رواية موعدنا فى زمن اخر الفصل الرابع 4 بقلم مريم الشهاوى


 رواية موعدنا فى زمن اخر الفصل الرابع 

|سُلبت كرامتها كما سُلب بصرها|

صلوا على الحبيب
استفاق حمزة من نومه فزعًا، إذ دوّى في أذنيه صوت بكاء سمر الموجِع، وهي تتلوّى في الفراش تصرخ كمن تُمزّق روحها، وتحرك رأسها يمنة ويسرة، كأنما تستغيث بمَن لا يُجيب، والعرق ينسكب من جبينها كالسيل، وجسدها يهتز كغصنٍ في مهبّ ريح:

"افتحولي الباب خليني ادخل لخالد.... خليني اموت معاه.... افتحولي الباب.... ياريت النار تاكل في جسمي انا وتسيبه... افتحوا الباب ارجوكم.... انا عايزة خالد مش هعرف اعيش منغيره افتحوا الباب دخلوني.... خااالد..."

وثب حمزة من مرقده كأنما لُسع من جمر، ووضع كفه على كتفها المرتعشة، يهزها في جزع:

"سمر.... سمر... اصحي.... ده كابوس.. سمر اصحي."

لكنها لم تكن تسمعه، أو لعلها تسمع ولا تعي، بل كانت تصرخ بحرقةٍ تخترق السمع وتفتت الحشا:

"دخلوني ارجوكم.... يا خااالد... مش هتسيبني.... خالد مش هيسيبني... افتحولي البااب."

صوتها كان كالنصل في صدره، وارتعاشها أذاب ما بقي من صلابته. حدّق فيها حائرًا، لا يدري كيف يوقظها من غياهب هذا الرعب، وجبينه يقطر حيرة وأسى. لحظتها، قفزت إلى ذاكرته صورة زوجته الراحلة، أميرة، حين كانت توقظه من كوابيسه الهوجاء بكلماتٍ وادعةٍ كأنها ترقّد قلبًا لا جسدًا. كانت تهمس له: "اطمئن... أنا هنا... لن أتركك."

اغرورقت عيناه وهو يتذكّر، وقرر أن يستعمل وسيلة أميرة في جعله يطمئن وهو بداخل الكابوس، وجلس على حافة السرير، وسمر ما زالت تصرخ وترتجف كأنها تصارع شبحًا لا يُرى. انحنى برأسه نحوها، واقترب من أذنها بصوتٍ خفيض، هامسًا بكلماتٍ تحاول أن تشق الظلام الذي أحاط بها:

"سمر... انتِ سمعاني... ده مجرد حلم... ده مش حقيقة... انا خالد معاكِ وجنبك....أنا مش هسيبك... خالد لسه مع سمر.... خالد مماتش انا معاكِ اطمني يا سمر مفيش حاجة أذتني أنا موجود.... ده مجرد كابوس وهتخرجي منه..."

ثم قبض على يدها المرتجفة بكلتي يديه، وربّت عليها بحنوٍ لم يعهده في نفسه منذ رحيل أميرة:

"مفيش حاجة حصلت لخالد... انا كويس.... ده كابوس يا سمر...اطمني أنا جنبك"

كأنما وصلت همساته إلى روحها قبل أذنها، هدأت شيئًا فشيئًا، وانخفض صوتها حتى سكن تمامًا. غطّت في نومٍ عميق مرة أخرى، كأنما انطفأ الحريق في صدرها، وتركها منهكة، فارغة من كل وجع.

أما حمزة، فظل جالسًا بجانبها، يرمق وجهها المبلل بدموعٍ جفّت على وجنتيها، عيناه معلقة بها، وذهنه مثقل بالأسئلة التي لا أجوبة لها، ولا يدري ما الذي تخبئه الأيام له ولها، لكنه الآن لا يريد شيئًا سوى أن تكون بخير.

بخير، فقط.

