رواية الصمت الباكي الفصل الخامس والاربعون
“ضوء باكي”
= ‘الوقت ينجرف من بين يديك، عليكَ اللحاق، سينتهي كل شيء وتبقى وحيدًا، لا وقت لإستيعاب الصدمة عليكَ بالتحمُل وأشدد أذر قلبكَ ثم انهض لستَ بحاجة للمواساة.’
ردد الكلمات في عقله بإصرار لإجباره على العمل وكسر حالة التخشب الذي سقط بداخلها، حتى أنّ من يُحاوطه غارق في الدوامة ذاتها..
جاثيًا على ركبتيه وهي جُثة هامدة على صدره الذي القابع خلفه قلبه الذي يبكي كَـ طفل منبوذ تخلى عنه الجميع..
شدد ذراعيه بقوة حول جسدها ثم استقام وهو يحملها..
تحرُكه كسر حاجز الصمت والصدمة الذي يغشى الأرجاء وجعل “ليث” يهرول إلى السيارة وقاد يُسابق القدر وهي يُلقي باللوم على نفسه لحالة الجمود التي أصابته، فكان من الأحق أن يجعل هو “مؤمن” يفيق لا العكس، لكن كل شيء حدث سريعًا دون توقع..
_ إن شاء الله هتكون بخير … هتبقى كويسة.
أردف “ليث” لا يعلم أهو يُطمئن نفسه أم “مؤمن”.
= بينما “مؤمن” فكان بحالة صمت وجمود ينظر إلى وجهها فقط ويُمسد على وجنتيها بهدوء وكأنه بعالم أخر.
أوقف “ليث” السيارة أمام المشفى بوقتٍ قياسي، ترجل “مؤمن” وهو يحملها ويهرول بها إلى داخل المشفى ودماءها قد وشمت على ملابسه وجسده.
صادفهم “مُصعب” في باحة المشفى، تسمر بأرضه حينما قابلته هيئة “مؤمن” المرزية وهو حامل فتاة مُضرجة بالدماء بين ذراعيه..
وعلى الفور تم نقل ” أسوة” إلى غرفة العمليات فالأمر لا يتحمل الحديث والإستفسار، فما حَاقَ بِـ مؤمن مقروء على صفحة وجهه.
تهالك على أحد المقاعد بصمت وملامح جامدة غامضة كالصريم، أعيُنه تدور في الوسط بحثًا عن شيئًا ما لا يعلم ماهيته، ثمة تغير حدث يُريد ترجمته لكن لسانه يعجز عن ذلك إلا أنّ لسان حاله ودقات القلب الثائرة تُعلن عنه بشدة.
_جاوره “ُمُصعب” جالسًا وظل يتأمله بصمتٍ مُطبق وراوده الشك عن أمرٍ، فاحت به نفسه وتسائل بترقب دون إعوجاج:- ملاك …. دي ملاك صح يا مؤمن؟
كأن لوجهه إشارات وامارات أجابت عن تسائل “مُصعب” الذي أغمض عيناه بحزن..
_ شعر بأن الأرض قد ضاقت عليه بما رحُبت وتعسّر عليه التنفس، خرج صوته الذي كان رجاء أكثر من تسائل والقلق قابعًا بعينيه:-
هي عايشه صح؟ هي كويسه؟
لسان كان سلمًا يُترجم عن قلب كان حربًا، فقد كان “مؤمن على النقيض تمامًا .. هاديء، صامت لكن جميع آلامه وما يعبق داخل قلبه يفيض به وجهه ويحتاج إلى قلبٍ مُحب صادق لقراءته وَوُجِدَ هذا بمُصعب الذي فهم كل إجاباته.
_ أردف “مُصعب” بصوتٍ مليء بالطُمأنينة:-
عايشة وكويسة جدًا كمان يا مؤمن، مفيش أي حاجة هتحصل.
_ بعد قليل انضم “ليث” إليهم، وقال بقلق:-
أنا تممت كل الإجراءات، مفيش أي خبر ولا أي حد طمنكم.
_ ربت “مُصعب” على كتفه، وقال:-
اطمن يا ليث متقلقش إن شاء الله هتكون بخير، هي بس هتحتاج دم والحمد لله متوفر في المستشفى، وشوية وهيخرج حد يطمنكم، وهي معاها جوا دكتورة ممتازة مع العلم إن الموضوع هيطلع بسيط مش مستاهل وهتقولوا أنا قولت..
= بينما هو كان الحاضر الغائب بينهم، لا يسمع، لا يرى، هُناك بعيدًا شيء أخر يشغله، أطياف مُرسله من الماضي إليه سحبت يده لتُجيب روحه ودون شعور أجاب جسده فاستقام يدور بالأرجاء بينما روحه فشاردة مع أطياف رقيقة استحوذت عليه وتغوم عيناه وكأنه ينظر لها من بعيد من موقعه هذا ….”
_ مؤمن تعالى بسرعة … إجري
_ أتى مُهرولًا يتسائل بجدية طفل بالعاشرة:-
أيوا يا طنط أميرة.
_ مِدّ إيدك كدا بسرعة .. أخيرًا الكسولة إللي جوا اتحركت.
ثم وضعت يده الصغيرة أعلى معدتها المُنتفخة..
_وتسائلت بإبتسامة:-
حسيت بيها؟
_ تهلل وجهه وهو يشعر بالركل وحركة كالثعبان أسفل يده، وقال بسعادة:-
أيوا أيوا اتحركت، ملاك بتتحرك .. يعني خلاص هي قربت تخرج.
_ أيوا يا باشا وأخيرًا ملاك اتحركت … وحياتك عندي يا مؤمن باشا لأجوزهالك بس توعدني إنك هتحبها طول العمر وتحميها من أي أذى … اتفاقنا يا بطلي..
_ حرك رأسه بشدة وهو مازال يُحرك يده يتتبع تحركها، وقال بجدية لا تليق بسنوات عمره:-
أنا أصلًا بحبها من دلوقتي، وهفضل أحميها طول عمري وهتبقى ليا لواحدي.
