رواية الصمت الباكي الفصل التاسع والثلاثون
“المرة الأولى لكل شيء”
حين التقيتك عاد قلبي نابضًا، وجرى هواك بداخلي مجرى دمي..
وشعرتُ حضنك دافئًا ورأيتني رغم الحياء أذوب فيه وأرتمي..
قُل لي أي رجُلًا لأي قبيلةٍ ولأي عصرٍ أو لجنسٍ تنتمي
ولمن تعود أصول عينيك التي أضحت قناديل الضياء بعالمي..
= علا صوت خربشات وهسهسات ضعيفة بجانبة تسببت في إيقاظه من وخمة شروده، اشتعل داخله بالغبطة من ذاته لإنجراف عقله بتلك الطريقة، الأمر تخطى المحظور لديه، فكيف له بمثل هذه التخيُلات الشنعاء اللعينة على عقله..
شق ذلك الرداء الأخضر بأقدامه يدُك الأرض دكًا حتى وصل للمخزن الخلفي، ثم فتحه بعنف تبين عددًا من سيارات قديمة يُعاد تدويراها، وأخرى تحت الصناعة والتركيب.
هذا ملعبه الخاص، رائحة الشحوم والمواد الزيتيه تسحره، وأصوات أدوات التصليح والألات، والمفاتيح والمفكات تُشكل ترنيمة تعزف على أوتار قلبه الغرام.
بدل ملابسه بمريول خاص بتصليح السيارات ثم انغمس وسط عالمه المليء بالبُقع الغليظة والشحوم السوداء.
= أمسكت كوب السحلب الساخن بين راحتيها تستمد منه حرارة تقِيها البرودة، خرجت من المُلحق تتمشى فالوقت مازال مُبكرًا .. ولم تستطع أن تُغمض جفنها والنوم قريرة العين لفكرة أنها مضطره للخروج هذا اليوم للجامعة، والخروج يعني إحتمال عدم العودة..
تأملت الأجواء، والسماء كانت بذف السحاب تسير فيها بشكل واسع، ران عليها الشرود وهي تتأمل الأزهار وتلك الطبيعة الخلابة..
ظلت تسير بخطى هادئة إلا أن أرهفت بسمعها صوت يأتي من مكان ما .. صوت كأن يكن إصتدام معادن بعضها ببعض.
وسعت خطواتها وهي تخطو نحو ذاك المكان بترقب وفضول ..
مشطت بأعينها المكان لتجده أبسط ما يُقال عنه “ورشة لتصليح السيارات” فهو مليء بسيارات قديمة وأدوات وألالات عديدة لهذا الغرض.
بحثت عن مصدر الصوت، فلاحظت وجود أحدٌ ما أسفل السيارة والذي شعر بتواجدها فإنزلق من أسفلها على الفور ووثب خارجًا..
عندما رأها شعر بإنقباضة لا تُبارحه منذ الإتفاق على تلك المُهمة..
طالعها بنظرة مُبهمة تموج بالكثير من المعاني، تلك أول مرة يرمقها بتلك النظرة التي عجزت عن تفسيرها
أهي شوق، أم عشق، أم خوفٍ وقلق حد الزُعر ..
وربما تكون مزيجًا من كل هذا..
تدثرت أنظارهما ببعضها البعض، ورأت داخل محاجره السوداء قطعًا من الفجر أغبشًا تأمُل عن نجم توقد ثاقبُ.
ظل يتأملها من أعلاها لأسفلها وكأنه انقطع لتأملها فقط، يتمنى لو يرتمي على كتفها ابتغاء الراحة، بينما زوارق عيناها أفضت إليه بمكنون نفسها من بحر أسرارها، وأفواه عيناه حدثتها بإثتغاثة “لا تتركني وحيدًا تُسلمني صحراء إلى أخرى في ظلام حالك يعج بالأهوال أرى فيه صنوف الموت ووجوه المنايا، لا جار لي سوى الوحدة المُقيتة
لا تتركني لزمهرير الفراق وأجذبني لدفء أحضانك”
غامت عيناها بسحب دمع كثيفة أجبرتها على الوقوف كي لا تُمطر بوابل من الدموع.
_ أبعدت ذاتها عن مرمى أنظاره، وقالت وهي تتظاهر بأنها تتأمل المكان: صباح الخير.
