رواية الصمت الباكي الفصل السابع والثلاثون
= وآآآهـٍ لو تعلمين كم تُعاني جُثة لفظتها كل أحضان الدنيا وكأنها خُرقة بالية لا حق لها بالحياة، مُتيقن أن ذات يوم ستفتح لي الأرض أحضانها مُرحبة ومُهللة بوجهي…
تستكثرين عليّ ما أنا به الآن، أو تعلمين كيف مرت تلك الأيام الخوالي..
دائمًا ما كنت فقير الحظ، وما أنا به الآن أعلم أن يدًا خفية رتبت له … وسأدفع الثمن غاليًا .. مهلًا فأنا قد دفعته مُسبقًا وهل يوجد ما هو أسوأ من الماضي؟!..
أنا لست سيء، بالفعل كنت ذاهبًا لطريق السوء لكنِ عُدت أدراجي مرة أخرى لأجله، لكن هو لم يفِ بوعده وتركتي وحيدًا …
بل أنتَ عاشق الظلام عزيزي مؤمن!!
وكيف لا أعشقه وقد عاهد على عدم تَركي عندما تركني الجميع، كيف لا أكون وفيًا له بعد أن قطعنا وعدًا سويًا؟! مؤمن لم يكن خائنًا يومًا ما…؟!
_ ارتفعت أنامله نحوها ليجذبها إليه ويحصرها بداخل دائرته، ليظل ينظر إليها نظرات مُبهمة مليئة بالشفرات التي لم تتعلم فكها..
شعرت بيده تتسلل أسفل حجابها حتى استقرت على رابطة شعرها ليجذبها برفق ويحل وثاقه، ليسقط على ظهرها ثم نزع حجابها وابعده عنها …
وظلت هي بين أمواج الحيرة التي تبتلعها من أفعاله، وعدم القُدرة على تحمُل هذا العبث على أوتار مشاعرها .. تتلاطمها أمواجه بين مدٍ وجذر..!
شعورٌ ليس له إلًا ولا ذمة ما أشعر به الآن!
عُرفت بالعقل والرزانه، وبعمرها ما اشتعلت مشاعر لها سوى مشاعر الأمومة نحو “يزيد” لكن معه يتبخر العقل الذي يزجرها بأن تتراجع، ويُحذرها بأنها ستحترق كمدًا بنيران خذلانها…
لكن قلبها الوغد يتصارع معه بهذا السجال الشرس …
بينما العشق يُقاوم بضراوة في وديّان روحها..
_ ابتلعت ريقها بصعوبة محاولة التحكم في تلك العاطفة الحارقة التي تفجرت داخلها من بين بقاع الكِتمان..
فما هذا الذي تفعله بحق الله، العبث على أوتار مشاعرها بجدارة ..
مرر أصابعه بين سلاسل خصلاتها ثم جمعهم خلف أذنها، لينحني نحو أذنها وهمس ببطء: خايفة ليه، أقولك على سر؟!..
نظرت له بتِيهة وتندى جبينها بحبات العرق الباردة من هذا القُرب، والشوق يكوي جنبات روحها، ناضلت بضعف لتُبعده عنها وتبتعد عنه لكن هيهات فقد إلتصق بروحها قبل جسدها..
_ قالت بهمس ضعيف لا تعلم إن كان خرج من بين ثنايا الحناجر أم أنه حُبس بداخلها: أبعد .. بالله عليك.
قالت جملتها الأخيرة بترجي ليقينها أنها ستنهار بالقليل منه وهذا حال المُغترب بصحراء العشق، يسير مُتخبطًا مُتعثرًا وسراب الماء يخدعه ..
انخفضت يده لمنتصف ظهرها جعلها تقوس فقراتها… جذبها إليه أكثر ليجعل فكاكها منه مستحيلًا ..
_همس مرة أخرى بجانب أذنها بعدما التصقت رأسه برأسها: مقولتلكيش على السر .. حابب تعرفيه زيّ ما عرفتي الأول.
_ خلل أصابعه بين خصلاتها وهو يتأمل أهدابها المُغلقة بقوة وإنزواء حاجبيها، ثم انخفض أكثر ليضع جبينه على جبينها المُندى والمُقطب، وأضاف بصوت مليء بالغموض: إنتِ مفكرة إنِ مش عارف إنك عارفه … تؤ تؤ مش عارفاني لسه … تعرفي إن أنا إللي سهلتلك الطريق علشان تعرفي .. أيوا أيوا أنا كنت عايزك تعرفي ..
_ تحركت مُبتعده عنه بصدمة لكن أصابعه المشبكة بخصلاتها منعتها وحثتها على الإقتراب مرةً أخرى، وغمغم: إياكِ … متتحركيش لغاية ما أخلص كلامي … تعرفي أنا مش بحب العنف أبدًا … لذلك أنا مشارك وبأيد حملة لا للعنف..
شوفي إنتِ عملتي ياامه وشويه عمري عنفتك أو أذيتك .. لا لا مش بؤمن بيه … مع العلم بتدخلي في حياتي الشخصية ..
رفع يده ووضعها على وجنتها وتحسسها برقة خادع، قائلًا: مفيش ألا المرة دي، إنتِ بصراحة إللي استفزتيني ومحسيتش بنفسي إلا وأنا بأذيكِ … مش هي كانت هنا بردوه..
_ همست بصوت مبحوح: عايز مني أيه، قولتلك مكونتش أقصد، أيه فايدة إللي بتعمله ده..
_ نطق بجملة كفيله بدب الرُعب في روحها، حقًا لم تعد تستطيع فهم تناقضة هذا: جملة بس خليها في بالك وإياكِ تنسيها .. مؤمن الصياد مش بيتعامل بإيده أبدًا، تعاملة بدماغه بس .. فاهمة .. أنا بشغله وبقدر أخد حقي بيه ..
