رواية مدمر بعشقك الفصل الرابع
ما زال جاسر يجلس منتظرًا عودة كنوز، لكن الساعة أصبحت العاشرة مساءً، ولم تعد بعد. عاد مراد بسيارته، ونزل منها بانفعال أفزع جاسر وهو يقول: جاسر انا عرفت فين كنوز؟!
نهض جاسر من على الصخرة التي كان يجلس عليها هو والطفل زياد، وأردف بلهفة:ها بجد عرفت فين كنوز؟ طيب هي فين؟!
هتف زياد بفرحة وهو ينظر إلى مراد مبتسمًا ببراءة: بجد يا عمو لقيت كنوز أختي؟ طيب هي فين؟
نظر مراد إلى زياد بحزن للحظة، وهتف بحنان، وهو يرمق جاسر بنظرات أشعلت الشك والقلق في قلبه:عاوز تروح عند كنوز يا بطل؟
يرد زياد بلهفة، وهو ينظر إلى مراد ببراءة: أيوه يا عمو، ودّيني عند كنوز، أنا اشتقت لها أوي وخايف عليها كمان.
وضع مراد يده على وجه زياد بحنان وأجابه قائلًا: حاضر يا بطل، هنروح كلنا ونجيب كنوز… بس روح إنت واستنى في العربية، وأنا وعمو جاسر هنيجي كمان شوية.
يرد زياد ببراءة، وهو يتجه إلى السيارة كما قال له مراد: حاضر يا عمو.
وبعد أن ذهب زياد إلى السيارة، أردف جاسر بقلق من طريقة مراد في الحديث التي لا تبشر بالخير:_خير يا مراد؟ في إيه وفين كنوز؟
يرد مراد دون مقدمة:_كنوز انخطفت يا جاسر.
صاح جاسر بدهشة، وهو ينظر إلى مراد بذهول:_إنت بتخرف؟ بتقول إيه وكنوز مين اللي انخطفت؟
يرد مراد وهو يحاول إثبات ما قاله:_والله زي ما بقولك كده.
نظر جاسر إلى ملامح وجه مراد التي لا تدل على المزاح أو الادعاء، وأردف متسائلًا:_طيب إنت عرفت إنها انخطفت إزاي؟ ولا مين قالك؟
يرد مراد:_هحكي لك كل اللي حصل. وأنا راجع على البيت قابلت فوزي عم كنوز على الطريق، اللي إنت ضربته.
يقاطعه جاسر بضيق وهو يجزّ على أسنانه:_اخلص يا مراد، مش ناقص أم غبائك! احكي المهم وخلصني في يومك الأسود ده.
نظر إليه مراد وقد ارتبك من نبرة صوته، ثم بدأ يسرد ما حدث قبل قدومه إلى هنا:_طيب اهدي بس… المهم وأنا راجع على البيت قابلت فوزي على الطريق. وقف بعربيته قدام عربيتي ونزل، وأنا كمان نزلت. قعد يقول لي إنه هيقتلك، ولو أنا اتدخلت هيقتلني أنا كمان، وكان مضايق أوي. وطبعًا إنت قلت لي لو فتحت بوقي بكلمة هتقتلني، يعني أنا في جميع الأحوال ميت، فاسكت وسبته يقول اللي هو عاوزه. وفجأة رن تليفونه، وكان واحد من رجّالته، وسمعته بيقول بصوت عالي: انخطفت! انخطفت إزاي؟ طيب مين خطفها؟ وفين أخواتها؟ وأنا حمدت ربنا إن أخوات كنوز كانوا نايمين، وفوزي ما خدش باله إن الأطفال معايا في العربية…
يرد جاسر بحنق وهو يحاول أن يسيطر على أعصابه حتى لا يقتل ذلك الثرثار والغبي مراد:_طيب عرفت هي فين ولا إيه اللي حصل لها؟
يجيب مراد قائلًا:_لا، بس هتعمل إيه دلوقتي؟
يجيبه جاسر، بينما يتقدم باتجاه سيارته:_هلاقيها لو تحت الأرض، وصدقني لو حصل لها حاجة، مش هيكفيني موت مصر كله.
