انتصار خفي، بينما رمقته هي بغيظ واضح ثم التفتت إلى نور

يلا يا حبيبي روحي معاهم عشان نمشي.

هزت "نور" رأسها وصعدت مع هدى في المقعد الخلفي، ثم ركب مروان و محمد، أما مهاب

ففتح الباب الرقية أولا بإيماءة هادئة، ثم صعد هو بعد أن جلست.

وبعد لحظات تحركت السيارات الثلاث من الحارة، تحمل معها فرحة جديدة، وقلوبا متباينة بين

حب معلن... وآخر يكتم أنفاسه في صمت.

إن تطأ قدماك أرض الحسين حتى تشعر أن الزمن مضى وتوقف في اللحظة ذاتها، أرض

ما مرصوفة بحجارة قديمة صقلتها الاف الخطوات، فتلمع تحت الضوء كأنها تحفظ آثار العابرين. مصابيح صفراء دافئة تتدلى من سلاسل حديدية، وصوت الباعة يمتد في نداء طويل:

تفضل يا باشا... شيح، عطور، فوانيس"

وقهوة محوجة تغلى في كنكة نحاسية، ونفحات عطر شرقي تقبل، كأنها آتية من حكاية عتيقة.

الماذن شامخة، وحين يرتفع الأذان يخشع المكان بأسره يهدأ الضحك لحظة، وتتباطأ الخطوات كانها تستجيب لنداء خفي.

وما أن تدخل شارع الصاغة حتى تشعر أنك تعبر نفقا من نور.

واجهات المحال زجاجية شفافة، وراءها صفوف الذهب مصطفة في انتظام لاقت أساور عريضة، سلاسل طويلة تنحدر كخيوط شمس، خواتم مرضعة بفصوص حمراء وخضراء، وأطقم كاملة تتدلى على ذمى مكسوة بالمخمل

اللمعان هناك ليس عاديا يعكس الذهب ضوء المصابيح فيضاعفه،

فتبدو الأزقة الضيقة أكثر إشراقا مما ينبغي، كأن المعدن نفسه هو الذي يشعل المكان.

توقفت السيارات على جانب الطريق، ونزلوا منها في هدوء يليق بالمقام الجهوا بخطوات مقصودة إلى محل بعينه، كأن الاختيار قد خسم منذ البداية ولا مجال للتردد.

ولحسن حظهم، كان المكان هادئا على غير عادته عدد الزبائن قليل، والواجهة الزجاجية عالية

إلا من انعكاس الضوء على صفوف الذهب المنتظمة. بدا الأمر وكان الشارع الصاخب قد منحهم

لحظة خاصة، فسحة قصيرة بعيدا عن الزحام، لينتقى الوعد في سكينة. تقدم "محمد" و"سيف" بالبنات جميعا، يقودونهن إلى داخل المحل، وما إن عبروا الباب حتى رحب بهم صاحب المكان ترحينا جازا، فقد كان يعرف عائلة الهاشمي جيدا، فبادرهم بابتسامة

واسعة وكلمات ودودة، وأفسح لهم المكان باهتمام واضح.

أما خارج المحل، فكان مروان" على وشك الدخول، لكنه فوجئ بمهاب" و"يوسف" يشدانه بقوة ويحيطان به من الجانبين، حتى أصبح واقفا بينهما؛ مهاب عن يمينه ويوسف عن يساره.

التقت إليهما بنظرة فيها شيء من الرهبة الممزوجة بالضحك وقال:

ايه يا جدعان ماتسيبوني في حالي النهاردة، عايز أخطب يا عالم.

ضغط " مهاب" على رقبته يخفة وهو يقول بمرح:

منخطب يا خويا اهدى على نفسك شوية يا حبوب.

وأضاف "يوسف" بنفس النبرة المازحة

اتسعت عينا "مروان بصدمة مصطنعة وقال:

نصايح إيه؟ يا نهار ابيض عليا... دي دبلة هتتلبس!

اتقل وانشف شوية، هنقولك شوية نصايح.