“جملة تحذيرية صريحة تحمل بين طياتها الكثير لكن العجب أنه قالها بينما يتلاعب بخصلاتها”
حقًا أمرك عجيب يا رجل … تبًا لك …
_ نظرت إليه بغيظ ودفعته بعنف لتنحني وتلتقط رابطة شعرها وتجمعه وأعينه تتابعها بشغف ثم وضعت حجابها فوقه قائلة بغضب: معدتش تعملها تاني ولا تخلعني حجابي..
_ ابتلعت لسانها وهو يحدجها بنظرته المُرعبة لتتراجع للخلف وهو يسير نحوها حتى إلتصقت بالحائط خلفها، وصاح بغضب وأعيُن أسودت بنظرة مُشتعلة تُقسم لو أن النظرات تحرق لأحرقتها: آآه… أنا لا .. طب ما إنتِ كنتِ كشفاه قبل كدا وإللي يسوى وميسواش اتفرج عليه.. أيه الفرق اعتبريني واحد منهم..
_ هزت رأسها وهي ترفع أصبعها أمام وجهه، قائلة: إنتَ متعرفش ظروف حد فمتحكمش عليا، وبعدين أنا ببررلك ليه .. إيدك معددتش تلمسني ولا تلمس شعري ولا عينك هتلمحه…
_ نمت إبتسامة شيطانية على فمه، وتسارعت أنفاسه وهو يقترب منها ليضع يده على خصرها بتملك يمنعها من أن تبتعد عنه إنشًا واحدًا، قائلًا بنبرة مجنونة لم يشعر بها هو لكن قلب تلك الصغيرة رفرف فرحًا بها وهي لا تعلم السبب: الوقت إللي أحب أشوفه أو ألمسه هشوفه وألمسه،وأشمه كمان…
وبرا عتبة القصر لو شعره واحده بس خرجت برا حجابك صدقيني هتزعلي مني جامد … مفهوم ..
_ منعت بصعوبة إبتسامة كادت أن تنفلت منها، وقد فضح ذاته بلسانه وسبق السيف العزل وأدركت أنه عاشق لخصلاتها البُندقيه…
“بيعشق شعرها يا جماعة 😂”
_ رسمت الجدية على ملامحها وابتعدت عن حصارة الغاشم مُردده: مش مستنيا تقولي… ويلا أنا همشي..
واستدارت لترحل، ليقول بصوت جاد: أعملي حسابك يومين كدا وهنمشي من القصر..
_ إلتفتت إليه مرةً أخرى، مُتسائلة بفضول: هنروح فين… بالله عليك ما تبعدني عن يزيد ..
قالت مُعتقدة أنه يُريد عقابها على ما تفوهت به، لكنه تابع وهو يجلس على مقعده الوثير، وملامح وجهه تبدلت تمامًا كتغير نبرته: هتعرفي كل حاجة في وقتها، المهمة قربت وهتقابلي ليث علشان يفهمك المطلوب..
ثم مدّ يده إليها بشيء ما …
التقطته بتعحب .. فوجدته قلادة فضية اللون يتدلى منها دمعة زجاجية..
وتابع موضحًا ببرود: دي تلبسيها ومتخلعيهاش مهما كانت الظروف.. أظن فهماني .. مهما كانت الظروف متخلعيهاش من رقبتك …
_ قلبتها بين أصابعها، وتسائلت بفضول: طب ليه!؟
_ رمقها بنظرة فهمت مغزاها على الفور، وأضاف: ياريت إللي نقول عليه يتنفذ من غير كتر كلام..
_ تنهدت بحزن واكتفت بإماءة رأسها ثم خرجت ذاهبة لتُكمل عملها بالمعمل وعيناه الغامضتان تُطاردها بخواء ليس بيده…
_ رفع الهاتف ليأتيه صوت “ليث” المُجهد: أعمل حسابك يا ليث هنتقابل النهاردة علشان نرتب الأمور معدتش وقت..
_ ردد “ليث” وهو يتمالك نفسه ويشعر بتأنيب الضمير يجلد روحه لإخفاء أمر شقيقته عليه: تحت أمرك يا باشا.. أجيلك القصر ..
_ نفى مؤمن: لا .. في الساحة الخلفية للغابة ومفيش مخلوق يعرف..
_ ليث: تمام أووي.. هتجيبها معاك..
_ أيوا .. لازم تفهمها كل حاجة وتحط النُقط على الحروف.
____________________________________________
جلس “ليث” على أحد المقاعد الإسفنجية الموضوعة بأحد أركان صالة الألعاب الرياضية..
أمسك بمنشفة صغيرة وأخذ يمسح عرقه الغزير وهو يلهث بشدة، ومازالت روحه غائمة في حزنها منذ الأمس بل إلى الآن لم يخرج من صدمته..
فتلك ليلة حرق بها الجوى فؤاده وترك خلفه رماد تذره الرياح..
هل يُعقل أن تكون بهذا السوء؟!
ماذا سيفعل “مؤمن” إذا علم هذا الأمر؟!
يجب أن يضع حدًا لذاته كي لا تحتل داخله أكثر من هذا..
سيفعل ما يتوجب عليه فعله، سيتحرى خلفها إلا أن يصل إلى شبكة المجرمون المنضمة، سيتعامل معها كقضية يجب حلها وتصفيد يديها وأيدي من خلفها..
انتشله من قوقعة شرودة صوت الهاتف الذي لم يصمت منذ البارحة..
_ أجاب على الفور ليأتيه صوت والدته التي أخذت تصيح: ليث؛ إنت فين .. كنت عارفه إنك مش هتعبر كلامي.. مرجعتش البيت إمبارح ليه..
_ أغمض عيناه بألم يُمزق روحه، وهدهد والدته بقوله: متقلقيش يا أمي.. كان شوية شغل لازم أخلصهم وكنت مشغول.. متزعليش نفسك كدا يا فراولتي..
_ كُل بعقلي حلاوة يا ابن فراولة.. كل ما أكلمك تقولي شغل.. لو خالتك كانت جات إمبارح كنت بقيت في موقف مش كويس .. بس هي أجلتها للنهاردة .. أقل من ساعة وتكون قدامي يا ليث ..