يدمدم مراد بخوف:_يارب استرها.
________
دخل فوزي الي منزل الدعارة هو ملتف برجاله، وملامحه تشتعل غضبًا وهو يصيح قائلًا:_فين الزفت اللي اسمه عصام؟
أتيت مرفت مسرعة على صوت صياح فوزي وقفت تفرك كفيها بخوف ورتباك وهي تقول متعثلمة:_اهدأ بس… يا باشا، إيه الدخلة دي...احنا زعلانك في حاجة ولا اي؟
وقبل أن تكمل ما تريد قوله، صفعها فوزي على وجهها بقوة، وأردف قائلًا بغضب:_إنتِ عارفة لو بنت أخويا حصل لها حاجة، مش هيكفيني موتك إنتِ والزفت جوزك.
دب الرعب في قلب مرفت أن أستمعت الي ما قاله فوزي وعرفت أن تلك الفتاة الجميلة الذي أحضرها زوجها هي المقصودة ومع ذلك حاولت أنكار ما شعرت به. وهتفت قائلة: اهدأ بس يا باشا، هو إيه اللي هيجيب بنت أخوك على مكان زي ده بس؟
يخرج فوزي هاتفه من جيب سرواله، ويبحث عن صورة كنوز، وعندما وجد صورتها على الهاتف، أشار اليها قائلًا:_شوفتي البنت دي؟ هنا ولا لأ؟
تحجرت مرفت في مكانها عند رؤية صورة كنوز، وانشلّ لسانها عن النطق حين رأت الصورة في يد فوزي. لم تصدق أن ما شعرت به منذ قليل هو الحقيقة… وتلك الفتاة التي باعتها منذ قليل هي نفسها ابنة أخ ذلك الوحش الذي سيقتلها دون شك.
صاح فوزي في وجهها بغضب جامح. حتى كاد قلب مرفت يسقط بين قدميها من شدة خوفها منه:_انطقي يا روح أمك، تعرفي البنت دي ولا لأ؟
لم تستطع مرفت أن تتفوه بشيء، فقط كانت تحدق بعينيها تجاه أحد الغرفة حيث توجد كنوز بداخلها مع ذلك عصام.
لاحظ فوزي نظراتها، وشعر أن بتلك الغرفة ما يبحث عنه.
فتقدم نحوها بخطوات أشبه بخطوات الموت، وفتح باب الغرفة — وهي نفس الغرفة التي كانت توجد فيها كنوز.
وقف فوزي ينظر إلى أنحاء الغرفة، وتفاجأ بأنها فارغة لا يوجد بها أحد. أخذ يجول بعينيه في الأركان، وفجأة وقعت عيناه على الفراش الملطخ بالدماء.
إتسعت عينيه بدهشة للحظة. ثم هتف بشك، موجّهًا حديثه إلى مرفت التي تقف لا تفهم شيئًا مما يحدث، لكنها تعرف أن هذا اليوم لن يمر على خير: _أنا عاوز أعرف مين اللي كان في الأوضة دي قبل ما أنا أوصل، وأوعي شيطانك يلعب بيكي وتفكري تكذبي عليّ بحرف واحد انتي فاهمة.
نظرت إليه مرفت بخوف، وهي تحاول أن تبتلع ريقها الذي انحشر في حلقها من شدد خوفها، ثم أجابته قائلة:_هو؟
صمت فجأة خوفًا من أن يكون استكمال حديثها سببًا في إنهاء حياتها، صاح فوزي في وجهها فجأة قائلًا بغضبٍ أرعبها: _هو إيه يا بنت إنتِ؟ انطقي أخلصي، مش فاضي لشغل الحريم ده!
أنهمرت دموع مرفت علي خديها وهي تقول بخوف شديد:_والله يا باشا أنا ما كنتش أعرف إن البنت دي تبقى بنت أخو سعادتك.