____________________

-Two
اثنان

ترك الشباب نوح بسرعة، الخوف يظهر في عيونهم، وهرول نوح نحو جين، وركب السيارة بجانبها. رهف كانت تتابعه بنظرات مكسورة، عيناها تحملان لومًا لا ينتهي. نظر نوح إليها، والتقت أعينهما، وكأن حديثًا طويلًا يجري بينهما في تلك اللحظة الصامتة. فجأة، ركضت لوجي التي استيقظت من صوت الرصاص وكانت متابعة الموقف ولكن سعاد لم تقدر على ايقافها حين هرولت من السيارة مسرعة تركض نحو السيارة التي بها نوح، ترفع يدها الصغيرة وتنادي عليه بصوت مليء بالحنين والألم:

"بابا، متسيبنيش تاني."

شعر نوح بوجع يمزق قلبه، وحاول تجنب نظراتها، مغمضًا عينيه، محاولًا الهروب من الحقيقة. تحرك مع جين التي صاحت بغضب:

"They are not normal at all...they are savages."
إنهم ليسوا طبيعيين على الإطلاق... إنهم متوحشون.

ظل نوح صامتًا، غارقًا في دوامة من الأفكار المتشابكة. تتراقص في ذهنه مشاهد رهف ولوجي، ومشاعر متضاربة تتصارع داخله. من هي تلك الفتاة التي سلبت عقله؟ وكيف يمكن أن تكون تلك الطفلة الصغيرة لوجي تشبهه إلى هذا الحد؟ تذكر الهاتف الذي أعطته له، الصور التي كانت تحمل قصصًا غير مفهومة، وجوهًا تحمل ملامحه. كان يريد أن يحتفظ به، لكن التساؤلات كانت تثقل كاهله. رأسه كان على وشك الانفجار من كثرة التفكير.

تحركت الباخرة نحو قبرص في الساعة السابعة، وأخذت الأفكار تتلاعب بنوح، محاولاً فهم الواقع الذي انقلب عليه بين ليلة وضحاها.
________________

عادت رهف إلى منزلها محطمة الروح، ألقت بنفسها على الفراش محاولةً التنفس بشكل طبيعي، ولكن دون جدوى. غلبها البكاء وظلت تبكي في الغرفة التي أغلقتها بالمفتاح كي لا يدخل عليها أحد. 

أمسكت بالصورة التي تجمعها بنوح والموجودة بجانب سريرها، ألقت نظرة مليئة بالحنين والأسى على وجهه. لمست ملامحه بأصابع مرتجفة، واندفعت في بكاء حار، لا تدري إن كانت ستقابله مرة أخرى أم أنه قد رحل بلا عودة. 

كان الألم يمزق قلبها ويغرقها في دوامة من الحزن، وتلك الصورة أصبحت ملاذها الوحيد، تذكرها بالذكريات الجميلة التي عاشتها معه. كانت تشعر بثقل الفراق يخنق أنفاسها، وكأن العالم كله قد ضاق بها.

___________________

في صباح اليوم التالي، استيقظ حمزة على لمسات خصلات شعر سمر وهي تمررها برفق على وجهه. فتح عينيه ليجدها تبتسم له، وتقول بصوت ملؤه الدفء: "صباح الفل يا نور عيني... يلا حضرتلنا الفطار، قوم خد دش سريع وانزل، هتلاقيني مجهزاه ومستنياك يا عمري. آه، وحمامك برضو جاهز."

نهض حمزة من مكانه، متتبعًا خطواتها وهي تخرج من الغرفة وتنزل للأسفل. دخل حمام الغرفة ليجد الشموع مضاءة، والماء الدافئ يطلق بخارًا ناعمًا في الأجواء، ورائحة عطر لطيفة تملأ المكان. على الحوض، كانت أوراق الورد مفرودة، كتب عليها "I love you" بخط اليد، ومنشفته وملابسه الخاصة مرتبة بعناية. شعر لوهلة بأن أحدهم يعتني به كما كانت تفعل زوجته وارتسمت على شفتيه ابتسامة واهنة، لكن سرعان ما تلاشت بسرعة، وعاد إلى الواقع المرير، مدركًا أن كل هذا ليس له، بل لخالد. 

شعر بخداع قاسٍ يعتصر قلبه، فترك الحمام وذهب إلى حمام غرفته. عندما خرج، وجد سمر واقفة أمام الغرفة، تضم ذراعيها أمام صدرها بلوم وغضب. تكلم بجدية، محاولًا تبرير موقفه:

"معلش يا سمر، أنا متعود أستحمى هنا... وكمان عندي حساسية من العطور، فكنت مش عارف أخد نفسي وأنا جوه."