_ مسح على وجهه بتعب وإرهاق، فهو لا يُريد لُقياها، لا يضمن ردة فعله نحوها، وقال: حاضر يا أمي مسافة الطريق وأكون عندك…
أغلق معها وألقى بنفسه أسفل المياه عَلها تُطفيء النيران التي نشبت بجسدة الذي أصبح كالجمر بسببها هي ..”اللعنة البريئة”
= بينما صاحت “فراولة” بإسم ليلى وهي تدلف من الشُرفه لتأتيها “ليلى” مبتسمه إبتسامة صافية بعد أن نظفت يدها من الأرز ذا الصلصة الحمراء الخاص بالملفوف..
استطاعت “فراولة” أن تُخرجها من حالتها وتضفي بداخلها شعور من الراحة والطُمأنينة لتتناسى ما كانت تشعر به من إستياء..
_ أيوا يا فوفا..
إقتربت “فراولة” منها بملامح تنطلي عليها الطيبة ثم وضعت بين يديها سلة بلاستيكية كبيرة الحجم والمُمتلئة بالملابس التي جمعتها لتوها من أحبال مناشِر الملابس..
_ خدي يا ليلو، دي هدوم “ليث” معلش يا حبيبتي طبقيهم وأنا هكمل المحشي..
_ أماءت ليلى بخجل، وقالت: حاضر .. هطبقم وأرجع أكمل معاكِ ..
= اقتربت من غرفته وفراولة ترمُقها بسعادة دفينه وتدعوا الله بداخلها أن تنتهي تلك العقبات ويهنأ ولدها “ليث” معها .. فهي تُجزم أن ليلى لها بقلب “ليث” مشاعر مُكناه..
_ تضرعت بلوعة: يارب اهديهم واربط قلوبهم ببعضها.. ربنا يسعدك يا ليث يا ابني…
كفاية عليك إللي شوفته يا حبيب أمك.. حقك تفرح بقى في حياتك..
_ في حين ولجت “ليلى” على إستحياء غرفته لمرتها الأولى، وضعت سلة الملابس على الفراش وهي تتفحص غرفته البسيطة المُرتبة بعناية والهادئة بفعل الإضاءة الخافتة التي تنبعث من خلال الستائر ليصبح الجو مريح للأعصاب وصالح للإسترخاء..
قادها فضولها لتتفحص أشياءه .. عطره، ساعات اليد خاصته، وملابسه المُرتبة داخل الخِزانة..
وبزاوية الغرفة يوجد بعض الأدوات الرياضية البسيطة..
_ جلست على الفراش وشرعت في طي الملابس، لتتنهد بحزن يمزق قلبها ويسحبها نحو أعماق الهلاك عندما تذكرت تلك الكلمات السامة التي ألقتها على مسامع شقيقها وما تبقى لها.. وطريقة حديثها الفجة معه..
كيف يشعر الآن..وكيف سمحت لنفسها أن تأذيه وتكسر قلبه..؟’
سامحني يا أخي… سامحني على حماقتي وحديثي المسموم… اشتقت إليك أخي..
وأثناء طيَّ الملابس أرهفت بسمعها صوت طرق وضوضاء تأتي من خارج الشُرفه..
تجاهلت الأمر في البداية لكن إلحاح الطارق جعلها تتجه نحو الشُرفة وتُبعد الستائر ثم تفتحها ..
نظرت بدهشة لما رأته، فتاة جميلة رقيقة تقف بالشرفة المجاورة وبيدها عصا طويلة التي من المؤكد أنها افتعلت بها الطرق والضوضاء..
جعدت جبينها، ومازالت الفتاة المجهولة تنظر إليها وتتمعن بوجهها بمشاعر مُختلطة ما بين الغضب منها والحزن عليها.. وأخيرًا العتاب…
_ تسائلت ليلى بهدوء مُتعجبه من نظراتها المُصوبه تجاهها: إنتِ مين؟ .. تعرفيني ..
_ نطقت الفتاة أخيرًا بصوتها الرقيق: إسمي “حبيبة محمود” وأنا جارتكم في الشقة، وبمحض الصُدفة وأنا قاعدة في البلكونه سمعتك من غير قصد وإنتِ بتتكلمي مع شخص وإللي هو أخوكِ ..
أنا كنت ناوية أجيلك بس اتحرجت وقولت أجرب حظي ممكن تكوني موجودة وتردي عليا..
أنا بس عايزة أعاتبك… إنتِ باين عليكِ إنسانة كويسه وطيبة… إزاي طاوعك قلبك تقولي كلام زي ده لأخوكِ حتى يا شيخة مهما كان هو عمل..
كان ممكن تعاتبيه بهدوء من غير كلامك المسموم ده ..
أكيد بيعمل دا كله علشان مصلحتك..
مجربتيش ليه تقعدي معاه وتسمعيه بدل ما تسمي بدنه بكلامك الوحش ده..
بجد أنا زعلت منك جدًا ومقدرتش أخبي في قلبي..
وعايزة أقولك كلمة أخيره ونصيحة، راجعي نفسك تاني يا ليلى..
ثم ولجت الفتاة بداخل شقتها وتركت خلفها “ليلى” التي شعرت الآن بحجم تهورها وسطوة كلماتها على قلب شقيقها..
واجهتها بخطأها الفادح فتاة مجهولة لم تراها من قبل ..
لكن ستظل مُمتنه لها، فكم كانت بحاجة لسماع تلك الكلمات كي لا تفقد شقيقها الذي اجتمعت معه أخيرًا…
لكِ جزيل الشكر “حبيبة محمود ” ..
_ملحوظة هامة_
“حبيبة محمود” فتاة رقيقة جميلة من الفانز، وقارئة لرواية “الصمت الباكي” ..
وذِكرها بمشهد من الرواية والتي إختارته تحديدًا “عتاب ليلى على ما قالته لمؤمن” وذلك بوعد مُسبق مني..
