رواية الصمت الباكي الفصل الثاني والاربعون
«ما قبل اللقاء»
= تركُض السُحب في الفضاء الرّحب ركض الخائفين والشمسُ تبدو خلفها صفراء عاصبة الجبين..
وقف “ليث” بطوله الفارع، وأمامه يقف فريقه المُكون من رِجال أشداء أقوياء..ولكُلٍ منهم دور مُختلف يُميزه وهم “حُسام، يُوسف، مُحمد” ..
مُجتمعون يضعون خطة لعملية الغد ليتم الأمر على أكمل وجه دون أخطاء .. ويتم إمساك العِصابة دون إخفاق ..
_ أمين فرزت كل المعلومات إللي جمعناهم من السلسلة والمعلومات إللي بعتتهم الدكتورة..
_ حرك “أمين” رأسه بإيجاب وهو يضبط من وضع نظاراته الطبيه، وقال بإحترام: حصل يا ليث باشا، جمعنا كل الأدلة إللي تدين الأعور وجماعته، وتم تحديد الموقع بدقة والكشف عن المنطقة ..
وطبعًا موقع العملية هيكون فعلًا زي ما حدده مؤمن باشا مع الأعور؛ هيكون في الساحة الخلفية من موقع إقامتهم في الحي القديم .. ودا علشان نكون مسيطرين أكتر ..
_ تنهد “ليث” وقال وهو يُرتب بعض الأوراق: تمام أووي يا أمين .. وبالنسبة للدكتورة أسوة مفيش أي إشارة منها ..
_ للأسف يا باشا من حوالي ساعتين، والأجهزة إللي داخل السلسلة اتعطلت وفقدنا الإشارة … بصراحة مش عارف أيه المُشكلة ..
_ امتعض وجه “ليث”، ورغمًا عنه شعر بالقلق يجثم على قلبه، ليتسائل بقلق: طب تفتكر أيه المُشكلة .. ممكن تكون في خطر ؟!
_ أمين بهدوء: ممكن تكون السلسلة وقعت منها واتهشمت ويكون دا السبب في إنقطاع التواصل بيها ..
_ قال “ليث” بشرود وأعيُن شاخصة في الفراغ: معتقدش واحدة زي الدكتورة “أسوة” ممكن تهمل وتتعرض لموقف زي ده ..
وتابع وهو يتفحص رِجاله: على العموم هتبان .. يا رجاله مُهمة بكرا متتحملش غلطة واحدة لأن زي ما شايفين كدا إحنا لنا طرف في إيد الأعور ..
بأي تمن لازم ننقذها ونخلصها منهم من غير ما تتعرض لأذى
أما بالنسبة لخطة الهجوم هتكون كالتالي،، وطبعًا الخطة هتعتمد على تقسيمنا ..
ووجود مؤمن الصياد كطرف تاني مع الأعور سهل علينا الطريق والمعلومات بتيجي على طبق من دهب يعني ملناش حجة ..
العملية دي خلاف المعتاد لأنها هتكون في عِز النهار مش بالليل ودا مش شيء مُطمئن ولا حاجة .. لأن أصلًا منطقة الأعور إللي هيتم فيها العملية ليلها زي نهارها، منطقة نهارها مُخيف ومهجور ..
فتركزوا معايا كويس لأن المرة دي بالذات مش هسامح على أي تقصير ..
والتفوا حول منضدة دائرية، وشرع “ليث” يرسم الخطة واخبارهم بأدق التفاصيل والإحتمالات المُمكنه ..
****************************************
= وقفت أمام بوجه مُلتهب غضبًا، ولا تُصدق ذاتها بأنها وأخيرًا قد إنتهت من تلك المُهمة ..
تنهدت بفروغ صبر، وداخلها يشتعل غضبًا من إبتسامة هذا السمج، قالت “أسوة” بنبرة حاولت صبغها بالهدوء: أظن كدا مُهمتي إنتهت وتم إنتاج الكمية المطلوبة، وصُنع المُضاد كمان .. والمُقابل أطلع من هنا زي ما اتفاقنا ودا كان وعدك ليا ..
_ إزدادت إبتسامته إتساعًا لتكشف عن قُبح أسنانه: شُجاعة جدًا يا دكتورة وكمان مقدرش أنكر إنك مُجتهدة وزكية فوق تخيُل أي حد، وبجد إنتِ خسارة في البلد دي ومحدش فاهم قمتك .. بس أنا أقدر أوديكِ للي يكيلك بالماس مش الدهب ..
