رواية الصمت الباكي الفصل الواحد والثلاثون 31 بقلم ساره نيل


     رواية الصمت الباكي الفصل الواحد والثلاثون 

= شهقت بفزع مستيقظة من غفوتها القصيرة لتجد نفسها مازالت في السيارة وقد هاجمها النوم ..
نظر لها “مؤمن” بتعجب لكن لم يُعلق ..
بعد قليل أوقف السيارة أمام القصر ثم ترجل ثلاثتهم في صمت وهدوء ..
_ ترجلت من السيارة بضعف وهوان ووجهها شاحب شحوب الأموات، فما رأته بتلك الغفوة القصيرة أثار خوفها..
لا تستطيع الخروج من هذا الكابوس المزعج، وتتسائل هل هذا الكابوس تحذير لها لئلا تتمادى بأفعالها وأحلامها كثيرًا ..
نعم نعم .. هو قادر على إنهائها وإيذاء يزيد برمشة جفن ..
ابتلعت لعابها بصعوبة لمرارة الذكرى التي تنهش بعقلها، أمسكت يد يزيد بقوة، الذي قال بحماس: هنرقص سوا يا ماما ..
_ نظرت إليه بعينيها المتثاقلتين بألوان الحزن والهموم، وقالت: أيوا يا حبيبي .. لما ندخل جوا ..
ترك يدها وذهب لمؤمن ممسكًا بيده وقال برجاء طفولي: إنت كمان يا عمو مؤمن تيجي معانا ..
= كان “مؤمن” يراقب تغيراتها المفاجأة، وشحوب وجهها المفاجىء..
بينما نظرت له برجاء كي يرفض، وقالت ليزيد برفق: يزيد حبيبي.. عمو عنده شغل ومش فاضي ..
راقبها مؤمن بشيء من التعجب، أعينها زائغة وتنظر حولها بتيهة وخوف..
ليست ذاتها من كانت تقف أمامه بقوة وتنشب بمخالبها ..
_ اقترب منها بإصرار وتحدٍ صامت، وقال بقوة: ماشي يا بطل أنا موافق ومش ورايا حاجة… يلا بينا .
هلل يزيد بسعادة بينما هي فإزداد وجهها شحوبًا وقد باتت قواها خائرة وشعور الخوف يُقيدها..
أخذ بيد يزيد وسارت خلفهم بكتفي متدليين وخطوات مثقلة ..
توقف أمام الملحق وسط الأشجار والورود ..
تقدم منها يزيد بحماس ووقف أمامها لتبتسم له رغمًا عنها فلا ذنب له بما يحدث بقلبها ..
أمسكت يده بحنان ووضع يده على الأخرى على أسفل خصرها بقدر ما استطاعت قامته أن تصل به
تمايلت معه على أنغام حزنها وحسرتها المكنونة بقلبها ..
تحت انظاره المراقبة لها كالصقر والتي يغزوها البرود واللامبالاة التي تُصيبها بمقتل وتُعزز مخاوفها ..
= انتهت الرقصة وتنهدت بعمق، فأخيرًا انتهت
تريد الركض والإختباء خلف الأبواب لتختلي بنفسها وتُطلق العِنان لعبراتها حتى تُنفس عما بداخلها فهي الآن بأشد الحاجة إلى البكاء .. ولا تعلم لماذا؟!
لكن تريد أن تبكي ..
تريد أن تبكي ضعفها وقلة حيلتها ..
تريد أن تبكي قلبها وأيامها ..
هناك ثِقل بجثم على قلبها الذي وقع أسيرًا للمعاناة والأسى ..
_ اقترب منها، وقال ليزيد بإبتسامة مدروسة: إنت خلصت يا بطل جه دوري بقى ..
التفتت من حولها بزعر ورمشت عيناها بإنزعاج قبل أن تفتحمها بالكامل .. رأته يقف أمامها وشعرت بذراعه تُحيط خصرها بقسوة رغمًا عنها مقربها منه ..
لتقول بصوت يشوبه الضعف وهي تجاهد للسيطرة على قلبها: لو سمحت مينفعش كدا في ناس موجوده جوا هيفكروا عليا أيه ..
_ جذبها إليه أكثر وهمس بقسوة: هو أنا مقولتلكيش ..
