رواية بلاغ من جثة الفصل الثالث 3 بقلم السيد عبدالكريم

 



رواية بلاغ من جثة الفصل الثالث بقلم السيد عبدالكريم


شفت السيدة بتخرج وقفلت باب المسجد خلفها ، بس كانت ماسكة لفافة قماشية لونها أسود في إيدها ، وفضلت ماشي وراها ، السيدة مشيت تجاه المزارع وانا ماشي وراها وبحاول أكون بعيد عنها بمسافة طويلة ، ولاحظت إنْ السيدة وصلت لمكان بعيد عن القرية ، يعتبر دخلتْ في قرية تانية ، قرية مفيهاش لا بيوت ولا ناس ، مكان مقطوع مخيف مظلم ، بس أنا لسه ماشي وراها ، وشفت من بعيد السيدة بتدخل بيت عامل زي الكهف ، البيت كان بالقرب من الجبل ، بيت قديم مهجور مظلم ، مش عارف ليه حسيت بصداع مفاجئ ورعشة في كل جسمي ، وبدأ تفكيري يتشتت ، وقررت بسرعة أرجع للمسجد ، وبسرعة فضلت أجري وأنا مرعوب ومش عارف سبب رعبي ، بس هو إحساس داخلي إنّي مش مرتاح ، بس وأنا بجري سمعت صوت صرخات جاي من البيت اللي دخلت فيه السيدة ، صوت صرخات شخص بيتألم كأنّه بيتقطع من العذاب .

كنت خايف أبص ورايا بس متأكد إنْ الصوت جاي من البيت اللي فيه السيدة ، عامة كمّلت جري وأنا خايف وكنت كل شوية بحس إنْ الصداع بيمشي وإنْ دقات قلبي بتنتظم لحد ما حسيت بهدوء ، وطبعا دا معناه إنْ البيت اللى دخلته الست الغريبة هو بيت فيه سر غامض ، المهم وصلت القرية وفضلت أدوّر على حنفي وإمام المسجد بس بدون فايدة ، علشان كده رجعت للمزرعة .

كانتْ اقامتي في المزرعة قصيرة ، كنت في النهار بشتغل أو بمثل إنّي بشتغل ، وكان فيه تبة عالية كنت بصعد عليها أتابع بيوت القرية ، وبالليل كنت بخرج من المزرعة وأفضل أمشي في القرية وأراقب حنفي ، كنت متأكد إنْ حنفي له دخل بالجريمة اللى حصلت أو على الأقل هو اللى هيوصلنا للقاتل ، بس لمّا راقبت القرية تأكدت إنْ الموضوع أكبر من جريمة قتل ، خاصة بعد ما شفت الست الغامضة وهي بتخرج من المسجد وتروح بيت زي الكهف ، وكمان الراجل المقيد بحبال ده مصيره إيه، وليه كانوا رابطينه بالشكل ده .
بعد 3 أيام من المراقبة كنت ذات مساء بالقرب من المسجد ، كنت براقب ومنتظر ظهور الست الغامضة أو حنفي ، وفعلا ظهر حنفي من بعيد وهو بيدخل المسجد ، وبعد صلاة العشاء الكل خرج من المسجد ما عدا حنفي ، حتى إمام المسجد خرج ، فضلت مستنى لحد ما شفت حنفي خارج من المسجد ومعاه لفافة قماشية صغيرة ، وفضل ماشي في شوارع القرية وأنا ماشي وراه لحد ما لقيته دخل بيت إمام المسجد .

في نفس الليلة اتصلت بالقسم وخليتهم ييجيوا بعربية وينتظروني بالقرب من القرية ؛ علشان أهرب من غير ما حد يشوفني ، وبعد ساعات كنت في قسم الشرطة .

تاني يوم بالليل أخدت عربية الشرطة مع مجموعة من أفراد الأمن ورحت القرية ، وقبضت على حنفي وهو قاعد وسط أهل القرية ، الغريب إنْ حنفي كان هادي جدا ومطيع جدا ، واخدته وتوجهت إلى قسم الشرطة .

وفي قسم الشرطة بدأتُ تحقيق معاه ، قلت :
ـ مين الشخص اللى كان مربوط بالحبال ؟
لم يرد ، وكررت سؤالي بشيء من التوضيح :
ـ العربية اللى وقفت قدّام المسجد نزلت منها إنت وكنت رابط شخص بحبال .
قال :
ـ أنا مش عارف بتتكلم عن إيه .
قلت :
ـ شكلك كده عاوز تطول معانا هنا .
كان بارد أوي ، بارد في كلامه وتصرفاته ، وأنا كنت بحاول استفزه لكنه كان هادي ، المهم طلبت منهم يرجعوه غرفة الحجز ، بس خليتهم يدخلوه غرفة حجز خاصة ، الغرفة دي تشبه غرفة تحقيقات سرية ، يعني فيها نافذة زجاجية تسمحلنا نشوفه من خارج الغرفة بدون ما هو يشوفنا أو بدون ما يعرف إننا بنشوفه ، عملت كده؛ لأني كنت عاوز أراقب تصرفاته ، وفضلت أراقبه لساعات لكن الراجل كان طبيعي .