_ أشاحت بوجهها، وقالت بجمود: دا زوقك الراقي، وشكرًا جدًا على الإطرائة اللطيفة دي، كل إللي بطلبه إن أخرج من هنا ..
_ رفع أكتافه لأعلى، وقال بمكر خادع: موافق جدَا يا دكتورة أسوة بس مش قبل ما تقولي على طريقة صُنع المُضاد ومكوناته ..
_ تجمدت أنظارها، واهتز ثباتها من مكر هذا القبيح؛ لكن هيهات، وفي خضم ما تمُر به تسلحت بالقوة وأجابت نافية بتمرد عالٍ: مش هيحصل لو فيها موتي شخصيًا ..
_ وقف هذا الأعور ونظر لها بغيظ ثم أضاف بهدوء: تمام .. وأنا موافق يكون ليا شرف المحاولة، وإذا إنتِ عنيدة فأنا أعند .. وتبقى بتحلمي لو خرجتي من هنا ولا شوفتي الشمس تاني يا قطة ..
= ماذا كانت تنتظر من مُجرم مثل هذا!؟، قبضت على ثيابها تستمد منها القوة، وجاهدت لئلا ينجلي خوفها الدفين وجُل ما أدركته أنها الآن تُحَف بالمخاطر ..
لكن مهما اشتدت العتمة حتمًا هُناك بصيص من نور، تلك الومضات الطارئة من العِشق المُستجد يمُدها بالقوة والعزيمة على مُجابهة الصِعاب؛ لن تستسلم أبدًا وستظل تُجاهد فهي من ولدت من رحم الشقاء ولن ترضخ ما حَيتْ!
وسيأتي مَدد من عون لا محاله فقد بارت الحِيل لديها..~
_ أجابت بقوة شديدة: وأنا موافقة وأعمل فيا ما بدك، وعايزاك تعرف إن حتى لو اخترقت عقلي مش هتوصل لحاجة بس جرب مش هتخسر ..
وفور إنتهائها من حديثها، شعرت بمن بحتذبها بقوة للخلف، استدارت بصعوبة فلم تجد سوى هذه المرأة التي ترعرعت معها لأكثر من عشرون عامًا عُجاف تحت سقفٍ واحد، فما كان منها إلا أن طالعتها ببرود، وقالت بلامبالاة وسُخرية: حضرة المعلمة بتول ..¡¿
_ نبرتها الباردة الساخرة استفزت “بتول” فارتفعت يدها وهي تجذب خصلات “أسوة” بقسوة للخلف، ورددت بصرامة مُحملة بالقسوة العتيدة: حظك الحلو وقعك في إيدي تاني يا مُصيبة سودا .. بس المرة دي وقعتي ولا حد سمى عليكِ، وقفتك قدامي تتحديني هتدفعي تمنه غالي ..
لم تستكين لها “أسوة” وظلت تُنازع بين يديها لتخليص نفسها وتدرأ تلك المجرمة عنها ..
لكن كانت قد أشارت “بتول” خِفية لأحد الرجال ليمُد يده لها بشيء..
وفجأة شعرت “أسوة” بشيء يُغرز بيدها، توقفت عن المُقاومة وجفلت عندما شعرت بتخدر يسري بأطرافها، تماسكت تمامًا وكأنها لم تُبالي بما حدث ..
ظلت تُكرر فتح وغلق عينيها في محاولة منها كي لا تستسلم لتلك المادة الزاهقة لروحها والفاجعه لقلبها..
ورغمًا عنها تراخت أقدامها وسقطت أمامهم على ركبتيها مُتدلية الرأس، وأبواب مُقلتيها على وشك الغلق ..
_هزت رأسها بنفي، قائلة بإصرار رغم ضعف وتلعثم حروفها، ورغم تقطُع أحبال النجاة: مــ… ش هـــ… يحصل’
وفور نبذ إعتراضها سقطت على الأخير فاقدة للوعي غائبة عن الواقع وجاهلة بما قد يحدث معها وهي بين أيدي حِفنة من أخطر المجرمين..
_ رمقها “الأعور” بطرف عينيه وصعّد النظر إلى “بتول” الواقفة بغضب، ليتسائل: هتعملي معاها أيه .. محتاج التركيبة دي ضروري ..
