رواية سيد الكبرياء الفصل الثامن والثلاثون
كان صهيب يرمقها بنظرات هادئة تشع حنانا وابتسامة ترتسم على وجهه وهو يقول..... اللي إنتِ عايزاه هعمله بس تخلي بالك من نفسك وتهدي.
نظرت إليه والشرر يتطاير من عينيها وهتفت بغضب..... هتعملي اللي أنا عايزاه يا صهيب.
اتسعت ابتسامته ليرد بنبرة عاشقة..... أيوه يا قلب صهيب..... أهوه من إيدك دي لإيدك دي.
صمتت للحظات وهي تتأمله بريبة ثم انتفضت من مكانها كإعصار ثائر وقالت..... اممم هتعملي إيه.. قول بقى قول. آه دانت ما صدقت بقى سيبني يا صهيب صهيب يسيب خلاص. والصبح سايبني أصمم فستان زي الزفت ويبقى شكلي وحش. ما أنا ماعدتش ألزم البيه. الجربوعة ماتلزموش مش كده.
تنهد صهيب بعمق وجلس يراقب ثورتها بقلة حيلة ونظرات يملؤها الغلب ثم تمتم..... طب تعالي كلي.
دوت صرختها في أرجاء الغرفة وهي تصيح..... أنت عيل بارد ومعندكش ريحة الدم.
هنا اشتعلت النيران في عروقه فانتفض واقفا وجذب يدها بقوة ولواها خلف ظهرها وهو يهدر بصوت كالرعد..... لا..... هنقل أدبنا هفلقك نصين..... هاه..... أنا مراتي ماتكلمنيش كده.
ترقرقت الدموع في عينيها من شدة الوجع والقهر وقالت بصوت متحشرج..... أوعى إنت بتخليني أقل أدبي اوعي ماتكلمنيش مش خلاص هتعملي إللي أنا عايزاه روح روح وترجع تلويلي دراعي عشان بقى أدبي أنا قليله الادب بسببك روح أنا مش عايزة أكلمك أصلا. وعشان أقهرك بقى..... التصميمات اللي كنت هديها لحازم هصممها في الشركة..... عشان دي شركة عيالي أخاف عليها أكتر منك.
دفعته بكل ما أوتيت من قوة وهرعت نحو الفراش ترتمي عليه بقهر بينما وقف هو يشعر بضياع وغلب وحدث نفسه..... يا رب هي اتجننت..... دي كانت طيبة.
التقط الصينية بهدوء واقترب منها مجددا وقال بنبرة لينة..... طب كلي قبل ما تنامي.
ردت عليه بحدة وهي تدير وجهها الجهة الأخرى..... تعبانة مش قادرة روح من هنا.
جلس بجوارها ووضع الصينية أمامه ثم بدأ يطعمها بيده صابرا على غضبها وهو يقول..... طب اركني بس وغمضي وأنا أهو هاكلك.
أكملت فلك طعامها في صمت بينما كان صهيب يراقب ملامحها المجهدة بدقة ويمد يدها ينسخ إثر الطعام بلين.
نظرت إليه بعيون ذابلة خالية من التعبير..... لكنها لم تبعد يده هذه المرة.
تحدث صهيب بصوت منخفض ودافئ..... . شفتي بقى إن الأكل هو اللي هيرجعلك صحتك..... مش الخناق وحرق الدم.
لم ترد بل أشاحت بوجهها عنه...
كان صهيب يجلس بجانبها بصبر يطعمها بيده. وهي تستقبل الطعام منه بهدوء غريب بعد العاصفة التي مرت. وفجأة نظرت إليه بعفوية مضحكة وقالت..... صهيب..... إنت عارف إن مش أنا اللي كنت بزعقلك من شوية صح.
رفع صهيب حاجبيه بذهول ممزوج بضحكة مكتومة وقال..... والله..... أمال مين اللي كان هيفلقني نصين يا فلك.
لوت فمها ببراءة مصطنعة وردت..... دي هرمونات يا صهيب..... هرمونات والله ماتعصبنيش تاني بقى عشان ماتطلعش عليك..... وبعدين إنت اللي بتستفز الهرمونات دي وتخليها تركبني.
ضحك صهيب من قلبه وهو يضع اللقمة الأخيرة في فمها..... هرمونات برضه..... ماشي يا ستي..... هحاول أصاحب الهرمونات دي عشان خاطر عيونك.
بعد قليل ساعدها صهيب لتستلقي في فراشها وغلف الغطاء حول جسدها برفق..... استسلمت للنوم سريعا من فرط التعب..... لكن هدوءها لم يدم طويلا.
رأت في منامها صهيب يقف مع امرأة أخرى..... يبتسم لها بنفس الطريقة التي يبتسم بها لها..... انتفضت فلك من نومها والذعر يملأ وجهها.....
كان صهيب يغط في نوم عميق بجانبها حين انتفضت فلك فجأة من حلمها المزعج..... ملامحها كانت تشتعل غيرة وقلقا بالرغم من أنها كانت تحلم..... وبدون وعي ارتمت في حضنه وكلبشت بذراعه بكل قوتها.
استيقظ صهيب فزعا وهو يحاول استيعاب ما يحدث..... ضمها إليه بتلقائية وهو يهمس بصوت ناعس..... مالك يا فلك..... في إيه يا حبيبتي..... اهدي.
لم تجبه بل ظلت صامتة وأنفاسها متلاحقة..... وفجأة بدأت تقرص يده التي كانت تحتضنها بقوة وغيظ..... تأوه صهيب من الألم وحاول سحب يده وهو يسألها بذهول..... آه..... في إيه يا بنتي..... بتقرصيني ليه هو أنا عملت حاجة وأنا نايم.
صرخت فيه فجأة وهي لا تزال ممسكة بيده وتضغط عليها..... مفيش..... قولتلك مفيش..... ..... هرمونات ماتعصبنيش تاني بقى.
نظر إليها صهيب وهو يفرك يده بألم ويحاول كتم ضحكته على منظرها..... هرمونات برضه وأنا نايم..... يعني حتى وأنا بحلم بتطلع علي الهرمونات دي.
زفرت بغضب طفولي ودفعت صدره بعيدا عنها وهي تقول..... أيوة..احلم يا خويا احلم ... روح بقى نام بعيد عني..... روح.
ورغم أنها كانت تدفعه بكلماتها وبيدها الأخرى..... إلا أنها كانت لا تزال مكلبشة في ذراعه الذي قرصته وكأنها ترفض تماما أن يبتعد سنتيمترا واحدا عنها.