_ قالت “أميرة” برضا:-
أيوا كدا خليك حنين عليها وخليها تحبك .. أنا واثقة إن قلبها مش هيقع ألا في حبك انتَ يا باشا..
_ جاء صوت “جميلة” من خلفهم مازحة:-
ابني وحماته لسه بيتكلموا مع العروسة إللي مشرفتش.
_ قالت “أميرة” ضاحكة:-
تعالي يا حمات بنتي … أيه مش بوصي جوز بنتي عليها.
وضجت الضحكات المرحة تشق مساكنهم العامرة بالسعادة آنذاك …
_ تلاشت الأطياف من حوله عقب خروج طبيبة بصحبة طاقم طبي من تلك الغُرفة القابضة للأرواح، وقفت أمامهم سُرعان ما شقت إبتسامة مُطمئنة ثغرها، وقالت تُحدث “مُصعب”:-
أيه القلق دا كله يا دكتور مُصعب صدقني مش مستاهلة، الشُجاعة القوية اللي جوا في أحسن الأحوال؛ الرصاصة مخترقتش جزء عضوي واستقرت في العضلات ودا يرجع لبنيتها القوية، تقريبًا كانت بتمارس رياضة لفترة معينة ورعاية المولى عز وجلّ كانت حمياها..
_ تنفس “مُصعب” الصُعداء، وأردف مُتسائلًا:-
بجد يا دكتورة نهال، يعني مفيش أي مُشكلة؟
_ أجابت بهدوء:-
ولا أي شيء يا دكتور مُصعب خرجنا الرصاصة وخيطنا الجرح والعضلات إللي اتمزقت، وإن شاء الله هتفوق وننقلها لغُرفة عادية ومع العلاج وفترة نقاهة هتبقى زي الفُل.
_ قال مُصعب بإمتنان:-
شكرًا جدًا يا دكتورة نهال ربنا يطمنك.
_ تسائلت الطبيبة:-
حضرتك تقربها يا دكتور مُصعب، ولا مفيش ليها أي أقارب؟
توتر “مُصعب” ونظر إلى “مؤمن” الذي مازال جامدًا بأرضه وقد انجلت بعض الراحة على تقاسيمه لكن مازال يقف كالتائه.
_ وقال “مؤمن” بصوتٍ مُتحشرج:-
أنا موجود.
_ نظرت الطبيبة بتعجب ليوضح “مُصعب” قائلًا سريعًا:-
مؤمن الصياد صاحبي .. وهي تبقى …
_ صمت قليلًا لا يعلم بماذا يُكمل حديثه إلا أنّ “مؤمن” أكمل بنبرة حازمة قوية:-
مــراتـــــــي.
_ أماءت الطبيبة برأسها وقالت بإبتسامة روتينة:-
تمام، حضرتك تقدر تشوفها لما تتنقل لغُرفة عادية لأنها هتحتاجك جمبها، وألف سلامة عليها.
_ ورحلت ليلتفت “مُصعب” لمؤمن سريعًا بأعيُن مُتسعة، وتسائل:-
مراتك؟!!….. أنا مش فاهم حاجة يا مؤمن .. أيه إللي بيحصل ده، وأنتَ لقيت ملاك إمتى؟.
_ أغمض عيناه وقال بنفاذ صبر:-
مش وقته يا مُصعب هفهمك بعدين .. بس قبل كدا متقولش ملاك تاني ولا تنطق به…
**********************************************
= الضجة الصاخبة، والأزقة النائية الضيقة، وإختلاط أصواتٍ شتى والذي يحتوي ضمنها أصوات السباب وصراخ الأطفال وغيرها ..
لكن الضجة الكبرى كانت بين جُدران هذا المطعم الشعبي المُتهالك الضيق والمكتظ بالعديد من الأشخاص..
مسحة من البؤس إرتسمت على وجهها وهي تحكم على ملابسها المُجعدة وحجابها الطويل تُخبأ نفسها من جميع الأعيُن المُتلصصة القبيحة وبوجهٍ أخص هذا السمين المتصابي الذي يترصدها بأعينه من جميع الزوايا..
_قام من مقعده وإتجه نحوها بإبتسامة مُقززة حتى توقف بجانبها، وأردف مُتنحنحًا:-
صباحك فُله يا ست البنات، أخبار الشغل معاكِ أيه، ناقصك حاجة.؟
_ تأفأفت “سارة” وقالت وهي تبتعد:-
شكرًا يا معلم توكل أنا كويسة.
_ لمعت عيناه، وقال:-
ماشي يا ست البنات، الست الوالده في البيت؟
_ تعجبت “سارة” من سؤاله لكن أجابت:-
أيوا في البيت، خير يا معلم في حاجة؟!
_ قال بإبتسامة سمجة:-
لا أبدًا يا عروسة عايزها في موضوع كدا، يلا بخاطرك.
▪︎تعجبت من حديثه كثيرًا فماذا بينه وبين والدتها، شيئًا ما هزّ أمان قلبها بعنف، والقلق جثم على عقلها ولسان حالها يسأل ماذا قد يكون بينهما؟!
تخشى أنّ تكون والدتها تُخطط لشيئًا أخر..
لم تطيق الصبر والإنتظار، وبعد مُدة وجيزة قادها فضولها وخرجت قاصدة المنزل الذي يمكثون به والمُتواجد خلف هذا المطعم الذي تعمل به.
صعدت الدرج القديم وهي مُتيقنة أنّ هُناك جوانب خفية لحديث هذا المُتصابي فجاءت في إثره لتعلم الأمر..
وقفت أمام باب المنزل الخشبي الكليل وأرهفت بسمعها ما يدور بينهما من حديث كان بمثابة شواظٌ من نار سقط فوق رأسها، وامتطتها الصدمة وجعلتها هائمة على وجهها..
ثقُلت أنفاسها وأخذ صدرها يعلو ويهبط بجنون….
_ أنا صبري نفذ وكل يوم تقوليلي اديني فرصة هقولها ولا أنتِ قولتي ولا نيلتي، سيبيني أنا أتصرف طالما مش عارفة تقوليلها..