_ وللمرة الأولى لم يتجاهل حديث ودي معها، وردد بهدوء: صباح النور.
انحنى يجذب بعض الأشياء من حوله، وكأي هائمة انتهزت الفرصة وظلت تتأكله بعيناها، تلك الملابس المليئة بالبُقع الداكنة والشحوم السوداء، ذراعيه ويداه المليئتان بمسحوق أسود والمُتناثر بعضها على وجهه الذي يظله لحيته، ربااااه هي تراه الآن أكثر وسامة من ذي قبل، تبًا لكَ يا رجل لأي جنس تنتمي أنتَ؟!
ويلك والويلات كثيرة “أسوة” قد سقطتي هائمة بعشق إعصارك الناري الذي يُهدد بإبادتك.
قد رُفعت الأقلام وجفت الصُحف وأصبحت “أسوة” ذات العاصفة المجهولة مُلِعة بـ “مؤمن” ذا الإعصار المُبيد.
“أبسط الأمور أن تكون صادق أمام نفسك وإلا فالتُرحب بخراب لن يهدأ حتى تهلك”
وصدقت “أسوة” نفسها وأعترفت أمامها بأنها عاشقة مجنونة له وليفعل القدر ما يشاء، فقد أطلقت سِهام الغرام ولننتظر أستُصيب قلبه أم لا؟!
بينما هو فقد هاجر القلب من ضلوعه إليها.
_ هتفت بصوت مُهدج ران عليه الألم: أنا هطلع للجامعة النهاردة، وعندي إحساس قووي بيقولي إن خلاص .. دا أخر يوم ليا هنا.
_ شعر بنبضات قلبه في عنقه، كانت الأوردة نافرة توشك على الإنفجار، تسارعت أنفاسه والتي كان يلتقطها من فمه لتتسبب في جفاف حلقة ولسانه، خرج من جُب الصمت لمرته الأولى، قائلًا وهو يقترب منها خطوة: متخافيش هترجعي، لازم تروحيلهم علشان خاطرك إنتِ الأول صدقيني، إنتِ عارفة كويس إن الناس دي هي الأقوى وفي حد خارج البلد بيمدهم ومحدش عرف يوصلهم، لو إنتِ مروحتيش هيأذوكِ … وصدقيني هما مش هيقدروا يمسوا شعرة منك.
_ اقتربت هي الأخرى خطوة زادت من تقربهم، ورددت بتردد: بس….
_ قاطعها بإصرار يمنعها من أن تُكمل ما لا يرغب في سماعة: مفيش بس، متفترضيش الأسوأ.
_ طالعته بنظرة مُودعة بدت وكأنها على وشك البكاء وأوجعت قلبه بها، قالت: يزيد أمانة في رقبتك، خد بالك منه ولو حصلي…..
_ جذوة من نار اشتعلت في عينه، واقترب الخطوة الفاصلة مُمسكها من ذراعها بقوة طفيفة جعلتها تميل وتستند على صدرة بكفها الصغير، ونطق بكلمة واحدة اصتُبغت بالغضب: كفاية..
رفعت مروجها إليه وهو الذي تاه في بحار حياته كثيرًا حتى وجد مرفأ لرسوه وهو عيناها..
قرأ بتلك المروج الخضراء الصافية الشفافة حبها له، فالحب الصامت مرآته الأعين..
واقتنص من الحياة لنفسة تلك المرة عناقًا دافئًا يُنسيها به كل مُر وعلقم تجرعته.
وهي التي كانت تنتظر على أحر من الجمر، رضخت له وبادلته عاقدة ذراعيها حول عنقه بقواها أجمع، تغرز نفسها داخله وتزرع بذور عشق ربما تتحول لملحمة في جزء أخر من الحكاية، ولعل النِبته تصلُح وتجد من يرعاها.
أطبق ذراعيه حولها بقوة يُخفيها بثنايا أحضانه مُشدد عليها بقوة كاسرة لأضلُعها لكنها مُحببة إليها أشعرها بها بمكنونات قلبه.
كلًا منهما يدفع نفسه نحو الأخر بلهفة، شعرت “أسوة” بأنها لم تعد واقفة على أرضٍ صلبة وأصبحت مُعلقة داخل أحضانه بعدما حملها لأعلى وأعينه مُغلقة بشغف وراحة يتذوقها لمرته الأولى خلال إثنان وعشرون عامًا.