ردت سمر بصوت يحمل نبرة اعتذار صادقة: "بجد؟ معرفش... أنا حاولت أعمل تغيير بما أننا لسه جداد هنا، وأبدي لك شعور الألفة وكأنك في بيتك... والعطر، تلاقيه كان قوي شوية، حقك عليا، مش هزوده تاني... يلا عشان أنشف لك شعرك وتنزل عشان تاكل."

قال حمزة، متجنبًا أي نوع من الحميمية: "أنا هنشفه بنفسي، متتعبيش نفسك."

أصرت سمر بلهجة لا تقبل الجدل: "أولاً، أنا مش باخد رأيك، يا أستاذ. اتفضل اقعد عشان أنشفهولك، فين مكان الاستشوار؟"

أخرج حمزة مجفف الشعر من الدرج وأعطاها إياه، وقد غمره شعور عميق من الإحباط والضياع. لم يكن يستطع فصل نفسه عن الشعور المتناقض بين الحاجة للحفاظ على هدوءه الداخلي والرغبة في الخلاص من هذا الاهتمام المتطفل. سمر، بينما كانت تجفف شعره، استخدمت لمساتها وكأنها تعزف على أوتار قلبه الموجوع، تطلق نغمات خفية من الأمل والحزن على حد سواء. تساءل في عمق ذاته إذا كانت هذه الحياة الجديدة التي يشاركها مع سمر هي بمثابة إعادة بناء لماضٍ كان يفضل نسيانه، أم أنها مجرد مسرحية تجري أحداثها في ذهنه المضطرب وبعد قليل سينسدل الستار وينتهي كل هذا وبسرعة. وبينما كانت أصابعها تمر برفق بين خصلات شعره، قالت: 

"شعرك طويل الفترة دي، أقصهولك وأسويه."

أجاب بسرعة، وكأنه يخشى من تغيير أي شيء: "لا لا... أنا بحبه كده."

ابتسمت سمر، وقالت: "تمام يا حبيبي، اللي يريحك... البس هدومك اللي هتنزل بيها الشغل عبال ما أحضر السفرة."

نزلت سمر من الغرفة، وتركت خلفها أصداء خطواتها التي كانت كأنها تقرع أبواب أعماق قلبه. زفر حمزة بعمق، ثم أخرج صورة أميرة من خزانته. كانت عيناه تتجمدان في تأمل الصورة، كمن ينظر إلى بقايا شبح من ماضيه الذي يرفض الرحيل. يشعر بأنه يخون زوجته او يخون قلبه، كان يتمنى لو أن سمر تختفي، ليحافظ على راحته المفقودة، وليبقى في مأمن من التغييرات المدمرة التي قد تطيح به إلى عالم مجهول.

أنهى ارتداء ملابسه، ثم أخذ عطره المفضل، الذي كان من أميرة، وكأنما كان يحاول استحضار وجودها في كل رشة منه. نظر إلى انعكاسه في المرآة، وتذكر لمسات سمر الحانية وضحكتها التي لا تفارق خياله. أخذ يتخيل ملامحها ووجهها بتأمل يفتح اعماق قلبه الصلب. 

وجهها بيضاوي الشكل، وجبينها واسع ومتناسق. حواجبها كثيفة لكن مرسومة بانسيابية، لا رفيعة ولا سميكة. عيناها واسعتان بلون بني فاتح، أنفها مستقيم ودقيق، وشفاهها ممتلئة بلون وردي طبيعي، مرسومة بوضوح وخاصة الشفة العليا.

بشرتها صافية بلون حنطي فاتح، ووجنتاها بارزتان قليلًا، شعرها كثيف جدًا، ليس بالطويل ولا بالقصير هو في المنتصف، مجعد بتموجات ضيقة. لونه بني بدرجات متعددة، تتخلله خصلات أفتح تميل للذهبي. 

استفاق من تأملاته على مناداتها من الأسفل: "خالد... يلا يا حبيبي هتتأخر على الشغل."