طالعته بحيرة ليتابع وهو يحدجها بنظرته المرعبة: أنا عايز الكل يشوفك كدا … وإنتي في حضني ويعرفوا حقيقتك القذرة
وتابع بقسوة أشد حطمت قلبها، وتفتت روحها إلى أشلاء: وبعدين اتعاملي بطبيعتك أنا عارف اصلك.. إللي يشوفك دلوقتي ميشوفكيش إمبارح وإنتي في حضني ولا يشوفك النهاردة لما …
قاطعته وهي تتحرك بعنف محاولة الإبتعاد عن دائرته، وقالت بقوة نابعه من كسرتها وهوانها: خلاص كفاية.. أنا غلطانة ومعدتش هكرر الغلطة دي صدقني
هخلص إللي انت عايزة وهمشي من هنا ومش هتشوف وشي تاني… بس ابعد ..
أردفت هذا وقد مارست أقوى أنواع ضبط النفس كي لا تبكي أمامه وتُظهر ضعفها ..
_ ابعدها عنه بغضب، وقال بإحتقار: متحاوليش تتقمصي دور الشيخة والبت النضيفة البريئة لأن مش لايق عليكي ..
_ هزت رأسها بضعف مقاومة رغبة مُلحة في الصراخ وإخراج كل تلك التراكمات التي بداخلها والتي تحارب الآن داخل قلبها مُسببة ضجيج يكاد يصم الأذن..
أوشكت أن تهرع إلى مخبئها الحبيب لكن قاطعها اقتراب تلك الفتاة التي تجهلها باكية بإنهيار
لتُسرع حيث “مؤمن” وتلقي بنفسها داخل أحضانه
قائلة بشهقات عاليه وكلمات غير مترابطة: مؤمن إلحقني … بابا يا مؤمن .. مش هقدر لو حصله حاجة .. بيقولوا ان مش كويس ..طب اعمل ايه..
ربت على رأسها مهدئها وقال برفق: اهدي يا ياسمينا.. مفيش حاجة.. إهدي وفهميني
_ ازداد بكائها وهي تدخل بنوبة بكاء شديدة جعلها تكاد أن تسقط إلا أن ذراعي “مؤمن” احاطتها برعاية ثم إنحنى إليها وحملها برفق أمام انظار تلك الهزيلة التي ظلت تراقب أثرهما بروح شاردة، وهاجمتها مشاعر غريبة تلاطمها بقوة للمرة الأولى..
مالت نحو المقعد مستندة عليه بضعف وتشعر وكأن أحدهم استل سيف من غمدة وغرسه بمنتصف قلبها وشعرت بوخزات متتالية تضرب قلبها ..
وماذا ستفعل بـ بذرة العشق التي غُرست بقلبها البائس!
وقد كُتب لتلك البذرة الهلاك فلا راعي يَرعها، ولا ساقي يَسْقِيها ..!!
= أخذت يزيد ودخلت مئواها … أبدلت له ملابسه وهي تحاول أن تتماسك نفسها وتصتنع الإبتسامة من أجله ..
بعد قليل خلد يزيد للنوم ..
تركته وخرجت لتسقط على أحد المقاعد وتطلق العنان لعباراتها ليسقط شلال من الألم والأسى
تريد الصراخ والتنفيس عن تلك الآهات التي تكوي قلبها..
_ وضعت أحد الوسائد على وجهها وأخذت تصرخ صرخات موجعه مكتومه تردد صداها بداخلها..
اغرورقت عيناها بدموع متالمه وأخذت تُحيط نفسها بذراعيها مُحتضنه إياها بقوة داعمه لها وقد إنحنى ظهرها بنوائب الدهر ..
ظلت صامته وتنظر إلى اللاشيء، وقالت وهي تواسي ذاتها: لا لا يا أسوه إنتِ مش كدا دا مش أول ألم
طول عمرك متماسكه ولواحدك والكل بيوجع فيكِ
مفيش حاجة جدت يا أسوة ..
أنتِ ليه بتعيطي وزعلانه كده؟ وليه هو هامك كده؟
لا يا أسوه إنتِ مش هتعملي فيا كده، حرام عليكِ قلبك ارحميه … لازم تنسي وتكملي ومحدش يكسرك..
هيأذيكي وهيقتلك ويأذي يزيد …
بطلي أحلام واتقي الله في نفسك ..
وأخذت تردد بهسترية كأنها تُحدث شخصًا أخر: هتنسي هتنسي …
_ صمتت برهه وتجدد الدمع بأعينها مرة وهي تقول بألم مشيرة لقلبها: بس دا بيوجعني قوي … دا وجع مختلف .. حاسة إن روحي بتنسحب ..