ضحك " مهاب"، ثم بذل نبرته قليلا إلى جدية ودودة وهو يخرج مبلغا من المال من جيبه ويضعه في يد مروان:

سيبك منه ويصى يا حبيب أخوك إنت داخل على ليلة ما يعلم بيها إلا ربنا، وإحنا إخوات. فخلي دول معاك تحسبا لأي حاجة تحصل جوه، زيادة في السعر، عروستك تختار حاجة

إضافية، اهو تبقى عامل حسابك من كله...

وأكمل "يوسف" بنيرة جادة صادقة:

وبالله ما تعمل مكسوف ولا الكلام الفارغ ده. إحنا بتعمل كده مع أي أخ لينا، وإنت من يوم ما اتقابلنا وإنت صاحبنا وأخونا. فالراجل مش هيفضل مادد إيده.... خد فلوسك، حطها في جيبك. واخلص.

ظل "مروان ينظر إليهما لثوان في صمت، وقد بدت الصدمة واضحة على ملامحه، ثم لمعت عيناه فجأة بدموع لم يستطع منعها، وبلا مقدمات الدفع نحوهما واحتضنهما بقوة، تبادل مهاب

ويوسف نظرة دهشة سريعة وهو يقول بصوت ممتن

تعرفوا إلي كان نفسي يبقى عندي أخ ولد أكبر مني أو حتى أصغر ... وكان نفسي في صحاب جدعة، بس ربنا ما رزقنيش بدول ولا دول غير لما قابلتكم. لقيت صحاب في الدهب واخوات يقفوا في الضهر ... أنا مش هنسالكم الموقف ده طول حياتي.

ربنا على كتفه بقوة في محاولة لإخفاء تأثرهما، فايتعد "مروان عنهما قليلا، واستعاد مرحه المعهود وهو يقول ضاحكا:

بس يا حبوب انت وهو أخوكم الحمد لله معاه وزيادة وعامل حسابه، فشيلوا فلوسكم لوقت عوزه

قالها وهو يعيد المال إليهما. قزم مهاب شفتيه قليلا وقال : انت مخك ناشفة ليه يا واد؟ ما تاخد وأنت ساكت

ضحك " مروان " وقال:

تصدق ؟ أبويا وجدي قالولي نفس الجملة الصبح بس يا جدعان، هو أنا باين عليا الإفلاس للدرجة دي ؟ والله معايا، ولو احتجت أكيد مطلب منكم.

قال " يوسف" بعدم تصديق:

لا والله ؟

رد "مروان" بنقة:

والله يعنى هو أنا ليا مين غيركم أطلب منه ؟ شايلكم الكبيرة يا كبير منك له.

نظر "مهاب " و "يوسف" إلى بعضهما بعجز طريف، ثم أعاد مهاب المال إلى جيبه وهو يقول:

طب يلا ادخل لعروستك واحنا هنيجي وراك

ابتسم "مروان" بحماس وقال:

ماشي... متتأخروش عليا.

ثم الدفع داخل المحل بفرحة واضحة تشبه فرحة الأطفال الفجر مهاب ويوسف ضاحكين على منظره، لكن ضحكتهما انقطعت فجأة عندما سمعا صوت "مازن يقترب منهما، يمد كف يده الى مهاب ويقول بجدية مصطنعة:

الفلوس اللي دخلت جيبك دي تلزمني يا أخويا حبيبي أنا هتجوز برضه ولازم تقف جنبي.

رفع "مهاب "حاجبه وقال بسخرية

امشي امشي الخرج الأول وخلص جيشك، وبعدها ابقى تعالى اتكلم. قال هيتجوز قال أخوك

نفسه مش عارف يتجوز.

قال "مازن" يضيق متصنع

يعني مش هنديني الفلوس أبدأ بيهم مشروع أحلامي ؟

ساله "يوسف" وهو يضحك:

وايه هو مشروع أحلامك يا مازن باشا؟

اعتدل "مازن" في وقفته وقال بجدية درامية

مزرعة فراخ بيضة.

تعالت ضحكاتهم، وجذبوه بينهم في عناق مرح. فقال " مهاب" وهو يربت على رأسه

والله ما حد هيشلني غيرك إنت وهي.