هرع مسرعًا نحو باب الخروج من الغرفة، ولكن الوقت لم يكن كافيًا لتهدئة نبضات قلبه المتسارعة التي أخذت تذكره بملامح سمر بدقة، زوجته الراحلة كانت تتميز بالجمال ايضًا. مضى عامين على وفاتها، ومع ذلك، لماذا يتجدد انجذابه إلى سمر بهذه القوة؟ شعر بالغضب من نفسه لتفكيره بهذا الشكل، وكأنما يلوم نفسه على مشاعر غير مبررة. ألم يعلم بعد أن سمر تكنّ حبًا عميقًا لخالد؟

جلس على الطاولة، ووجدها محاطة بأطباق الطعام. نظر إلى سمر وهي تضع آخر طبق على المائدة، وابتسامتها تملأ وجهها بحيوية. جلست بجانبه، وقبل أن يرفع الطعام إلى فمه، قالت: "لا لا... أول لقمة من إيدي، دايمًا بنعمل كده، نسيت ولا إيه؟"

فتح فمه ليأخذ أول قضمة من يديها.

الرجل لا يحتاج إلى امرأة جميلة تحبه ويحبها. هو في الواقع يبحث عن الاهتمام، كما تبحث المرأة عنه. عندما يجد الرجل اهتمامًا حقيقيًا من امرأة، فإن قلبه يميل إليها رغمًا عنه. ورغم إدراك حمزة بأن هذا الاهتمام ليس موجهًا له، فقد استشعر سعادة عميقة؛ فقد كانت سمر ملاذًا لوحدته التي طالما عانى منها. سنوات طويلة من الوحدة، وجاءت سمر لتملأ فراغه.

ودعته سمر عند الباب، واقتربت ببطء لتطبع قبلة خفيفة على خده، قائلة بصوت هادئ: "ترجع بالسلامة... خلي بالك من نفسك."

نظر حمزة إليها بذهول عميق، وكأنما وجد نفسه في متاهة غامضة. تملكه شعور بالقلق والتشوش، يلوم نفسه بشدة على كل ما فعله. كيف يمكنه الاستمرار في هذا التظاهر بكونه زوجها؟ ألم يتفكر في العواقب التي قد يواجهها نتيجة لهذا التلاعب؟ قرر في لحظة قاطعة أن يبحث عن أهلها أو أهل خالد ليعيدها إلى منزلها اليوم. لم يعد قادراً على تحمل يوم آخر برفقتها.

ركب سيارته، وعندما التفت إلى سمر، وجدها ما زالت واقفة، تتابعه بنظراتها الحانية حتى يختفي عن أنظارها. عاد بصره إلى الطريق، وتوجه نحو المستشفى لمقابلة الطبيبة نور. وعندما صعد إلى المستشفى وسأل عن الطبيبة، استفسرت منه موظفة الاستقبال:

- اسمها نور إيه يا فندم؟

قال حمزة محاولًا تذكر اسمها الثنائي: "نور... نور... معرفش الصراحة... بس هي طبيبة نفسية هنا بالمستشفى كانت مشرفة على حالة اسمها سمر أيمن الشافعي أكيد هتلاقيها."

وبعد بحث الموظفة على اسم الطبيبة، نظرت إليه بيأس: "للأسف... معندناش حد في قسم النفسية اسمه نور. أكيد اتلغبطت بينها وبين شخص تاني."

نظر إليها حمزة باستغراب، وهو يتذكر جيدًا أن اسمها كان نور. كان يشهد تلك اللحظات بوضوح، كيف يُعقل أن تكون غير موجودة بينما كان قد رآها تعمل في تلك المستشفى؟ اعتذر منها ثم نزل من المستشفى، وكان ذهنه يعج بالتساؤلات. عندما نزل، وجد الطبيبة نور تتقدم لتدخل المستشفى. حمد ربه في سره وركض نحوها، قائلاً: "دكتورة نور... فكراني؟"

نظرت إليه الطبيبة باستغراب، محاولة تذكره، ثم قالت: "أيوة... أنت صاحب المريضة اللي عندها اضطراب وهمي، مش كده؟"

ابتسم حمزة، مفسرًا: "بالضبط... ممكن اتكلم مع حضرتك شوية لو مش هعطلك."

وافقت نور، ثم توجها إلى مقهى قريب ليتحدثا حول حالة سمر.

قال حمزة بفضول، مكررًا ما حدث: "لما سألت عن اسمك، ملقيتكيش في سجل المستشفى."

