رواية الصمت الباكي الفصل الخامس والثلاثون
“ملكة على عرش الصياد”
= وقفت تنظر إليه بتعجب، ظنت أنها قابلته مرةً وإنتهى الأمر لكن ها هو يقف أمامها من جديد ..
ما بال الحزن ينسج شباكه على عالمي ويزيدها ضبابية وقتامة … فهكذا الحزن داءٌ كالسُم ينتشر كالبرق في ثنايا الروح ليحرقها بلا رحمة.
_ سارت بثبات حتى وقفت أمامه، ورغمًا عنها اهتز داخلها خوفًا من أن تكون مؤامرة حِيكت ضدها مرةً أخرى..
نطق أخيرًا وعيناه تجوب ملامحها: طبعًا مستغربة إنك شوفتيني مرة تانية … بس متقلقيش مش هو نفسه الموضوع إللي عايزك فيه .. المرة دي عايزك في موضوع تاني .. موضوع شخصي ..
_ طالعته أسوة بشك، وتربصت لما سيقوله لكنها لم تنتظر وتسائلت بتعجب: موضوع أيه يا حضرة الضابط، مفيش أي مواضيع شخصية بيني وبينك.
_ قال عاصم بهدوء وهو بالكاد يتمالك أعصابه: الموضوع يطول شرحه يا أسوة .. ممكن نقعد في مكان نتكلم واشرحلك كل حاجة..
_ احتضنت “أسوة” حقيبتها كـ ردة فعل وانكمشت على ذاتها، واستنكرت ما قاله بقولها: أنا معرفش حضرتك، وآسفه مش هقعد مع حد غريب.
_ عاصم بنفاذ صبر: متقلقيش يا أسوة إنتِ بعمر بنتي، وهنقعد نتكلم في مكان عام.
وعندما ذكر لقب ابنته برِقت عيناه وشعور يحُفه وحقيقةً لم يعد يستطيع التحمل أكثر من ذلك ..
بينما شعرت “أسوة” ببعض الحنين ينسج بداخلها شعور بالشوق لوالدها ..
أيُعقل أن يكون لها نصيب ذات يوم وتعثر على والديها!؟
بل يُعقل انهم مازالوا على قيد الحياة من الأساس..
= استجابت لرغبته على مضض، وسارت معه إلى أحد الحدائق العامة … جلسا معًا وكلاهما بوادٍ أخر ..
بدأ “عاصم” بسرد حروفه لها وألقى على مسامعها ما يخُص ابنته التي اختفت منذُ ولادتها، والسبب الذي جعله يشك بأنها من المُحتمل أن تكون هي ابنته المفقودة..
= وبهذا الاثناء كانت تتوارد على “أسوة” شتى المشاعر .. الصدمة، وعدم التصديق، والأمل، والحُزن عليه…
لكنها تماسكت ذاتها لئلا تتشبث بأمل كاذب وتُصاب بالخيبة في نهاية الأمر.
أجابته بعقلانية يحسدها عليها الكثير: يعني حضرتك بنيت شكوك واعتقادك لمجرد إنِ اتولدت في نفس المستشفى ونفس اليوم إللي اتولدت فيه بنت حضرتك.
_ أُعجب “عاصم” برزانتها وحِنكتها، وأجاب: ومتنسيش إنك تبقي بنت الخطيب .. ودا أكبر وألد عدو ليا شخصيًا ومجرم هارب من العداله وممكن يعمل أي حاجة ..
_ تعلم بسريرة نفسها وبإقرار الخطيب نفسه أنها ليست ابنته وليس هو بوالدها، لكن هذا لا يُثبت أيضًا أنها ابنة هذا الرجل “عاصم الشامي”
_ بصراحة يا حضرة الضابط أنا مش متعجبة ولا حاجة لأن أنا شايفه الموضوع عادي ولا داعي للشك فيه…
بس بردوه هفضل مع حضرتك لأن شايفه أب ملهوف وبيدور على بنته … أقدر أساعدك إزاي أو الحل أيه؟.
_قال عاصم دون تردد: تحليل DNA
_ أجابته أسوة بصوت مرتعش: وأنا موافقة.