عمر" مازن" بعينه وقال بمكر

هي مين يا كبير اللي هتشلك ؟

ضربه" مهاب" بخفة على رأسه وقال:

هقولك بكرة في الجيم يا حلو، يلا تدخل لهم جود.

تركه ودخل، فالتقت " مازن" إلى " يوسف بنظرة فضولية. ابتسم "يوسف" ببساطة وقال:

هو بيحب يقول الأسرار في الجيم، فاستعد بقى.

ثم تركه ودخل هو الآخر. رفع مازن عينيه إلى السماء وقال بنبرة درامية

ثم دخل خلفهم.

أنا مكاني مش وسط المتوحشين دول، احميني منهم يا رب.

في الداخل كان الجو داخل المحل مفعها بالبهجة.

"نور" تقف أمام الفاترينة تختار ما يعجبها، بينما البنات يحيطن بها ويشاركتها الرأي والضحك.

ما تحب بكفيه سعادة.

اما "مروان" فكان يقف قريبا منها، يراقبها بنظرة مليئة بالفرح والرضا، وكان مجرد رؤيتها تختار

وبعد تردد ومقارنة بين عدة أشكال، استقرت أخيرا على دبلة ومحبس و خاتم، كانت تصاميمهم رقيقة وبسيطة لكنها أنيقة للغاية.

قال لها "مروان" بهدوء:

نور اختاری کمان، وبراحتك خالص اللي يعجبك اختاريه.

ابتسمت وهي تقول بصدق:

والله يا مروان أنا فرحانة بدول جدا، وكمان دول كثير. أنا ماكنتش عايزة غير الديلة

والمحبس، وعمو محمد هو اللي صمم نختار خاتم... قده كثير قوى بجد.

كانت عين "مروان" قد التقطت في تلك اللحظة إنسيالا أنيقا داخل الفاترينة. أشار بخفة إلى

صاحب المحل الذي فهم قصده فوزا وأحضره إليه، أخذه مروان في يده ثم قدمه لها قائلا:

طب قیسی ده كده شكله حلو ولايق على الحاجات اللي اخترتيها.

هزت رأسها رافضة

لا لا، كفاية اللي جبناهم كده كتير.

قاطعها بنبرة جادة يغلب عليها الحنان:

من كثير عليك يا نور والله ما كثير، وبعدين أنا مصمم على الإنسيال ده، فعشان خاطري

قيسيه كده الأول شوفي على قدك ولا إيه، ولو مش عاجبك اختاري غيره.

تر فرقت الدموع في عيني نور من تأثرها، فنظرت إلى رقية. ابتسمت رقية لها وهزت رأسها كأنها

تقول اختاري.

مدت " نور" يدها وارتدت الإنسيال، فبدا جميلا جدا حول معصمها، رفعت نظرها إلى مروان وأومأت برأسها موافقة.

وبعد دقائق، كان "مروان" يدفع الفاتورة، بعد أن اختارت نور أيضا دبلته.

وبعد وقت قصير، خرجوا جميعا من المحل، واتجهوا إلى السيارات.

تحركت السيارات عائدة إلى الحارة، بينما كانت الشمس تميل نحو الغروب، وألوانها الدافئة تملا

السماء، معلنة اقتراب موعد الإفطار.

كان الجو في الحارة، أسفل بيت إبراهيم النجار مليئا بالحيوية والحركة.

فقد انشغل الرجال والشباب بتجهيز طاولة طويلة للإفطار؛ تلك التي سيجلس عليها الرجال بعد الصلاة، وكانت الأيادي تتحرك بسرعة بين من يرتب الكراسي، ومن يضع الأطباق، ومن يمد

الأغطية على الطاولة.

وفي الجهة الأخرى، كان بعض الشباب يثبتون أنوار الزينة على واجهة البيت، يعلقونها بعناية لتضيء المكان احتفالا بالخطوبة، ومع اقتراب الغروب بدأت الأضواء الصغيرة تتلالاً، فتعطي للمكان روحا احتفالية دافئة.