فاقترب منها صهيب وقبل شفتيها برقة بالغة وهمس بنبرة حانية....طب خلاص حقك عليا أنا السبب في كل حاجه . نامي ريحي وهبقى أصحي كي.
نظرت اليه متجهمه اندست فلك تحت غطائها وهيا تتكلم.. وانت كمان نام وإياك تحلم بحاجه أنا بعرف كل حاجه.. بيجيلي كل الحاجات واستدارت واستسلمت للنوم على الفور من فرط إجهادها.....
بينما ظل هو جالسا مكانه بجوارها يراقب ملامحها الهادئة في النوم وينظر إليها بعشق ممزوج بالندم..... فأخذ نفسا عميقا وحدث نفسه بيقين..... هصبر يا قلب صهيب..... والله هصبر يا عمري.
انتقل صهيب إلى الأسفل ومنه لي الخارج وذهب والتقى بفكرى..... جلس أمامه والضيق ينهش في ملامحه المقهورة..... بادر فكري الحديث بنبرة تحمل شماتة المحب المختلطة بالشفقة وقال..... إيه..... عرفت إن الله حق..... أهي هتوريك عشان أنت حلوف وتستاهل..... غلبت أقولك اهدى بطل فرعنة إنما إيه مفيش فايدة..... يلا خليها بقى تسود عيشتك.
نظر إليه صهيب بغضب مكتوم وهتف..... فرحان فيا بدل ما تقولي أعمل إيه..... أنا مش قادر أنطق ومش قادر أستحمل.
هز فكري رأسه بسخرية وهو يربع يديه فوق صدره وقال..... هو أنت ليك عين تنطق بعد اللي حكيتهولي..ايه مش عجبك يومين تهزيق.. طب تعالي نعد كده.. اجي اشتري وإنت يتيم من أهلك وتخليهم يغدرو بيك واجوزك غصب واحبسك واذلك وكنت هموتك واجي العب عليك اوهمك الحب والاخر يا فاجر تدخل علي مراتك راجل وهيا مكشوفه يا لهوي بتشتكي علي يومين .. دا أنت تكتم لما تفطس..... وآه طبعا الجبروت مش قادر يستحمل..... ماتعودش حد يدوس عليه.
صرخ صهيب... حرام بقه بتفكرانا مابنساش اللي عملته بس ندمت والله. واهو بعمل كل حاجه ليها.
هز فكري راسه بحزن وحكمه..... إنت فاكر إنك بكده عملت اللي عليك لا والله.. فاكر الشكليات والجيب والمروح والزيطة اللي عملتها دي هي اللي بتبني بيت تبقى غلطان. الست الحرة يا ابني مش بتاعة فلوس ولا مهرجانات.. الست الحرة لما راجلها يكشفها ويخونها في أمانها بيتولد عندها خوف ملوش دوا.
ساعتها غصب عنها هتدوس عليك وهي بتعشقك. وهتتمنع منك وهي بتموت فيك.. بتبقى قمة سعادتها إنها تشوفك بتتمسك بيها في الوقت اللي هي بترميك فيه. إنت دلوقتي بتدادي وبتحاول تراضي وهي مش عارفة تسامح.. عارف ليه لأنك عريتها.. مش عريت جسمها إنت عريت روحها.
البنت اليتيمة لما بتثق في حد وتنام في حضنه ويغدر بيها بتخاف تتطمن تاني.. بتخاف تقرب من أي حضن تاني. افهم الكلام ده واستوعبه بجد وإلا هتفضل طول عمرك مش فاهم حاجة وهترجع تغلط نفس الغلطة تاني.
اكمل فكري كلامه بحدة وهدوء....
وخلي بالك.. هي هتتمادي، واللي زي فلك مش سهل تنسى ولا تطمن بسهولة. إنت دلوقتي اللي لازم تثبت إنك مش هتبيع وتصبر على مرارها لأنك عارف وممتأكد إنها بتحبك.
مش عشان جيت ووديت وعملت يبقى خلاص كدة الحساب صفي إنت بقالك كام شهر بتذلها وتمرمطها بسبك.. استحمل بقى لما تردلك شوية من اللي شافته. هي مش بتدلع هي بتداوي جرحك اللي لسه بينزف.. فـ لو إنت راجل بجد أثبتلها إنك باقي عليها مهما عملت لأنك إنت اللي بديت بالمرمطة.
هتف صهيب بضيق ونفاذ صبر..... ما تتبطل بقى أنا مقهور.
تنهد فكري ونظر إليه بشفقة..... يا حبيبي عارف هي هتهدي عشان طيبة..... بس لما تحس إنك هتحمل منها الفرعنة وما تستكبرش إنك تتراضي.
هتف صهيب بحدة وهو يشير بيده..... فين الفرعنة..... أنا عملتلها براند مع اسمي وقعدت على كرسيا ونازلة إهانة وأنا قاطم.
رد فكري بسخرية..... قاطم يوم اتنين وزهقت..... لا يا حبيبي خليها تشوف أد إيه أنت بتكتم نفسك عشانها.
تنهد صهيب بعجز وقرر الاستسلام له..... طب تعالي اقعد معانا حنن قلبها عليا اعمل أي حاجة..... هتسيبني أعض في الأرض كدة.
هز فكري رأسه بالموافقة وهو يبتسم..... حاضر يا حبيبي..... قام وأعد حقيبته وذهب معه.
في تلك الأثناء كانت فلك قد استيقظت وجلست تشعر بجوع غريب قطبت جبينها بتعجب وحدثت نفسها..... إيه ده أنا لسه واكلة..... هو فيه إيه إنتِ اتفجعتي جسمك هيتنيل يبوظ.
تنهدت وقامت من مكانها لتجد صهيب يدخل وبصحبته فكري. فاندفعت نحوه واحتضنته بحفاوة..
هتف فكري بمرح وهو يضمها..... مبروك يا قلبي هتعمليني جدو خلاص يا خلبوصة.
ضحكت فلك بدلال وقالت بطفولية وهي تسحبه من يده للمطبخ..... تعالي بقى وشوف مجوعني الواد ده.
تجاهلت وجود صهيب تماما ولم تنظر إليه حتى. وأخذت فكري ودخلت لتبدأ في شكايته. وقف صهيب يراقبهما وهو يشتعل غيظا. ألقى الحقائب على الأرض بعنف وذهب وراءهم وهو يكتم غضبه بصعوبة.