_ قالت والدة “سارة” مُسرعة:-
لا يا معلم .. أنا كُنت مستنيا أعرف البت لسه متجوزه ولا أيه أحوالها، ما أنا قيلالك إنّ سيباها متجوزه ومكونتش أعرف هي لسه على ذمة جوزها ولا طلقها..
_ قال “توكل” بغضب وصوتٍ مُرتفع:-
الكلام ده مليش فيه تتصرفي، ومطلعيش أخلاقي ومتنسيش الفلوس إللي عليكِ، عشر أيام سمعاني عشر أيام وسارة هتكون مراتي وعلى ذمتي وإلا متلوميش ألا نفسك ..
وتحرك صوب الباب لتختبأ “سارة” خلف أحد الجُدران حتى رحل .. وركضت هي صوب والدتها وهي تصرخ بإنهيار:-
إللي سمعته دا صح .. إنتِ بتتفقي تجوزيني لراجل عنده ستين سنة وكمان وأنا على ذمة راجل تاني، أنتِ عايزة مني أيه وبتعملي فيا كدا ليه..
_ أردفت والدتها بلامبالاة:-
بدل ما إنتِ قاعدة زي البيت المايل كدا، وهو إحنا خدنا منه أيه سي جوزك ده ما سيبك مرميه أهو ومسألش فيكِ يا حسرة..
_ رددت “سارة” بصدمة:-
دا جوزي .. إنتِ بتتكلمي إزاي، عايزة تطلقيني منه علشان تجوزيني لواحد تاني
_ أجابتها والدتها بنفي وهي تجذبها من ذراعها بعنف:-
لا ما هو مش بمزاجك إنتِ هتعملي إللي أنا عايزاه، وااه صحيح مش هتطلقي، إنتِ هترفعي عليه قضية خُلع….
“وأركَ حيث أدرتُ عيني ماثلًا
طيفًا يراود صحوتي ومنامي
فتجود من فرط الحنين مدامعي
ويضيقُ في وصف الشعور كلامي.”
فلا شيء يُثبت أنّي أُحبكَ غير الكتابة..
= سقيمٌ بداء الحُب سيستطب فقط بإسمٍ بدايته ‘سينٌ’ ونهايته ‘تاءٌ’ يتوسطُهما ‘ألفٌ وراء’.
مضى الليل وانسلخ منه نهاره الذي بات ينتظر حلوله بأنفاسٍ ثقيلة وصبرٌ مُدحض..
أوقف السيارة وهبط منها بعُجالة وقلبه يخفق بعشواية ويُثابر لأجل تجاهل السجال العنيف الذي يمور بداخله..
وسّع خطواته راكضًا وأقدامه تلتهم الأميال التي تفصله عن محطة القِطار النائية تلك..
وقف بعرض ساحة الإنتظار القديمة يلتفت بمُحيطها سُرعان ما هرول نحو صديقه “مراد” والذي كلفه بالبحث عنها لعمله كـ ضابط بالشرطة وعلاقته الودودة بِـ “ليث” أيضًا، فكان هو من استطاع أنّ يضع ثقته به.
_ تسائل بلهفة تكوي قلبه وتدثر بها صوته:-
لقيت أيه يا مراد، قدرت تعرف حاجة، عرفت هي فين؟
_ ربت “مراد” على كتفه برفق، وقال بعقلانية رزينة:-
اهدى يا صالح الأمور مش بتتاخد كدا، أنا اديتهم خبر بتفريغ الكاميرات والناس هنا رحبت ومش عندهم أي مانع، بس يارب تُظبط لأن الكاميرات إللي هنا بعافية شوية.
– سحبه “صالح” من ذراعه لا يُطيق الإنتظار، وقد توسم خيرًا بتلك المحاولة ولعلها تنشِل روحه من موردة الهلاك، أردف “صالح” بشيءٍ من الأمل والصبر معًا:-
طب يلا بينا يا مراد إنّ شاء الله خير.
ودخلا الغرفة حيث بعض أجهزة الحاسوب، وبدأ المسؤول يعبث به ويعرض بعض المقاطع عليهم بعدما أملاه “صالح” التاريخ الذي ذهبت به مُعذبة فؤاده، وكيف ينسى مثل هذا اليوم الذي ارتج قلبه به ولم يستكين بعد.!
_ استنى هنا .. هي أهيّ.
أوقف الرجل شريط المقطع عند المشهد الذي جأر به “صالح” يدعوه للتوقف..
اقترب من الجهاز بشدة وأعينه تجوب الشاشة يراها تجلس وسط السكون والظلام وحيدة برفقة دموعها التي تنسكب على وجنتيها بسخاء؛ أصاب قلبه وخزة ألم وابتلع لُعابه بصعوبة، وقد اشّتد يقينه فَـ نظرته كانت صحيحة..
“سارة” لم تهرب منه كما ادعت برسالتها التي تركتها له، لم ترحل بمحض إرادتها، وهناك من أرغمها على ذلك..
جميع ما كتبته كان كذب وشمته على الورق لتُوهمه لا أكثر.
_ القطر إللي ركبته دا قطر أيه، وأخره فين؟ وأنا مقدرش أعرف هي نزلت فين؟
_ قال الرجل بعملية:-
القطر ده طلع إسكندرية عالطول يا باشا..
وفي محطات كتير بيوقف فيها، بس صعب ومن المستحيل كمان تعرف هي نزلت أنهي محطة لأن القطر زي ما حضرتك عارف قطر عام والحجز فيه مش بالأسم ولا حاجة دا بقطع تذكرة عادية..
_ زفر بضيق وطرق على المكتب بعنف صارخًا بغضب مُغلف بقلة الحيلة:-
طب أعمل أيه، وأيه الحل؟
جذبه “مراد” خارجًا، ليظل “صالح” يذرع الأرض ذهابًا وإيابًا يدور في فلكٍ مغلق وينفث من صدره شحنات الغضب والحزن..