_ هتفت بشر: متقلقش …. أنا عارفة إزاي أخليها تنطق ..
***************************************
= استقر أمام الشجرة القاطنة أعلى التلة التي تنتصف الغابة العتيقة المفقود ماهيتها والتي تتبلور بها حياة امتطاها الحُزن والألم ..
استند على جذعها بتهالك، تقاذفت بذاكرته أمواج الأحداث المُنصرمة، وكيف أثرت به وعليه، وتبدلت أحواله هو مَنْ إلتوت فيه الظنون، هو دائمًا مَنْ يبذُل من سعيه ليواسي، وينيل من جاهه ليُعين، ويجعل بيته سكنًا لكل نفسٍ لا تجد الدَعّة ولا الأُنس؛ حياتها مُشعشعه بالألام، قلبه دائمًا يختنق حُزنًا لدوام خيبته، والكسرة المُخبأة تجلس داخل عيناه، بَيد أنَّ نفسه سؤّمها سوء العذاب حتى أصبح القلب الذي يُحيه يُهلكه..
هو في سِنّ الثلاثون، أما قلبُه ففي الثمانون أو فوق ذلك ..
هو في سِنّ الشباب وقلبُه مُتهدم في سِنّ الموت لما سجله يَدّ الدهر عليه ..!
أشاح بوجه ينظر حوله، ليتبين له “ليث” الذي جاء في أعقابه ..
_ أهلًا يا باشا ..
_ سأل “مؤمن” بإقتضاب: الأمور تمام؟ .. واستقريت على أيه، هتأمن المكان إزاي، والقوة إللي معاك كافية؟
_ حملق به “ليث” بُرهه واستطاع بسهولة قراءة القلق الذي يجلس داخل عينيه، خاطبه “ليث” بتريُث قائلًا: كل حاجة تمام .. وهيتم زي ما خططنا وأحسن كمان ..
_ نفث من صدره أنفاسه المكتومه، وأخبر “ليث” بهدوء ساقع: اتفقت مع الأعور على كل حاجة زي ما وصلتك الأخبار .. بكرا سته الصُبح ..
_ افترسه “ليث” بأنظاره يبغي الإهتداء إلى سبب تغيُره، وإلى الشيء الماكث داخل سوداويتاه والذي يُناضل لإخفائه
لكن ما يُحاول إخفائة وتخبئته لا يُخبأ فالديه رائحة نافذة تفوح وتزكم الأنف …. ▪︎|العِشق|▪︎
وأرجح الظنون تُدلي أنّ “مؤمن” الذي لطالما كان صلبًا أمام أسُهم الغرام، قد صابه سهم تلك الفتاة فوقع لها …
نعم حالته تُوثق هذا !
وفي إيجاز سرد “ليث” الخُطة الذي قام بوضعها، وختم حديثه: وبالطريقة دي هنقدر نُقبض عليهم مُتلبسين وننقذ الدكتورة أسوة كمان ..
قصد الرمي باسمها بذيل حديثه مُراقب رد فعل هذا المُتعنت فلم يجد منه إلا أنه أشاح بوجهه عاقدًا جبينه..
استكمل حديثة يُخبره بأخذ الحِيطة لحدوث أي شيء: وكمان أن رسمت خطة بديلة تحسُبًا لأي طارئه … وأنتَ خُد بالك من نفسك ومتأمنش للأعور لأنه مش سالك .. متنساش إنك هتبقى الطرف التاني في العملية إللي هتستلم الشُحنة منه .. ومحدش بيقدر ياخد حاجة منه بالساهل حتى لو كان بمقابل ….. مُخادع فوق ما تتصور.
_ اكتفى “مؤمن” بتحريك رأسه إيجابًا …
وران الصمت على الأرجاء وهو يُجاهد نبذ تلك المشاعر التي صَالَ بها ويستحضر القسوة مُتذكر إفكِها وخِداعها، وأعتزم أن يَنسِل من مشاعره عائدًا حيث مَظلة الماضي مطروح على أعتابه مُستحضرًا آلامه ويصلاها لأجل طمس قلبه ..