ليه بيوجعني كدا .. والله ما عملت حاجة، يارب مفيش حد قابلته ألا ما يكرهني ويحتقرني حتى هو بيكرهني كره جامد أوووي ..
_ أكلمت ببكاء حاد وهي تضرب على قلبها بقوة: أعمل أيه .. أعمل أيه علشان الوجع ده يروح وأرجع زي الأول واخف من المرض ده ..
*****************************
_ أستاذ حسين ..!!!
_ إزيك يا سارة .. إنتِ كويسة، بقالي كتير بدور عليكِ .. أيه الإختفاء ده ..
ظلت تلتفت من حولها بذعر وداخلها معبىء بالأسئلة
فماذا جاء به هنا .. ؟ وكيف علم بمكان تواجدها؟
فهذا الأبن الأكبر للمعلم إبراهيم الذي كانت تعمل لديه بمخبزه وقد قام بمساعدتها في الدراسة كونه معلمًا ..
_ قالت مسرعة واقتربت إليه وهي تقول برجاء خوفًا أن يراها أحد: طب يلا نمشي من هنا حالًا قبل ما حد يشوفنا .. كويس أنك جيت
= ومش عايزه حد يشوفك ليه يا زوجتي العزيزة !!
تيبست بأرضها بصدمة وحدث ما كانت تخشاه ..
نظرت خلفها وهي ترى صالح يقف وهيئته لا تدل على خير..
ركضت مختبأة خلف “حسين” وقالت بإصرار: أنا همشي من هنا … معدتش قاعدة هنا دقيقة كمان وهرجع الحارة .. وكفاية كذب لغاية هنا .
_ أضاف “حسين” مؤيدها: وأنا جيت يا سارة متخافيش محدش هيقدر يعملك حاجة … وزي ما اتفاقنا، واتفاقنا نجح .. الفلوس وصلت حسابي وهنعيش سوا من غير قلق وكويس إنك كلمتيني يا حبيبتي ..
_ توسعت أعينها بصدمة ورددت بزهول: انت بتقول أيه ..
_ أشاح صالح وجهه وابتسم بسخرية قائلًا: مش كفاية تمثيل بقى وننهي المسرحية دي ..
كنت عرفيني من الأول أن كل إللي يهمك الفلوس وحسابك في البنك
واتفقتي إنتي والزبالة ده تحولي عشره مليون لحسابه في البنك علشان تقدري تعيش انتي وهو، زي ما بيقول
تعرفي أن العشره مليون دول تمنك ..
ايوا ما أنا شاريكي من الست الوالده بعشرة مليون ..
للأسف ملهمش قيمة شبهك ..
_ أخذت تجأر عاليًا بجنون: اخرس وبطل كذب، أنا متفقتش مع حد ولا اعرف انت بتتكلم على أيه ..
إنت إللي اتفقت عليا … أنا سمعت كل حاجة .. وإنت بتقول انك نفذت كل حاجة اتفقت عليها..
توقعني في الحب وبعدين تكسرني .. يعني دا كله كان كذب ولعبة قذره منك ..
انت الكذاب هنا مش أنا ..
_ اقترب منها وجذبها إليه بعنف: هنشوف الموضوع ده بعدين … مين إللي لعب أحسن من التاني والحساب يجمع يا روح قلبي ..
ثم وجه حديثه لحراس الأمن المنتشرين في المكان: الكلب ده روقوا عليه على ما أجيله..
وانحنى نحو تلك التي تقاوم بعنف محاولة الفكاك من بين يديه بقوة ..
حملها على كتفه وقال بتوعد: تعالي .. أنتي حسابك معايا تقل قوي ..
لتظل تصرخ عاليًا وتضرب ظهره بقبضتها الصغيرة..
ويتوارى بها خلف الأبواب وقد نجحت تلك الأفعى برسم مُخطط الدمار
*****************************
ظل يبحث عنها بالطُرقات كالمجنون لكن كأنها طيف لا يُرى ..
علم أنها لم تذهب للجامعة الأمس واليوم، وذهب لمنزلها القديم والنتيجة ذاتها لا وجود لها ..
تختفي منذ يومين ولا أحد يعلم عنها شيء ويبحث عنها كالمجنون في ظلام الليل ..