_ أوقفه “مراد” بقوله:-
قولتلك يا صالح العصبية مش هتقدم ولا هتأخر، اهدى علشان نعرف نفكر، وبعدين إحنا اتقدمنا خطوة أهو .. على الأقل عرفنا هي في أنهي جهة، وإحنا هنقلب إسكندرية بلد بلد وشارع شارع .. بس لو فضلت على حالتك دي تبقى كدا إنتَ بتعطلنا..
_ شوف يا مراد أنا لازم الاقيها .. ومش قدامي ألا طريقة واحدة علشان أصغر الدايرة..
أعرف المحطات إللي القطر بيقف فيها وهنزل كل محطة أراجع الكاميرات علشان أعرف المحطة إللي نزلتها.
صمت بُرهة يُفكر في شيءٍ ما، وقال داخله بعزم:-
بس كدا لازم أرجع الفيلا الأول لأن إجابة السؤال ده موجود فيها، والسبب إللي علشانه سارة سابت البيت هعرفه من هناك .. أنا واثق من كدا ..
_ انتشله من شروده “مراد” الذي أردف:-
هعمل اللازم يا صالح بس ادعي كل المحطات يكون فيها كاميرات ونلاقي سجلات لليوم ده..
_ همس “صالح” بصوتٍ أجش:-
هلاقيها وهعرف هي عملت كدا ليه وعلشان أيه سابتني، وجه الوقت أدور في الخبايا إللي كنت متجاهلها الوقت إللي فات دا كله ….
-********************-
قبع على الأريكة المتواجدة بجانب فراشها، وأخذ يُراقبها بهدوء بدئًا من وجهها المُتناثر عليه كدمات لا بأس بها لاسيما تلك الكدمة العاتية المزروعة على فكها بقسوة وملونة بألوان الألم ما بين أزرق داكن وأحمر قاني..
جفونٌ مغلقة، وجسدٌ ساكن مُطرح على الفِراش الأبيض.
ظلّ يُحدق بها ينتظر استيقاظها على حالهُ هذا منذ عدة ساعات بعدما تم نقلها إلى الغرفة وأخبرته الطبيبة أنّها ستستيقظ على الفور لكن ها قد مضت أكثر من ثلاث ساعات وهو جالس دون كلل والأخرى نازحة لغفلتها على مِهَادها لا تُريد الإفاقة مما أثار قلقه ولم يستطع الإنتظار أكثر من هذا.
يكفي الركون للهدوء إلى هذا الحد، وليُطلق العنان لتفجعه الوالع، استقام يجلب تلك الطبيبة إلى هنا، وفور تحركه للخروج تفاجىء بدخول أحد المُمرضات التي تعجبت من الحالة التي أحاطت به..
_ أردف “مؤمن” بوجوم يسألها:-
مش قولتوا هتفوق عالطول، هي بقالها ٣ ساعات ومفقتش في حاجة ولا أيه يا أستاذة إنتوا مش بتتكلموا دغري ليه.
_ اقتربت المُمرضة من جسد “أسوة” الساكن تتفحص المحاليل المُعلقة، وتنظر لوجهها الوديع وأرهفت بأسماعها صوت أنفاسها المنتظمة، لتقول بهدوء وهي ترسم إبتسامة بسيطة:-
مفيش أيّ مشكلة يا باشا، المدام بأفضل حال وهي مفأقتش لأنها ..
صمتت وهي تبتسم بشدة على ملامح وجهه الذاعرة سرعان ما فزعت حينما صرخ بنفاذ صبر هالع:-
مالها .. فيها أيه .. انطقي عالطول..أيه إللي بيضحك كدا.
_ نــــــــــايمة .. المدام مُرهقة فغرقانه في النوم يا باشا.
_ مسح على وجهه بإرهاق وقلبه يهدأ مما اختلجه من مشاعر مزعجة مؤلمة بحق، غمغم بصرامة وهو يقول لتلك التي تكبح إبتسامتها من الخروج:-
تمام .. تقدري تخرجي.
خرجت المُمرضة بخطوات رتيبة، وتمتمت ضاحكة:-
قليل ذوق بس شكله بيحبها وبيخاف عليها أووي.
تنهد “مؤمن” براحة ويدرأ عنه الإرهاق وهو يفرق جبينه مُحاولًا تخفيف ألم رأسه الفتاك، أدار رأسه نحوها وأقترب من فراشها ثم جلس بجانبها على المقعد هذه المرة وأعينه تنزلق ببطأ على تقاسيم وجهها، بَرْق سنا لمعان خصلاتها البندقية على وجهه، لترتفع أصابعه متوجهةً صوب ذوائب شعرها ومفارقه يود لو يُقبله ويتغلغل عبقه داخل ثنايا صدره فلا يرحل عنه ويظل هكذا عالقًا إلى الأبد…
هبطت أصابعه بخفة تتلمس كدماتها كرفرفة فراشة، تبدلت نظراته فأصبحت أكثر قسوة وتشنج فكه وهو يُقسم داخله بإذاقة هؤلاء الأقذار شتى أصناف العذاب..
تململت “أسوة” في نومها ليفيق “مؤمن” سريعًا ويستعيد وعيه المفقود ويعتدل بجلسته يُناظرها وهي تستفيق..
أنَّات خافتة صدرت من بين شفتيها وتصاعدت همهمات غير مفهومه من بينهما، وظلت تُحاول عدة مرات حتى فرقت جفنيها وانبعث من بينهما مروجها الضاوية.
جاءت لتبتلع ريقها فلم يدعمها حلقها الجاف كصحراء جرداء، حركت رأسها تتأمل المكان من حولها لتُقابلها أول شيء نظراته الثاقبة إياها المُترقبة لها، وتلاقت أعينهما سويًا في رحلة طويلة مستقرها ومهبطها القلوب لتتشابك رغمًا عنهما وعن أبشع وقائعهما..
لقاء طال إنتظاره، ولمعة جديدة تأخر إشراقها على مُحيط أعين كانت وطنًا بساكنٍ واحد ‘الألم’..