غرزت أصابعها داخل خصلاته مُمسكة بهم بقوة، تُريد عدم إفلاته للأبد، استقرت داخل موطنها ليهنأ هو ولو مؤقتًا داخل مئواه..
هو زوجها الآن، ولا حرج من هذا، لا حرج لتلبية نداء القلوب..
بيد أن في الخارج كانت قلوب تحترق كمدًا بعدما ذُبحت بنصلٍ ثلم على منصة العشق ..
وقفت “صفية” واضعة كفها بإحكام على فمها تكتم شهقاتها من الإنفلات، واتخذت الدموع مجراها وهطلت بغزارة لتنفتح الجروح مرة أخرى وتجأر مشاعر قد تم وأدها تُريد الخروج بإضمحلال..
سقطت تلك القطعة الخشبية التي نُقشت عليها اسمه من بين يديها بضعف بعدما شاهدت بأم عينيها مقدار الحُب الساكن على وجه “مؤمن” والمحبوس داخل مُقلتيه..
“مؤمن أصبح عاشق” ظلت تُرددها داخلها مُقنعة عقلها بهذا
كيف؟! أصبح عاشق بعدما أطمئن قلبها، وأقتنع عقلها بأن قلب مُنطفيء وذابل مثل قلبه لن يحيى ولن تُمطر سحابات الحُب على شُرفاته .. تحت مبدأ “إذا لم يكن لي فلن يكون لغيري، وهذا يكفي ليُسكن القلب”
لكن الماثل أمامها يُهدم ما سبق بجدارة.
أطلقت لأقدامها العنان وأسرعت بخطى مهرولة نحو غرفتها .. سجنها الصغير، ستبكي بداخلها على أطلال قلبها المُمزق بين النسيان والتردد بعدمه…
نادها “مصطفى” بعدما لمحها تُهرول وقد انفرجت أساريره لأنه بدأ صباحه بوجهها، وقد قرر أخيرًا أخذ خطوة نحوها
لكنها كانت كأن وحشًا يُطاردها ولم تلتفت له، بل لم تسمعه من الأساس..
___________________________________________
ابتعد كلاهما عن الأخر على مضض، أطرقت رأسها بخجل وتخضبت وجنتيها ..
_ مسد على وجنتيها الناعمتين بأصابعه المُتسخة، وقال بتعجب وهو يمسحهما: أيه دا؟!
_ نظرت له بتعجب أيضًا وتسائلت زاوية بين حاجبيها: في أيه!!؟
_ أيه إللي على خدودك ده؟
جاءت لتضع يدها لكنه منعها، وأصبح وجهها ووجنتيها على وجه الخصوص بين راحتيه يُمسدهما بتمهل بعدما انطبع الكثير مما على أصابعه على وجهها الذي أصبح مُلوثًا بأثام أصابعه..
_ أيه إللي على وشي ..؟
_ أجابها بجدية بحته جعلها في قمة توترها: بصراحة مش عارف، حاجة غريبة جدًا..
_ طب امسحها طيب.
_ هز كتفيه وقال: مش راضية تتمسح.!
_ وأية هي.؟
_ قال بتلقائية: حُمرة..
وتسائل بعفوية قائلًا لها: هو ليه في حُمرة بتظهر عند الكسوف.!؟
_ نظرت له بدهشة سُرعان ما أجابت بغيظ: علشان القمر طلع قدام الشمس فانكسفت، عقبال الخسوف بقى.
_ خلاص هنقلبها فلك وعلوم!
_ ماشي أنا همشي.
_ أمسكها من يدها، وقال: استني..
وتابع وهو لا يعلم كيف يتحدث وماذا يقول لها: هترجعي ومحدش هيقدر يمس شعره منك
_ تشبثت أعينها بأعينه وهمست: وعد ..
_ ردد: وعد .. وأنا لما بوعد مستحيل أخلف بوعدي لو فيها حياتي..
_ وأنا واثقة فيك المرة دي، ياريت ما تخذلني..
= اسستدارت وذهبت كي تستعد للخروج، وبقت أعينه متعلقة بأثرها..
بينما “أسوة” فلاحظت شيء ما مُلقى على الأرض، انحنت والتقطته لتجده قطعة خشبية دائرية منقوش عليها اسم “مؤمن” بالخط الكُوفي.
تعجبت من وجودها، والتفتت حولها فيبدو أنها سقطت من أحدٍ ما .. ربما منه ..