وعقله لم يتوانى عن تصوير أسوأ السناريوهات والذعر يرتسم على قسماته المشدودة ..
ضرب رأسه بالمقود بغضب راجيًا عقله أن يهدأ قليلًا حتى يتمكن من تلخيص حلَّ لتلك الكارثة ..
استمع لرنين هاتفه ليُخرجه من جيبه بلهفة لكن خاب أمله وجثم على قلبه الإحباط وهو يرى المتصل
“مؤمن الصياد”
ماذا سيخبره الآن؟
_ حاول إستعادت ثباته وأجاب بهدوء: أيوا يا مؤمن
_ قال الآخر بإنفعال: ليلى موبايلها مقفول ليه يا ليث
بقالي كتير برن عليها ومش عارف أوصلها ..
_ تنفس ليث بهدوء محاولًا عدم إثارة شكوكه: ممكن يكون فصل شحن يا مؤمن وهي مش واخده بالها لأنها مشغولة بالمذاكرة اليومين دول ..
وعمومًا أنا في الشغل وأول ما اروح هبلغها انك عايز تكلمها ..
_ تمام يا ليث لما تروح طمني… ولازم نتقابل علشان عايزك لأن لازم نتحرك ونوضح كل حاجة..
_ قال ليث وداخله حزين لكذبه فلو علم مؤمن بما حدث لأقام الدنيا ولن تهدأ ..
: تمام يا مؤمن هنتقابل ..
= وانتهت المهاتفة على هذا النحو..
ليعاود الإتصال بـ ليلى للمرة الألف .. لكن بدون فائدة يُعطي الهاتف ذات النتيجة التي تغلق الأبواب أمام قلبه الملهوف ..
*********************
بصباح اليوم التالي ..
وقفت أسوة أمام المرآة ترتدي حجابها بعقل شارد وقلب مُحمل بالهموم، تشجع ذاتها للمواصلة بين الحين والآخر ..
ابتسمت بسخرية فعلى الأقل أكسبتها التعاسة مناعة وقدرة على المتابعة ..
خرجت من الملحق قاصدة الذهاب لجامعتها لكن أوقفها الرجل المدعو بمعتز يخبرها بذهابها لمؤمن بغرفة مكتبه لأنه يُريدها ..
انكمشت ملامحها بإنزعاج وذهبت مرغمة، فإذا كان الخيار بيدها فهي لم تعد تريد رؤيته لتجنُب مزيدًا من الألم..
= جلست أمامه بهدوء يُنافي الإعصار الدائر بين ضلوعها وعقلها يتسائل عن سبب إستدعائه لها وشعور القلق ينسدل بداخلها بحرية ..
_ رفع رأسه والوجوم يرتسم على وجهه ثم قال بحزم: عايز علاج عُشبي يساعد على علاج الإدمان ..
اتسعت مُقلتيها بصدمة وامتقع وجهها بالذعر وعقلها يرفض التصديق ..
حاولت ترتيب كلماته التي لا تعني سوى شيء واحد “مؤمن الصياد” مدمن على المخدرات ..
_ تسائلت بإستنكار والفضول يسري بعروقها مجرى الدم: السبب أيه؟!
= رفع رأسه بحِدة ثم إستقام وتقدم نحوها ببطء وغل غير آبه لإنكماشها بالمقعد ..
مشطها بنظراته من أعلاها إلى أسفلها بإستخفاف، وانحنى أمامها واضعًا يداه على ذراعي المقعد، وهمس بصوت جعل داخلها يرتعش بخوف: أنا بس إللي بسأل هنا … إنتِ مين علشان تسألي مؤمن الصياد
صدقيني أنا قادر أنهيكي في غمضة عين ..
للمرة الأولى والأخيرة بقولهالك أحذريني ومتفكريش في أحلامك حتى إنك تقربي من حدودي لأن ساعتها هحرقك …
وتابع بصراخ جعلها تجفل: فاااهمة
_ غمغمت بهدوء: فاهمة يا باشا
وتابعت بجدية وعبقرية فذه عُرفت بها، فإذا كان مؤمن إعصار ناري فهي عاصفة ستُبدد إعصاره: أنا كنت شغالة على الموضوع ده فترة…
هنزل الغابة وأبحث عن بعض الأعشاب والنباتات إللي هحتاحه وأبدأ بإستخراج مضاد يساعد المدمنين بنسبه سبعين في الميه “%70” على سحب السموم من الجسم ويمنع ظهور أعراض الإنسحاب الناتجة عن توقف تعاطي الأفيونات ..