༺ليتك تعلم عزيزي مؤمن أنّ ملف الماضي يُطوى ولا يُروى، يُغلق عليه أبدًا في زنزانة النسيان، يُقيد بحِبال قوية في سجن الإهمال، فلا يخرج أبدًا، ويُوصد عليه فلا يرى النور؛ لماذا تُريد الإحتراق بنيرانه فلا طائل من تشريح جُثة الزمان وإعادة عجلة التاريخ، القراءة في دفتر الماضي ضياع للحاضر وتمزيق للجُهد، ونسف للساعة الراهنة؛ عليكَ الخروج من كابوس الماضي، والتخلُص من شبحه، والسلام..༻
_ تركه “ليث” بمفرده وَرحل بعدما يأس من عدم رؤية مناصًا من الإستجابة في أن يتحدث معه…
ويظل “مؤمن” بين غَيْهَبَان إرهاساته كسائع في القفر ضَلّ الطريق يهوي البروق ويخاف…
_ هتف مُتوعدًا من بين دُجْنَة غضبه: كلها ساعات وتُقعي بين إيديا … هَانت ..
«”فما عسى أنّ يقع من أحداث جِسام؟!)”»
****************************************
= استقرت جالسة أعلى الأريكة المُتهالكة بصدر الصالة المتواجدة بهذا شبيه المنازل، حركت أصابعها تُمسد رأسها بألم لِما فاض إليه حالها، فقد تعسف الأمر جدًا ..
عشرون يومًا أزهقوا روحها وفقدت زهوها..
وضعت وجهها بين يديها بقِلة حيلة وهي تستمع إلى صراخ شقيقتها من داخل الغرفة المُغلقة بإحكام..
▪︎ تطرق باب الغرفة من الداخل وتصرُخ كـ مَنْ مسها جان بصوت ينبض ألمًا، جعل “سارة” المسكينة تبكي بقلة حيلة: سارة .. علشان خاطري افتحي معدتش قادرة والله، طب مش هعمل حاجة غلط تاني بوعدك ..
سارة .. الوجع بيفرتك عقلي .. الله يخليكِ دي أخر مرة .. جُرعة واحدة بس … آآآآه
= عِدة ساعات تُكرر نفس الجُمل من خلف الباب وهي تجلس باكية لا تعلم ما تفعل؟!
فقد لاقت عشرون يومًا أشِداء .. لا تفتأ تجول خلف شقيقتها دائمة الهروب، تَصُول خلفها بِطُرق هذا الحيّ المُوحِش ..
بجانب العمل التي شرعت به لأجل جمع الأموال لعلاج شقيقتها داخل مصحة ..
ووالدتها انتزعت يدها من الأمر برمته، فعودتها كانت بمثابة طَوق نجاة لها من نهايتهم المُوحِلة، حتى أنها لم تسألها عن حالها، وما الذي إليه آل أمرها!؟
ما تُريده بحق، هو الخروج من هذا الحيّ الذي يكاد أن يقضي عليها..
مليء بالرزيلة بكافة أنواعها، .. سرقات، ممنوعات، وتحروشات بالألفاظ والأفعال .. مجرمون من كافة الأصناف ..
تفقد الأمان لحد أن خاصم النوم جِفنيها، فتواجدهم بهذا الحيّ مُورِد للهلاك كأنه وَسم الجحيم، استائت كثيرًا من هذا الأمر ولا تعلم ما تعمل..!
_ تحسست ساعة يده التي بين قبضتها وهي في غمرة ذعرها الآن لعلها تشعر ببعض الأمان لتشبُثها بها، قالت هامسة بشجن: أتصرف إزاي … ياريتني أقدر أجيلك، نفسي بس حد يحسسني بالأمان، أنا خايفة جدًا وقلبي واجعني .. يا ترى بتفكر فيا إزاي دلوقتي.. أكيد كالعادة اخترعت موضوع من دماغك ولا عمرك هتثق فيا أبدًا ..
= مسحت الدموع التي انبجست من عينيها لتروي جفاف وجنتيها، وتنهدت بألم وهي توكل أمرها لله ليرزقها المخرج من هذا المأزق الوشيك، استقامت وذهبت تتوضأ وتؤدي فرضها بقلبٍ مُلتاع لم يفقد اليقين بالله ..
****************************************
▪︎ لا يستطيع الإنتظار، ولا يطيق الإنكسار، الهواجس تطرحه بأرض القلق والزعر عليها، انقضت عشرون يومًا دونها، يحيا لفظًا فقط، لم تتدثر عيناه بطلتها الطاهرة .. فقط طيفها من يؤنس لياليه الطويلة البطيئة المرور والثقيلة الحضور..