_ ولوجت ليلى للداخل لتُكمل طيّ الملابس وعزمت على محادثة “مؤمن” فور إنتهائها…
لكن عاجلها دخول أحد إلى الغرفة بغضب…
اتسعت عيناه بصدمة فور رؤيتها سرعان ما تحولت لغضب جام منها، قال بإشمئزاز بات يشعر به من مجرد النظر لوجهها الآن: إنتِ
__________________________________________
ارتمى على فراشه يُحدق بسقف الغرفة بملل وتشتت، فبالرغم من هدوء حياته إلا أنها مُبعثره وبشدة ونفسه مُنعمسه بطيات الماضي تارة والحاضر تارة …
من جهه والده الذي لا يرتضيه حاله والمُنغمس هو ووالدته ببئر الحُزن على شقيقته المفقودة منذ خروجها للحياة..
بالنسبة له لا يتأمل في رجوعها بعد مرور تلك السنوات، فمن المؤكد أن من أختطفها لم يتركها على قيد الحياة..
طفق على مُقلتيه الشوق، والحب، لم يشعر بقلبه الذي تفلت منه رويدًا رويدا حتى وقع أسيرًا لها ولعينيها المكحولة..
وآآهـِ من عينيها التي مجرد التمعن بداخلهما يستطيع أن يجد موطنه …
لكن ما بال عينيها مليئة بالأحزان وتعج بحديث صامت، وألم دامي يستطيع أن يراه بوضوح، تُخبأ خلف هدوءها وصمتها المُتجلي له صمتٍ باكِ ..
لا يعلم عنها شيء، ولا يعلم ماضيها ولا من الأساس من هي..؟!
وإلى الآن لا يستطيع أن يخطو نحوها، لا يعلم أستقبله أم لا؟!
خالجه شعور مُزعج من عجزه وتقيده هذا..
الحديث الذي يعج بداخله يتسبب في إزعاجه حتى أنه لا يستطيع أن يفيض به لوالدته التي أصبح كل همها العثور على ابنتها المجهولة ووالده الذي يعيش بكوكب آخر..
شخصيته الغير إجتماعيه نجم عنها عدم تكوينه لصداقات ..
لم يمتلك سوى صديق طفولة واحد فقط والذي افترقت طُرقهم منذ أعوام عديده… “مؤمن الصياد” ابن صديق والده .. لكن فجأة اختفت الأسرة ولم يعد لها أثر، سأل والده كثيرًا لكن دائمًا ما كان يتهرب أو يختلق كذبة جيدة..
_ اعتدل جالسًا حينما جذب إنتباهه دخول والدته الهاديء..
جلست على المقعد المقابل له، وقالت بعتاب: حتى أيام اجازتك مقضيها لواحدك كدا يا مصطفى..
ولا حتى بتكلف نفسك تسأل وصلنا لغاية أيه في موضوع أختك..
شدد على جفنيه بعنف ويأس، فهي لا يهمها سوى ابنتها المفقودة فقط، لا تهتم له ولا تسأل عن حاله..
فما الذي بيده ليفعله كي يجد شقيقته، ولا يُريد جدالها ومواجهتها بالحقيقة التي تبغضها لكي لا تتألم وتنجرح أكثر من ذلك..
_ ردد بمرح ليتهرب من هذا كله: طب أسالي عليا طيب .. عايش ولا بتتظاهر إنك عايش؟!
مبسوط ولا بتتظاهر بالسعادة؟!
تمعنت بوجهه المُرهق الشاحب، فهو يسكب مجهوده بالعمل في أكثر من جهه..
تعلم كم أهملته وأخطأت بتجاهله وشَغلها البحث عن ابنتها..
استقامت ثم سارت حتى وقفت خلفه ومازال هو جالسًا وامتدت يديها لتُمارس سحرها الخاص كما يُحب منها دائمًا وبدأت بتدليك كتفيه وعنقه بحنان أموي، وربتت على خصلاته البُندقية..
_ مالك يا توفه، افتحلي قلبك واحكي لأمك.. أنا عارفه إن قصرت معاك بس غصب عني يا ابني الضنى غالي..
_ انفرجت اساريره كطفل صغير عقب سماع الدلع الخاص به والتي انقطعت مدة كبيرة عن منادته به بعد أن أطلقته عليه..
ليقول معاتبها بصوت لين: نسيتِ توفه خالص يا سلطانة أميرة حتى مبقتيش تاخديني في حضنك زي زمان..
إنتِ فاكرني كبرت على حضنك يا أمي..
صدقيني لما بنكبر بنبقى في أمس الحاجة ليه ..
انشطر قلب “أميرة” عندما اخترقته تلك النبرة الحزينة المليئة بقلة الحيلة..
لتجلس على غير مهل وهي تجذبه بحنان لصدرها مربته على ظهره بفيض من الحنان..
_ ياااه يا سلطانة واحشني حضنك أوووي، وكأنه بيمتص إللي جوايا يا أمي..
حضنك هو كنزي الثمين يا سلطانة قلبي..
ظلت تُمسد على رأسه بحنان وتساقطت دُررها ثم تسائلت بقلب أم يمتلك حواس استشعارات عن بُعد: هي مين..
وتابعت بمرح: أخيرًا يا عانس النحس اتفك ولا أيه ..
امتلئت الغرفة بصوت ضحكة مرتفعة عقب جُملتها الأخيرة ..
اعتدل وهو يضجع واضعًا رأسه على فخذها..
_ هبقى احكيلك بعدين، بس يلا نيميني يا سُلطانة لأن أبنك جعان نوم..
= بينما في الغرفة المجاورة لهم كان يدور “عاصم” كأسد حبيس بعدما تحطمت أماله بقسوة على صخور الحقيقة..
قد شيّد الأمل هذه المرة ورسّخه داخل قلبه، شعر أنه على وشك وجود ابنته لكن الواقع نزع هذا الأمل من قلبه دون رحمة..