التقفتها واحتفظت بها معها، وولجت للملحق وأثناء مرورها بالغرفة لاحظت شيئًا ما .. وقفت أمام المرآة لتتسع عيناها بزهول، واصتكت أسنانها بغيظ عندما رأت تلك الخريطة السوداء التي رُسمت على وجهها كأنها ميكانيكيًا أو شيءٌ من هذا القبيل ..
وجدت ملابسها أيضًا مُتسخة طُبع عليها ما كان عارقًا به، وراحتيها أيضًا يغرقان بهذا الفحم..
_ انبلجت إبتسامة عريضة على مبسمها الرقيق، أغمضت عيناها بلا فائدة وهم تستنشق تلك الرائحة الممزوجة برائحته والود ودها ألا تزيلها من جلدها للأبد لكنها اكتفت بالإحتفاظ بالملابس كما هي دون غسلها..
أرتدت ملابسها وتأكدت من إرتداء القلادة ثم حملت حقيبتها بعدما عبئتها بما قد تحتاجه، ثم خرجت من المُلحق بعدما شملته بأنظارها..
رسمت القوة على صفحة وجهها فلابد لها من المقاومة ومجابهة ما سوف تواجهه..
_ ألقت على مسامعها، تحث ذاتها على القوة وعدم التواني: إنتِ مش ضعيفة يا أسوة، ومفيش إنسان ضعيف، في إنسان بيجهل موطن قوته، وإللي زيك عارف مواطن قوته كويس ..
إنتِ راحة تعملي خير، ربنا اختارك إنتِ علشان تنهي الفساد ده وتنضفي البلد من المخدرات والسموم … لازم تبقى قوية وتقاومي لأخر نفس ..
خايفة من أيه، إنتِ مش جبانة، أقصى شيء هيحصلك هو قدر الله..
استعيني بالله وانطلقي..
“تخيلو يا بنات ولو في حد زي “أسوة” كدا حقيقي ويقدر يخلص البلاد من شر المخدرات والسموم دي، تخيلو الشباب يلاقوا إللي يساعدهم وياخد بإيدهم، ومعاناة بعض الأُسر مع المخدرات تنتهي، بجد المخدرات قاتلة ودمرت أُسر كتير وحرقت قلوب ناس كتير، قضية مهم جدًا جدًا، الواحد لما بقى يسمع قصص المُدمنين والمخدرات جسمة يقشعر والله، ربنا يبعد الشر دا عن الجميع ويشفي الجميع منه، حفظكم الله وإيانا”
أمسكت بيد “يزيد” الذي استيقظ وألبسته ليظل ينتظرها في الخارج يلهو بكرة أهداها له “معتز”.
_ يلا يا زيدو..
_ إنتِ هتروحي فين يا ماما..؟
_ جلست على أعقابها ثم سحبته لأحضانها، وعانقته بقوة وحنان مُتدفق من قلبها، قبلته على رأسه وقالت وهي تُمسد على وجنتيه: بص يا زيدو مش إنتَ شاب كبير وبتسمع الكلام..
_ قال “يزيد” بطفولة نابغة: أيوا طبعًا يا ماما .. أنا قوي كمان وأقدر أحارب أي حد وأحميكِ ..
_ ابتسمت له وقرصت وجنتيه مُردده: لو أنا إتأخرت هيكون عندي شغل… ولو مرجعتش في اليوم ده أكيد هرجع في يوم تاني ومش هغيب .. استناني كل يوم يا زيدو، وإياك تزعل مني يا حبيبي، مش إنتَ عارف إن بحبك..
_ حرك الطفل رأسه بحزن، وقال: أيوا أنا عارف إن ماما أسوة بتحب يزيد أكتر حاجة .. بس مش أنتِ قولتيلي إنك مش هتسبني تاني وهنفضل مع بعض ..
_ تمالكت نفسها بصعوبة وهي تحتضنه بقوة كأنها من تحتاج لهذا العناق، صبغت نبرتها بالمرح قاتلة: بس أنتَ مش لواحدك يا زيدو .. معاك هنا سوسو مش إنتَ بتحبها وكمان خالتو صفية وعمو مصطفى وكمان عمو معتز مش هما بيحبوك وبيلعبوا معاك كورة .. ووعد مني أنا مش هغيب شوية أيام صغيرين هخلص الشغل وهرجع عالطول ليزيد…
_ نظر لها الطفل بسعادة ومسح بيده الصغيرة تلك الدمعة التي هربت من سجن جفونها وقال: مش تعيطي يا ماما .. مش عمو مؤمن كمان هيبقى معايا .. صح..