لم يتوانى عن البحث بالطُرقات، وبكل موقع يقرُب منزله حتى بالمشافي قد بحث، وبحيّها القديم حتى إنتهى به الحال يجلس بقارعة الطريق يُزمجر بألم صارخًا بحروف اسمها عَلها تشفق عليه وتخرج من مخبئها ليروي ظمأ روحه وينطفي جمرها ..
والآن تهالك على المِقعد داخل عمله بعد تغيُبه عنه كل تلك المُدة بعدما جاب الشوارع بصبرٍ وأمل لُقياها..
بَيْد أنّ هيئته التي يُرثى لها ووجههُ التي تكاثر عليه الإرهاق والأرق وقد نامت الظِلال أسفل عيناه، شعر مُشعث، لحيته استطالت بعض السنتيمترات، وملابس غير مُرتبة؛ حاله كـ حال الخارج من جُب بقى به لسنوات، لا أمل يُرجى منه الآن.’
تفتت عقله من الهواجس المُخيفة التي تأكله خوفًا من حدوث مكروه لها وهي وحيدة لا أحد لها …
وعند تلك النُقطة فزِع واقفًا بوجه مُتهلل بعض الشيء، آمل بأن يصدق حدثه، وخرج من غُرفة مكتبه يُسابق الرياح..
▪︎ مدّ يده يُهاجم باب الغرفة يفتحه بعُجالة ليُفَاجأ “مؤمن” بمن يهجُم على غرفة مكتبه ويدخل مُسرعًا ..
_ تسائل “صالح” بلهفة تنبض من بين حروفه: مؤمن الدكتورة إللي اسمها أسوة وشغاله معاك موجودة؟
هي فين .. أنا لازم أقابلها ضروري .. هي الوحيدة إللي سارة تعرفها وممكن تكون عارفة مكانها ..
أنا لازم أقابلها حالًا يا مؤمن ..
▪︎ تأمل “مؤمن” هيئة “صالح” المرزية، وفَجعته التي تنطق بها حاله وملامحه، روحه شريدة، … هل هذا ما جَناهُ من الحُب؟!
ما تلك اللوعة الشديدة، وأصبح أيضًا لا يُبالي من الإفصاح عن مكنون قلبه؛ قد علِم سابقًا عن تغيبه عن العمل وبأنه يجوب الشوارع بحثًا عن قلبه .. فتركه يفعل ما يُريد،
لكن ما هذا الإذلال الذي أقحم ذاته به..!
“عزيزي مؤمن؛ لا تعّذِل (معناها: تلوم ) المُشتاق في أشواقه حتى لا يُصيبك ما أصابه ..
فلا تعلم متى تلفحك شواظ الشوق، فحسبُك فقط بنيران غضبك التي تمور بداخلك فَلعل غدٍ تفوح مكنونات قلبكَ التي تنبُذها وتُصبِح للعيان فقاقيع وَجْد مُنبَثه..)”
_ خاطبه “مؤمن” مُتنهدًا بِثقل ضاجرًا لأجل ذكرها: لا يا صالح هي أكيد متعرفش لأنها مسافرة من قبل إختفاء مراتك، طلعت سفرة تبع كُليتها ..
▪︎ قال “مؤمن” على الفور بوجه “صالح” ليقطع أحبال رجاءه وكي يُمنّعُه من بناء أمل كاذب، لتنطفىء أضواء الحياة من وجه “صالح” ويُخيم على معالمه الخيبة التي مرمرت جنبات روحه، وتكالب على قلبه الحُزن..
وبهدوء وصمت تام دون أن يُعلق خرج من الغرفة تاركًا خلفه “مؤمن” يُعيد تحليل مواقف العاشقين مُتعجبًا، مُطمئنًا لأجل نفسه وتحصينه المنيع لها لئلا تتعرض لمثل هذه المواقف ..
“تمهل، فَلعَل تحصِينك هذا يغُضُ عنكَ طرف حمايته،
ويرى الأعمى ما أصبحت عليه،
ويسمع الأصمُ جأْر الروحُ حُبًا،
ويحِسُّ الجماد بإرهاسات(معناها: إشارات) قلبكَ.”~
خرج “صالح” وهو يشعر بالحياة تضيق عليه كالأنفاق الدودية بين المجرات، لكنه أخرج هاتفه وأجرى مُكالمة هاتفية أتته الإجابة من فورها ..