نظر لها بإعجاب مُبطن نجح في إخفائه وعقله يمدح عبقرية تلك الفتاة..
_ تسائلت بجديه: السؤال دلوقتي محتاج كمية قد أيه يعني لشخص أو اتنين .. كدا يعني
_ أولاها ظهره، وقال وهو ينظر للخارج بشرود من خلال جدار زجاجي: عايز أكبر كمية ممكنه .. بمعنى أصح تفضلي تصنعيه لغاية ما أقولك بس والمعمل لكِ بالكامل ولو احتاجتي مساعدة موجود مصطفى وغيره يقدروا يساعدوكِ ..
_ أجابته وهي تستعد للمغادرة بوجه خالي من التعابير: تمام … أول ما أرجع من الكلية هبدأ الشغل فورًا ..
ثم خرجت على الفور ليظل شاردًا بأثرها بتعحب من تغيرها وانقلاب حالها ..
= عجبًا لك عزيزي مؤمن؟!
وماذا تريدها أن تفعل بعد إنجازاتك العظيمة التي تقدمها إليها..
ستكون هذه ثمارها … جمود، حزن وحذر، وضع “الحذر” نُصب عينيك ..
إلتقت هاتفه ومفاتيحه وخرج حيث إمبراطوريته العريقة …
في حين ذهبت أسوة لجامعتها، ومن بعده ذهبت لعمل بدوام جزئي لأجل إطعامها وولدها ..
لكن أثناء رحلة عودتها حدث ما لم يُتوقع ..
***********************
بفيلا “صالح العشري”
يجلس على أحد الأرائك بغرفته واللهب ينهش بداخله..
وما يجعله حذر في التصرف معها، ما صدر منه سابقًا جراء ما فعله بحادثة “آدم”
الأموال لا تعني له شيء ولا يُعيرها إهتمام.. لكن معرفته بأن لها وجه آخر خلف قناع البراءة شيء يؤلمه ويُزهق روحه ..
فقد رأي أوراق تُثبت تحويلها لمبلغ العشرة مليون من حسابها الذي أعطاه لها إلى حبيبها المزعوم المدعى بـ “حسين”
ورؤيته لها بأم عينيه تريد الهرب معه قبل علمه بالأمر …
ليقف عاجزًا حائرًا بين قلبه الذي يعشقها وبين عقله الذي يأمره بقتلها على خداعها وكذبها ..
وأخذ عقله يسترجع بعض الأحداث ..
فهي دائمًا تتمنع من إقترابه منها ولم ينطف لسانها مرة بحبها له ..
أهذا من أجل هذا الحسين الذي ظهر فاجأةً ..
سيقتله ويتركها ترحل وليذهب قلبه للجحيم ..
بينما في غرفة ســـــــــارة…
تجلس بقلب يتألم من خداعه لها وكذبه عليها، فما كان يريده هو إيلامها فقط ..
_ تتعجب أيضًا وتتسائل عن ظهور حسين بهذا الوقت تحديدًا.. وكيف علم بمكان تواجدها وكذبه هو الأخر ..
فقد أختلق أكاذيب كثيرة جدًا ولا تعلم لماذا؟!
فهي لم يربطها به أي علاقة سوى تدريسه لها ولبعض صديقتها، وعملت أيضًا عند والده بمخبزه لكن لم تجمعها به المواقف ..
إلا أن ذات مرة علمت عن طريق المصادفة أنه تقدم لخِطبتها لكن قد رفضته والدتها لحجة صِغر عمرها وفي الحقيقة تلك لم تكن سوى حجة واهية خلف سريرة والدتها بعدم تجهيزها وبذل المال على زواجها
وأيضًا لا تريد خسارتها فمن سيعمل ويمدها بالأموال من أجل مواكبة المعيشة..
إلى الآن لا يستوعب عقلها ما حدث ..
وكل ما تعلمه أن ذاك المخادع، لن تغفر له ما مضى، وما سيبقى بقلبها، وستفر هاربة من براثينه عاجلًا غير آجل ..
= أخذت تبحث بالهاتف الذي أعطاه لها، محاوله مهاتفة أسوة لكن توقفت على بعض الإشعارات العديدة المنبعثة من التطبيق الشهير “الفيس بوك” والذي تعرفت عليه عن قريب ..