_ أماءت برأسها وأجابت: أيوا طبعًا هيبقى معاك ..
_ خلاص يا ماما أنا هلعب معاهم هنا لغاية ما ترجعي .. بس متغبيش..
_ حاضر يا حبيبي .. وعد يا زيدو..
ابتسمت له ووضعت يدها تحت ذراعيه وحملته إليها؟ ليعترض يزيد ويقول بنباهة: أنا كبير يا ماما مش تشليني.
_ قضمت وجنته ليبتسم بسعادة، وقالت له: أيه مش عايز تحضني .. يلا احضني حضن جامد جدًا جدًا قد السما..
لف ذراعيه حول عنقها واحتضنها بحماس قوي مُقبلًا وجنتيها.
_ أنزلت “أسوة” يزيد بجانب سلوى الواقفة، وقالت بترجي: خالتي سلوى بالله عليكِ خلي يزيد في عيونك .. أنا مش هغيب، دا سفر خاص بالكلية وكلها كام يوم وأرجع إن شاء الله، بالله عليكِ ما تسبيه لغاية ما أرجع.
_ ربتت “سلوى” على ذراعها بحنان، وقالت بلوم: عيب عليكِ يا أسوة متقوليش كدا، إنتِ عارفة أنا بحب يزيد قد أيه ودخل قلبي، دا هو في عيوني يا بنتي .. روحي ومتشغليش بالك، ترجعي بالسلامة يا حبيبتي.
_ نظرت لها “أسوة” بإمتنان وشكر: ربنا يخليكِ يارب.
لوحت ليزيد مودعه: سلام يا زيدو ..
_ لوح لها بشدة: سلام يا ماما.
وسارت “أسوة” بقوة وعزيمة لا تُضاهى نحو السيارة ولم تلتفت خلفها حتى لا يُهاجمها الضعف ثم صعدت للسيارة وانطلق السائق على الفور خارجًا من القصر مُلخلف وراءة “مؤمن” الذي ظل يُراقبها وحرب نشبت بداخله وصخور بدأت بالتشقُق لينفحر منها أنهار العشق والهيام.
____________________________________________
جلست “سميرة” بجانب “سارة” الشاردة ووضعت أمامها كوب من الكاكاو الساخن..
تنهدت بحزن وقد لاحظت ذاك الفتور الذي أصابها تجاة “صالح” والأخير مُنعزل أيضًا.
_ مالك يا سارة، فيكِ أيه يا حبيبتي.
_ انتبهت إليها “سارة”، وتنهدت بثقل يجثم على قلبها: أنا لازم أمشي من هنا بأسرع وقت يا دادة سميرة، أنا معدتش طايقة العيشة هنا..
_ صُعقت “سميرة” من جملتها التي خرجت بتلقائية، وقالت لائمة: أيه إللي حصل يا بنتي خلاكي تقولي الكلام ده فجأة كدا، مش صالح اعتذرلك خلاص ومفتحكيش في الموضوع ده تاني ..
_ رمقتها “سارة” بهدوء يشوبه الحزن، وابتسمت بمرارة ورددت: يعني أيه أعتذر، إحنا مننفعش لبعض، في بينا مليون حاجز .. علاقتنا أنا وهو مستحيل تنجح .. أنا منفعش هنا .. أنا وهو مختلفين عن بعض، مجرد ما حد قاله كلمة صدقها، ونفسه أكيد شايلة لسة، وكل ما هيحصل حاجة أنا أول واحدة هيشك فيا .. وبصراحة أنا مش مرتاحة هنا خالص ومش قادرة أنا كمان أنسى إللي حصل والعذاب إللي شوفته ..
_ لم تستوعب “سميرة” هذا الحديث، وقالت بعفوية: بس دا بيحبك يا بنتي..
_ مش كل حاجة الحب، في إللي أهم منه وهي الثقة، عدم وجودها بيخرب أي علاقة ويهدمها، أصلًا مينفعش نبني علاقة دون ثقة … الثقة هي المادة اللاصقة إللي بتمسك وتلزق كل حجارة بالتانية في معبد العلاقات … ومن غيرها يتهد المعبد ..