_ مفيش جديد ..؟
_ أجاب الطرف الأخر بيأس: للأسف يا صالح ملهاش أي أثر، وحتى هي مش معاها بطاقة إئتمانية تسحب بيها فلوس مثلًا فممكن من خلالها نحدد مكانها ..
وأقرب محطة قطر لبيتك قطر عمومي عادي ركوبة بقطع تذكرة مش بالحجز بالإسم..
وتابع يُخبره بما يُحدِث بالقلب مَسّرة: أخر أمل عندنا كاميرات المُراقبة إللي في المحطة لأنها الطريقة الوحيدة القريبة للسفر .. وقول يارب..
جملته الأخيرة أعادت النشاط لقلبه بعد الخيبة التي قدمها له “مؤمن” على طبق من ذهب..
أبدى “صالح” إمتنانه لصديقه وأنهى المُهاتفة وهو يعزم على البحث في الأمر بدقة أكثر ..
_ همس بإصرار: سارة عمرها ما تسبني، سارة أنقى وأطهر قلب شوفته ومتعرفش طريق الخداع والكذب ..
أكيد في حاجة غلط وأنا لازم أبحث ومش هسكت، وهبدأ من البيت، أكيد في حاجة غلط فيه لأن سارة عمرها ما خرجت برا البيت .. أكيد في حاجة أجبرتها ..
▪︎ يشعر أن جدب روحه يرتوي شيئًا فشيء، وكيف لا وطريقه لنور قلبه يقترب، فهي منهل النور لحياته..
_ لمعت عيناه، وقال بحب: أنا واثق فيكِ يا حبيبتي، وواثق إن نظرات سارة إللي كان كلها حُب بريء متكذبش عليا ..
ودقات قلب سارة الطاهر متكذبش أبدًا ..
هلاقيكِ يا سارة وهعشقك أكتر، وهعاقبك على بُعدك ده بس وإنتِ بين عيوني وفي أحضاني .. مش هسمحلك تبعدي..
▪︎ ورحل قاصدًا منزله، جُحر الأفعى السامة التي يُسْكِنها به، ويبدأ رحلة البحث الحقيقية عَلَه يكشف حقائق مُخبئة وتم إعدامها على منصة الخِداع وعدم الإنسانية 😉
_لم ينتبه إلى العاملين الذين يقفوا فارغين أفواههم يُشاهدونه بإندهاش، لتقول إحداهُن: أيه إللي حصله، دا بيكلم نفسه، وشوية يبتسم وشوية يكون على وشك البُكىٰ يا حفيظ يارب ….
(灬º‿º灬)♡
*****************************************
= بعد إنتهائها من جولة التدرُب على السلاح، ومواصلة التدرب على ألعاب الدِفاع عن النفس لتُصبح أكثر شراسة وتقوي بِنيتها لتستفحل قوتها بعدما استطالت أنيابها ..
جلست داخل أرجُوحة دائرية بحديقة قصر “أرقم” ومكان تَدبُر أعماله القذرة أيضًا، وقد قطعت شوطًا جيدًا خلال تلك الأيام المُنصرمة وما ساعدها في ذلك إنطواء “ليث” عنها وتركُه أمرها، وهي سعدت بالأمر ولاذت بغرفتها مُنذ أخر لقاء جمعهم ..
ما يكسر حِدة الأيام مُهاتفتها مع شقيقها ▪︎<مؤمن>▪︎
الذي لم ينقطع عن مُهاتفتُها بميعاد ثابت فيُخرجها من كئابتها بحبه الأخوي الصادق رغم أنها تشعُر أنه بضائقة
فـ صوته يشوبه الحُزن الدفين، لكن كما جَرت العادة ..
‘مؤمن يعني الصمت، فهما وجهان لعُملة واحدة.’
▪︎ جاء “أرقم” مُقبلًا عليها، والذي يمتلك سحنة ترتسم عليها معالم القسوة، والشر، والخشونة، لكن بمجرد أن تَلقَاها عيناه يتحول إلى عاشق ولهان ليّن وكأنه لا يَمتُ بصلة لهذا المُجرم السالف ..
_ “وورود البُستانِ لما ليلى إليها نظرت، تفَتحت مُبتسمةٌ وكأن لها بِأوراقِها مَبسم” ..
[ (◠‿◕) بقلمي دي يا بناويت، أيه رأيكم أنفع شاعرة😂] _ أفضت “ليلى” إليه إنزعاجها، وعلقت: قولتلك بلاش كدا..