رحت البيت وفي المساء كنت بتعشى مع مراتي وبنتي الصغيرة وجالي اتصال من القسم طلبوا منّي الحضور بسرعة ، وخلال دقايق كنت في قسم الشرطة ، وطلبوا منّي أراقب حنفي لأنه بيعمل تصرفات غريبة ، وبدأت أراقبه من الحائط الزجاجي ، كان واقف وباصص ناحية الحيط بس للأعلي شوية ، العسكري مال نحوي وقال :
ـ بقاله 3 ساعات واقف نفس الوقفة وباصص نفس البصة يا بيه .
لمّا دققت النظر في حنفي لقيت عيونه لونها أحمر بسبب قلة النوم وكثرة النظر للفراغ ، وبدأ يكرر كلمة ( حاضر ) ، أيوه كان كل شوية يقول ( حاضر ) ، مش عارف ليه حسيت برهبة وشعرت إنْ فيه حد معاه في الغرفة ، المهم عدت نصف ساعة وشفت حنفي بيزعق ويصرخ ويضرب الحائط بإيده ورجله ، وبعدها سقط على الأرض ، وهنا استدعيت رجال الاسعاف ، ونقوله إلى المستشفى .
تاني يوم رحت المستشفي وقابلت الدكتور اللي قال :
ـ عنده انهيار عصبي حاد ... ولازم يقعد في المستشفي أسبوع على الأقل .
شكرت الطبيب وغادرت .

في نفس اليوم توجهت للقرية مع صلاة العصر ، صليت العصر في المسجد وطلبت من إمام المسجد إننا نتكلم على انفراد ، وبعد الصلاة توجهنا إلى بيت إمام المسجد ، وجلسنا في صالة واسعة أوي وتفوح منها ريحة المسك ، بس مش عارف ليه مكنتش مرتاح ، إمام المسجد قدم لي كوب من الشاي وقال :
ـ تأمر .
قلت :
ـ من أيام كده حنفي جاب شخص مربوط ودخله المسجد وإنت كنت موجود في المسجد .. يعني تعرف كل حاجة .
قال في هدوء :
ـ إسمع يا حمدي يابني ...أنا عارف إنّك كنت متنكر في شكل عامل ... وعارف إنّك شفت كل حاجة .. وعارف إنّك كنت بتراقب القرية .. وعارف إنّك رحت للكهف اللى في الجبل .. بس نصيحة مني ... إقفل الموضوع وافرج عن حنفي ... علشان لو مش هتفرج عنه ههربه .
قلت :
ـ تهربه إزاي ؟
قال :
ـ هتعرف بنفسك .. وياريت بعدها تكون تأكدت إنْ الموضوع أكبر منّك وتقفل التحقيقات وتدورلك على قضية غيرها .
ساعتها حطيت كوب الشاي اللى في أيدي على المنضدة ، بس للاسف كنت شربت نصف الكوب ، ودا أكبر خطأ عملته في حياتي ، لأني بعدها مباشرة شفت أكتر من 50 راجل قاعدين داخل الصالة ، كنت شايفهم وسامع صوتهم وهم بيتكلموا ويضحكوا ، بس ولا واحد فيهم كان بيبص ناحيتي ، كلهم كانوا بيتكلموا مع بعض ، وفي لحظة هزتني يد إمام المسجد وهو بيقول :
ـ ياريت تكون تأكدت إنْ الموضوع كبير .
ساعتها كل الرجال اللى شفتهم في الصالة اختفوا ، وابتلعت ريقي ونهضت في رعب وتوجهت إلى سيارتي وعدت إلي قسم الشرطة .
في نفس اليوم كنت في مكتب بهاء بيه وبدأت أحكي له كل اللى حصل معايا ، وساعتها طلع تليفونه واتصل بالأستاذ رأفت وطلب منّه الحضور ، ومكنتش عارف عمل كده ليه ، بس بعد نص ساعة كان الأستاذ رأفت وصل ، بهاء بيه قال لي :
ـ إحكي الحكاية تاني يا حمدي بيه قدّام الأستاذ رأفت .
وفضلت أحكي كل اللي شوفته وكل اللى حصل معايا من أول ما بدأت أراقب القرية لحد ما قعدت مع إمام المسجد ، بعدها نظر بهاء بيه إلى الأستاذ رأفت وقال :
ـ رأيك إيه ؟
قال الأستاذ رأفت :
ـ الموضوع غريب أوي .
ما شاء الله ! أنا عمّال أحكي وهو يقول الموضوع غريب أوي ، كتمت غيظي وسمعت بهاء بيه بيقول :
ـ جميل .. جميل جدا يا أستاذ رأفت .. تعليقك إيه طيب؟
قال الأستاذ رأفت :
ـ الأول نستنى لحد ما حنفي يهرب من المستشفى .. لو هرب يبقي إمام المسجد كلامه صح .
بعدها رن تليفوني وسمعت العسكري بيقول :
ـ المتهم يا حمدي بيه ... اختفى .. مش موجود في المستشفى .

تعليقات