ضغطت على الأيقونة الخاصة به، وياليتها لم تفعل ..
وقعت أنظارها على صور عديدة لها الملتقطة من وسط حارتها … وأخرى أثناء عملها بملابس رثه
ويتصدرها عناوين كثيرة ..
“الكشف عن الزوجة المستقبلية لرجل الأعمال صالح العشري”
“أبنة الأرصفة والطُرقات تنال مبتغاها بزواجها من صالح العشري”
“ماذا فعلت لتوقع صالح العشري بشباكها”
“الخادمة تتزوج بسيدها”
وأخرى “الماكـــــــــــرة”
والكثير والكثير من هذا ..
وهناك عقد مقارنة بين صورتها القديمة بين شوارع الحارة وأخرى وسط الحفل
والتعليقات لم تكن رحيمة وهنينة أبدًا
فمنهم من يقول “نُضفت وبان عليها النضافة”
والكثير يسبونها بأبشع الألفاظ على عدم أخلاقها وكأنها ارتكبت جريمة بشعة..
لكن القشة التي قسمت ظهر البعير عندما سقطت مُقلتيها على تلك الجملة..
“معلومات موثقة من صالح العشري” ..
وهُنا أيقنت أن كل شيء قد إنتهى …..
***************************
= عقد العزم على محو ما مضى والبِدء من جديد معها، واقنع عقله بأن تواجدها بجانبه سيعوضه الكثير وسيشفي جروحه ويدعمه بقتل ذكريات ستفترسه دومًا..!
إنتابه القلق عندما كرر الطرق عدة مرات ولا مُجيب ..
هدأ من روعه بإحتمالية أن تكون خرجت من المنزل لكن ما أثار حفِيظته وجود عِطارتها مُغلقة ..
انكمشت تقاسيم وجهه وعزم على كسر باب المنزل وساعده في ذلك تهالك الباب ليُكسر بكل سهوله ..
_ دخل المنزل يبحث عنها بلهفة بكافة أرجائه لكن دون جدوى ..
ولج لأحد الغُرف والتي على ما يبدوا غرفة نومها إلا أنه لم يجدها أيضًا ..
كان على وشك الخروج لكن وقعت أنظاره على ورقة بيضاء مطوية وموضوعه بعناية أعلى الفِراش متروكة عن عمد ..
إقترب من الفراش وجلس على سطحه بهدوء وحيره ..
حسم أمره وقام بفتحها ليقرأ فحواها بنقشها الذي يحفظه عن ظهر قلب ..
سيطر على الأجواء صمت وذهول ومشاعر مضطربه تدور، وقد تملكه العجز عن الحركة، وأخذت دهاليز ذكرياته تهاجمه دون رحمه، وملأ الحزن آفاقه ..
“عرفت إن رجوعك لحياتي كانت غلطة كبيرة … تتصلح إزاي..؟ ببعدك عني ..
معدتش عايزه أشوفك تاني علشان كدا مشيت ومعدتش هتعرف توصلي ..
أنت كنت طفل غير مرغوب فيه ودلوقتي غير مرغوب فيك ..
شوف حياتك وانساني لأن أنا مش بفتكرك ..
أنا مش أمك ولا هكون، ولو محتاج أم قوي كدا روح دورلك على واحده”
<جميلة>
**************************
= وضع مدير المشفى أمامه كومة من الأوراق والمستندات القديمه التي تعود لبضع سنوات، وقال بإحترام: دي المستندات الخاصة بالسنه دي يا عاصم باشا .. والسجلات فيها كل حالة ولادة حصلت في المستشفى ..
_ شكره عاصم بإمتنان وأخذ يبحث بين طيات الأوراق بأمل ولهفة أعوام حرمان فذاك طوق النجاة الأخير..
بعد ما يُقارب النصف ساعة ..
إلتقطت عينيه أسم تردد على مسامعه كثيرًا في الآونة الأخيرة ..
《أسوة محمد الخطيب》
ولدت بنفس اليوم الذي ولدت به إبنته … وإبنة عدوه اللدود …
هل هذا محض صدفة ..؟!!!
_ عمل عقله بكافة الإتجاهات لتتسع عيناه بصدمة عندما أنار عقله بذلك الإستنتاج الذي توصل إليه وسيقلب الموازين ..
لكن أيُعقل……..!!!!؟

تعليقات