_ ابتسم “أرقم” وهو يُبعد عيناه عنها كي لا يُفتتن بها أكثر، وقال: هممم ولو مابطلتش..!
_ بتضطر تبعدني يا أرقم باشا..
_ أغمض عيناه رافعًا رأسه لأعلى، وردد: رُب على أرقم .. ليه العِناد يا لؤلؤتي..
أتغزل فيكِ بالعامية ما عاجب ..
والفُصحى ما عاجب ..
ولُغات ما عاجب …
“قد عجز عقلي عنكِ ليلاي، أمّا قلبي فيتوق لطريقِ القلبِ ولُقياه”
[دي بردوه😂، بس مش ظابطه أووي لأن كلمات الشِطر الثاني أكثر من الشِطر الأول .. ما علينا نرجع للرواية أحسن]..
_ تجاهلت حديثه، وتسائلت تدور حول الورود: أيه رأيك في شغلي، وأيه إللي هعمله في الخطوة الجاية ..؟
_ علم أنها مازالت على موقفها المُتعنت تجاهه، فجاراها في حديثها قائلًا: كالعادة فريدة من نوعك ومختلفة، قدرتي توقعي البنات بطريقة جديدة واخترتيهم على الفرازة
ممتاز لؤلؤتي..
_ أطبقت ذراعيها على صدرها، وقالت مُتعمدة بصوت عذب: طب والشرط؟!
_ رفع أكتافه بلا إكتراث، وتابع وهو يُسيطر على قلبه العاصي بهدراته: بالرغم من إن مش عارف أيه غرضك من الشرط ده بس ديل .. كدا كدا مش فارقة وأنا مقدرش أقول لأي طلب من ليلى لا ..
_ ليلى بهدوء: وأنا هكون قد الثقة .. قولي أيه الخطوة إللي بعد كدا ..
_ استدار للخلف يعبث ببعض الورود ويقطف من بينها وردة وأفصح عما كانت تسعى إليه الأخيرة: هتتنقلي لمرحلة المُحترفين وهيكون معاكِ المسئولة عن البنات وهي “دُنيــــــــــــــــا”… شوفي تحبي تتواصلي معاها إزاي لأن دُنيا مش معانا هنا .. هي في الفرع التاني ..
_ قبس من نور أضاء بعينيها وهي تشعر بأنها قاب قوسين من غرضها الذي جاءت من أجله، انبعثت منها نظرات مُبهمة وأفرج ثُغرها عن إبتسامة قلما يراها وهي معه، قالت وهي تحمل حقيبتها لأجل الرحيل: تمام هظبط أموري، أنا همشي بقى علشان ……..
_ قاطعها بعدما أَعيّا الشوق قلبه: ليـلــــى..
_ نظرت له بتسائل، ليتسائل بنفسه ألا تشعر بالفساد الذي تعيثه بقلبه وثباته من مجرد نظرة وتجعله يتخبط بين جُدران العِشق والشوق كالمخمور، أخيرًا قال بصوت هتونًا رقيقًا وهو يضع الوردة بين أصابعها:
٠«إتــجـــوزيــنـي يا لــؤلـــؤتـــي»٠
(。♡‿♡。)
*****************************************
= بوسط الدَيْجُور (معناها: الظلام)، والبرد القارص، وسجى الليل يقطعه نقيق الضفادع المُستمر..
تحركت أهدابها زائلة أستارها عن مروجها المُرهقة..
جاءت لتتحرك فعجزت، راحت تُطالع ما حولها بأعيُن مُجهدة ألَمها الظلام، فلم تجد سوى الظلام الدامس يتخلله خيطٌ من ضوء تخلل من فرجة الباب رغمًا عنه..
حاولت الإعتدال مرة أخرى فلم تستطيع لتستشعر وِثاق حول مِعصمها وبالمِثل مع قدميها..
لكن ما أيقظ رُعبها وزعرها شعورها بشيء يتحرك من حولها بكثرة وهسهسات تتعالى بقُرب أذنها ..
وقد كان ما توقعته … يحفها فوج من الجرذان …
_ رَفت عيناها بدمعة خوف، وعَصف الرُعب بكيانها، وانفرطت إرتعاشة جسدها، لتهمس بصوتٍ ضعيف بالكاد خرج من ثنايا حناجرها: لا .. لا .. إنتَ فين؟ .. أنــا خــايفة!!.