كانوا يجلسون في المطبخ حيث أخرجت فلك بولة كبيرة وملأتها بالمثلجات وظلت تأكل بنهم وهي تثرثر مع فكري..... بينما كان صهيب يراقبها بسعادة غامرة وعينين تفيضان حبا..... حدث نفسه بهمس لم يسمعه غيره..... نفسي أقوم آخدك في حضني وحشتيني أعمل إيه.
استدارت فلك فجأة لتجده يرمقها بنظرات هيام خالصة.ط. ارتبكت وابتلعت ريقها بصعوبة وأشاحت بوجهها بعيداً عنه..ط
لاحظ فكري تلك النظرات المتبادلة وهتف بمرح..... عايزينك تأكلي كده وتجيبلنا واد مبطرخ مش مسلول زي أبوه.
ضحكت فلك بعفوية ودافعت عنه دون تفكير..... مين ده اللي مسلول..... صهيب جسمه فظيع أنت بتقول إيه.
اتسعت ابتسامة صهيب فاستدرك فكري بخبث ليزيد من اشتعال الموقف..... بس بس دا شكل المجنح.
ردت فلك بحماس..... يا عم فكري دا فيه ناس تتمنى ده لا جامد هو اسألني أنا صهيب بيحافظ على نفسه.
هتف فكري وهو يغمز لها..... آه وإنتِ هتبطرخي وهو يعط بره.
قطبت جبينها فجأة وتحولت ملامحها للغضب وهي تنظر لصهيب..... يعط..... إنت هتعط؟
هتف صهيب بغلب وهو يرفع يديه وكأنه يدافع عن نفسه ونظر لفكري بغيظ..... لا وربنا ما هيحصل.
استعادت فلك كبريائها فجأة وقالت ببرود..... عموما أنا مالي..... تعط ما تعطش إحنا خلاص سيبنا بعض.
رفع فكري حاجبيه بدهشة مصطنعة..... إيه ده صحيح سيبتوا بعض. زعلتوني والله..... يعني هتمشي يا صهيب من هنا وهتقعد معايا إمتى طيب.
هتفت فلك مسرعة قبل أن ينطق صهيب بحرف..... لا هو هيقعد هنا جنب ابنه.
ابتسم صهيب بانتصار فتمتم فكري بمكر..... اممم..... أحسن برضه عشان يراعي الواد..... عين العقل يا بنتي..... بس لما تطلقوا ماينفعش يقعد هتحلوها إزاي.
رجف قلب فلك ونظرت إلى صهيب بذعر خفي..... فهتف صهيب بسرعة محاولا تدارك الموقف..... لا يا حبيبي إحنا مش هنطلق.
رد فكري ببرود وثبات..... آه هتنفصلوا بس يعني. عموما أنتو كبار وأكيد هتحترموا بعض وكل واحد يعيش حياته والتاني يحترمه وطبعا الشركة هتعرف والكل هيعرف أد إيه أنتو ناس راقية.
اكمل بخبث.... تشوفك مع واحدة تسلم عليك وتفرحلك وأنت كمان..... بسطتوني والله يا ولاد رغم إنه كان نفسي ترجعوا لبعض عشان العيال.
هنا أحست فلك بوجع يمزق قلبها من فكرة رؤيته مع غيرها. فقامت فجأة وهتفت بنبرة مخنوقة. تصبحوا على خير هنام أنا. وتركتهم وصعدت إلى غرفتها مقهورة.
نظر صهيب لفكري بغيظ وهتف..... مبسوط كدة. أهي اتهببت زعلت. أنت جاي تصالحنا ولا جاي تهببها.
رد فكري بهدوء وهو يرتشف قهوته..... بطل تبقى حلوف. اتقل بس هي لما تعرف إن الكل عرف إنك بقيت لوحدك هتخاف عليك صدقني.
تنهد صهيب بضيق وقام وصعد خلفها..... كانت فلك تجلس في الغرفة والقهار ينهشها..... حدثت نفسها بغل..... خلاص هي بقت رسمي وعرف عم فكري إننا سيبنا بعض..... ولسه هيدور بصاجات في الشركة عشان يبقى خالي..... البيه مش مستحمل فلك تعض فيه..... البيه الإيجو بتاعته ماتتحملش يتهان أو يتقل منه فخلاص أغور..وروح يعط آه انا عارفه انه هيعط حلمت انه عط لما شبع كان مكلبش واحده اتكلبش في قلبه ... أنتِ زعلانة ليه أنتِ اللي سيباه..... هاه يغور بقى وعيشي لابنك.
مر الوقت وفجأة دخل صهيب الغرفة.
وجدها تجلس قاطبة الجبين تأكل أظافرها بتوتر. تنهد بغلب وحدث نفسه..... الله يسامحك يا عم فكري..... هتهدي إزاي دي..... أنا لو قربت منها هتاكلني.
أحست بوجوده فنظرت إليه بعينين تشتعلان غضباً وهتفت..... نعم..... جاي ليه..... مش خلاص الكل عرف وانبسطت..... جاي ليه دلوقتي.
تنهد صهيب بوقار ودخل الغرفة وهو يحمل في يده طبقا به لبن وبعض المقرمشات..... اقترب منها بهدوء متجاهلا كلامها وقال..... جايبلك لبن وشوية قراقيش من اللي بتحبيهم..... غلطت يعني.
تنهدت فلك ونظرت إلى الطبق بجوع لم تستطع إخفاءه..... اقترب منها وأعطاها الطبق فجلست على الأريكة تأكل بنهم شديد..... استعجب صهيب من طريقتها وهز رأسه بابتسامة خفيفة.
رفعت عينيها إليه فجأة وقالت بحدة دفاعية..... إيه باكل عادي مالك يعني عجيبة..... ابنك اللي مجوعني.
ابتسم صهيب واتسعت عيناه ببراءة وهتف
..... هو أنا نطقت يا قلبي.
ردت فلك بانفعال..... أمال مستعجب وبتهز رأسك ليه هاه عجيبة..... وإيه قلبي دي أنا مش قلبك..... واستدارت وأعطته ظهرها وهي تشعر بقهره داخلها.....
ظل صهيب صامتا يتنهد ويراقبها بصبر.
وفجأة استدارت إليه مرة أخرى وهتفت بتوجس..... أنت هتقول في الشركة إننا سيبنا بعض صح.