_ حركت “سميرة” رأسها بعدم إستيعاب، وقالت بشك: أنا مش مصدقة الكلام ده، أكيد في حاجة حصلت خليتك كدا.
_ هزت كتفيها بعدم إكتراث وشرد عقلها رغمًا عنها بهذا اليوم تستعيد أحداثه ..
اليوم الذي استدعتها “بسمة” والدة “صالح” للحديث معها.
༺فلاش باك༻
ولجت “سارة” غرفتها على إستحياء بعدما طلبت رؤيتها.
_ اتفضلي يا طنط، حضرتك قولتي إنك عيزاني!
رمقتها “بسمة” بنفور من أعلاها لأسفلها، وجلست واضعة قدمًا فوق الأخرى بإستعلاء ..
_ اقعدي .. كلامي هيطول.
_ جلست “سارة” وهي مُتعجبة من طريقة حديثها معها، من الواضح للأعمى أنها تكرهها..
_ تحدثت “بسمة” بقسوة ولامبالاة: بصي كدا علشان نكون واضحين مع بعض، أنا فعلًا بكرهك جدًا وعيزاكِ تغوري من وشي بأي طريقة..
_ جحظت أعين “سارة” بصدمة ولم تُصدق ما سمعت ظنًا منها أنها تتوهم ..
جاءت لتتحدث لكن قاطعتها الأخرى مُكملة حديثها: أنا هنا إللي أتكلم وبس .. سيبني أكمل كلامي واقولك على مفاجأتي، أنا سمعت إن “صالح” إشتراكي من الست الوالدة بعشرة مليون، وطبعًا الست الوالدة وأختك المصونة اتمتعوا أحسن مُتعة بالفلوس دي … بس يا حرام مسمعتيش إللي حصل لهم ..
نفرت عروق “سارة” بتحفز لسماع المزيد عن والدتها وشقيقتها التي لا تعلم عنهم شيء، ولا تعلم على الأقل طريقًا لهم ..
باغتتها الأخرى بقولها: ربنا وعد أمك المحترمة بواحد نصب عليها وخلاها تشحت ومش لاقيه تاكل .. استني استني .. خدي الكبيرة، أختك المصون طبعًا عاشت حياتها بالطول والعرض وربنا وعدها يا عيني بشلة ضاله اتلمت عليهم وهما كيفوها لغاية ما بقت مدمنة مخدرات مُعتبرة ..
بس إللي يوجع إنها دلوقتي مش لاقيه الجُرعة وصايعة في الشوارع زي الكلاب الصعرانة..
بس هي مسكتتش لازم تتصرف .. فتعرفي ناوية تعمل أيه .. هتبيع جسمها .. يعني بمعنى أصح هتبقى فتاة ليل .. شوفي الحلول والذكاء..
نزلت الصدمات على قلبها كالصفعات، شعرت بدوار يجتاحها ويفتك بها.. أبَىَ عقلها القبول والتصديق.. كيف هذا..!؟ والدتها وشقيقتها على حافة الهاوية.. لا لا ليسوا على الحافة وإنما سقطوا بداخلها ..
شقيقتها “ندى” مُدمنة مخدرات !!!!
تبحث عن ثمن الجُرعة بمقابل بيع جسدها!!
هذا مُحال!
تصنم جسدها وفقدت القدرة على الرد، لتبتسم تلك الشيطانة بإنتصار، وأكملت بتشفي: بس إنتِ تقدري تنقذيهم من الوحل إللي شبهكم ده ..
رفعت رأسها بتلهف وقلة الحيلة قد مزقت كل ممزق .. العجز المُقيت يحُفها الآن .
هي عاجزة … عاجزة أنا يا الله …
_ خدي بعضك واطلعي من بيتي بلا راجعة ومتعرفيش صالح لكِ طريق … هتهربي من هنا بعد ما تكتبي ورقة محترمة تقولي له إنك مش عايزاه ولا عايزة تعيشي معاه ومقدرتيش تحبيه وتقبليه ..
وبس كدا، وبالمقابل هعرفك مكانهم تلحقيهم وهأمن لكِ ولأمك وأختك بيت .. تقدري وقتها تنقذي أختك وتتعالج من الإدمان.. بالإضافة لمبلغ محترم مني لكِ ..
