رواية فيلا معروف الفصل الثالث بقلم أندرو شريف
قبل ما محسن يخرج من الأوضة اتحركت، لكن وانا بتحرك خبطت في حاجة عملت صوت عالي، صوت خلى كل اللي في الأوضة يتنفض من مكانه، ومنهم دكتور عماد اللي بدأ يزعق:
-شوف يابني منك له مين اللي برة، ازاي حد يخش هنا من غير علمي.
في اللحظة دي جريت، والاتنين جاردات كانوا ورايا بالمرصاد، وفضلت اجري وهم ورايا لحد ما الحمدلله قدرت أهرب منهم بصعوبة، وبعد المطاردة القصيرة دي، رجعت البيت، دخلت الأوضة وفردت جسمي على السرير، فضلت باصص للسقف شوية وبستوعب في اللي حصل، بلعت ريقي وحمدت ربنا إن ماحدش قدر يمسكني، وفضلت على الحال ده لحد ما روحت في النوم، بعد كده فوقت تاني يوم على صوت رنة موبايلي، واللي كانت بتتصل هي استاذة باكينام اللي رديت عليها وأنا نعسان:
-صباح الخير يا استاذة باكينام، معلش لو صوتي غريب، بس لسه صاحي من النوم ومش فايق.
-عايزاك النهاردة في مكتبي، جايلنا مراجعة مفاجئة ولسه متبلغة بيها من شوية، اتمنى الورق كله يبقى جاهز، مش عايزين شوشرة.
-حاضر، هفوق واجي لحضرتك، ماتقلقيش يا أستاذة باكينام، كله سليم ومش هيمسكوا علينا غلطة.
-واثفة فيك يا معروف، مستنياك.
مع أخر كلمة قفلِت السكة وأنا دخلت الحمام خدت شاور، بعدها لبست ونزلت، ركبت عربيتي وركنت قصاد المكتب، نزلت من العربية وطلعت على السلم، ووأنا طالع سمعت دوشة جاية من المكتب، ركزت مع الصوت كويس لأنه مش غريب عليا، لما ركزت عرفت إنه صوت دكتور عماد اللي شوفته امبارح في السرداب:
-معروف لو نطق بأي كلمة كلنا هنروح في داهية، أنا مش مُستعد بعد ما خلاص قربنا من حلمنا، انه يتبخر في ثواني، وعشان ايه؟!... عشان حتة محاسب كحيان بنعطف عليه؟
ردت عليه استاذة باكينام وهي متعصبة:
-أنا متأكدة إنه سمعني في المكتب يومها وأنا بكلمك، والأكيد إنه من ساعتها وهو بينخرب ورانا.
-وأنا مش مستعد ان كل الي بنيته يتهدم، اللي اسمه معروف ده لازم يموت، ودلوقتي.
-مسافة السكة وهيكون واقف قدامي، بعدها الجاردات هيعملوا الواجب وأكتر، المهم أنت تنفذ اللي بتقوله، ولو المادة ماطلعتش فعاله، هدفنك في نفس التربة اللي هدفن فيها معروف، بقولك ايه.. أنا صبري نفذ.
رد عليها بتوتر:
-ماتقلقيش يا أستاذة باكينام، المرادي بجد، وصدقيني التجربة هتنجح.
-ماهي لازم تنجح يا عماد.. مافيش مجال للفشل مرة تانية.
كملوا كلام عليا وعلى طريقة موتي، كل ده وأنا واقف بسمع وجسمي بيترعش من الخوف، لحد ما رجلي شالتني ونزلت ركبت عربيتي، اتحركت بيها وأنا مش عارف هروح فين، وبعد تفكير قررت أروح الفيلا الجديدة بتاعتي، ايوه.. الفيلا دي ماحدش عارف عنها حاجة، وهناك، هقدر أستخبى وأفكر في حل للمصيبة اللي انا وقعت نفسي فيها، لكن اللي ماكنتش عامله حساب حصل، في نفس اليوم بليل كنت قاعد في الجنينة بقلب في دفاتر ليها علاقة بالملجأ ومهمة، ووسط الدفاتر لقيت الباسبور بتاعي، قولت لنفسي وليه لأ، الأحسن إني أهرب من البلد باللي فيها، وقبل ما أمشي... أعمل بلاغ صغير عنهم، منه، يترموا كلهم في السجن، ومنه قذارتهم تتكشف، لكن.. لكن فجأة قطع حبل أفكاري صوت حاجة بترن، ماهتمتش وقولت عادي، بعدها سمعت حاجة خبطت جوة الفيلا، ركزت مع الصوت لقيته صوت خطوات أقدام، فركنت الملفات في قصرية الزرع ودخلت أشوف مين في الفيلا، ولما دخلت شوفت أستاذة باكينام ومعاها دكتور عماد واتنين جاردات، كانوا واقفين قصادي، أول ما شافتني قالتلي وهي مبرقة:
-فاكر إنك هنا هتقدر تستخبى مني؟
-انتوا... انتوا عرفتوا مكاني ازاي؟!