=”وعلى المقعد المجاور لهم، كان يجلس من يستمع لحديثهم بدقة شديدة لأنه سيحتاج إلى إعادته على مسامع رب عمله بحذافيره..
فكثيرًا ما نكون على أعتاب ما نُريد وعند تُوشك على وطأته يقف القدر حائلًا ..
_ رفع الرجل هاتفه ليأتيه الرد من الطرف الأخر: خير في أيه..؟
_ سرد إليه الرجل ما حدث دون إنقاص حرفٍ واحد .. وبهذا إنتهت مهمته على أكمل وجه..
_ خلاص كدا إنتهت مهمتك .. سيب الباقي عليا ..
= رحلت “أسوة” بصحبة “عاصم” غير مدركين أن ما سيحدث سينزل كصفعات على قلوبهم وأن ما يُريده كلًا منهم سيقف الصياد حائلًا بينهم ….
رحلت “أسوة” بجانب والدها التي تتمنى لُقياه، وكذلك “عاصم” تكمن روحه بجانبه الذي لطالما تعذب من فقدانها وفراقها وعاش سنوات عُجاف احاطها الحُزن من كل جانب كالصدأ حتى تأكلت أرواحهم..
فـ متى سيأتي الدواء لهذا الداء ليُستطب به الجميع …
___________________________________
بُعادكِ عن قلبي وفُراقكِ إياي كـ فُراق قطرات المطر الغيمة التي عانت حتى جمعت تلك القطرات وبالأخير أثآرت الثرى عليها فاختلطت بها وهي الخاسئة..
هجرته “سارة” وهجرها هو بالمُقابل وأُضرمت النيران بقلوبهم … هجرت قلبه بعد أن أعادته من مماته…
وهي تتحسر على مَن جعلته عدتها واعتدادها وبالأخير أثبت لها أنه كالجميع ..
_ وقفت في بهو الحديقة الخلفية للمنزل حيثُ لا يُوجد أحد على حسب ظنها .. غافلة عن الذي تسلل لخلوتها وأخذ يراقبها بشغف وعشق تسلل لخلايا روحه حتى النُخاع ..
اشتاقها واشتاق لرؤية ابتسامتها الساحرة..
تمزق قلبه حزنًا على رؤية الحُزن الذي طمس ملامحها البريئة بعد أن حكم عليها حُكمًا مُجحفًا بالسوء..
= ظلت تتأمل الكون الشاسع والسماء المُتناثر على ثوبها الأزرق تلك القطع البيضاء كالقطن … كلما نظرت إليها شعرت بالدفء الذي لم تعهده من قبل، لا تشبع ولا ترتوى من النظر إليها، فهذه السماء بالنسبة لها مثال للنقاء الذي لم تجده بعالمها ..
منذ طفولتها والسماء موطنها ومأواها ..
فمن ابدع السماء ونظمها قادرًا على تنظيم وترتيب حياتها المُشتته..
ظل يلتهم ملامح وجهها بعينيه كظمئان يسير في صحرائه حتى ورد عيونها فشرب حتى ارتوى..
_ اقترب منها ومع كل خطوة يهتز قلبه كغُصن البان لا سلطان له عليه .. وقف خلفها وحاول جاهدًا طمس تأثيرها الطاغي عليه..
ومع إنتهاء جهاده لم يستطع النطق إلا بكلمة واحده رغمًا عنه خرجت حانيه مُصبغة بأشد قصائد العشق … أربعة أحرف أصبحوا يشكلوا حياته ويعنوا له الفرح والسرور: سارة…
_ التفتت إليه بلهفة مُحملة بالشوق سرعان ما تحولت إلى خِزي ولوم وما لبثت أن أنائت بأنظارها بعيدًا ..
_ ليه بعدتي عيونك عني يا جميلتي، للدرجة دي زعلانه مني يا سارة … إنتِ عمرك تصدقي إن ممكن أعمل كدا أو أعطي صورة مراتي إللي بخاف عليها من الهوا الطاير للصحافيين أو اسمح لحد يتكلموا عنك كدا ..