لكنها ورغم إقْعنساسها أشرقت بقوة وشموخ دون إختباء، وفاحت رائحة بالأفق مصدرها القلب المُتيم منذ الأزل كانت غير مألوفة للأُنوف ..
لتُعلن القلوب تمردها على العقول بعِصيّ مُتجبر وحبّذا لو كان مُصاحب لبعض العناد والتعنت لأُنثى تريد تهذيب رجُلها..
وفدت الأحداث الأخيرة لعقلها بسرعة الخيول شيئًا فشيء حتى أفاقت تمامًا وبدأت تشعر بالألم ينتشر بأجزاء جسدها ونغزات شائكة بأعلى خصرها..
_ راحت تُطالعه بعينيها النجلاوين، وقالت بصوت ضعيف مُتحشرج:-
مااايه … عطشــــانة.
نظر لها بُرهة بإستفهام مُتعجب كأن على عقله ظِللُ من الغمام، لتظل هي تنظر إليه بحاجبان معقودان بدهشة وفجأة استقام كمن لدغه عقرب، ومد يده يملىء كوب ماء من إبريقٍ زجاجي مستقر على وحدة الأدراج..
اقترب منها وانحنى نحوها وهي تتطلع إليه بحِيرة من بين سُباتها الواعي؛ ثم وبرفق لم تعهده لعدم إحتكاكها به وتجنبهم بعضهم البعض وضع يده خلف ظهرها يساعدها على الجلوس نصف جلسة ويقوم بضبط الوسادة من خلفها وجعل منها مُتكأةً على صدره، قرّب الكوب من شفتيها لترتشف الماء وهي في حالة من الوخمة والغفلة لا تُحسد عليها ..
تجرعت الماء بلهفة تروي جدب حنجرتها وتُبلل شفتيها المُتصدعة..
رفعت رأسها تنظر إليه بعدما فرغ الكوب، وهمست بتلقائية:-
كمــان.
طيف إبتسامة مرّ على ثغره وقام بملىء كوب أخر وظل يسقيها حتى ارتوت.
_ تسائل بهدوء:-
كمان؟
_ غمغمت برقة:-
لا .. الحمد لله شبعت.
_ جاء يُرقدها على الفِراش فأمسكت ذراعه، وقالت بتذمر وعصبية شديدة:-
مش عايزه أنام سيبني قاعدة، أنا مش طايقة أرقد زهقت .. ومش عايزه أقعد هنا، إنتَ السبب في إللي أنا فيه، أتصرف ومشيني من هنا.
_ رمقها بصدمة ممزوجة بالدهشة لعصبيتها المُفاجأه، وما جعله يفغُر فاهه بصدمة أكبر حينما جاءت لتعتدل بإفراط فصرخت بصوتٍ مُرتفع:-
آآآآآآه .. كله منك إنتَ السبب، أنا أبدًا مش فاضيه للتعب والشغل ده، محتاجة مِراية وفُرشة ضروري اتصرفلي..
_ تطلع إليها بريبة، لا يعلم ما الذي حدث لها، أأصابت الرصاصة عقلها أم ماذا؟!، هتف بتعجب قائلًا:-
مراية وفرشة!! إنتِ كويسة ولا أنادي الدكتور.
_ قالت بغضب وهي تتوعده بالكثير والكثير:-
لا مش عايزه منك حاجة، إنتَ أخر واحد أحتاج ليه.
_ ضبط أعصابه لأجلها، فبحياته ما رأي هذا، فمن يستيقظ من موقف كهذا يعاني التعب أو يشعر بالزعر، لكن تلك أفاقت لتتصارع وتتشابك بالعراك، ثم قال يستفزها:-
طب ما إنتِ لسه طالبة مراية وفرشة من أخر واحد ممكن تحتاجيله.
_ كظمت غيظها، وقالت من بين أسنانها:-
مش شغلانة، اطلبهم من أيّ ممرضة ولا استنى لما يجوا وأنا هطلبهم منها ..
_ تسائل بنبرة جادة مُباشرةً وهو يتحرك نحو الشرفة يُزيل الستائر كي تزور الشمس الغرفة:-
وقفتي قدامي ليه، وأخدتي الرصاصة بدالي ليه؟ عايز سبب.
_ كانت تعلم أنّ هذا السؤال سيأتي لا محالة، وهي لديها جوابها الصادق، تأملت هيئته المُشعثة المُغبرة وملابسه المليئة بدمائها، وقالت بنبرة تحوي قناطير مُقنطرة من الغضب والقسوة، لفظت كلمات كانت أشبه بسِهام قاتلة لقلبٍ اكتفى من العذاب والألم ولم يكتفيا منه:-
علشان مش عايزاك تموت كدا بالساهل، أنا لسه عايزة أنتقم منك وأعذبك وأشوفك قدامي بتتعذب وبتدوق العذاب ألوان،
عايزه أشوفك بتموت في اليوم مية مرة،
عايزه أردلك الصاع صاعين لأنك إنسان وحشي،
لا لا إنسان أيه .. دا الحيوان في قلبه رحمة عنك،
أنا كنت واثقة إنّ الرصاصة لما أقف قدامها من زاوية مختلفة مش هتضرني لكن أنتَ لو كانت صابتك كانت أخترقت القلب مباشر وأنا لسه مش عايزه ده ..
_ كان منذ بداية حديثها مُديرًا ظهره لها ينظر للسماء من خلال النافذة يتأمل السحاب الرحب بصمتٍ وملامحه سُطرت عليها البرود وكأنه لا يُبالي بينما عروق رقبته نافرة ويقبض يداه حتى أبيضت مفاصله، قال ببرود وإستخفاف:-
هعمل نفسي مسمعتش حاجة علشان حالتك الصحية مش سامحة بإللي بفكر فيه.
_ اشتد غضبها وتابعت حديثها بغضب أكبر وعقلها يشتعل كالمرجل وهي تُعيد الكلمات التي تفوه بها وهي مُقيدة:-
هتعمل أيه يعني، أوعى تفكر إنّ بخاف منك .. خلاص إنتهى تهديداتك معدتش تاكل معايا بِلهم واشرب مايتهم..