-مش مهم عرفنا ازاي، المهم اننا جينا، ودلوقتي اختار موته تليق بيك، أه، قبل ما انسى، أنا من اليوم اللي اتصنتت عليا فيه في المكتب وأنا عارفه ومتأكده إنك سمعت كل حاجة.. بس قولت أسيبك يمكن تيجي وتحكيلي زي المرة اللي فاتت، وصدقني، لو ده حصل كنت هديك من الحب جانب، بس لأ، انت ماتستهلش.. انت خدت القرار الغلط ودورت ورانا، وأخرتها ايه؟.. هتموت يا معروف.
وكمل دكتور عماد على كلامها وهو بيضحك:
-بس بقولك ايه، من فضلك موت من غير صوت واعمل معروف يامعروف.
-أنت تخرس خالص.
بصيتلهم بقرف وتفيت على الأرض، بعدها رديت على كلامهم باشمئزاز:
-انتوا أكيد مش بشر.
ضحكت أستاذة باكينام على كلامي:
-احنا فعلا مش بشر.. احنا التطور اللي العالم مستنيه، بكرة هتشوفنا.. ولا هتشوفنا ايه، انت كده كده هتبقى ميت.. احنا بكرة هنقدم للبشرية اكسير الشباب والحيوية، مليارات هيدفعها كل غني، عشان بس عمره يزيد، ومش بس كده.. كل اللي هياخدوا من الاكسير، هيفضلوا شباب زي ما هم، وزي ماكانوا بيعيشوا زمان سنين طويلة، بالإكسير ده، هنعيش احنا كمان سنين أطول.
-وده بقى عن طريق تجارة الأعضاء ياحية هانم؟
-غبي، وهتفضل طول عمرك غبي، تجارة أعضاء ايه اللي أنا بتاجر فيها، احنا بقالنا سنين بنخطط لمشروع أكبر، بص، أنت صعبت عليا وأنا هقولك، ما لازم قبل ما تموت تعرف قيمتنا برضه، الموضوع بدأ من خمس سنين لما اتعرفت على دكتور عماد... دكتور دماغه سم وتوزن بلد، عرض عليا مشروع اكسير الحياة، المشروع باختصار هو إننا نجيب أطفال غير اطفال الملجأ، نستخرج من مخهم مادة تخلي الانسان يعيش أكتر، ومنهم نقدر نستخراج المادة دي ونعمل منها كتير، أو مشابه ليها، ولو التجربة نجحت، منظور العمر بالنسبة للبشر هيتغير، بس كله بتمنه... تمنه وبس، انما الملجأ، ف يبقى مجرد واجهة، واهو بنعمل منه سيولة كبيرة وبتساعدنا على المشروع، ومنه ستار للمشروع ككل، وخلاص، احنا قربنا من النتيجة النهائية، بس للأسف، انت عرفت.
-ومنصور؟
-في أطفال بتموت وقت استخراج المادة، لأن جسمهم مابيقدرش يتحمل، يعني، قولنا بدل ما ندفنهم، نديهم لمنصور، وأهو نكسب من وراهم مبالغ كبيرة تساعدنا في السيولة.
-انتي ازاي كده؟.. ايه؟... قلبك مافيهوش رحمة؟.. بتحسي بايه وانتي بتأذي عيال صغيرة؟!
-انا قلبي مات مع اليوم اللي مسكت فيه جثة ابني وهو لحم على عضم، وده بعد ما اتخطف من مجموعة مجرمين مافيش في قلوبهم رحمة، وعشان ايه؟... عشان يسرقوا أعضاءه!... يا ريتهم كانوا طلبوا فلوس وأنا أديهم، بس تعرف، هم يومها ماقتلوش زين ابني، دول قتلوني معاه، ودلوقتي عرفت احساسهم، متعة، انك تتسبب في موت شخص، او تتاجر فيه دي تبقى أكبر متعة... لا والمتعة الأكبر إنك تستعبده وتستغل حاجة فيه هو مش عارف قيمتها، لكن أنت عارفها كويس.. ها.. عرفت ايه احساسي؟
-عرفت إنك مجنونة، موت ابنك أثر على خلايا مخك، ولو هتيجي للحق، أنا شايف إن دكتور عماد يشوف شغله بجد ويعالجك، أهو هياخد ثواب وأجر على هيعمله، بدل الذنوب اللي عمال يرتكبها مع موت كل طفل على ايده.
اتدخل دكتور عماد في الحوار واتكلم بفخر:
-انا دلوقتي بقدم خدمة كبيرة للبشرية، ماحدش هيقدرها غير اللي هيستخدمها، لكن امثالك عمرهم ما هيفهموا التطور، اما الأطفال دول فهيبقوا رمز للتطور، كل واحد فيهم هياخد الثواب اللي انت بتتكلم عنه، لأنه بيساعد البشرية على حياة أطول.
-قاتل، وانا هسمع ايه من قاتل اطفال بيبرر عملته بشوية مناظرات كدابة، بس تعرف، انت هتموت، وموتتك هتبقى أبشع مليون مرة من موتهم.