_ طالعته بتعجب وسخرية، وقررت أن تقتص لضعفها، لتنفجر كالبركان: يعني المفروض سارة الهبلة الطيبة بمجرد إنك تقولها كدا يبقى خلاص تصدق علشان يا حرام عمرك ما تعمل كدا …. وهو أنا إللي بالساهل تصدق عليا كلام فارغ، ولا عندك واحد في المية حتى ثقه فيا … وكمان دي مش أول مرة.. دايمًا أنا موضع شك بالنسبالك
طب أنا عملت أيه لكل ده وعلشان تشُك فيا في الراحة والجايه … دا كله علشان يعني فقيرة ومش من مستواك وأمي باعتني ليك … فاكرني كدا رخيصة أو ضعيفة وهسكت على المهزله دي ..
اشمعنا أنا إللي المفروض أصدق إنك صادق في الوقت إللي بتشكك فيه بأخلاقي ..
عايزة أقولك بقى إن أنا مصدقة إنك تعمل كدا ..عارف ليه؟
اقتربت منه وأخذت تضربه بكفيها الصغيرتان بقوة على صدره لم يهتز لها ووقف صامدًا حتى تُخرج شُحنات غضبها وكبتها .. فهو لا يُريدها أن تحبسها داخل صدرها فتؤذي قلبها ونفسها…
_ لأن سمعتك بودني وإنت بتقول على الإتفاق القذر مع الهانم والدتك وبتعترف وتقر به … يعني اعترفت إن كل إللي فات كان كذب ومش حقيقة يا صالح.
_ أن تُنكر ما مر بينهم لا يقبل به، أمسك كفيها ورفعهم على فمه ولثمهم بعشق جلي قائلًا بولع: لا يا عمري كله، محصلش .. كل إللي فات حقيقي مفيهوش كذب … حبي لكِ حقيقي.. الموضوع مش زي ما سمعتي ولا فهمتي..
_ حركت رأسها بيأس، وقالت بصوت مُجهد: بردوه مش زي ما فهمت وسمعت ..
ابتلعت ريقها ثم تابعت بقوة واهيه: طب لو سمحت أنا بكلمك بكل ذوق أهو .. أنا عايزة أمشي من هنا ونُخرج بالمعروف ومش هقول زي ما دخلنا بالمعروف لأن محصلش..
أُضرمت النيران بعينيه، وجذبها إليه بقسوة حانيه ليحتضنها بحب قاسٍ على أضلعها وقلبها راجيًا أن لو بمقدوره ذرعها داخل قلبه وتخبئتها عن العالم أجمع..
فـ ماذا تقول هي واللعنة الملعونه على لسانها الذي تفوه بتلك الكلمات المؤذية لقلبه ..
كيف تُريد فراقهم بتلك السهوله … فحبها أصبح مطبوع على شغاف قلبه كالوشم لا يبرح عنه إلا بجُرح..
_ قال وهو يُشدد على إحتضانها أكثر وأكثر، وكأن تلك الدقائق أكسير حياة له: لا يا عمري مش هيحصل أبدًا .. مستحيل أسيبك أبدًا أبدًا يا فرحة أيامي وسروري ..
_ أغمضت “سارة” جفنيها بقوة ليسقُط منها دُررها اللامعة بثنايا أحضانه، وقالت وهي تتململ مُبتعدة عنه: إحنا مش زي بعض وتفكرنا وعقليتنا مُختلفه ومش هننفع مع بعض … أنا بنت بسيطة مقدرش على كل ده …
ثبت رأسها بين يديه وتحركت إبهامه لطمس قطراتها التي تسقط كالجمر على أوتار قلبه فتحرقها ..
انحنى نحوها وقَبَل كُلًا من عينيها على حِدة بحنان ثم طبع قُبلة رقيقة على جبينها وهو يجذبها مرةً أخرى لتستوطن أحضانه، واستند بذقنه على رأسها مُثبتها بقوة..
وقال بعشقٍ خالص: حُبكِ بدايةً كان زورق نجاتي في وسط بحاري الهائجة، لكن ما باله فُراقكِ أصبح نهايتي التي لا حياة بعدها .. أصبح سبب هلاكي وغرقي.
انتِ ليا وأنا لكِ، وإحنا اتخلقنا لبعض يا أغلى من عمري..
_ استكانت بأحضانه تستمتع بتلك الدقائق التي تعلم تمام العلم أنها لن تتكرر ..