بس بسرعة بقى لأن الوقت بيجري وأختك هتروح لبيت دعارة في أول الشهر إللي باقي عليه يومين وتعقد معاهم..
= همد جسد “سارة” وهي تشعر بأنها تائه في وسط غاب وضاع الدليل لعودتها، أحترق قلبها كمدًا، ولا تعلم بمن تستجير .. أشباح الظلام تلتقفها بعمق وتُزهق أنفاسها..
تربد لونها واستُتيرت ملامحها التي سطرت الدنيا عليها ريب منونها ..
وهُنا أيقنت أن جميع موازين العالم عادلة إلا ميزان الهوى فإنه يطفف بين مكيال الوجع والعشق..
هذا لم يكن خيار بل فرض سطوة القدر ..
____________________________________________
_ أغلقت “ليلى” الغرفة بإحكام وأخرجت حاسوبها النقال وبدأت تنقر بعض الأزرار وتنتقل من موقع لأخر وتدون بعض الأشياء بدفتر صغير ..
أقسمت ولن تحنث، وما بدأته ستُنهيه ..
أطرقت مُفكرة بعض الوقت، لكنها أرهفت بسمعها أصواتهم تأتي من الخارج وصوت أنثوي مألوف لها بعض الشيء..
_ اتفضلي يا أم دنيا .. اتفضلي يا دودو، والله البيت نور
_ منور بأصحابه يا أم ليث، إزيك يا ليث عامل أيه وأخبارك.
_ رحب بهم “ليث” بحفاوة وإحترام: الحمد لله بخير يا خالتي، نورتي والله .. إنتِ عاملة أيه وأخبارك
_ بخير الحمد لله يا حبيبي .
_ انطلق الصوت مرة أخرى وقد أثار تعجب “ليلى” كثيرًا ولم يكن الصوت سوى صوت “دُنيا” التي قالت: إزيك يا ليث عامل أيه وأخبارك.
استقامت “ليلى” بهدوء وفتحت باب غرفتها برفق ثم تسللت للخارج على أطراف أصابعها دون أن تصدر صوتًا
توارت خلف أحد الستائر وبحثت بعينها عن صاحبة الصوت لتتجلى أمامها بوضوح وتُصعق “ليلى” بصدمة تسللت لكيانها بعدما تراء لها تلك الفتاة المُتبرجة..
لم تكن تعلم أن الدُنيا صغيرة لتلك الدرجة، وما تبحث عنه منذ سنوات يخرج أمامها دون ترتيب..
____________________________________________
مطرٌ خفيف كالبكاء يرشُق الأرضية المرصوفة بالحجارة، أوشكت الشمس على المغيب والسماء تُرحب بالظلام الذي يسعى إليها، فركت كفيها تستدعي الدِفء إليها بعدما اشتدت قبضتها على تلك القطعة الخشبية الصغيرة والتي عثرت عليها بالحديقة صباحًا..
وقفت على إحدى الأرصفة تنتظر السيارة التي ستقلها للقصر بمثل هذا الجو المُغيم وقد بدأ القلق والخوف يستبد بها فخروجها يعني إحتمال عدم عودتها واستهلال تلك المُهمة التي حُكمت عليها.
انتابها شعور مزعج يُحدثها بأن هذا اليوم هو اليوم المنشود ظلت تلتفت حولها وتتأمل المُحيط بأعين شاخصة، ولم تشعر بتلك السيارة السوداء التي اقتربت منها حتى توقفت أمامها..
وفجأة شعرت بيدٍ تجتذبها بقوة، أوشكت على الصراخ وهي تتحرك بعنف لتُفلت نفسها لكن عاد صدى صوتها بداخلها وأُجبرت على إبتلاع صراخها عندما كبلت تلك اليد القوية فمها واخترقت تلك الرائحة المألوفة لها أنفها، لترتخي أعصابها على الفور وتسقط في دوامة شديدة إلتقفتها داخلها مُتخبطة بجنباتها..
تراخت ذراعيها لتسقط تلك القطعة الخشبية من بين راحتها مُصتدمة بماء المطر الذي شرع بالتكاثف.
داخلها يستغيث، وسؤال واحد يتردد بروحها، متى ستتخلص من هذا العذاب، ومتى ستخرج من تلك البؤرة العميقة والمُعتمة..؟
أم أن الخلاص شيئًا مستحيلًا، لم يُكتب لها سوى بالهلاك؟!