-مافيش حد هيموت هنا غيرك يا معروف، والسر بتاعك هيتدفن هنا، معاك، ودلوقتي الكلام خلص، والجاردات هينفذوا.
بحركة صباع من استاذة باكينام الجاردات ضربوا عليا نار، في اللحظة دي وقعت على الأرض، وفضلت اطلع في الروح، ماعرفش عدى قد ايه وأنا واقع على الأرض، لحد ما أنت جيت يا اسماعيل، حاولت اقاوم وقومت على رجلي، لكن الوقت عدى، والأوان فات، ودلوقتي... دلوقتي انت تقدر تساعدني، اه، انت جيت هنا لسبب واحد بس، أظن أنت عرفته كويس.
***
خلص معروف كلامه وانا كنت واقف مذهول، مش عارف أرد عليه أقول ايه بعد اللي حكاه، ومع أول سؤال جه في دماغي قولته من غير تردد:
-وليه مابلغتش الشرطة قبل ما يحصل فيك ده كله، وازاي انت واقف على رجليك دلوقتي؟
-هبلغ الشرطة اقولها ايه؟... هقولهم أنا شغال مع ناس بتختلس أموال، ولما عرفت انهم بيتجاروا في الأعضاء ضميري صحي؟.. ماكنوش هيسامحوني على كل اللي عملته، وصدقني، كنت هبات معاهم في نفس الزنزانة، وبدل ما أموت برة، هموت جوة.
-تموت برة ازاي؟
-مانا قولتلك من بدري، أنا بقالي مدة كبيرة واقع على الأرض، ماعرفش كام يوم ولا كام شهر، ممكن يبقوا أكتر، بس اللي أعرفه انك قدامي دلوقتي، ولازم تطلع من هنا وتبلغ عنهم.
من الصدمة لساني اتعقد، لكن واحدة واحدة بدأ يفك لحد ما بلعت ريقي ورديت عليه:
-وانت.. مش هتطلع؟
-مصيري من البداية كان الموت يا اسماعيل، الفرق انه اتأجل شوية، ودلوقتي خلاص.. كل حاجة انتهت، الأهم دلوقتي إنك تركز معايا، انت لازم تاخد الملفات اللي في قصرية الزرع اللي برة، خدها وسلمها للشرطة، هم هيقدروا يتصرفوا، وبكده يمكن أقدر أكفر عن ذنوبي اللي ارتكبتها وأنا حي.. لما بقيت روح.
وفي لحظة كل حاجة رجعت زي ما كانت وباب الجنينة رجع شفاف تاني، بعدها اتسلل ضوء خافت جوة الفيلا، كان كفيل إني اشوف الجثة... جثة معروف وهي هيكل عظمي ملفوف في قماش متاكل، في اللحظة دي كل حاجة وضحت قصادي، معروف اتقتل، وأنا عارف اللي قتلوه كويس، هم والمشروع الخاص بتاعهم، ناقص بس الملفات اللي في قصرية الزرع، الملفات اللي طلعت خدتها وبصيت فيها شوية، وقتها زويلة كان مستغرب اني طالع بـ ايد ورا وايد قدام، وعشان كده قالي وهو مستغرب:
-انت لحقت تدخل يا سمعة عشان تطلع، وفين التماثيل، ايه، انت نسيت جاي ليه؟
-من غير ولا كلمة يا زويلة، احنا دلوقتي نركب العربية وترجعني مكان ما جبتني، أنا مش حرامي، وعمري ما هكون حرامي، القدر هو اللي حطني في الظروف دي، بس مش عشان أسرق، لأ، عشان حاجة أكبر بكتير.
-وايه هي الحاجة الأكبر دي ياخويا، وبعدين انت جيبت ايه من قصرية الزرع... ايه شوية الورق دول، اصرفهم في أنهي بنزينة!
-الفيلا قدامك أهي، عاوز تسرق، مش هحوشك.. بس افتكر يا زويلة، العقاب والذنب كبار أوي.
-انا لا هسرق ولا هتنيل، يلا بينا نمشي من هنا، شكلها ليلة فقر، أنا غلطان إني جبتك اساسا.
-مش انت اللي جبتني يا زويلة، ده القدر هو اللي حكم بأحكامه.
-قدر، وحكم... حكمك يا رب.
مشينا من الفيلا ورجعنا المنطقة مرة تانية، وتاني يوم كنت بلغت عن العصابة وسلمت الأوراق، وده عن طريق ملف بسيط بعته للشرطة بأسم فاعل خير، واهو لا من شاف، ولا من دري، أنا برضه مش قدهم، وبس.. من ساعتها وماعرفش حاجة عن الموضوع، بس الأكيد إن القدر طالما حطني في موقف زي ده، هو هو برضه اللي هيخلي البوليس يكلبش العصابة ويحطهم في السجن، اما معروف بقى، فجالي في المنام وشكرني، واظن ان هو دلوقتي مرتاح.
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