يزداد غضب فوزي، ويجنّ جنانه وهو ينظر إلى الفراش الملطخ بالدماء. أمسك مرفت من شعرها بعنف، وأردف قائلًا:_إنتي عارفة لو اللي أنا بفكر فيه ده طلع صح، أنا هعمل فيكي إيه؟
تألمة مرفت من قبضته وأجبته وهي تحاول التملص من بين يداه:_والله يا باشا أنا ما أعرفش حاجة. كل اللي حصل إن محروس جاب بنت جديدة لقاها على الطريق، وعجبت الباشا عصام… بس والله أنا ما كنتش أعرف إنها بنت أخوك.
في تلك اللحظة كان يقف محروس، زوج مرفت، على باب المنزل يشاهد ما يحدث واستمع الي الحديث الدائر بين زوجتها وذلك فوزي، تمتم بدهشة وذعر:_يا نهار أبوك أسود يا محروس! البنت طلعت بنت أخو فوزي… أحسن حاجة أِمشي من هنا دلوقتي!
وبالفعل هرول محروس عائدًا أدراجه محاولًا الهروب من مصيره، لكن… سوء أفعاله أوقعه في مرمى بصر فوزي، الذي صرخ بصوتٍ عالٍ موجّهًا حديثه إلى رجاله:_هاتوا لي الكلب ده، وخدوا هو والزفتة دي على المخزن لحد ما أفضى لهم، وأعرفها إزاي يبيعوا شرف فوزي باشا
صاحت مرفت برجاء وأحد رجال فوزي يمسكها من ذراعيها بقوة:_أبوس إيدك يا باشا سامحني، والله ماليش دعوة بحاجة. والله ما كنت أعرف عنها حاجة. الله يخرب بيتك يا محروس، الله ياخدك ويريحني منك ومن مصيبتك!
_____
في مكانٍ آخر…
كانت تجلس كنوز في غرفةٍ مظلمة، تضم قدميها إلى صدرها، وعقلها يسترجع ما حدث معها منذ قليل…
(رجوع إلى الماضي)
كانت تصرخ كنوز وهي تطلب النجدة، وتستنجد بأي أحدٍ ينقذها من هذا الوحش المفترس، الذي لا يهتم بشيءٍ سوى التهامها حي وذبح روحها. وفجأة سمعت صوت عمها فوزي من الخارج، في ذات اللحظة ابتعد عنها عصام وهو يقول بخوف:_يا نهار من فايت… فوزي وصل بسرعة! أعمل إيه أنا دلوقتي؟
أستغلت كنوز اللحظة وأسرعت لتنهض من على الفراش وهي تصرخ باسم فوزي، وهرولت باتجاه باب الغرفة، لكن قبل أن تصل أليه كان أمسكها عصام من ذراعها بقوة. وهتف قائلًا ببرود قاتل:_على فين يا حلوة؟
حاولت كنوز التملص من قبضته وهي تبكي بحرق وتصرخ في وجهه بغضب جامح:_سيبني يا حيوان! إنت أوعى تفكر إن اللي عملته ده هيعدي بسهولة. والله ما أكون كنوز بنت عاصي لو ما خليتك تدفع التمن غالي، يا ابن الكلب، على اللي عملته فيا ده!
ضحك عصام بصوتٍ عالٍ، وهتف قائلًا باستهزاء:_بموت أنا في القطط اللي بتخربش دي، وبصراحة إنتِ أكتر قطة بتخربش، وعشان كده جننتيني وقلّبتي كياني بصراحة.
تحدق كنوز في وجهه بغضب، وكأنها ترى شيطانًا لا إنسانًا، وإجابته قائلة بحدة:_هو إنت لسه شوفت جنان؟ ورحمة بابا وماما لأخليك تمشي تشحت، يا عصام الكلب!
شعر عصام بالغضب من كلماتها التي تسيء إليه، ودون تفكير صفعها بقوة على وجهها، حتى ارتطم رأسها بقوة بالحائط خلفها دون قصد وفجأة سقطت مغشيًّا عليها.
وعندما استيقظت، وجدت نفسها في غرفة مظلمة، هتفت ودموعها تتسابق على خديها:_يا رب أنا ماليش غيرك. يا رب احمي إخواتي من كل شر وسوء. يا رب عمي فوزي يلاقي إخواتي ويرجعهم على البيت. هو آه مش حنين، بس لو ما كنتش هربت من البيت ما كانش ده كله حصل لي. يا ربي انا مش عارفة إيه اللي انا عملته في نفسي وفي إخواتي ده؟ يا ترى هم فين دلوقتي وإيه اللي حصل لهم؟ يا رب ابعت لي اللي يساعدني ويخلصني من اللي أنا فيه ده.