أجابت نور بوضوح: "أنا لسه جديدة، وأوراقي كلها بتاخد وقت عشان تتسجل في الكنترول. بس أنا شغالة هنا."

فهم حمزة، ثم بدأ يتلو لها تفاصيل ما حدث مع سمر ليلة أمس، حينما رأت خالد وذهبت معه، ومرة أخرى عند الكابوس الذي جاءها.

قالت نور بعملية بحتة: "في الحقيقة، أنا اتبسط لما اتصرفت بالإنسانية اللي جواك، وبشجعك إنك تكمل. فرصة علاجها إن شاء الله قريبة. رؤيتها لخالد طبيعية، لأني زي ما قلتلك، هي عقلها الباطن ما زال مستوعب وجوده معاها. فممكن في مرة تلاقيها مش عارفاك وشايفة خالد معاها. عقلها مش متزن، ومرات كتيرة هتلاقيها بتصرخ لما تشوفك لأن عقلها مش متذكر. ومرات هتشوفك خالد وتتعامل معاك على أساس دا."

قال حمزة باستفسار آخر: "طب أنا لما وصلتها بيتي استغربت إنه مش بيتنا، وعرفت بعد كده إن شقتنا ولعت. ليه كانت عايزة تروح بيتنا مع إنها عارفة إنه ولع؟"

سكتت نور قليلاً ثم تحدثت بعد اتطلاع افكارها على تلك الحالة المريبة: "العقل بيتنقل بين الماضي والحاضر كل شوية. وفي أوقات هتلاقيها حست إنه مات وبتبكي عليه."

زفر حمزة بضيق: "طب والعمل؟ حضرتك مش متخيلة الموقف اللي أنا فيه. حوار إني أمثل إني زوجها صعب أوي. البنت معتبراني جوزها بجد، أنا مش هقبل عليها دا. هي مريضة، وإذا لبيت طلباتها أو قربت منها زي ما بتعمل كده، بكون بخدعها. وشخص معندوش مبادئ. أنا عاوز حل. أنا مش عاوز أرجع البيت وهي فيه. بجد عدت ليلة امبارح بالعافية."

اردفت نور وهي تضم شفتيها باستيعاب: "متفهمة حالتك يا أستاذ حمزة ومقدراها كويس جدًا. بس هما شوية وقت. أنا هكتب لحضرتك علاج هي هتمشي عليه لمدة شهر. والعلاج دا هيساعدها إنها تفتكر الحقيقة ويقلل الاضطراب اللي عندها. وهيشتغل على تنظيم العقل الباطن للواقع ومع الوقت هتتحسن حالتها."

تساءل حمزة بفضول، وقد انتابته بعض المخاوف: "وبعد كده؟"

قالت نور باستفسار: "وبعد كده إيه؟"

وضح حمزة بقلق: "بعد ما تفتكر... هتروح فين؟ البنت مشردة في الشوارع وملهاش أهل؟!"

عجزت نور عن الإجابة، وهي تنظر إليه بشفقة عميقة، تملأ وجهها: "طب تقدر تعرف فين عائلة زوجها. أنت شخص غني ومعروف وأكيد حاجة زي دي هتعرفها بسهولة."

فكر حمزة قليلًا، ثم انتهت جلسته مع نور. أعطته رقمها، وأوصته أن يتصل بها إذا حدث أي شيء غريب خلال الفترة القادمة. ثم توجه حمزة إلى عمله، حيث قابل رفيقه سمير وروى له تفاصيل ما حدث منذ البارحة حتى الآن.

ضحك سمير قائلاً: "طب وانت إيه اللي مزعلك."

أجابه حمزة بتعب ظاهر، وهو يحاول ضبط نفسه: "سمير بالله ما تهزر."

ابتسم سمير بمرونة، لكنه لم يفقد جديته: "بجد مش بهزر... يعني انت إيه اللي مخليك متضايق... البت بتهتم بيك وعاملالك ونس في البيت، وأهو ترجع تلاقيلك لقمة حلوة تاكلها بدل ما بترجع تعبان وبتضطر تطبخ لنفسك لأنك مبتحبش حد يدخل بيتك."

