رواية جرايم عوض الفصل الثالث بقلم محمود الأمين
لقيت الباب بيخبط، ما كنتش عارف اتصرف إزاي؟!
هعمل إيه في جث.ة الدكتور اللي قدامي دي؟ فاضطريت أسحبها لحد الحمام، واتحركت وفتحت الباب بعدها.
لقيت ست كبيرة واقفة على الباب، وأول ما شافتني قالت:
_ إنت مين؟.. فين سالم؟
= هو حضرتك أمه، مش كده؟
_ آه، أنا أمه. هو فين؟
= مش عارف أقولك إيه يا أمي، البقاء لله.
_ إنت بتقول إيه؟!... إنت كذاب، فين ابني؟!.. وديتوه فين؟ انطق؟
= ابنك جوه، والدكتور لسه ماشي من خمس دقايق، وهو اللي قال إنه توفّى.
_ يا حبيبي يبني، طيب وسّع كده، وسّع أنا عايزة أشوفه.
...
دخلت الست البيت بعد ما زقّتني، وهي منهارة من العياط. مسكت إيد سالم وفضلت تبوس فيها وتقول:
_ مشيت ليه؟!.. مهما كان أمك، وحتى لو حصلت بينا مشاكل، كنا هنتصالح. ده أنا أول ما عرفت إنك تعبان جيتلك من آخر الدنيا. ليه كده يبني؟!
ليه تعيشني بعذاب الضمير طول عمري؟ مش كفاية حزني عليك؟ طيب قوم دقيقة وأنا هصالحك، بس ما تروحش وإنت زعلان مني.
....
على قد ما الكلام كان مؤثر، بس أنا كنت زعلان. كان نفسي أمي وأبويا يحبوني نفس الحب ده. تصوروا إني كنت غيران من واحد ميت، شايف أمه بتعامله كويس، وعشان غلطت في حقه مرة لما عرفت إنه تعبان سافرت بلاد عشان تشوفه، ودلوقتي ماسكة إيده وبتعيط بس عشان زعلته.
كنت بسأل نفسي: هو أنا فيّ إيه غلط عشان ما تحبّش؟!.. فيّ إيه غلط عشان أهلي يحبوا أخويا أكتر مني؟ طيب هو أنا لو كنت رحت زي ما سالم راح، كانوا هيعملوا كده معايا؟ هيزعلوا عليّا؟ كان قلبهم هيتقهر نص القهرة اللي شوفتها في عينيهم لما سامح مات؟
قربت من الست وطبطبت عليها، وقولتلها:
_ وحدي الله، هو دلوقتي في مكان أحسن. سالم كان طيب وابن حلال، ادعيله.
= مات وهو زعلان مني، أنا مش هعرف أعيش من بعده. ده كان كل حياتي، أنا ما عنديش غيره في الدنيا.
_ ادعيله يا أمي، هو كان حكيلي عنك وقالّي إنه مسامحك، وإنه مش زعلان منك.
= بجد؟!.. هو قالك إنه مسامحني؟!
_ أيوه، قال إنه مسامحك ومش زعلان منك، وكان بيفكر إنه ينزل يشوفك كمان. بس ده أجله، وما ينفعش نعترض عليه. إنتِ ست مؤمنة وموحّدة بالله، ادعيله بالرحمة.
....
دخلتها الأوضة التانية، لحد ما أعرف هتصرف إزاي في المصيبة دي؟!.. لكن القدر وقف في صفي، والست جالها غيبوبة سكر. أنا في البداية كنت فاكر إنها حصلت ابنها، لكن اتأكدت إنها عايشة، وابنها فعلًا كان حاكي قدامي إنها عندها السكر.
ما كانش ينفع أخرج بجث.ة الدكتور، فاضطريت إني أدفنها جوه البيت. وبعد ما خلصت خرجت عشان أنادي أهل البلد وأبلّغهم إن سالم مات ووالدته تعبانة.
لكن في الوقت ده لقيت واحد اسمه بسطاوي من أهل البلد بيطلب مني أنادي الدكتور بسرعة عشان عاوزينه في المستوصف. ولما قولتله إنه مشي، قال:
مشي إزاي؟!.. أنا قاعد من الصبح، ومن ساعة ما دخل البيت ما خرجش.
لكني صمّمت على كلامي، وبعد شوية اتنقلت أم سالم للمستوصف، وخلصنا إجراءات دفن سالم. وطبعًا الموضوع خلص بقرشين، خصوصًا إنه ما حدّش كان لاقي الدكتور، وإكرام الميت دفنه.
بس بعد يومين صحيت على صوت خبط على الباب، ولما فتحت لقيت الشرطة بتقبض عليّا. واللي عرفته وقتها إن أهل الدكتور عملوا محضر باختفائه، وإن بسطاوي وكام واحد من أهل البلد شهدوا إن آخر مكان اتواجد فيه الدكتور كان بيت سالم.
ولما فتشوا بيت سالم كويس، اكتشفوا إنه في أوضة حصل فيها حفر، وخرجوا جث.ة الدكتور.
بعد ما اتقبض عليّا عرفت إنهم شرّحوا جث.ة سالم، واكتشفوا إنه مات بسم اسمه سم الزرنيخ. وده حصل لما سالم استضافني في بيته في يوم كنا بنصطاد فيه مع بعض، ولاحظت إن سالم بيشرب شاي كتير. كانت فرصتي أخلص من الشخص اللي واخد الرزق كله لوحده. قربت منه في الفترة دي، وحطّيت السم ده في برطمان الشاي، ومرة على مرة… السم خلّص عليه.