اما داخل البيت، فكانت ناهد وسمية وعائشة منشغلات بوضع اللمسات الأخيرة على الطعام والمشروبات. وقد خلعت عائشة نقابها، بعدما أعطتها سمية بعض الملابس من عندها حتى لا

تنسخ ثيابها، وتتحرك بحرية وهي تساعدهن في العمل.

كانت رائحة الطعام تعيق في المكان، وكل شيء يوشك أن يكتمل.

تنهدت "سمية " أخيرا وهي تمسح جبينها بطرف يدها وقالت:

أومأت "ناهد" برأسها وقالت بنبرة ارتياح:

الحمد لله إننا خلصنا وكل حاجة جاهزة ... يلا يلا نقوم تجهز عشان تكسب وقت.

أخيرا خلصنا كده كل حاجة في الفل، يلا بقى تغسل ونجهز عشان هما ربع ساعة ويوصلوا.

وقفت "عائشة" وهي تعدل حجابها قليلا وقالت بابتسامة:

ماشي يلا، واهو نبقى جاهزين عشان نتفرج على اللي نور اختارته براحتنا قبل لما الرجالة تطلع.

ضحكنا، فقالت "سمية " وهي تلوح بيدها:

من هيطلعوا غير بعد التراويح يا حبيبتي، فبراحتنا وبراحتنا قوي كمان.

تم دخلن جميعا ليجهزن أنفسهن.

بعد وقت قصير دخلت السيارات الحارة مع أذان المغرب.

وصل الجميع إلى البيت في اللحظة نفسها تقريبا التي وصلت فيها سيارة تقل خالة مروان

وينتبها، أسرعت البنات باستقبالهن وأخذتهن إلى الأعلى.

وفي الداخل، تم استقبال نور استقبالا دافلا، فقد أمسكت سمية بسلة من الورد وبدأت ترشه فوق رأسها وهي تغني لها بفرحة تشبه فرحة الأمهات ببناتهن، أما الرجال فاتجهوا مباشرة إلى المسجد لأداء الصلاة.

مز وقت طويل قضوه بين الصلاة والإفطار ثم صلاة التراويح، حتى حان أخيرا موعد حفل الخطوبة.

صعد الرجال إلى الشقة التي أعدت للحفل وكانت مزينة بعناية، والمشروبات والحلويات

مصطفة على الطاولات بشكل أنيق.

أما في غرفة البنات فكانت نور قد ارتدت فستان مناسبات جميلا ولفت خمارها بعناية، وارتدت قفازيها.

بدت في غاية الأناقة والرقة.

ما إن رأتها "رقية " حتى قالت بعفوية، وعيناها تلمعان إعجانا:

اسم الله عليك يا قلب أختك... ألف اسم الله عليك ايه الجمال ده ربنا يحرسك.

ضحكت "نور"، ثم اقتربت منها واحتضنتها بقوة وهمست قرب أذنها:

الجمال ده كان ممكن يبقى اتحرق من سنين وبقى رماد لولا بطلة وقفت في وش النار

وحافظت عليه وعلينا.

ترفرفت الدموع في عيني "رقية"، بينما تابعت" نور" بصوت أكثر هدوءا:

عارفة يا رقية ؟ أنا كنت فاكرة إني هيفى زعلانة إني ماعيش أم ولا أب في وقت زي ده، بس

رقية تستاهل تعيش حياة طبيعية وتبطل تضحية شوية.

ده ما حصلش، وجودك بالأم والأب وكل الناس، أنا كان نفسي أشوفك الأول عروسة قبلي، عشان

شدت "رقية" نور إليها أكثر وريتت على كتفها بحنان وقالت:

مش تضحية يا هبلة أنا بتنفس بوجودكم وفرحتكم انتوا عندي بالدنيا، وهقول ثاني أنتوا مش موقفيني عن أي حاجة يا عيال فيروز انتوا رزق من ربنا ليا من غيركم رقية كانت هتبقى

رماد.

كانت "نور " على وشك الرد، حين سمعوا فجأة صوت بكاء خافت خلفهم.