رفع حمزة رأسه نحو الأعلى، مغمضًا عينيه وهو يسترجع أيامًا مليئة بالحزن والألم، ثم تنفس بعمق قائلاً: "تخيل ان سمر تاني واحدة تدخله من بعد اميرة متخيلتش ابدًا اني هدخل بنت بيتي بعد ما اميرة ماتت.... سمير انت مش مستوعب انا بيحصل فيا ايه... حاسس اني بخونها وسمر بتتعامل على اساس اني خالد ودا في حد ذاته هيشلني هي معتقدة اني هو بتتعامل معايا بحب وبتهتم بيا وبتقرب مني على اساس اني خالد طب افرد انا ضعفت واتجاوبت معاها... خاصةً ان سمر... 

-حلوة؟ 

-مش عارف بجد...جمالها عادي بس انا اللي فيا حاجة غلط...لما ببصلها بحس بشعور غريب.. انجذاب غير طبيعي للبنت دنا فكرت اتجوزها!!... مش قادر اتخيل اني ممكن اتجوز حد بعد اميرة بس وجودها معايا في نفس المكان بيخليني متوتر ومش فاهم انا مالي وليه بنهج كده وليه بحس اني حران، انا مش عاوز اغلط يا سمير.... الواحد ما صدق انه نضف. 

ضحك سمير بقوله:" وحشتك شقاوة زمان؟ "

-قصدك نجاسة زمان. 

زفر سمير بقوة وهو يرفع ذراعيه يضعها خلف رقبته مستندا على رأس الاريكة: "بس انك تتجوزها ده تهور.... دي بنت متعرفهاش ولا تعرف اهلها ولا عارف جاية من انهي داهية خليك منطقي انت مش اي شخص راسك تقيلة في البلد ومليون بنت تتمنى تتجوزك وانت رايح تتجوز بنت لسه شايفها امبارح عشان خايف على نفسك منها لما تفضل معاك في نفس البيت!" 

-ايوة ماشي كلامك على عيني وعلى راسي... بس العمل؟.... سمير دي باستني من خدي النهاردة قبل ما اخرج الله اعلم على بليل هتعمل ايه تااني!! "

رفع سمير رأسه للاعلى محدثا ربه: "ليه كده يا رب؟؟ ليه هو محظوظ اوي كده! يجيله الاهتمام والحب ويتباس ويقول اخيه! " 

رفع حمزة ملف بيده ورماه عليه بقوة وهو يسبه ببعض الشتائم فصاح سمير: "خلاص هاتلك ممرضة او دادا تقعد معاها واهو اي ست زيها املي بيتك خدم كده كده فيلتك كبيرة هاتلك اتنين رجالة بشنبات يطبخوا وهات خدم ستات ينضفوا وممرضة ليها وكتر من البوابين علفيلا وهاتلك جنايني واهو بقت حنة ام حسن مش هتبقوا سوا لوحدكم." 

ضحك حمزة بقوة وهو يضع يده على جبينه ليفكر وفجأة جاء بباله عمته: "عمتي هبة.... ايوة عمتي هبة قاعدة لوحدها من ساعت ما نوح مات هاخدها تعيش معايا واهي تخلي بالها منها وشخص اؤتمن عليه انه يدخل بيتي وانا هفهمها كل حاجة بخصوص البنت." 

تساءل سمير بفضول: "الا صحيح عاملة ايه مشوفتهاش من يوم عزا نوح؟" 

أردف حمزة بأسف: "زي ماهي... مطفية من ساعت موت نوح ربنا يصبر قلبها... نوح اساسا فقدانه مأثر عليا لحد دلوقتي... يبقى نوح وبعديها اميرة... انا مش عارف انا تخطيت كل ده لوحدي ازاي بجد." 

فتح سمير ذراعيه وهو يقترب لعناقه: "عشان انا في حياتك يا زوماا." 

ضحك حمزة وبادله العناق بحب لطالما سمير كان له اقرب من صديق.

بعد ساعات كان حمزة بالمكتب بمفرده، جاء طرق على باب مكتبه من موظفة استقبال مكتبه الخاصة تقول بجدية : "أستاذ حمزة... في واحدة برة بتقول إن اسمها رحمة وعايزة تشوف حضرتك ضروري."

أجاب حمزة بلهجة مشبعة بالإرهاق: "قولي لها مش فاضي... مش عايز أقابل حد."