رد صهيب بهدوء وثبات وهو ينظر في عينيها..... اللي أنتِ عايزاه هعمله.
هتفت بلين بدا واضحا في نبرتها..... لا إحنا يعني لسه عاملين الحفلة وأنت عملت عشاني حاجات كتير فيها..... لو قلت الناس هتقول علينا إيه..... فما تقلش.
تنهد صهيب بعمق وهتف بصدق..... اللي تأمري بيه والله هعمله.
ابتسمت فلك ابتسامة خفيفة وقالت..... يعني مش هتقول خالص إننا سيبنا بعض.
اقترب صهيب منها ورفع وجهها بيده برفق..... ولا هقدر أنطقها والله.
كانت تنظر إليه بلين وسكينة جعلته في قمة سعادته..... رفع يده يلمس خدها بحنان فغمضت عيونها تستشعر لمسته..... لكنها انتفضت فجأة عندما شعرت به يحملها بين ذراعيه وهتفت..... إيه في إيه.
همس صهيب بحب وهو يضمها إلى صدره..... هحطك عالسرير أنتِ تعبانة.
أراحها على الفراش غلفها بالغطاء بعناية.
فهمست وهي تغالب النوم..... أنا هاجي الشغل متأخر..... واستدارت واحتضنت المخدة ونامت في ثوانٍ.
ابتسم صهيب عليها وعلى ملامحها التي عادت وديعة وجميلة..... اقترب وقبل خدها قبلة رقيقة وهمس..... نامي يا قلبي شغل إيه بس أنتِ تعبانة..... ثم تركها بهدوء ونزل إلى الأسفل.
استيقظت فلك في الصباح لتجد الوقت قد تأخر كثيرا.... كانت تشعر بتعب غريب ووخم يسيطر على جسدها بالكامل. تنهدت بضيق وهي تحاول النهوض. عايزة أقوم أروح الشغل. هو إيه اللي جرالي باكل وأنام وبس. أنا جعانة.
إلا أن جسدها لم يسعفها فاستسلمت لثقل جفونها ونامت مرة أخرى دون إرادة منها.
في الشركة اتصل صهيب بالبيت ليطمئن عليها، فعلم أنها لا تزال نائمة حتى وقت العصر..... لم يحتمل القلق فترك كل ما بيده وعاد مخصوصاً ليوقظها بنفسه.
دخل الغرفة بهدوء واقترب من الفراش ظل يداعب وجهها وشعرها برقة..... فتحت عيونها ببطء وظلت تنظر إليه بتيه لثوان ثم هبت فجأة وهي تسأله بفزع..... إيه..... هو أنا نمت لليل.
ضحك صهيب ضحكة هادئة تبعث على الاطمئنان..... لا يا قلبي إحنا العصر.
جلست واعتدلت في فراشها وهي لا تزال تحت تأثير النوم..... العصر..... وإيه اللي جابك العصر.
ابتسم وداعب وجهها مرة أخرى بحنان..... عشان أصحي القمر وأطمن إنه كل.
استدار وأحضر صينية الطعام التي أعدها خصيصاً لها وظلت هي تراقب حركاته بذهول..... هل ترك عمله وشركته من أجلها هي؟
بدأ يرتب الطعام أمامها ويطعمها لقمة بلقمة كأنها طفلة صغيرة..... نظرت إليه بعينين تفيضان حبا لم تستطع إخفاءه هذه المرة..... وهو لاحظ نظراتها جيدا لكنه تظاهر بعدم الانتباه حتى يترك لها مساحة لتتصرف باريحيتها دون خجل..... هنا همست فلك برضا..... خلاص شبعت..... تسلم إيدك.
قام صهيب ووضع الصينية جانبا ثم هتف برقة..... حبيبي عايز حاجة تانية.
شعرت بثقل في عينها من جديد ورغبة عارمة في النوم إلا أنها خجلت فقالت..... اه استنى هاجي معاك عشان الشغل.
تنهد صهيب بحنان وهتف..... ليه وأنتِ تعبانة.
ردت بتردد..... بس الشغل.
قاطعها صهيب بلهجة حاسمة وودودة..... عادي يستنى أي حاجة..... المهم أنتِ.
هنا لم تقاوم رغبتها استدارت وعدلت المخدة وابتسمت له بود..... طيب خلاص..... هاجي بكرة بقى وأعوض الشغل.
اندست في الفراش ونامت مرة أخرى في ثوان.
ابتسم صهيب من قلبه واقترب منها وقبل خدها قبلة طويلة وهمس..... عمري أنتِ والله بعشقك..... ربنا يهديكي ليا.
اتي يوما لم تنساه ابدا.. كانت الأفكار تتصارع في رأسها اقترب موعد عيد ميلاده والذكريات تطاردها فهو لم يقصر معها يوماًوصنع لها احتفالات لم تنسها. وجدت نفسها تبرر لنفسها بصوت مسموع أنا بس برِد الجميل.. هو عملي حفلة مش أكتر من كده.
نزلت الدرج مسرعة واتجهت لـ عم فكري. وقفت أمامه وقالت بنبرة حاولت جعلها عادية....
يا عم فكري إحنا لازم نعمله حاجة في عيد ميلاده.. يعني أنت تجيبله تورته وتقوله كل سنة وأنت طيب.
نظر إليها عم فكري بطرف عينه وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة ونطق بنبرة فيها خبث....
يا بنتي.. أنا بتاع الكلام ده برضه أنا راجل كبرت على التورت والشمع والملام ده.
ارتبكت وصبغت الحمرة وجنتيها فاستدركت بسرعة....
خلاص.. خلاص يا عم فكري أنا هجيبها وباسمك أنت.. أنت أكيد بتحبه وعايز تفرحه صح؟
لم ينتظر ردها بل هز رأسه بموافقة صامتة وهو يراقبها تبتعد. ذهبت وأحضرت تورتة صغيرة جدا رقيقة في تفاصيلها وضعت فيها شمعة واحدة.. كأنها تختصر كل مشاعرها في ذلك اللهب الصغير.
كانت تورتة صغيرة الحجم رقيقة كحال قلبها الآن ووضعت فيها شمعة واحدة. وقفت أمامها تتأملها بهيام وتخيلت نظرة عينيه حين يرى اهتمامها المستتر.
وصعدت وضعت التورتة وأشعلت الشمعة وظل الضوء الخافت ينبض امامها تتخيل أيامهم . همست لنفسها...