مش بخاف لا منك ولا من تهديداتك .. آآه ما أنتَ جبرتني على كل حاجة بالتهديدات دي استقويت عليا يعني ..
_ أخذت أنفاسها والتقطت خيط الكلمات مرة أخرى التي بمثابة سوطًا أحرقت روحًا أوشكت على النمو مرةً أخرى
بعد رجمها بنوائب الدهر:-
فكرت لوهلة إنك إنسان كويس بس هنتظر أيه من واحد رد سجون ومش بس كدا وأحداث كمان .. يعني من صغره شيطان، أكيد قتلت حد وإنتَ يدوب طفل .. يعني طفل وقاتل في جملة واحدة حاجة العقل ميستوعبهاش..
وليه متكونش قاتل أبوك ولا أمك ولا حتى أخوك..
حتى الواحد كان بيتعجب قصر طول بعرض عمري ما شوفت لا أبوك ولا أمك ولا حتى سمعت عنهم طب أخوات أو أي قرايب .. مفيش..
الكل سابك لواحدك وهربوا منك ومن جبروتك وبصراحة من حقهم .. إنتَ تستاهل تبقى لواحدك..
وتعرف إنتَ هتعيش وحيد وهتموت لواحدك..
وأنا أتمنى من كل قلبي إنك تشوف العذاب أصناف..
= عقله ظل يُسجل الكلمات بمهارة ويُعيدها بدقة على أذهانه صدى الكلمات يتردد بداخله دون رحمة، وغيمات من الماضي تحط عليه ومازال هو من الخارج ثابتًا بينما داخله حتى الذرات تكسرت وتهشمت ولم تبقى لها نافعة..
طفقت بعض حبات العرق على جبينه، وأبتلع ريقه لترتفع تفاحة آدم وتهبط ببطء وكأن حتى لُعابه قد حُجب عنه وجف..
أمسك حافة النافذة بقسوة قوية تسببت ببعض الجروح بباطن كفيه وأنظاره مازالت مُثبتة في الفراغ..
وظلت نظرات “أسوة” نحوه مُحملة بشرارات الغضب وهي تتوقع منه أنّ يثور وينهال عليها ضربًا كالوحش بيّد أنها تلقت ما أعجزها عن التفكير..
_استدار إليها “مؤمن” بهدوء وملامح جامدة، وقال:-
هطلع أجبلك مراية وفرشة وأنادي الدكتورة أقولها إنك فوقتي..
وخرج من الغرفة تاركًا إياها تغرق في بحور الصدمة من ردة فعله الغير متوقعة…
ما هذا ؟!
لا تعلم !!
إنّه صمت ..
صمت يقوده للهلاك ..
إنّه قدره الذي كُتب عليه…
صمتٌ مُبلل بالدموع..
صمتٌ باكي..
*********************
عاد للمنزل بعدما تطمئن على حال “أسوة” ومرّ على عمله يُنهي بعض الأوراق لترحيل المُجرمين إلى النيابة العامة..
تلبسه الإرهاق يشعر وكأن جبلٌ ثقيل يجثم على صدره فيحول بينه وبين الراحة، ألحت عليه نفسه العودة من أجل الراحة لا غير …
أكثر من عشرون يومًا داخل إرهاق جسدي وعصبي لا يُحتمل وداخل روحه كل العذاب..
كانت تستعد للخروج لإنهاء بعض الأعمال لها، والمرور على “أرقم” إستعدادًا للعمل مع “دُنيا” بل كتابة أول سطر بنهايتها، وقفت مُتصنمة وأبى جسدها التحرك فور رؤيته يتسلل للمنزل بهدوء ووجه يتعضن بالإرهاق مليء بالكدمات والرضوض والتعب ينكب عليه كبا..
_شهقت بفزع، وركضت نحوه بلهفة تلقائية قائلة بزعر:-
أيه دا مالك، أيه إللي عمل فيك كدا؟
_ حلقت طيور السعادة على قلبه فرفرف بسرور عقب رؤية اللهفة المُنسكبة من عينيها،
طوق يدها بيده برفق، وهمس بأنفاس لاهثة:-
ليلى وطي صوتك فراولة تسمعنا ولو شافتني كدا هتتعب والدنيا هتقوم مش هتقعد .. ويلا تعالي تعالي قبل تطلع تشوفنا ..
_ عقلت “ليلى” قائلة بحيرة وهو يسحبها خلفه:-
ما أكيد هتشوفك بالمنظر ده .. وبعدين بتسحبني كدا على فين ..
_ وقف أمام غرفته، ثم نظر لها وأردف:-
هنتخفى من فراولة دلوقتي وهي كدا كدا عارفه إنك نزلتي.
_ وزعت أنظارها بين وجهه وباب الغرفة ووفد لعقلها هذا اليوم وكلماته تتطاير بذاكرتها، لتقول بعناد:-
لا مش هدخل خليك بقى في تشلفطاتك دي وهنزل أنا .. الظاهر إنك واكل علقة مووت.
_ على حين غرة وبقوة سحبها من ذراعها وأقفل الباب وسجنها خلفه حتى يتسنى له البقاء بقربها، رفرفت بأهدابها عدة مرات في حين صافرات ووجيب دقات القلب تدوي كالرعد وهي داخل وطنه الحاني بين ذراعيه، ومع ذلك تفاقم اشتياقه لها حتى صار كزبد البحر ويريد الآن الإرتواء وقلبها لا يحنو عليه، القاسية الصلبة المُتجبرة لا ترحم من يخدش جانب لها ويثور على كبريائها، قال بجدية مصطنعة وهو يُكرمش جبينه:-
واكل علقة موت، أنا واكل علقة .. دا مين إللي مستغني عن روحه ده يا ليلى هانم .. لا عاش ولا كان إللي يفكر بس ..
ويلا يلا يا مفتريه عايزه تسبيني وتنزلي من غير ما تشوفيلي أي حلّ للكدمات دي، دا أنا قولت في منزلنا طبيب والكلام ده وجاتلك عالطول استوليتك عن المستشفى..
تقومي تسبيني كدا ..