وبقى لا يجد سبيل آخر، حتى أنه لم يعد يستطيع التفكير بشكل سليم..
جلس بإحباط واضعًا رأسه بين يديه بقلة حيلة ويناجي المولى بداخله أم يُرِح قلوبهم ..
ويكفي السعي خلف الضباب إلى هذا الحد..
___________________________________________
دُهمة قاتمة، ظلام حالك … لا تسعفه عيناه ولم تستطع أن تلتقط سوى الظلام فقط!
تكوم على ذاته بأحد زوايا الغرفة القاتمة وقد آلمته عيناه من الظلام..
ظل ساكن، صامت، صامد وكأنه ليس طفلًا في الثانية عشر من عمره …
وهذه طريقة التعذيب خاصته هذا الأسبوع.. البقاء في الظلام، وحيدًا ..
رغمًا عنه شعر بالخوف واستغاث بوالده تارة ووالدته تارة..
بقى ثمانية أيام بهذا الظلام حتى تضررت الرؤيا لديه، لكن ليس هذا فقط..
فقد أصبحت الهواجس والأشباح تطارده، أصبح يُخيل إليه أشياء غير موجودة…
لتمحي تلك الأيام أخر ما تبقى لديه من الطفولة ويظل يحيا برُهاب لا يتركه … رُهاب الوحدة ونوبات الفزع التي تنتابه..
فتح أعينه بشدة، وأعتدل في جلسته على مقعده بأنفاس لاهثه وصدره يعلو ويهبط يُناجي الهواء ليخترق رئتيه لكن لا فائدة، تعرق كفيه وجبينه ورعشة قوية تسير على مستوى..
حرر بعض أزرار قميصه العلوية، وأدرك أنها هي لا محالة.. لا تريد تركه مهما فعل..
استقام بصعوبة بأقدام لا تحمله بسبب إرتخاء أعصابه لكنه تمالك حتى وقف أمام النافذة الزجاجية القابعة داخل مكتبه بإمبراطوريته..
استند عليها بضعف وهو يلتقط ذرات الهواء بصعوبة بالغة محاولًا تهدئة أعصابه وفصل عقله عن التفكير بذاك الأمر لترحل عنه سريعًا ولم تكن سوى تلك اللعنة التي لازمته “نوبة الفزع” ..
بعد مرور ما يقارب الساعة، عَان بها أشد العناء وحيدًا خلف جدران مكتبه ..
وأخيرًا قررت تركه ورحلت..
تهاوى جسده فوق المقعد بعد أن هدأت ثورته، ليطل عليه “صالح” بعدما طرق الباب..
ملامح وجهه مُقطبة، غاضبة، حزينة، حائرة .. جلس أمامه بصمت ليتعجب “مؤمن” من ملامح وجهه وأيقن أن أمرًا ما يُحزنه ويُنغص عليه..
_ تسائل مؤمن بهدوء: في أيه.. مالك؟
_ ألقى “صالح” برأسه على ظهر المقعد، وقال بتنهيدة عميقه: بقيت محتار.. مش عارف كلام القذر ده صح ولا غلط، وإزاي قدر يهرب كدا .. أكيد حد ساعده بالهروب
وفي نفس الوقت موضوع آدم مش سايب تفكيري أبدًا
نفسي أطول الخاينة إللي عملت كدا .. مش مصدق موضوع إنها ماتت أو أنها تختفي بالطريقة دي.. ويطلع الموضوع كله تشابه أسماء..
_ نظر إليه “مؤمن” بتمعن، وتسائل: افهم من كدا إنك شاكك في مراتك..
_ نفى “صالح” سريعًا: لا طبعًا .. شكي فيها مستحيل..هي أبعد ما يكون عن كدا..
بس أنا قلبي محروق على أخويا يا مؤمن ومنظره وهو مدمر مش بيطلع من بالي وهو بيموت علشان الجرعة..
بعد كل الحب إللي قدمهولها وكل إللي عمله معاها يكون هو دا جزاءه..
فضلت تدمر فيه لغاية ما وصلته للموت، نفسي أوصل لروحها بس .. ياريت آدم كان حكالي ومخباش عليا…
قال جملته الأخيرة بغل شديد ليُكمل بحزن: حرمتني من أخويا .. إنت متعرفش الفراق صعب قد أيه..
بس أنا خلاص قررت فتح القضية من جديد…
= أيُحدثه عن الفراق، ومن غيره ذاق أشد مرارته، والده الذي وقع مُدرجًا بدمائه بينما رأسه على أقدامه الصغيره.. والأحزن من هذا أنه هو من أتُهم بقتله ..
_ أيده مؤمن قائلًا: أنا من رأي كدا علشان ترتاح.. لأن شايف إن القضية دي اتقفلت بسرعة وبشكل غريب ..
_ ردد “صالح”: عندك حق، وربنا ينتقم من كل ظالم..
_ هز “مؤمن” رأسه بإيجاب وهو يشعر بالنفور الشديد من تلك الفتاة اللعوب التي وشت بآدم للموت..
༺بعد مدة قصيرة ༻
_ وصل “مؤمن” للمكان المنشود بوسط الحارة اللعينة
رفع هاتفه لتأتيه الإجابة سريعًا، تسائل: أيه الأخبار .. مرجعتش ..
_ قال الرجل بإحترام: لا يا باشا لغاية دلوقتي مرجعتش ومازالت العطارة على حالها مقفوله..
_ غمغم “مؤمن” وهو يلج لحديقة منزل العم عثمان الصغيرة: تمام.. خليك مكانك متتحركش..
_تمام يا باشا، تحت أمرك..
= ولج للداخل واستقبله العم عثمان بحفاوة شديدة فـ مؤمن له محبة خاصة بقلبه وبمثابة ولده أو لنقول حفيد من أحفاده..
وبعد دقائق من السؤال عن الأحوال، تسائل مؤمن بجدية محاولًا إخفاء ألمه وكسرة قلبه للمرة التي توقف عن عدها: هي فين؟! .. جيتلها هنا وملقتهاش.. اختفت فجأة.. لو تعرف أيه الأماكن إللي بتروحها أو أي مكان ألاقيها فيه..