وفجأة يُفتح باب الغرفة، ويدخل عصام ومعه شخصٌ آخر، وهتف ساخرًا: _أخيراً فوقتي يا قطة؟ يا شيخة خوفتني عليكي… حتى شوفي، طلبت لك دكتور.
حدقت كنوز في ذلك الشخص الذي يقف خلف عصام، لكنها لما تعرف من يكون بسبب القبعة التي يرتديها تغطي نصف وجهه. وفجأة ينزع الشخص القبعة عن وجهه، فتندهش كنوز من رؤيته ومعرفة من هو. وقبل أن تنطق بأي كلمة، يضع الشخص إصبعه على فمه مشير لها بأن تصمت. ثم نظر الشخص ألي عصام قائلاً:_هل من الممكن أن تتركني أفحص المريضة، مستر عصام؟
يرد عصام باعتراض:_يمكنك أن تقوم بعملك الآن، لكنني لن أذهب إلى أي مكان.
يرد المجهول محاولًا إقناعه بالمغادرة:_لكن سيدي، أنا طبيب، ولا أستطيع فحص المريضة في وجود أحد. أتمنى أن تتفهم ذلك، سيدي.
يرمقه عصام بشك، ثم أردف مستسلمًا:_حسنًا، سأترككم بمفردكم لبعض الوقت، لكن… إن حدث شيء غير متوقع، فلن تظل حيًّا، اتفقنا؟
يرد المجهول وهو ينظر إلى عصام بارتباكٍ مصطنع:_حسنًا… حسنًا، سيدي، اتفقنا. لن يحدث شيء سيئ لا تقلق.
يحدق عصام إلى كنوز، وهتف ساخرًا:_سلام يا قطة… وما تخافيش، هرجعلك تاني.
نظرت أليه كنوز باحتقار وزلت صامتة. وبعد أن غادر عصام، أقترب منها المجهول قائلًا على عجل:_اسمعيني يا آنسة كنوز، أنا هقول لك إيه، وياريت تنفذي بالحرف الواحد لو عاوزة تخرجي من هنا.
نظرت إليه كنوز بعينين تغرقهم الدموع. وهتفت قائلة:_إنت مين الأول؟ وليه بتعرض حياتك للخطر علشاني؟ إنت ما تعرفش مين الناس دي، دول مجرمين، وبالذات اللي اسمه عصام ده… مجرم وحقير.
نظر أليها المجهول بحزن وهو يقول: _اهدي يا آنسة لو سمحتي، وإن شاء الله مش هيحصل حاجة. بس إنتِ اعملي اللي هقول لك عليه. أنا هخرج دلوقتي عشان محدش يشك في حاجة، وإنتِ خدي البرشامة دي، اتفقنا؟
نظرت كنوز إلى ما يعطيه لها ذلك الشخص بخوف، وأردفت قائلة بتساؤل:_برشامة إيه دي؟ وهخدها ليه؟ أنا مش فاهمة.
يجيب المجهول قائلًا برجاء:_رجاءً يا آنسة، ثقي فيا واعملي كل اللي بقولك عليه. مافيش وقت أشرح لك كل حاجة. أنا جاي أساعدك، ومش هأذيك، فـ رجاءً ثقي فيّ، علشان أقدر أساعدك وأخلصك من اللي إنتِ فيه ده.
تجيبه كنوز ببكاءٍ شديد، والحزن لا يفارق ملامحها:_أنا خلاص انتهيت… الحيوان ده اعتدى عليّ. بس… لو حضرتك فعلًا عاوز تساعدني، روح خد إخواتي من الشارع. أنا سايباهم تلات أطفال في الشارع لوحدهم. رجاءً روح وخدهم ووصلهم لعمي فوزي قبل ما يحصل لهم حاجة، أو حد يعمل فيهم حاجة.