كل سنة وإنت طيب يا صهيب.. حتى وإنا بعيدة عنك، مش قادرة أنسى يومك.
دلف إلى الغرفة فاستقبله سكون غريب ونور خافت في أركان المكان. لم يكن يتوقع شيئا لكن نبضات قلبه بدأت تتسارع حين وقعت عيناه على التورتة في وسط الغرفة.
التفت إليها متسائلا بذهول... ليه كل ده؟
أجابته بابتسامة رقيقة وصوت واثق.. يعني.. عم فكري جاب دي وحابب يقولك كل سنة وأنت طيب بيقول إنك دايما بتعمله حاجات كتير.. فحب يرد الجميل.
لم ينطق بكلمة. جلس صامتا لكن عيناه كانتا تقولان كل شيء نظرة محملة بعشق صريح تلتهم ملامحها. تنهدت هي بارتباك تحاول كسر حدة الصمت دوقها بقى.. مش هتطفي تورتة عم فكري ده يزعل أوي لو عرف.
ابتسم وهو يقترب منها وعيناه لا تفارق وجهها... أنا أعمل أي حاجة لعم فكري..
وعلى حين غرة بدلا من أن يقترب من التورته شدها من خصرها لتصبح بين يديه وأمام التورتة مباشرة.
أغمض عينيه بقوة وشدد من قبضته على خصرها كأنه يخشى أن تفلت ثم فتحهما
وقف ينظر إلى التورتة الصغيرة والشمعة الوحيدة ثم نقل نظره إليها هي. كانت تحاول تجنب تلاقي العيون تعبث بطرف كمها وتقول بسرعه.. شوفت بقى عم فكري ذوقه رقيق إزاي جاب تورته علي قده بالظبط عشان ما تترميش.. وقالي لازم أطفي الشمعة معاك.
ابتسم بهدوء اقترب خطوة واحدة جعلتها ترتد للخلف قليلا وقال بنبرة رخيمة...
وعم فكري هو اللي اختار التورتة دي بالذات ولا حد ساعده؟
ارتبكت وعلت نبرة صوتها بمحاولة يائسة للإقناع...
هو طبعا أنا مالي.. أنا مجرد وسيط وبعدين هو بيحبك جدا أنت عارف وعايز يردلك جمايلك الكتير عليه..
قاطع تبريراتها وهو يضع يده على الطاولة بجانب التورتة محاصرا إياها بنظراته..
طيب قولي لعم فكري إن جمايله هي اللي مغرقاني.. وأنه كل حياتي.
نزل لمستوى الشمعة ينظر اليها وهيا تحاول الهروب من حصار عينيه وقالت بلهفة... .. إيه ده مش هتتمنى أمنية الأول
طيب يلا.. اطفي الشمعة قبل ما تسيح عم فكري مستني يسمع إنك فرحت
أغمض عينيه للحظة، لم يتمن شيئا سوى أن يظل هذا الارتباك الجميل أمام عينيه دائما ثم انحنى وأطفأ الشمعة.. وفي اللحظة التي ساد فيها الظلام لثانية همس بالقرب من أذنها:
قولي لعم فكري.. إن هديته وصلت وفهمت كل كلمة عايز يقولها.
ابتسمت هي بسعادة بالغة لكنه لم يتركها تحتفل طويلا رفع وجهها إليه برفق وقال بصدق هز كيانها
ده أحلى عيد ميلاد عشته في حياتي كلها.
حاولت أن تداري ارتباكها وهي تهمس بصوت مرتعش... عم فكري.. يعني مكانش معاه فلوس يجيب هدية فجاب التورتة دي على قده.. معلش.
اقترب منها كانت نظراته تخترق دفاعاتها ورغبة حقيقية في قربه منها تلمع في عينيه.
بدأت تفرك يديها بتوتر فباغتها بنبرة صوت حزينة ومكسورة عمدا.... يعني مفيش حد افتكرني خالص وحيد ماليش حد.. ومحدش جابلي حاجة تفرحني في يوم زي ده؟
رق قلبها فورا فالحب لا يموت بكلمة انفصال. نظرت إليه بحنان وقالت... خلاص ماتزعلش.. بكرة نجيب وكل الناس هتجيبلك هدايا والله.
لم يدع الفرصة تفوت استغل لحظة ضعفها وقال... طيب ممكن تقفي معايا نفسيتي وحشة أوي.. ارقصي معايا شوية.
أحنت رأسها خجلا لكنه لم ينتظر ردا شدها من يدها برفق لتستقر في أحضانه. بدآ يتمايلان على أنغام هادئة لا يسمعها أحد غيرهما ظلا يرقصان..
بينما كانت تتمايل معه في تلك الرقصة الهادئة بدأ يهمس بجانب أذنها بكلمات لم تلتقطها أذناها بقدر ما التقطها قلبها. لم يكتف بضمها بل بدأت أصابعه تداعب بشرة رقبتها برقة متناهية لمسات خفيفة تكاد لا تُذكر لكنها كانت كفيلة بأن تجعل قشعريرة لذيذة تسري في جسدها.
أغمضت عينيها ومالت برأسها قليلا لتمنحه مساحة أكبر مستسلمة تماما لسحر اللحظة.
كانت يده تتحرك ببطء تارة يلمس خصلات شعرها المتمردة وتارة يمرر إبهامه على عنقها بنعومة جعلت أنفاسها تتسارع.
لم تكن مجرد رقصة، كانت لغة خاصة بينهما هو يغازل ضعفها تجاهه وهي تستمتع بكل لمسة وكأنها كانت متعطشة لهذا القرب.
تناست في تلك اللحظة كل وعود الفراق ولم يعد يهمها سوى شعور الأمان وهي بين يديه تحت تأثير لمساته التي تخبر الصدق أكثر من أي كلام.
ظلا يهيمان ببعضهما حتى نال منها التعب وبدأت عيناها تغفلان من النعاس.. لكن التورتة كانت لا تزال تشغل بالها.
قالت بكسوف وهي تنظر للكعكة.... حلوة أوي.. مش هتاكل تعال كده نشوف حلوه وإلا إيه.
وبدأت تأكل بتلذذ طفولي تمدح في جمال طعمها حتى شعرت بـ الوخم يسيطر عليها.
في تلك اللحظة انحنى وحملها بين ذراعيه واتجه بها نحو السرير.
حين وضعها وشرع في تغطيتها همست وهي تغمض عينيها... روح خلاص بقى.. حفلتك خلصت وفرحنا عم فكري وخلاص..