ولما حكيت الحكاية كلها للشرطة، النيابة أمرت بتحويلي للمستشفى عشان أتعرض على لجنة نفسية وهي تبت في أمري.
بس ومن ساعتها بقى وأنا موجود هنا.
...
خلص عوض كلامه، وكلنا مش مصدقين اللي حكاه. معقول في حاجة في الدنيا توصل البني آدم لكده؟
لأول مرة أكون عاجز قدام تقرير هيتكتب، والمفروض إنه هينهي حياة واحد؛ يا إما هيتحكم عليه بالإعد.ام، أو هيعيش طول عمره في المستشفى.
وكان لازم أسأل نفسي: هل ممكن معاملة الأهل السيئة توصل البني آدم إنه يعمل كل الجر.ايم دي؟!.. ولا ده مش مبرر؟
الحقد والكره اللي في قلب الشخص ده قادر يولّع في بلد بحالها. شخص مش مؤمن بقضاء ربنا، ومش راضي، ودايمًا شايف إن كل حاجة بتاعته.
الجلسة حققت أهدافها، والأربع مرضى اللي كانوا بيسمعوا حكاية عوض قالوا إن حكاياتهم أبسط بكتير من حكاية عوض، وإنهم كانوا فاكرين إن مشاكلهم هي أكبر مشاكل في الدنيا، بس النهارده اتأكدوا إن في مشاكل أكبر بكتير من مشاكلهم.
...
رجعت المكتب وفتحت ملف عوض من تاني، وعرفت إن الطبيب المعالج اللي كان قبلي اسمه دكتور يوسف، وده ساب المستشفى من فترة وسافر برّه البلد.
وعرفت أوصله بعد يومين وأكلمه مكالمة صوتية، ولما سألته عن حالة عوض اتكلم وقال كلام مهم جدًا:
_ لو ناوي تكتب التقرير إنه مش مريض نفسي ويتنفذ فيه الحكم، يبقى ما تتكلمش معاه. اكتب تقريرك وارفعه للجهات المعنية، وبلاش تصارحه باللي في دماغك.
الشخص ده مش مريض نفسي، هو عارف بيعمل إيه كويس، وكل حاجة حكاها كذب. كل حاجة حكاها مختلقة عشان بس يطلع نفسه بريء، وإن المعاملة السيئة هي السبب في اللي حصله.
بس اللي مش قادر أفهمه إنه حكى على جريمة هو قام بيها، ولما رجعنا للشرطة قالوا إن تقرير الطب الشرعي قال إنها وف.اة طبيعية. ولما واجهته بالكلام ده انهار، وفضل يزعق ويقول: لا، أنا اللي قت.لته.
= حضرتك بتتكلم عن مين بالظبط؟
_ بتكلم عن سالم. سالم ده مات مو.تة طبيعية جدًا، ما ماتش بسبب سم الزرنيخ زي ما قال عوض.
بس المشكلة مش هنا بس، لأنه حكى كمان إنه قت.ل أمه بنفس السم.
وفي الحقيقة ده ما حصلش، عوض ولّع في البيت وأمه نايمة، مش ميتة.
= أنا مش فاهم حاجة، يعني عوض ده مجنون ولا عمل كده ليه؟ ما أنا مش فاهم!!
_ عوض، على حسب كلام أهل البلد، كان بيتعامل معاملة سيئة جدًا من أهله، ودي اللي أثرت عليه. هو كان نفسه يقت.ل والدته بالسم، بس هو ما نفّذش ده، خصوصًا إنه قت.ل أخوه وهو مش في وعيه. عوض وهو في وعيه ما يقدرش يقت.ل.
ولما الظابط بلّغوه بموضوع الشخص اللي اسمه عامر، اللي كان بيتردد على بيتهم في غيابهم، عوض لقى حجة يخلص بيها على والدته، وكده في شخص هيلبس الموضوع، واللي هو عامر.
لكن موضوع إنه قت.ل والدته بالسم، وقت.ل سالم بالسم، كل ده من وحي الخيال.
بس قت.ل الدكتور ليه؟!.. مش عارف. هل عشان يكمّل السيناريو ده من دماغه، ويثبت إنه قت.له عشان كان هيبلّغ عنه بسبب إنه قت.ل سالم؟
= أنا دماغي لفّت، بس إنت في أول الكلام بتقول بلاش تواجهه، ممكن أعرف ليه؟!
_ عشان أنا واجهته قبلك، والنتيجة إنه حاول يخلّص عليّا أنا كمان. أنا بقولك اكتب اللي إنت شايفه من غير مواجهة، وأنا لو مكانك هكتب التقرير وأقول إنه لا يعاني من أمراض نفسية. وجود الشخص ده خطر علينا جدًا. لازم الشخص اللي زي كده يختفي، يموت؛ وإلا هيفضل يقت.ل، ومبرره دايمًا إن أهله كانوا بيعاملوه وحش.
....
خلصت المكالمة مع دكتور يوسف، وأنا مستغرب جدًا من الكلام. لكن في النهاية كتبت التقرير زي ما قالّي: عوض لا يعاني من أي مرض نفسي.
واتنفذ فيه حكم الإعد.ام.
أنا عن نفسي راضي عن اللي أنا عملته، بس دي هتفضل أغرب حالة عدّت عليّا من يوم ما بقيت دكتور نفسي.
...
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