خرجت الموظفة، لكنها عادت مجددًا قائلة: "بتقول إنها تعرف سمر أيمن، وأنها قريبة زوجها خالد."

نظر حمزة إلى الموظفة، وكأنما أصابته صدمة كهربائية. نهض من مقعده بسرعة، وقال بصوت مشحون بالأمل: "دخليها فورًا."

____________________

كان يتابعها من بعيد، وهي تضحك مع الاطفال بالميتم.. لم تكن تعلم ان من هددها البارحة لقتلها يتابعها ويراقبها من بعيد بشغف. بينما كانت تضحك مع الأطفال في الميتم. ذلك المشهد البريء يثير في نفسه مزيجًا من الانجذاب والفضول نحوها. كان يتساءل عن السبب الذي يجعله يتابعها بهذه الطريقة وعدم نسيانه والذهاب للبحث عنها اليوم، وعن السر الذي يخفيه هذا الشعور الغامض.

قرر أن يستفسر عن هذه الفتاة ذهب الى مكتب صاحبة الملجأ التي تدعي "كوثر"، فتحدثت كوثربصوت هادئ، لكنه كان يحمل في طياته ألمًا عميقًا:

"دي تمارا... بنت جميلة وهادية ابوها ميت وعايشة مع مامتها، هما ملهمش بيت فعشان كده مامتها بتاخدها معاها في البيت اللي هتشتغل فيه وبيقيموا فيه على حسب ايام شغلهم، امها بتشتغل في البيوت بتطبخ وبتنضف بس حالتهم صعبة اوي والبنت حالتها اصعب لانها كفيفة وبتتعرض لاكتر من اذى جسدي من اصحاب البيت بس لما بتقول لامها بتمنعها انها تتكلم عشان ما يتطردوش من البيت." 

شعر بألم يجتاح صدره نحو قصتها ثم تساءل باستعجاب: "هي حكيتلك عن كل دا؟!"

أجابت صاحبة الملجأ بوضوح وحنان: "انا وتمارا صحاب وزي بنتي بتيجي وبتتكلم معايا لما بتكون مخنوقة ودايما بتجيب العاب للايتام وبتقضي معاهم اليوم بالساعات وهي فرحانة." 

انهى حديثه معها ثم نهض من جلسته يمشي بالطرقات ويتابعها وراء النافذة شاهدها وهي تلعب مع الأطفال، وهم يضعون أقمشة على أعينهم محاكين حالتها، ويجري بعضهم خلف بعض في بهجة. بدا أن الأطفال يعبّرون عن احترامهم وحبهم لتمارا بطرق عفوية وبريئة.

بينما كان يسير بجانبهم يراقبها وهي تضحك وتركض ورائهم، اصطدمت تمارا به. تحرك بسرعة ليوازنها، محيطًا خصرها بذراعيه برفق، ورفعها بحذر. التقت عينيه بعينيها العسليتين، وقد وجد فيهما جمالًا متجذرًا، رغم ظلام العمى الذي يغطيهما. كان شعورًا غريبًا يثير فيه مشاعر متناقضة من الدهشة والارتباك.

ابتعد عنها سريعًا مقدرًا حالتها، وهي تعتذر منه بخوف واضح. استأنفت اللعب مع الأطفال، رغم أنها كانت تتعثر أحيانًا، لكن ضحكتها لم تفارق وجهها، وكأنها تجد في هذه اللحظات تعويضًا عن المعاناة التي تعانيها.

ظلّ يُراقبها طوال اليوم بصمتٍ غائر، لا يقطع نظره عنها، كأنما تحولت إلى سؤال لم يعرف له جوابًا.

ثم انفجر كل شيء دفعةً واحدة.