وبذلك الأثناء بينما كلًا منهما غارقًا بسماء عشق الأخر أتى أحد رِجال الأمن مُهرولًا مناديًا بصوته كله على “صالح”
_ صالح باشا ..
_ ابتعدت “سارة” عنه مُسرعة، وتنفس “صالح” مُحاولًا إستدعاء أنفاسه المسلوبة بقربها..
صوب أنظاره بإتجاه رجل الأمن، وتسائل: في أيه؟
_ قال الرجل بتوتر بالغ، ونطق بما أضرم النيران بقلب “صالح”: حسين هرب يا صالح باشا…!!!
___________________________________
بمكانٍ ما …..
وعلى أحد الأرائك يجلس والشياطين تتلبسه غضبًا ..
_ قال بصوت جهوري مليء بالغضب: يعني محدش عارف يوقفه عند حده … ولسه بردوه على عِنده بس مش عليا أنا .. أنا هي الإيد إللي دعمته وأنا هي الإيد إللي هدمره .. مفكر نفسه كبير لا دا أنا أكبر منه ..
ولغاية دلوقتي مش راضي أوريه وشي التاني … بس خلاص إنتهينا .. نهاية مؤمن الصياد على إيدي …
ثم نظر لأحد الرجال المتواجدين معه بالغُرفة وقال: نفذ إللي إتفقنا عليه ..
أومأ الرجل بطاعة وانصراف لكتابة مصير سيُغرق الجميع في الجحيم …
_________________________________
جلس كُلًا من “أسوة” و “عاصم” برواق المشفى لساعات عده ونار الإنتظار تكويهما، بَدَت اللهفه على قسمات “عاصم” وهو يُمشطها بعينيه بتروي ولسان حاله يُردد “هل يُعقل بأنها أبنته التي تصدع القلب حُزنًا على غيابها وفُقدانها؟!..”
ياليت هذا يحدث، وتَروي السعادة حياتهم القاحله.
= بينما حال “أسوة” لم يختلف عنه، وقلبه يدعوا بآريها أن ترسي سفينتها المُعبقة بالأحزان والألآم على ضِفة الراحة الطُمأنينه، فيكفيها شقاء إلى هذا الحد ولتنعم بكنف والدها ووالدتها وتُعوض ما فاتها من حنان واحتواء فقد أصبحت تشعر بالهِرم رغم صِباها، وبالغربة بينما هي بأحضان أوطانها.
تنهدت بتعب، وتهدجت أنفاسها وهي تُطالع “عاصم” بمشاعر مُختلطة؛ فإلى الآن مازالت في صدمتها منذ أن روى لها حكايته وأخبرها أن نتيجة البحث تُشير إلى أن من الممكن أن تكون هي إبنته المفقودة.
تلهفت حواسهم عندما أَقبل الطبيب إليهم وبيده بعض الأوراق التي من المؤكد أنها نتيجة الفحص النووي “DNA”.
وقفت “أسوة” و “عاصم” بلهفه وتسارعت دقات قلبهما.
_ ابتسم الطبيب بعمليه، وقال بهدوء غافلًا عن وقع كلماته على هذان الواقفان والتي كانت بمثابة سوطًا شطر روحمها التي تأن فراقًا
: للأسف يا عاصم باشا التحاليل بتثبت بنسبة 100%
إن الآنسه “أسوة الخطيب” مش بنت حضرتك ومفيش أي صلة دم تربطكم…….
_ حلت الصدمة على “عاصم” الذي اعتقد أن العثور على ابنته قاب قوسين أو أدنى ..
بينما “أسوة” فزفرت براحة وارتاح قلبها، فما حدث محض صُدفة لا أكثر، وقصة أبويها قد إنتهت على الأخير وفُقِد الأمل في أن تتقابل بهم يومًا ما، أو أن تعثر على الراحة والطُمأنينة والحنان بحياتها، أقنعت عقلها ليرتاح قلبها أنهما ليسوا على قيد الحياة..
_ قولت لحضرتك متحطش أمل، الموضوع محض صُدفه وإنت بكدا ظلمت بابا وهو معملش أي تبديل ولا كلام من ده .. أظن كدا مُهمتي إنتهت .. بعد إذنك ..