أشاح عثمان رأسه بحزن عليه، فقد علم أنه يتحدث عن والدته “جميلة” والتي انتبهوا جميعًا لإختفاءها الغامض..
_ تمعن عثمان في وجهه جيدًا، وتسائل مباشرةً: النوبة كانت عندك صح..؟
تجاهل “مؤمن” سؤاله فهو يعلم أنه أعلم الناس به، فحينما كان طفلًا وتُصيبه كان يظل محتضنًا إياه حتى تذهب عنه، أما الآن ومن بعد خروجه من الأحداث بقى وحيدًا يُعاني معها بجهده كله حتى تذهب بعدما تُزهق أنفاسه..
وتسائل مؤمن مرة أخرى: عايز أعرفلها مكان ضروري..
_ استند عثمان على عصاه الخيزُرانية المعكوفة يُخبره بصدق: والله يا غالي كلنا لاحظنا غيابها وهي أصلًا ملهاش حد غير هنا وعمرها من ساعة ما دخلت الحارة ما خرجت ولا غابت عنها…
يعني إختفاءها ده وراه حاجة مش مظبوطه..
= نعم إختفاءها خلفه ورقة لعينه أحرقت داخله واشغلت نيران لن تنتطفيء، لكن عليه أن يضغط على ذاته ويبحث عنها لأجل ليلى..
استقام “مؤمن” بغضب عارم، وقال وهو يهم بالرحيل: تمام يا عمي عثمان أنا هتصرف.. معلش تعبتك..
ثم خرج على الفور، وقاد سيارته خارجًا من الحارة دون أن يلتفت خلفه وكأن وحوشًا تطارده ..
= ظل “عثمان” يحوقل بقلة حيلة وهو يشعر أن حياة “مؤمن” تنحدر لأسفل وكلما مر يومًا من عمره يزداد همومًا وحزنًا… ليكن الله بعون هذا الشاب حديث العمر عجوز القلب، الذي تتبعه الأحزان كظُللٍ من الغمام أينما رحل..
أمَا آن له أن يسعد وتنفتح له طاقة السعادة…
____________________________________________
_ وقفت تعد طبق “المسقعه” المُفضل لديه بإتقان وحرص شديدان.. صنعتها على ذوقها ببعض اللحم المفروم والثوم..
وبعدها ذهبت إلى المعمل لتُنهي عملها بكل تفاني وإتقان..
وبعد فترة وجيزة ولجت للمُلحق ببعض الإرهاق والتعب، رفعت أحد الأرائك والتي تحتوي على خزنة سرية لا ينتبه إليها أحد ثم أخرجت دفترًا قديمًا ذا أوراق صفراء.. وجذبت قلمًا..
وشرعت في نقش ما بجتاح قلبها وما تشعر به، القلم والورقة أصدقاءها اللذان لا يكلان منها مهما تمسكت بهم، يسمعونها وتستطيع بث ما بداخلها على طيات الأوراق بنزف القلم السخي، تذكرته فتهدجت أنفاسها وأخذت تبث ما حدث معها بالأيام الأخيرة وسقطت قطراتها على بعص الأوجاع التي أبت الظعن عنها..
ختمت بنقشها المُدمى..
“عالمك مُظلم كغدُافٍ هالك، بارد لم تطأه الشمس ولو خِلسه وأنا أخشى الظلام لكن لو تعلم أنِ لأجلك أطأه دون همسة تردد إن لقيتُ منك تمسُكًا بي ولو ضئيلًا …
فأنا أخشى الوحدة التي لازمتي بالضياء، فما بالك بالظلام
لو ناديتني لجئتُك سعيًا على الوجه أو مشيًا على الرأس لكنك أعرضت عني ولم تُكلف ذاتك عناء الالتفاف ..
أنتَ ليس سوى كهفٌ مُظلم يبتلع روحي بداخله رويدًا رويدا حتى ينحرها بنصلٍ ثلم على مر الليالي..
فالفراق حتمي لنا، وجَمعتنا مذءومة، والنزوح إلى الذكريات حقي لتظل القلوب في عِناق أبدي..
“لكن تذكر أنا أخشى الوحدة فلا تذرني فردًا” ..
وضعت القلم جانبًا وأعادت كل شيء كما كان ثم توضئت لتأدية فرضها، وصاحت على “يزيد” ليأتيها وتوضئه وتشرع بتعليمه الصلاة بتمهل ..
وأدت فرضها بخشوع ولم تستطع تمالك ذاتها وذرفت الدموع .. حُزنًا، وألمًا، وشوقًا، وتيهه بوسط غياهب الحياة..
_ ابتسمت بوِدْ وأجلست “يزيد” بجانبها بحنان، وقالت بحماس مُشجع: يلا نتعلم السورة علشان ناخد الشكولاه يا زيدو..
_ هلل الطفل متحمسًا، لتبدأ “أسوة” بالقراءة بصوت هادٍ خشع: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. بسم الله الرحمن الرحيم…
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ (٣)
وظل “يزيد” يردد خلفها بفرح، وتستغل حماسته واستعداده، وتسائلة بمرح: إنت أيه هو الكوثر يا زيدو..
نفى الطفل برأسه وهو ينظر إليها بترقب لتُخبره
وبالفعل بدأت تشرح له بسلاسه
_ بص يا أستاذ يزيد..
الكوثر نهر عظيم في الجنة بيصب في حوض النبي محمد صلّ الله عليه وسلم إللي هيشربنا منه يوم القيامة..
وانتظرت قليلًا ليُردد قائلًا كما تعلم بالملجأ: عليه أفضل الصلاة والسلام..
_ ابتسمت “أسوة” له بتشجيع وأكملت: لما الرسول صلّ الله عليه وسلم طلع للسما شاف النهر..