لكنه استلقى بجانبها وهمس في أذنها بضعف مصطنع... طيب ينفع تنامي في حضني النهاردة عيد ميلادي ومليش حد غيرك..
استسلمت تماما سحبته إليها ليرتمي في أحضانها وهي تقول بصوت يغلبه النوم النهاردة بس.. إحنا منفصلين يا حبيبي.
ضحك بخفة وهو يشدد من ضمتها لترد عليه بهممة رقيقة وهي تغرق في النوم النهاردة وبكرة.. وبعده نبقى ننفصل تاني..
استسلمت للنوم تماما في حضنه وأنفاسها المنتظمة تداعب عنقه . ظل هو ساهرا يتأمل ملامحها التي اشتاق إليها في صمت وكأن يوما واحدا من البعد كان دهرا.
ومع حركة خفيفة منها وهي تغط في نومها انفتحت ياقة بيجامتها قليلا.. لتظهر المفاجأة التي جعلت قلبه يرجف بعنف وتتوقف أنفاسه للحظة.
الخرزة الزرقاء....
تلك التي كانت قد كسرت في لحظة غضب رآها الآن معلقة في رقبتها قريبة من نبضها. لم يصدق عينيه لقد احتفظت بها وإعادتها مكانها وعادت لترتديها سرا.
انحنى عليها بهيام وبدأ يطبع قبلات رقيقة ودافئة على جبينها وعنقها وكأنه يشكرها على هذا الوفاء الخفي. غمره إحساس بالانتصار الجميل انتصار الحب على الكبرياء.
شدد من احتضانه لها ودفن وجهه في خصلات شعرها وهو يهمس بصوت مخنوق من شدة التأثر....
ودي أحلى هدية في عمري كله.. إنها ترجع تاني مكانها، وتفضل حارسة قلبك اللي ملكي. اشاح بيجامتها وقبل وشمها وشدها اليه ونام بعد أن ارتوي بحرعه من المشاعر تكفيه ليصير ويحارب أوجاعها من أجل أن تكون له
مرت الأيام وصهيب كظلها لا يكل ولا يمل من رعايتها.. يعود من عمله ليطمئن عليها وفي المساء يجلسون جميعا لكن عينيه وقلبه لا ينفكان يدوران حول فلك.. فاعتادت وجوده الطاغي وحنت إليه من أعماقها فكانت تسرح في ملامحه كثيرا حتى لاحظ فكري ذلك الهدوء واللين في نظراتها فابتسم بسعادة.
ولأن شهور حملها أتت بوخم شديد كانت تقريبا لا تستيقظ مما أثار قلق صهيب فقرر أن يذهب بها إلى الطبيب ليطمئن على حالتها وكثرة نومها إلا أن الطبيب طمأنه بابتسامة أن الحمل أحيانا يأتي بهذا الوخم والسكينة. وكان يوما مميزا.
داخل غرفة الكشف كانت الإضاءة خافتة وفلك مستلقية على السرير الطبي.. وضع الطبيب الجهاز على بطنها وفجأة ظهرت صورة السونار على الشاشة الكبيرة..
اتسعت عينا صهيب بذهول طفولي واقترب أكثر حتى التصق بجانبها فرفعت فلك يدها بتلقائية وأمسكت بيده وشدت عليها وهي تهمس بحنان وعين تلمع بالدموع..... صهيب..... شوف..... شوف النونو أهو.
انحنى صهيب حتى لامس وجهه وجهها وعيناه معلقتان بالشاشة..... سبحان الله..... ده بيتحرك يا فلك..... شايفاه.
ضحكت فلك برقة ورفعت يدها الأخرى لتشير بسبابتها على الشاشة..... أيوة شايفاه..... بص إيده صغيرة إزاي تانيها تحت خده ..... تحسه شبهك وأنت نايم يا صهيب.
ابتسم صهيب بعشق وبيد مرتجفة من التأثر مد يده ووضعها فوق بطنها بجانب جهاز السونار وكأنه يحاول ملامسة طفله عبر جلدها..... شبهي أنا..... يا رب يطلع بجمالك أنتِ وبقلبك الأبيض ده.
سحبت فلك يده وجعلتها تتحسس الصورة على الشاشة برفق وكأنها ترسم ملامح طفلهما بأطراف أصابعهما معا.... بص يا صهيب..... ..... أنا مش مصدقة إن ده جوه بطني.
همس صهيب وهو يقبل جبينها أمام الطبيب غير آبه بشيء سوى هذه اللحظة..... ولا أنا مصدق إن ربنا رزقني بيكي وبالهدية دي..... هحافظ عليكم بكل ما فيا يا فلك..... والله هحافظ عليكم.
نظرت إليه بلين شديد ولامست كفه خدها فاستسلمت لغمرة الحنان وهي تتأمل المعجزة التي تجمعهما على الشاشة.
بعد خروجهما من عيادة الطبيب،
كانت السعادة ترفرف حولهما كأنها ولدت من جديد.. اصطحبها صهيب إلى أكبر متاجر ملابس الأطفال وهناك تجولا كطفلين صغيرين.. كانت فلك تختار السالوبيتات الصغيرة بألوانها الزاهية وصهيب يحمل الأكياس بابتسامة عريضة لا تفارق وجهه.
عندما عادا إلى البيت اندفعت فلك إلى غرفتهما بحماس وجلست في منتصف السرير الكبير وأفرغت كل الأكياس حولها.. دخل صهيب خلفها وهو يضحك على منظرها وهي محاطة بتلال من الملابس الصغيرة.
بدأت فلك تفرش الملابس فوق السرير بعناية فائقة وتثرثر بسعادة..... بص دي يا صهيب.. دي هتبقى لايقة عليه أوي وهو لسه نونو.. وشوف الشرابات دي دي أصغر من صباع إيدك.
جلس صهيب بجانبها وأمسك بقميص صغير جدا وظل يتأمله بذهول..... معقول في حد ممكن يلبس ده يا فلك.. ده بجد حتة قماشة قد كف إيدي.
ضحكت فلك من قلبها ونظرت فيه نظرة شقية..... أيوة يا حبيبي.. بكره تشوفه وهو بيكبر وهدومه بتصغر عليه.. وبعدين أنت ليه جايب طقم كامل لونه أزرق أنت ضامن إنه ولد.
رفع صهيب حاجبيه بمرح وهو يقترب منها..... قلبي بيقولي إنه ولد وشقي زيك كده.. وبعدين لو طلعت بنت هنروح نجبلها المحل كلو.