وتركته ورحلت وقلبها ليس على ما يُرام، والحُزن أصبح بمثابة ظُلل من الغمام على قلبها وتتبعها أينما ظعنت..
بينما “عاصم” فنظر إلى أثرها بشرود، وقد طُمس الأمل بقلبه بعد ولادته..
كيف سيعود خالِ اليدين إلى زوجته “أميرة” كحال عودته بائسًا كل مرة …. مات الأمل لديه في العثور على إبنته .. ستنهار “أميرة” بلا شك …
…….. وعلى مقربةٍ منه، رفع الطبيب الذي كان معهم قبل قليل هاتفه … وانتظر الإجابة التي أتت على فورها، ليقول: كله تمام يا مؤمن باشا، إللي أمرت بيه اتنفذ بالحرف…
_ إنبلجت إبتسامة ماكرة مُنتصرة على فم هذا الصياد الذي كان ينتظر فريسته أن تلتقط الطُعم … وبالفعل حدث ما كان يُريد…
= وأخيرًا يا عاصم باشا … كنت فاكر هسيبك توصلها، دا بُعدك … وكدا نبقى خالصين … وكل ما هتحاول توصلها هقطع أي خيط يوصلها ليك ويوصلك لها … البادي أظلم يا عاصم وإنت إللي ابتديت ..
_____________________________________
= ترجلت “أسوة” من السيارة التي تقلها إلى القصر بخطوات بطيئة، وقلبها يحترق كمدًا بنيران الحزن والإحباط … افترستها الأيام بقسوة صياد الغزلان الأحمق، وتلاعبت بها ودحرجتها من طموحها كدحرجة حجر النرد ..
آبت إلى المُلحق وأوشكت على الدخول لكن جذب إنتباهها هذان الصندوقان الأسودان والمعقودان بشرائط توتية اللون موضعان أمام باب المُلحق …
صندوق كبير بعض الشيء والأخر أقل منه حجمًا، من الواضح أن أحدهم تركهم لها ..
حملتهم بحذر وولجت للداخل وقد ساقها فضولها لمعرفة ما يحتويه الصندوقان ..
وضعتهم على المنضدة وأزالت عن رأسها حجابها أولًا بعدما أغلقت الباب وهي تتنفس براحة..
وبحذر شديد أزالت الشرائط عن الصندوق الأول وتبعته بالغطاء ليظهر أمامها كيكةٌ جميلة الشكل شهية إلى أبعد الحدود بنكهة التوت المهوسة هي بها … فهي من عُشاق التوت بشتى أنواعه بشكل غير طبيعي ..
غشى على محاجر عينيها فرحةٌ طفولية كُشِف عنها الغواش لتتبين لمرتها الأولى…
أمامها الآن كيكةٌ وليست كأي كيكة إنما أيضًا بنكهة التوت معشوقها ..
طفولتها مع الكيك مليئة بالإثارة، فقد أُطلق عليها “حرامي الكيك” … كان تتوق شوقًا أن تتذوق كِيك العيد ميلاد لكن لأسفها لم تحظى ولو بقطعة كيك واحدة..
طفولة مريرة، مليئة بالأسى … وها هو الآن أمامها يتحقق حلمها الأول … حلم الطفولة “الحصول على كيكة عيد ميلاد”
جرى ريقها لتذوقها وكانت على وشك التهامها لكن عِزة نفسها أوقفتها … فمن أين لها بمثل هذة الكيكة باهظة الثمن بالنسبة لها .. !
وكيف وصلت أمام باب الملحق ..!؟
لن تقبلها هكذا، ولن تُخلف بوعدها في عدم التشبث بشيء والتعلق به …
نظرت إلى الصندوق الأخر وجذبت شرائطه وغطاءه لتتوسع أعينها بإنبهار وذهول عندما تبين أمامها تاج رقيق جدًا ليس مُبالغ به، ذا لون مُمَيز، ويتميز ببساطته ..
رفرف قلبها فرحًا فهذا موطن ضعفها “الأكاليل والتِيجان”..