اقتحمت الشرطة دار الرعاية فجأة، وانتشر رجالها في المكان كالسيل الجارف. تسارعت الخطى، تعالت النداءات، وانقبضت القلوب. كان هو يراقب في ذهول، قبل أن يرى تمارا وقد أمسك أحد الضباط بذراعها ووضع الاصفاد في يديها أمام أعين الأطفال، وسط صرخات الذعر وانفجار بكاء والدتها:

"والله بنتي ملهاش دعوة... والله ما سرقنا حاجة يا أشرف بيه... يا أشرف بيه، اسمعني... والله ما سرقت حاجة... طب سيبوا بنتي... دي عميا، هتسرق إزاي؟"

لكنّ أشرف لم يُعر صراخها انتباهًا. وقف يراقب تمارا ووالدتها تُساقان نحو سيارة الشرطة، وقد احمرّ وجهه وعلت نبرته بالصياح:

"مهي بنتك دي اللي بتشغليها معاكي علشان تصعب علناس! ورحمة أبويا لتتحبسي يا نجات إنتِ وبنتك! أنا... تسرقوني أنا يا *****؟! هو أنا عمري عملتلكم حاجة وحشة؟! أو عمرك طلبتي مني حاجة ورفضت؟!"

سقطت نجات على ركبتيها تبكي وتتوسّل، كأنما تحاول أن تُوقف الزمن:

"والله ما أذيناك يا بيه... أنا عارفة... وأنا برضو والله ما أعمل كده فيك... ده تمارا هي اللي شافت الحرامي امبارح... واتصلت بعديها بالشرطة، بس ملحقتوش... لو إحنا اللي سرقنا الخزنة، مكناش بلغنا الشرطة... يا بيه... ونبي ما تحبسنا..."

لكن أشرف زاد في قسوته، وصوته ينضح بالاتهام:

"على أساس إن المسلسل ده مش مفقوس صح؟! دول مش تبعكم يعني؟! وانتم اللي معرفينهم إن الفيلا فَضيت والتوقيت اللي ييجوا فيه يسرقوا؟! ومفاتيح المكتب معاكي؟! والحراس كان محطوطلهم منوم والكاميرات اللي باظت فجأة واوضة الكاميرات ومراقبها كان نايم هو كمان.... مفيش ولا اثبات انك بريئة اشمعن انتو اللي بلغتوا وانتو بس اللي كنتوا صاحيين. "

نجات بصراخ: "انا كنت برا البيت بجيب المخزون بتاع الشهر تمارا بس اللي كانت نايمة ولما رجعت لقيتها بتقولي ان فيه حرامي دخل الفيلا فجريت اتصل على الشرطة لما لقيت كل البوابين نايمين... يا بيه صدقني والله ما سرقنا حاجة." 

كانت تمارا، لا ترى شيئًا مما يجري، ولكن صوت بكاء امها واستغاثتها يمزق قلبها، شعرت بجسدها يرتجف، وعينيها تجفان من الدموع. جلست على المقعد الخلفي في سيارة الشرطة، ضمّت ركبتيها إلى صدرها، وبكت بصوتٍ مكتوم، كأنما تبكي عجزها عن الفهم، وعن الدفاع، وعن الرؤية.

وفي الزاوية البعيدة، وقف "رحيم" يتابع المشهد، يتجذّر في مكانه كتمثالٍ نُزعت منه الحياة. وجهه شاحب، وعيناه شاردتان. لم ينبس ببنت شفة.

كان هو السارق الحقيقي

ولكن الذي وُضِع في القيد لم يكن هو.

الذي جُرّ مُهانًا بين الناس لم يكن هو.

كم ان الحياة ليست عادلة تجر البريء لمعاقبته وتترك المذنب الحقيقي خارج القفص يمرح بالحرية! 

__________

كانت رهف جالسة على الأريكة في صمت المنزل الهادئ، تتأمل في الأثاث الذي يحيط بها بملل،عاكسةً ألوان الأضواء الخافتة التي تملأ المكان. تبدو هادئة من الخارج ولكن بداخلها عاصفة من الألم، فجأة، رن هاتفها برنة رسالة جديدة، مما كسر سكون لحظاتها. نظرت إلى الشاشة بفضول، فظهرت رسالة من رقم مجهول، فتحتها ببطء وتسللت إلى عينيها الكلمات التالية:

- "رهف... انا اخدت رقمك ساعت ما كان الموبايل معايا عشان اعرف اكلمك."

تسارعت ضربات قلبها، وشعرت بتيارات من القلق والفضول تسري في عروقها. بدأت علامات الفرح تتخلل وجهها، إلا أن الرسالة التالية أصابتها بصدمة مفاجئة صدمة جعلتها قفزت من مكانها فرحة:

- "ما سافرتش روما.... انا لسه في مصر وعاوز اشوفك."
.... 


تعليقات