انفجرا في الضحك سويا حين حاولت فلك قياس قبعة صغيرة على رأس صهيب بمزاح..... بص بص.. تصدق لايقة عليك يا صهيب.
أمسك صهيب بيديها وجذبها إليه بخفة حتى أصبحت في حضنه وسط الهدوم المفروشة..... لايقة عليا يا مجرمة.. بتتريقي عليا.
ضحكت من قلبها وهي تلتقط له صورة بهاتفها..... شكلك مسخرة أقسم بالله.. طالعالك زتونة براسك.. استنى هصورك.
شهق صهيب بذهول مصطنع..... إنتي عايزة تهزقيني.. طب تعالي بقه.
اندفعت فلك هاربة وهي تضحك بصخب بينما ركض هو خلفها في أرجاء الغرفة ليأخذ الهاتف. كانت تحتمي خلف قطع الملابس وتلقيها في وجهه واحدة تلو الأخرى لتعطله وهو يزمجر بضحك وعشق.
حاصرها أخيرا عند طرف الفراش وأمسك بخصرها ليجذبها إليه بقوة وهو يدغدغها بجنون..... هاتي التليفون بدل ما أهريكي دغدغة.. هاتي.
كانت تتلوى بين يديه وضحكاتها تعلو حتى دمعت عيناها وهو يشاكسها بكل خفة ظل حتى نجح في سحب الهاتف منها. سكنت فجأة بين ذراعيه وهي تلهث وقد استقرت يدها لا إراديا فوق موضع قلبه الذي كان يقرع طبول العشق بعنف.
تلاقت عيونهما في تلك اللحظة الساكنة فخمدت ضحكاتهما تدريجيا لتحل محلها أنفاس مضطربة . تلاشت ملامح المرح من وجه صهيب وحل نظرة عميقة كأنها تحاول اختراق روحها لا جسدها فحسب.
اندفع يطوق خصرها بذراعيه وجذبها إليه بعنف محب فاصطدمت بصدره الصلب لم يعد هناك ذرة هواء تفصل بينهما شعرت بنبض قلبه يقرع تحت كفها
غاص في بحر عينيها هامسا بكلمات تقطعت مع أنفاسه . انحنى ليطبع قبلة أولى على جبينها بقدسية ثم انزلق بهيامه يقربها بنهم وكأنه يحاول استعادة كل لحظة ضاعت منه في بعادها.
كانت فلك في تلك اللحظة مغيبة تماما ذابت حصونها كقطع سكر في ماء مغلي. تعلقت بقميصه بشدة وأغمضت عينيها وهي تشعر بالدنيا تدور من حولها وكأن الغرفة تلاشت ولم يتبق في الكون سوى دفء أنفاسه . كانت تائهة وتجاوبت معه بضعف أنثى أضناها الحنين.
قطع تلك اللحظة الساحرة رنين هاتفها في يده فانتفضت كأنها استفاقت من غيبوبة. دفعته برقة وهربت من حصار ذراعيه لتدلف إلى الحمام وتغلق الباب خلفها بسرعة.
استندت بظهرها على الباب وهي تضع يدها على قلبها المرتعش وتلوم نفسها بمرارة..... إيه اللي بعمله ده.. إزاي ضعفت كدة.. فوقي يا فلك .
بالخارج كان صهيب يقف متخشبا والجنون ينهش أعصابه. كان يشعر أن عشقه لها تمكن منه لدرجة أنه لم يعد يطيق بعدا أو انفصالا. تمنى في تلك اللحظة أن يكسر الباب ويأخذها في حضنه للأبد لكنه آثر الانسحاب بهدوء حتى لا يجرح كرامتها أو يشعرها بالضغط عليه.
خرج من الغرفة وهو يهمس لنفسه بوجع..... مش هسيبك يا فلك.. والمرة الجاية مش هتطلعي من حضني أبدا.
مرت الأيام والعمل يجمعهما في سكون الليل.. كان صهيب يجلس في ركنه المخصص يراجع الأرقام والنجاحات الساحقة التي حققها البراند الجديد الذي يحمل اسمهما معا. وفلك بجانبه ملاصقة له تماما تخرج أوراقها وتصاميمها الأخرى لتضمها لـ كولكشن الموسم الجديد.
كانت فلك تناقشه في أدق التفاصيل تشير بإصبعها إلى خطوط الفستان وتقول..... بص يا صهيب..... الحتة دي لو وسعت من هنا هتبقى أرقى بكتير..... واللون ده لازم يكسر حدة الأسود.
ابتسم صهيب بامتنان لموهبتها الفطرية وبدأ يعدل في التصاميم أمامها وهو يمتثل لكل ملاحظاتها قائلا.... حاضر يا ست المصممين..... نظرتك دايما صح..... فعلا كدة التصميم بقى في حتة تانية خالص.
ومع مرور الوقت وتسلل التعب إلى جسدها كانت ثرثرتها الفنية تخفت تدريجيا وينتهي الأمر دائما برأسها وهي تميل لتستقر على كتفه..... يستشعر صهيب ثقل رأسها وأنفاسها المنتظمة فيترك القلم من يده ويلتفت إليها بعشق يملأ كيانه.
يحملها برفق شديد وكأنها قطعة من الزجاج الغالي..... يضعها في فراشها ويقبل جبينها وقبلة رقيقة على يدها ويظل جالسا بجوارها لفترة طويلة يتأمل ملامحها في سكون الليل..... كان يشعر بقلبه يرقص فرحا فليست حبيبته شادرة كما كانت بل أصبحت لينة قريبة وتسمح له باحتوائها.
حدث نفسه وهو يمسد على شعرها بخفة..... هانت يا قلب صهيب..... والله هانت..... أنا عارف إن لسه جواكي حتة وجع مش قادرة تسامحي عليها..... بس أنا مش همل..... هفضل أداوي وأدادي لحد ما ترجعيلي كلك من غير ذرة خوف.
قلت نوبات غضبها وحل مكانها هدوء جميل فكان صهيب يدعو ربه في سره أن يأتي ذلك الطفل إلى الدنيا ليجد والدته سعيدة ومستقرة تماما في أحضانه.
كان صهيب وفكري يجلسان معا ولمح فكري فلك قادمة من بعيد بخطواتها الثقيلة أثر الحمل.. فهتف فكري بمكر وهو يغمز لصهيب..... مين يا خلبوص المزة الجامدة اللي كانت في الشركة دي..... الواد أدهم بيقول كانت لازقالك وماسكة فيك.