حملته بلهفة تتحسسه بأصابعها بعد تصديق، فدائمًا ما تصنع تيجان من الورود ولم يُسبق لها أن امتلكت واحدًا حقيقيًا …
اقتربت من المرآة بسعادة عارمة وهي تتفحصه كأنه كنز غير منتبهه لمن يقف خلفها على مقربةً منها والذي أخذ يُشاهد لحظاتُها الجُنونيه الغائبة خلف الجُدران، وتلك الطفولة التي تفجرت كينابيع ماءٍ ذاخرة..
_ هذبت “أسوة” خصلاتها البُندقية جيدًا، ووضعت التاج على رأسها برعاية ودقه؛ وظلت تتأمل ذاتها بالمرآة بأعيُن توهجت وأصبحت مثل الزُمرد يذوبُ من يراها ويقع صريعًا لها لا محالة…
_ واووو … ملكة … بس يا ترى ملكة على عرش مين!؟
_ اتتها الإجابة تلقائية سريعة من خلفها، نطقها هو بإنبهار دون أن يدري … فانفلتت من ثنايا الحناجر لتخترق ثنايا القلوب بصوتٍ صُبِغَ بأشد قصائد الجوى والهوى ..
_ “ملكة على عرش الصياد”.
_ لم يستيقظ عقلها بالكامل فأنبلجت إبتسامة رقيقة على شفتيها سُرعان ما أدركت الأمر والتفتت بفزع ..
لتجده ماثل أمامها يتأملها بأعيُن تشع بوميض غريب لم تستطع تميزه…
وكالعادة حضوره الطاغي أربكها وطغى على أوتار فؤادها لتتسارع دقاته رغمًا عنها ..
وقف شاردًا وأعيُنه تنزل ببطء على ملامح وجهها والتي تضُج بالحيوية والطفولة..
_أخفضت رأسها تهرب من عيناه … وآآه من عيناه والتي بمثابة وطن يئويها رغم برودتهم الدافئة، تخضبت وجنتيها بحُمرة الخجل، وقالت بتلعثم: أنا …. أنا مكونتش أقصد بصراحة لقيت الصندوقين دول قدام الباب … وكنت … مش عارفه هما بتوع مين ….
صمتت بتوتر وجاءت لتنزع التاج عن رأسها لكن على حين غره اقترب قدرًا قليلًا وأمسك يدها الموضوعة على رأسها وقال: متشيلهوش … سبيه..
_ تعلقت أعيُنهما معًا وأخذا ينسجان نوعًا خاصًا جدًا من العشق المُبهم يُولد بل يُجاهد للخروج والترعرُع …
جفلت عيناها لأسفل بخجل لتقع أنظارها على صدره موضع جرحه وتذكرت ما حدث صباحًا ..
وضعت يدها بتلقائية على موضع الجرح، وقالت مُسرعة بلهفة: أنا آسفه مكونتش أقصد بس كنت خايفه على يزيد .. الجرح عميق وطهرته ولا لا …
استيقظ “مؤمن” من غفلته القصيرة تلك وابتعد عنها كالملدوغ ثم استدار مُعطيًا ظهره لها ..
ولا يُدرك كيف حدث هذا، وانجذابه إليها بتلك الطريقة التي تُزعجه وأصبحت خطرًا عليه ..
_ أجلى صوته وحمحم قائلًا: الحاجات دي ياسمينا هي إللي سابتها لكي .. هدية منها قبل ما تسافر ..
ثم تركها وذهب فجأة كما حضر فجأة، لتظل هي شاردة بأثره …
وينطلق هو بسيارته خارج القصر …
__________________________________________
_ خير يا أمين، أيه المعلومات إللي وصلتلها..
_ حمحم “أمين” وقال برزانه: أول حاجة كدا الدكتورة ليلى مُنضمه لِوِحدة دوليه وبيتم تدريبها كافة التدريبات وحاليًا بتشتغل معاهم بعد إلتحاقها بكلية الصيدله .. بتشتغل في المعمل الجنائي الخاص بيهم .. والكلام ده بقاله تلت “3” سنين تقريبًا …
_ استمع “ليث” إلى الحديث بدقةٍ شديدة ولم يتعجب من الأمر أو يُصدم فقد كان يتوقع أن خلفها شيئًا ما، وما يبدوا عليها مخالف للحقيقة، أردف “ليث” بهدوء: كنت متأكد أن وراها حاجة وإنها مش زي ما هي بتظهر ..