يلا يا ليلتي شوفي أي حاجة تهدي الكدمات دي لأن الواحد هلكان أوووي ونفسي أترمى على السرير وأروح في سابع نومه .. معلش تعالي على نفسك وعالجيني يا دكتورة..
_ بدأ القلق يستبد بها وقد هبّت في الوسط ريح قوية غير مألوفة إليها فأصابتها قشعريرة تجهلها، وضعت يدها على صدره تبعده عن دائرتها لتتنفس براحة، وأردفت بتلقائية فجة:-
لـيـث بجد قولي أيه إللي حصلك ماله وشك وشكلك مش كويس ..
_ ثلاث أحرف عاثت بقلبه وروحه فسادًا كبيرًا وأصبحت أوردته نافرة توشك على الإنفجار، اقترب منها يجترّ ما أحسّ به ومال إليها وحاصرها خلف الباب مرة أخرى ينظر إلى تلك التي تُحسن التوقيع على شغاف قلبه، فهو لم تُمطر سحابات الحب على شرفات قلبه من قبل، وقال بصوتٍ مُتهدج:-
يا أحسن ليث سمعتها في حياتي، ليث رهن إشارتك يا أجمل وأحسن لياليه، أنا على إستعداد استلم بدل المُهمة عشرة واتشلفت حتى اتعدم العافية بس في الأخر أسمع ليث دي..
_ كلمات جعلت صدرها يعلو ويهبط بجنون، وأنفاسها تخلت عنها وانخلعت عن جسدها، شعرت بأحاسيس مختلفة بين مدٍ وجذر، تُريد الثبات وتحضّ نفسها عليه، لكن ما بال قلبها يتراقص هكذا، وما بال رياح الهوى قوية هكذا تُبعثر أوراقها..
نظفت حلقها وحاولت إخراج صوتها، وهمست بنبرة متحشرجة:-
لــيـــــث.. أنـــا..
_ فاجأها بوضع قُبلة بين عينيها زلزلت كيانها وشعرت بتضعضع الأرض من أسفلها، توسعت عيناها تختبر تلك المشاعر والأشياء لمرتها الأولى، ابتلعت ريقها بتوتر ليقاطع “ليث” إسترسال الأفكار داخلها بقوله بمرح محاولًا كسر حدة توترها وأخذها بعيدًا عن هذا الصراط:-
كفاية ليث هفرفر منك يا ليلو .. ويلا اتصرفيلي في حاجة للكدمات دي يا ست الدكتورة قبل ما فراولة تكمشني ..
ثم ابتعد عنها يتكأ على الفراش بتهالك، بينما “ليلى” أومأت له بصمت مُطبق وأوجست في نفسها خيفة مما تشعر به ويعتريها..
قلبها يُخبرها ألا ضير من التجربة…
وعقلها يُحذرها ويضع كمًا هائلًا من الأحداث القديمة بربوع ذاكرتها..
انتشلت نفسها من حالة الإنصهار التي نزلت بها، واقتربت من “ليث” الذي اتكأ مائلًا على الفراش، وقال وهو يتأملها تعبث في بعض الأشياء وتُحضر ماء بارد بصحبة قطعة من النسيج الأبيض:-
جهزي نفسك يا ليلو على بكرا هنطلع أنا وإنتِ سوا .. متخرجيش بكرا في مكان ولا تنزلي الجامعة..
_ التفتت إليه ودنت منه تكزّ على أسنانها قائلة من بينهما بشر:-
ليلو … وأطلع معاك .. دا إنتَ أخدت عليا يا سيادة الضابط..!
_ انبجست إبتسامة عريضة على ثغرة، وقال بسرعة:-
كدا اطمنت عليكِ .. أيوا كدا يا وحش ..
_ قالت بإستنكار:-
لا تكون مفكرني مراتك..
_ أجاب وهو يرفع حاجباه بتعجب، وارتسم الصدق على معالم وجهه قائلًا ببرائة:-
لا طبعًا يا حياتي .. إنتِ زوجـتــــــي ..!
_ صرخت بفروغ صبر وغيظ:-
لــــــــيـــــــــــــــــــث، امممممممم ….
-********************-
وكانت الشمس في الشتاء كأنها صورة مُعلقة في السحاب، وكان النهار كأنه يُضيء بالقمر لا بالشمس ..
كانت أيامها كذلك ..
وردة رقيقة أتتها الرياح العاتية فكسرت ساقها فأخذت الصبر لها عكازًا لتصدي ضربات الدهر القاسية..
تُعافر وتُجاهد الأيام التي لا تُريد رحمتها فلا تمر سريعًا..
جلست على سجادة الصلاة بعد إنتهاءها تبتهل وتُردد بعض الذِكر في إخبات، وتستشعر بقلبها الرقيق نبوءات الأمل القريبة، وقدرة ربّ العباد تُهدهد قلبها..
قامت بسحب صندوق متوسط ملون بألوان تتباين بين الأبيض والوردي، أزالت الغطاء وأخذت تُخرح ملابس بيضاء وأخرى وردية وغيرها تعود لطفلة حديثة ولادة..
عرفت يدها طريقها تتحسسها وأعينها تعمل على رواء أخاديد حفرها الدمع بوجنتيها..
_ تغلغل إلى الغرفة يحمل بين يديه كوبين من مشروب الشاي بالحليب تسبقه رائحته الشهية، وجدها كالعادة لم تَكل.
جلس بجانبها ووضع الأكواب جانبًا ..
ثم أمسك كفيها بين راحتيه وجعل يُمسدهم بحنان ثم طبع قُبلة حانية عليهم وتبع جبينها بأخرى وأزال دموعها برقة..
_ ملاك يا عاصم، ملاك بنتي .. أخدوها مني، نفسي في بنتي يا عاصم، مش إنتَ وعدتني إنك هترجع بنتنا بس إنتَ كذبت عليا .. والله يا عاصم قلبي بيقولي كدا بيقول إنها قريبة مني أووي..