هنا تجمدت فلك في مكانها واحست بنار تشتعل داخلها..... فهي لم تذهب للشركة منذ زمن وقد امتلأ جسدها وأصبحت منتفخة من شهور حملها الأخيرة. اشتعلت فلك ووقفت تنظر إليهم بغضب جحيمي وتمتم بقهر..... مزة..... مين دي اللي راشقة دي..... حد جديد أكيد..... البيه له شهور خالي وأنا ما بروحش..... بطيخة قاعدة أطفح وأنام..... طب إيه هعمل إيه..... مين دي .
نظر صهيب إليها فوجدها تقف مشتعلة والشرر يتطاير من عينيها..... فالتفت لفكري وهتف بلوم وغيظ..... ليه كدة حرام عليك..... كنا كويسين..... أهي هتيجي تعض فيا دلوقتي.
ضحك فكري ببرود وهو يستمتع بالمنظر وهتف..... ما هو خلاص القلب لان..... نبقى نشعللها بقى ولا إيه.
أتت فلك وجلست جواره بعنف وظلت تهز في قدميها بتوتر واضح..... فهتف صهيب بقلق..... مالك يا قلبي شكلك عامل كدة ليه.
هتفت غاضبة وهي تنظر له بشزر..... مالي كويسة هكون مالي زي الفل أهوه.ولا عشان تخنت شوية ما هو حمل يا سي صهيب هاه مالي ماتقول.
مسك يدها يحاول تهدئتها..... طب براحة على روحك.
دفعت يده بعنف وهتفت..... مالي براحة وروحي مالها أوعى أنا سيبهالك عشان ماتقلش شكلي وزفتي.
وقامت مقهورة وفكري يضحك بصوت عال في الخلفية..... نظر صهيب لفكري بغيظ..... الله يسامحك ما أنا كنت ماشي كويس.
ضحك فكري وهو يغمز له..... يلا اطلع هتسود عيشتك أوعى تزعق فاهم هي لانت ربنا يهديها.
كانت فلك غاضبة في غرفتها تشعر بنار الغيرة تحرقها..... فهي طوال فترة الحمل اعتادت على حنانه وتحفظه. كان لا يجبرها على شيء وإذا احتاجته يندفع إليها وإذا لمسها لا يحرجها. اعتادت عليه والتصقت به ليأتي ذلك العجوز ويشعلها مرة واحدة.
دخل صهيب الغرفة ونظر إليها بعشق..... فهتفت هي بحدة قبل أن ينطق..... نعم..... جاي ليه.
قال بهدوء..... هو أنا قلت حاجة بقول أنتِ تعبانة.
قامت بصعوبة وذهبت إليه ووقفت أمام صدره..... لا كويسة وعادي. ولا عشان اتنازلت عن مجلس الإدارة خايف أجي أقعد مكانك وخلاص برطعت هناك ومبسوط طبعا. أنا جاية الشغل بكرة أشوف مالي وحالي بدل ما فجأة ألاقي نفسي بره غدر عادي ما هو في الدم.
شعر صهيب بوجع حقيقي فهو لم يقصر معها لشهور..... فهمس بحزن..... أنا يا فلك هغدر بيكي.
نظرت إليه ووجدت علامات الحزن الصادق على وجهه..... فابتلعت ريقها وشعرت بالندم..... لا..... مش قصدي مش أنت.
أحنى رأسه وجلس على طرف الفراش ولم يتكلم..... فاحست بقلبها يؤلمها فجلست بجواره تنظر إليه وهتفت تحاول تلطيف الجو بصوت مهتز..... قلت مش أنت الله الشغل عايز عيون يعني كتير ..... وبعدين لغوش لغوش عشان ماتخلينيش أجي..... لا يا أستاذ هاجي فاهم.
تنهد صهيب وقال بعجز..... أنتِ بتعملي كدة ليه طيب إيه اللي جد.
صرخت فجأة..... اللي جد اللي جد..... سيبني ساكتة هاه وأوعى بقى أنا هقوم أتنيل أنام عندي شغل الصبح.
هتف صهيب بحزم..... فلك مفيش شغل هاه فاهمة..... هتيجي إزاي بحالتك دي وتعملي إيه لو عايزة اشتغلي في البيت وهتقدري إزاي أنتِ مابتعمليش أكتر من إنك بتاكلي وتنامي.
هنا اشتعلت فلك تماما.... أكل وأنام..... باكل وأنام..... نظرت له بغضب..... إيه زعلان قوي إني مابعملش غير إني أكل وأنام خلاص ماعتش واكلة..... أنا باكل لاتنين يا أستاذ مش ابنك ومجايبك وعمايلك الطين ما أنا كنت خالية إيه جبته لوحدي عشان تقولي أكل.
كان ينظر إليها بذهول من هجومها..... فصرخت..... أنت بتبصلي كدة ليه هاه وإيه فاهمة دي هتتأمر عليا ومافيش شغل..... إحنا سايبين بعض يا أستاذ يعني أنا حرة أروح وأجي براحتي ماتقليش أعمل إيه.
رفع صهيب حاجبيه بدهشة..... والله سايبين بعض يعني كل واحد حر قصدك.
أحست بالقهر والغيرة تأكلها فهتفت..... لا أنا حرة أنت مش حر بقولك أهوه. وإلا خلاص عايز تبقى حر وتسيبلي عيل أتبهدل عليه والبيه يبقى حر.....
اقتربت منه وصرخت في وجهه..... أنت مش حر فاهم عندك عيل تربيه وتقعدله والله أسود عيشتك أنت فاكرني هبلة ولا إيه لا فوق أنا فلك الجيار.
تنهد صهيب وهتف بشفقة..... ربنا يشفيكي يا قلبي حالتك بقت صعبة.
صرخت وهجمت عليه تخبطه في صدره بيديها الصغيرتين..... إيه شايفني مجنونة بشد في شعري.
هنا سمعت صوت فكري يخبط على الباب ويهتف بمكر..... حبيبي نسيت تليفونك تحت..... فيه واحدة اسمها سها بتتكلم..... المصممة الجديدة.
ابتلع صهيب ريقه بصعوبة وهو يرى نظرة فلك التي تحولت في لحظة إلى بركان..... واشتعلت فلك وشعرت بنار في جوفها تكاد تحرق الغرفة بمن فيها........