وبعدين ربنا بيأمر النبي بالصلاة وإللي هي صلاة العيد.. وبعدين ندبح الخروف إللى هو الأضحية زي ما كنتوا بتعملوا عند أبله داليا في الملجأ.. لأن الصلاة وذبح الأضاحي لله وحده..
وبعدين ربنا بيقولنا على “الشانيء” إللي هو المبغض المعادي يعني إللي مش بيسمع كلام ربنا والرسول ويبقى مقطوع الصله بالله.. مش بيدخل الجنة وبيدخل النار..
وظلت على هذا الحال تشرح له بهدوء وتروي، ليقول الطفل سريعًا عقب إنتهائها: أنا دايمًا كدا هسمع كلام ربنا والرسول صلّ الله عليه وسلم علشان ادخل الجنة ومش أدخل النار
_ صفقت له “أسوة” وقالت بحنان: شطور يا زيدو وربنا هيدخلك الجنة.. وشوف هو بعتلنا أيه من نِعمه الكتيره..
وأخرجت قطعة شكولاه وقدمتها له ليلتقطها بسعادة، وتُذكره قائلة: إحنا بنقول أيه يا زيدو ..
_ ردد “يزيد” مُسرعًا: الحمد لله الذي رزقنا هذا من غير حولٍ منا ولا قوة..
وجلس يلتهم قطعة الشكولاه لُتقبله “أسوة” على رأسه بحنان..
ثم جذبت كِنزتها المُتمزقة بعدما جلبت أدوات خياطة وجلست على مقربة منه تحكيها فهي الوحيدة التي تمتلكها ثقيلة تقيها من شدة البرودة..
_بعد بُرهة قصيرة_
دخل للمُلحق بوجهٍ مُقطب مُكفهر بعدما وجد الباب مُأرب..
صوب أنظاره الناقمه تجاهها لتشهق بفزع عندما شعرت بوجوده على أعتاب المُلحق..
قضمت شفاها السُفليه بتوتر وقد سارت بجسدها إرتعاشة من نظراته المصوبة تجاهها ..
قد تحول الآن للنقيد، كان صباحًا وأمس مثل الأملود، لماذا الآن مثل الصخر؟!
تطلعت إليه بريبة واهتز ثباتها وهي تُدرك أن النهاية قد وشِمت لا محالة..
_ رمقها بجدية وصلابة قائلًا بنبرة قوية جعلها تجفل: يلا عشر دقايق وتكوني برا ..
هزت رأسها وهرعت للداخل مُتهدلة الأكتاف وهي تبتسم بحزن على ذاتها، وبالفعل قد أشفقت على حالها..
وبأقل من عشر دقائق كانت تدلف للسيارة بقلبٍ مُلتاع، جلست بإنكماش لينطلق بالسيارة بسرعة قاسية بين طُرقات الغابة التي يحفظها عن ظهر قلب وهو بالكاد يتمالك ..
بينما هي فأدركت أن السيف قد سبق العذل وأن النهاية توشك على البدء لتٌحتم بنهاية لا يعلمها إلا الله..
وبعد دقائق قليله وقفت السيارة بأحد الميادين المُحاطة بالأشجار والتي تقبع وسط الغابة..
منطقة قاحلة جدباء كالحديث الذي سيدور بداخلها..
هبطت من السيارة وأعينها شاخصة في الفضاء وتحاول ألا يتزعزع ثباتها وأن تظل متماسكة حتى النهاية، إذدرت ريقها بصعوبة وهي ترى شاب أخر يقف أمام سيارته ومن الواضح أنه الضابط “ليث” كما أخبرها..
سارت خلفه وهي تفرق يدها بخوف لما هي مُقبلة عليه فهي على يقين أن ما سيُلقى على مسامعها سيكون ثمنه ربما حياتها..
_ وقف كلًا من “مؤمن” بجانبه “أسوة” المُنكشة على ذاتها فالنهاية هي أنثى وتخشى المخاطر..
وبالمقابل وقف “ليث” الذي تشدق: أهلًا آنسه أسوة..
ولم يترك لها المجال لترد وأكمل: طبعًا إنتِ عارفة ولو جزء من مهمتك ومفيش مجال لتضيع الوقت..
حركت رأسها بتيهه ليُكمل ليث: أنا هشرحلك كل حاجة وإللي إنتِ مكلفة تعمليه وهقولك على خط السير إللي المفروض هيحصل لو موقعش خلل..
_ قبضت على كِنزتها مُتحفزة لسماع ما سيُخبرها به كي لا تنسى شيئًا منه، بينما “مؤمن” فأشاح بوجهه عنها واستدار مُعطيهما ظهره وهو يطبق على قبضته بعنف، وصرّ على أسنانه بغضب وعيناه تحترقان من شدة الألم ولا مجال للنكوص..
_ تابع “ليث” حديثه قائلًا بجدية: الأعور وعصابته عايزينك بأي تمن ودا طبعًا علشان مصالحهم، وإللي هما عايزينه مش عند حد ألا إنتِ ..
إنتِ الوحيدة إللي تعرفي مكونات المضاد وتعرفي تصنعيه دا بجانب حاجات تانيه..
إنتِ بالنسبة لهم سلاح قوي هيقدروا يواجهوا بيه كل أعدائهم…
هما متابعينك من فترة وعارفين إن لكِ علاقة بالباشا مؤمن بس إللي يعرفوه إنه كان عايزك في شغل وإنتهى وسابك، وإللي ميعرفهوش استقرارك بالقصر وتعاونك معانا..
وهنا بقى مصلحتنا لأن هنقدر نوصل للأعور من خلالك ومن خلاله نقدر نوصل لأكبر راس تجارة مخدرات في مصر وإللي ليه علاقة بمجرمين من برا البلد ومساهمين في الخراب ده..
إنت بقى شغلك أيه..
كل إللي هيطلبوه منك تنفذيه وتحاولي تتجاوبي معاهم وتفضلي في مكانهم أطول فترة ممكنه..