_ التقط “أمين” خيط كلماته مرة أخرى وهو يقول: مش هنا المُشكلة .. ممكن يكون عندها سبب مُقنع لكدا ..
بس المُشكلة الكبيرة وإللي مش معروف تفسيرها.. هي ..
صمت بُرهة بحيرة لا يعلم كيف يُكمل حديثة فحثه “ليث” على مواصلة حديثه وقد تمكن منه القلق: كمل كلامك يا أمين .. في أيه ..؟
_ قدرنا نوصل للعصابة إللي دخلت الزنزانة وإللي اعتدوا عليها بالضرب .. وهما بيسعوا وراها وبيلحقوها في كل مكان ووصلوا لبيتها القديم كمان … وفيه صلة وعلاقة بينهم …
_ تسائل “ليث” بترقب: ومين هما العصابة دول ..
_ ليقول “أمين” بما أثلج قلب “ليث” وجعله يشعر بإنفصاله عن الحياة: شبكة بغاء “دعارة” مقرها هنا في مصر (أعاذنا الله وإياكم) ….
_________________________________
عادت الشمس لمخدعها، وحلّ الظلام ومازال يقف وسط دُهمة الليل وعقله سابح بغيهبان الماضي …
يبغي أن يطرد تلك المشاعر التي أصبحت تداهمه بإستمرار.. فتلك المشاعر لا تُلائمه وقلبه مزدحم بالألآم لا خلاء به لألم جديد .. فليتخلص من القديم أولًا ويستقبل جديد…
بقايا الطفل الذي بداخله يصرخ وعاهات الماضي لا ترحم قلبه وأشباح الظلام تلتقفه بعنف وتُزهق أنفاسه…
أو تعلمون لو رأي أعتى الجبابرة ما بقلبه لانحنت هامته إجلالًا وتعظيمًا لثقله ..
فما بال الحزن لا ينسلخ عني …
تنهد بقوة عَلَه يستطيع أن يُخرج تلك التراكمات خارجًا ويُشاركه بحملها ظلام الليل وفضاء سماءه الواسعة…
_ سار نحو سيارته وقادها بشرود عائدًا حيثُ القصر ..
وبعد بُرهة قصيرة أوشك على العروج حيثُ الغابة لكن توقفت السيارة بحِدة عندما تمزقت إطارات السيارة جراء تسلل شيءٌ حاد بها أدى إلى توقف السيارة بحدة …
_ زفر بضيق وترجل من السيارة وسط مكان منعزل يسوده الظلام ..
انحنى نحو الإطار مستديرًا بظهره غافلًا عن تلك المكيدة البدائية التي حِيكت في الوسط وعن هذان الرجلان اللذان يقتربان خلفه إليه …
وإذا تحرينا الدقة نقول أن حدسه أخبره أن هُناك أمرٌ ليس على ما يُرام …
اقترب أحد الرجلان منه ورفع نصلًا حادًا برق وسط الظلام ثم بُغتةً هبط به ليستقر بشِق “مؤمن” الأيمن والذي ظل هادئًا على عكس خلايا جسده التي أخذت تنبض ألمًا وقلبه الذي لا يتحمل النزف …
_ استدار بهدوء وشموخ لم ولن يُهان، ليتأمل هيئة الرجلان اللذان ظلا يحدجانه بنظرات مُتعجبة لثباته وشموخه الذي لم ينهار … فلم يصدر عنه حتى آنةٌ واحدة ..
_ قال الرجل بغيظ: كان عنده حق فعلًا … إنت مش بيهزك أي حاجة .. وجريء أووي ومفكر نفسك مفيش أكبر منك ولا بتتهزم …
_ ليُكمل الرجل الأخر: بس هو بيبلغك إن نهايتك على إيده … وهيكسر أنفك وشموخك ده ويوفقك عن حدك …
_ أردف الرجل الأخر بغموض: ودي رسالة خاصة من “النمر”
_ جحظت أعيُن مؤمن بصدمة عند ذِكر اسم “النمر”….
فهل اليد التي تدعم وتنتشلك من الظلام والوحل تُرسلك إلى الهاويه …….