_ احتواها “عاصم” بين ذراعيه، وقال:-
مطلعتش هي يا أميرة، أعمل أيه كان عندي أمل بس التحليل طلع بيأكد عكس كدا، لو لنا نصيب ترجعلنا هترجع يا أميرة، الصبر يا حبيبتي، أنا قلبي محروق زيك يا أميرة ومقصرتش في البحث أبدًا من ساعة ما اختفت وأنا داير مش مبطل.
_ تعرف يا عاصم ملاك تمت دلوقتي تلاتة وعشرين سنة .. عيد ميلادها كان الشهر إللي فات، دلوقتي تلاقيها عروسة زي القمر، كنت هجوزها مؤمن .. كانت هتبقى دلوقتي خطيبته أو مراته كمان، الباشا مؤمن مكانش هيسيبها..
لو يعرف إنّ حبيبته ملاك مش موجودة وأمها مالحقتش تشلها وتشم ريحتها..
هو كمان يا حبيبي منعرفش عنه حاجة، يا ترى هو فين دلوقتي يا عاصم .. وحاله أيه دلوقتي ..
وجميلة يا حبيبتي اختفت بعد موت قاسم الله يرحمه محدش يعرف عنها حاجة ..
وبقى مؤمن دلوقتي يا حبيبي وحيد منين ما هو موجود..
حسبي الله ونعم الوكيل في الظالم ..
_ مسد “عاصم” على ذراعها وشردت أعينه في الكثير من الأيام الغابرة التي غالت بالجميع، همهم قائلًا:-
ربك كبير يا أميرة، ربنا يرد الغايب ويرد بنتنا يارب..
_ رددت بلهفة:-
يااارب يااارب ..
_ طرد هذا الحديث بعيدًا، واستأنف بمرح:-
يلا بطلي نكد يا ست أميرة ويلا اشربي، كوباية شاي بلبن إنما أيه معتبرة من يد محسوبك عاصم بالهنا على قلبك يا أم مصطفى ..
_ تسلم إيد عاصم باشا زوجي العزيز..
_ يلا تعالي نطلع البلكونة شوية نقعد نشربهم فيها..
_ يلا بينا ..
-**********************-
قطع رحلة شرودها وهبط بها على أرض الواقع مرة أخرى دخول الطبيبة بصحبة المُمرضة إلى الغُرفة وعلى وجههم إبتسامة بشوشة، اعتدلت بألم وهي تستجمع ذاتها وتُقصي ما يشغل عقلها جانبًا..
_ قالت الطبيبة وهي تقترب منها:-
الحمد لله على سلامتك يا بطلة.
_ اغتصبت “أسوة” إبتسامة بسيطة وقالت:-
الله يسلمك يا دكتورة..
_ تسائلت بعملية قائلة:-
حاسه بحاجة.. بألم أو أي شيء مضايقك.
_ هتفت “أسوة” بضيق:-
ألم مكان الجرح ودوخة مع صداع ..
_ أجابت الطبيبة:-
دا طبيعي نتيجة البنج متقلقيش، هنضيف للمحلول مسكن، وأنا هطمن على الجرح ونشوفة كدا..
وأشارت الطبيبة للمُمرضة التي أخذت تهتم بالأدوية وبعض الأشياء..
_ لتقول المُمرضة بمرح:-
كدا تمام يا قمرين، ألف سلامة عليكِ .. أنا كدا براءة علشان الوحش إللي كان هنا ميكلنيش..
_ قالت الطبيبة بحبور:-
كان خايف عليها يا علياء، والله الواحد رجعله الأمل إن في راجل بيحب مراته كدا بجد، كان خايف عليها جدًا..
_ ضحكت المُمرضة بشدة وقالت مُعلقة:-
إنتِ مشفتيش منظره لما دخلت اطمن عليها وهو بيقولي إن إنتوا قولتوا هتفوق عالطول وفات ٣ ساعات وهي مفأقتش.. وفضل قاعد قدامها كدا مستنيها تصحى ..
وفي الأخر طلعتي نايمة يا واعية إنتِ ولا على بالك الراجل إللي مستنيكِ على أحر من الجمر ..
شكله حنين وبيحبك أووي .. ربنا يسعدكم..
= ظلت “أسوة” تستمع إلى هذه وتلك بدهشة، وصدمة وعدم تصديق .. زوجته !!
هل قال لهم بأنها زوجته!؟
ما تلك الصورة التي رسمها أمامهم..
هل تلك خُدعة جديدة، أم لعبة مختلفة!.
اعتلّت عليها الشكوك، وتوهجت مُقلتيها بالغضب، وزحف عقلها حيث الشرود ..
_ قالت المُمرضة بهدوء بعد فحص جرحها الذي لم تشعر به:-
دلوقتي هسندك تتمشي كدا في الأوضة كذا خطوة علشان تتزني وأكيد زهقتي من الراقدة..
أماءت “أسوة” بصمت، وبدأت تستقيم بمساعدة المُمرضة ومراقبة الطبيبة، ثم شرعت بمساندتها والسير ببطء ذهابًا وإيابًا داخل الغُرفة ..
وأثناء هذا ولج “مؤمن” للغرفة وبيده عُلبة فضية متوسطة وملامح وجهه تحمل الهدوء والصمت كما رحل،
رفعت رأسها فوجدته على أعتاب الغرفة وخلفه شاب بزيّ طبيب لا تعرفه والذي لم يكن سوى “مُصعب” ..
_اقترب “مؤمن” منها بملامح مُقطبة، ثم مدّ يده بتلك العُلبة، وقال بهدوء:-
فورشة ومرايا زي ما طلبتي.
_ أخذتها منه ثم وضعتها على الفراش بصمت، وحدث ما جعل الجميع على قِمم جبال الصدمة . .
على حين غرة رفعت “أسوة” يدها على أخرها وهبطت بصفعة قوية قاسية على وجه “مؤمن” الذي مال لليسار قليلًا وتجمد بأرضه..
ترامت صوت اللطمة كالرعد في الغرفة ليشهق الجميع بصوتِ عالٍ
وعمّ الصمت في الغرفة فلم يُسمع غيره ….