التفتوا بصدمة ليجدوا "سيف" و"هنا" واقفين يسندان رأسيهما إلى بعضهما ويبكيان.

نظرت اليهما "رقية" بدهشة، ثم انفجرت ضاحكة وهي تقول:

كتلة نكد يا ربي عايشة مع كتلة نكد يتعيطوا ليه يا بؤساء؟

نظر" سيف" و " هذا " إلى بعضهم لحظة، ثم اندفعا معا نحوها واحتضناها، قالت " هنا" والدموع

في عينيها :

إحنا بنحبك قوي.

وأضاف" سيف " بصوت مبحوح قليلا

قوي قوي يعني.

ضحكت رقية "" وهي تضفهما:

وأنا والله بحبكم قوي قوي يعني بس بلاش تنكد على البت في يوم زي ده. تعالوا بس نخلص

النهارده، وأوعدكم بكرة هنفضل نعيط شوية ونحب في بعض شوية.

ضحكوا جميعًا، فقال "سيف" وهو يغمر :

بس العيون الخصر عاملين شغل جامد.

ضربته "رقية "بخفة على ذراعه وقالت:

احترم نفسك، ويلا امسك ايد أختك وطلعها يا راجلنا..

عدل "سيف" ياقة قميصه بغرور مصطنع، ثم مد يده إلى نور التي أمسكت بها بسعادة. تحرك بها

وهو يقول:

جاهزة يا حجة ؟

ضحكت" نور" وقالت:

جاهزة يا بني.

عندما خرجوا إلى الصالة، كان الحضور جالسين على الكراسي على الجانبين.

وكان مروان يجلس على الكرسي المخصص للعروسين أمام الديكور الرقيق المعد للحفل.

ما أن راها قادمة حتى وقف تلقائيا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة وهو يتمتم:

"ما شاء الله "

تقدمت نور تسلم على الحاضرين فسلمت على ناهد وهبة وسماء ثم احتضنتها عائشة بحرارة.

وكذلك خالة مروان وبنتاها، وبعدها حيث الرجال بإيماءة رأس مهدية.

بلون فستانها.

ابتسمت وأخذت الباقة، ثم جلست إلى جواره.

وعندما وصلت إلى مروان، وضع يده على قلبه وحياها بإيماءة رأس هادئة، ثم قدم لها باقة ورد

قال لها بعد أن جلس هو الآخر:

مبارك

فاجابت بابتسامة خجولة:

الله يبارك فيك مبارك لك انت كمان.

قال بتأكيد وهو ينظر إليها:

أكيد مبارك ليا، أكيد.

كان الجميع ينظر إليهما بفرحة واضحة.

أما عائشة وسمية فكانتا تتمتمان بالأدعية لهما.

وفي وسط ذلك، كان" مهاب" ينظر إلى رقية" بنظرة ممتلئة بالضيق وهو يتمتم في سره:

منك الله يا رقية كان نفسي البس دبلة زبهم. أه منك لله والله.

وصل همسه إلى "يوسف"، الذي حاول كنم ضحكته لكنه فشل فانطلقت ضحكته فجأة. التفت

الجميع إليه، فقال معتذرا:

معلش يا جماعة افتكرت حاجة كده، كملوا كملوا.

نظرت إليه أمه بحدة، بينما ركله مهاب بخفة بقدمه.

في تلك اللحظة كانت رقية " قد جهزت صينية الشبكة وقدمتها لعائشة، فهي التي ستلبس

العروسين الديل.

أخذت "عائشة" الصينية وتقدمت منهما ، وقف "مروان" فوزا، واحتضتها وطبع قبلة على رأسها.

فقالت له بحنان

اقعد با عربس عشان البسك دبلتك.

ضحك وهو يجلس:

يا سعدی یا هنايا يا ماما والله.

إيدك يا نوراة بيتنا.

ابتسمت، ثم التفتت إلى نور وقالت:

مدات " نور" يدها مبتسمة، وبدأت عائشة تلبسها الشبكة قطعة قطعة، وبعد أن انتهت احتضنتها

بقوة، ثم أليست مروان ديلته وهي تدعو لهما.