تاخدي بالك من كل حاجة تشوفيها، والسلسلة إللي الباشا سلمهالك مهما كانت الظروف متخلعيهاش، من خلالها هنقدر نوصلك وهتسجل كل المعلومات إللي هتمري عليكِ وهتشوفيها ..
ومن المؤكد إنهم هيفضلوا محتفظين بيكِ لغاية العملية الجاية وإللي إحنا هنكون طرفها وأكبر إحتمال إن هنقدر ساعتها نحررك..
خلال أيام قليلة جدًا هيتم خطفك، لازم تكونِ مركزة ومتثريش الشكوك..
= ظلت تستمع إليه وهي تشعر أن الأرض تنهار من تحت أقدامها، ما هذا بحق الله؟! هي أبسط من هذا كله..
فهي ليست سوى فتاة بائسة لا تستطيع مجابهة هذا، واللهو بحياتها..
كانت تعلم أن الأمر لن يكن هين وربما يكلفها حياتها بخيسة الثمن..
ظلت تلتفت حولها وتنظر إلى الذي أدار لها ظهره وتسترجيه بأعينها أن ينقذها مما أوقعها به…لكن دون جدوى فقد أُصيبت أعينها بالخذلان..
لا حلّ أمامها سوى الموافقة، وليفعل الله ما يشاء..
_ أخبرها “ليث” بتحذير: بس خدي بالك حتى لو رفضتي مساندتنا من المؤكد إنهم هيوصلولك كدا كدا بأي طريقة وساعتها مش هنقدر حتى نوصلك وننقذك ..
بس بإللي بقولهولك هتفضلي تحت عنينا وهنضمن لكِ الحماية ..
وضعها بين المطرقة والسندان.. غصة مريرة كالعلقم أُجبِرت لإبتلاعها..
قُذِف بعقلها “يزيد” .. نعم يزيد.. أهم شيء من الممكن أن يُصاب بضرر، لن تسمح بهذا..
_ أردفت بصوت مُرتعس اخترق قلبه ومزقه أشلاء: أنا موافقة بس عندي شرط
_تفهم “ليث” وحرك رأسه بإيجاب: مش مشكلة.. لو عايزة أي مقابل مادي و….
_ قاطعته مُشيرة بيدها: لا أنا مش طالبة أي مُقابل، أنا بس عايزة أضمن الحماية ليزيد وأضمن له مستقبل كويس..
بمعنى طول الفترة دي تأمن ليه حماية وميصبوش أي ضرر .. ولو أنا مرجعتش أو حصلي حاجة ودا وارد تضمن مستقبله.. يتعلم أحسن تعليم ويعيش عيشه مُكرمه بس بعيد عن دور الأيتام والملاجيء..
يتربى على نفقة الشرطة والدوله ومحدش يجيبلوا سيرتي لغاية ما يكبر ويبقى واعي ساعتها قوله إن أنا موت لو مرجعتش .. بس أمانة عليك تقوله علشان ميفكرش إن اتخليت عنه وسيبته..
دا بس إللي أنا عايزاه، ومستعده أعمل أي حاجة إنتوا عايزينها..
لفظت كلماتها وتنهدت براحة، فمن الممكن أن يكون موتها وهلاكها سبب لنمو الورود على ضفاف حياة “يزيد” بعدما يكون تحت وصاية الشرطة ويحيا حياة كريمة لن تستطيع توفيرها له بسبب حياتها البائسة وبالأخير لن يحدث سوى الخير..
فإن ماتت ولم تعود ستُسطر بطلة وهذا شرفٌ لها أن تكون يدًا في إبادة الفساد بالبلاد..
ولو تعلمون ما الذي أصاب “مؤمن” الذي جثم على قلبه شعور مؤلم، لكنه تدارك نفسه فهذا ما يجب أن يحدث، ولن يُصيبها شيء وستعود آمنه..
بينما أغمض “ليث” عيناه بخزي وقد شعر بالحزن لأجلها لكن الواجب يُحتم عليه ذلك..
استدار “مؤمن” إليها بجمود يغشى على ما يعتري قلبه الذي أخذته الطبول موطنًا لها..
_ ردد “مؤمن”: تمام يا ليث كدا .. خلي عينكم مفتوحة والجزء الخاص بيا هيتم على أكمل وجه..
_ أجابه “ليث” بحزن عميق مدفون بقعر قلبه: تمام يا مؤمن باشا..
جلس بالسيارة، وجلس بجانبها على عجلة القيادة وكلاهما بوادٍ آخر ..
لكن ما أثآر دهشته وتعجبة حينما رددت بتحمس: لو سمحت ممكن تتطلع من هنا على نص البلد.. ومتقلقش والله ما ههرب بس بالله عليك وافق، دا أخر طلب هطلبه منك..
حرك عجلة القيادة وانطلق وقد عجز على فهمها وفهم ما تُريد..
فاليفعل ما تشاء هذه المرة وليعلم ما الذي تريده؟!..
_________________________________________
توارت بمكان مُظلم ..
ضغطت على زِر الإيجاب بالهاتف ..
ليأتي صوت المُتصل من الجهة الأخرى: أيه الأخبار؟’
_ ابتلعت ريقها، وقالت بتلعثم: هو كويس بس شكله مطعون، بس بيتصرف بطبيعية وبرود جدًا ودا غريب عنه .. وشكله ناوي يمشي من القصر اليومين دول بس مقالش رايح فين..
_ تمام أووي .. أنا هتصرف متقلقيش..
_ همست بصوت منخفض قائلة وقد غزى الخوف قلبها: يا باشا لو عرف إنِ بتجسس عليه وبنقل أخباره ليك ممكن يخلص عليا ..
_ قال الأخر مطمئنها: صدقيني ميقدرش يعمل حاجة متقلقيش إنتِ في حمايتي .. بس عايز عينك متترفعش من عليه ولو لاحظتي أي حاجة غريبة بلغيني..
_ هزت رأسها وهي تتطمس تلك القطرات الباردة التي تجمعت فوق جبينها: تحت أمرك يا باشا … سلام ..