وما إن انتهى تبادل الديل، حتى زغرطت رقية لهما بعد الحاج من سمية.

فقال" مهاب " بصوت عال متذمزا:

الصبر يا رب.

التفت إليه أبوه وقال:

مالك يا ابني ؟

رد وهو يتصنع الضيق

قال والده يمكر:

ولا حاجة يا حاجة ناموسة ما بتفصلش، قاعدة تزن فوق دماغي.

موتها يا حبيبي

تنهد "مهاب" وقال يعجز:

ما قدرش والله يا حاج والله ماقدر

تدركها إلا النساء.

ضحك الرجال جميعا تقريبا، ففي الكلام مشاعر لا يفهمها إلا الرجال، كما أن هناك مشاعر أخرى لا

وفقت" هنا" فجأة وقالت بحماس:

يلا بقى عشان تتصور كلنا بس الأول مصور العرسان

في تلك اللحظة كان "مازن" يا تمتم في سره بضيق:

لو قعدت في مكانها يحصل لها حاجة، ما يصوروا نفسهم!

وبدأت هذا تلتقط صورا عديدة لنور ومروان، ثم صورا جماعية مع الجميع، ومع إخوتها أيضا.

وبعدها شغل الشباب بعض الأغاني بالدف، وبدأوا يرقصون معا في أجواء مليئة بالفرح.

وفي وسط تلك الأجواء اقترب اللواء "هاشم "من" عامر" وقال له بهدوء:

عيالك جدعان با عامر ، ربنا عوضك بيهم، لو أبوك كان عايش وشافهم كان هيبقى سعيد قوي.

ابتسم "عامر" يفخر وهو ينظر إلى مهاب ومازن وقال:

الله يرحمه، دول عوض ربنا يا سيادة اللواء

ضحك " هاشم" قليلا وقال:

بس عندك عاشق عيونه فضحاه، والمحبوبة مطلعة عينيه.

رد "عامر "ضاحكا:

هو ابن حلال ویستاهل بلا خليها تعلمه الأدب.

غمر" هاشم "وقال:

بس يا رب ما يبقاش زي ابوه وبسيبها تضيع منه.

صمت "عامر" "لحظة، ثم تنهد وقال بصوت هادئ

في حاجات تضيع من الإيد بس ما تضيعش من القلب.

اجابه "هاشم" بمرارة:

دي توجع أكثر يا عامر بتوجع أكثر.

ساد بينهما صمت قصير، ثم عادا يتابعان فرحة الشباب من حولهما ....

ومع انتهاء اليوم أخيرا، وبعد أن هدأت الأصوات والصرف الجميع، عاد مروان إلى بيته وهو

يشعر أن قلبه ما زال عالقا في تفاصيل هذا اليوم.

جلس قليلا في غرفته، ثم رفع يده يتأمل الدبلة في إصبعه، يمرر إبهامه فوقها ببطء وكأنه يتأكد أنها حقيقية وليست حلما عابرا ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه دون وعي، وهو يستعيد تلك اللحظة التي وضعت فيها نور الدبلة في يده... لحظة قصيرة، لكنها بدت له وكأنها بداية شيء أكبر بكثير من مجرد يوم مز وانتهى.

وفي الجانب الآخر، كانت نور قد جلست أخيرا مع نفسها بعد انقضاء اليوم الطويل، خلعت طرحتها بتعب، ثم رفعت بدها تتأمل الدبلة التي تستقر في إصبعها. ظلت تنظر إليها لثوان

طويلة، وكأنها تحاول أن تستوعب أن هذا اليوم حدث فعلا.

مررت أصابعها فوقها برفق وقلبها يمتلئ بشعور جديد لم تعتده من قبل... شعور دافئ، مزيج من الخجل والفرح والرهبة معا.

أغمضت عينيها قليلا، وابتسامة هادئة تسللت إلى وجهها، وكأن قلبها بدأ يدرك ببطء أن هذه الدبلة لم تكن مجرد زينة في يدها.... بل بداية حكاية كاملة.

تعليقات