رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الواحد والخمسون 51 بقلم سيلا وليد


 رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الواحد والخمسون 

اقترب يوسف منه بخطواتٍ هادئة، يتأمَّله بقلقٍ واضح:
_مش عايز تقولِّي مالك؟ من إمبارح وإنتَ مش على بعضك.
أدار بلال وجهه بعيدًا، وكأنَّ النظرات أصبحت عبئًا لا يُحتمل، تمتمٍ بصوتٍ منخفض مخنوق:
_ مفيش حاجة…مخنوق شوية.
تردَّد يوسف لحظة، واقترب ينظر إليه، تساءل:
_ طلَّقت كارما؟
_لسة.
رمقه مستنكرًا، غير راضٍ على ماوصل إليه:
_أنا مش هدخل في حياتك، لكن إنتَ كدا بتعقَّدها. 
_ حصل ظروف واتأخَّرت في الجامعة…وأنا انشغلت ونسيت، والمحامي دلوقتي عمل عملية الزايدة. 
اتَّسعت عينا يوسف بدهشةٍ ممزوجةٍ بالغضب:
_ إنتَ بتهزَّر؟ ماتبعت لها ورقة طلاق وخلاص، هوَّ الطلاق محتاج تكونوا واقفين قدَّام بعض؟
ارتشف بلال من مشروبه ببطءٍ متعمَّد،  يحاول ابتلاع شيئًا عالقًا بحلقه، ثم ألقى نظرة عابرة على رولا الجالسة بعيدًا، وقال بنبرةٍ باردة مصطنعة:
_ لا، أنا قررت أجِّل الموضوع شوية.
_يعني إيه؟
رفع بلال عينيه إلى يوسف:
_يعني قرَّرت ماأطلَّقهاش دلوقتي، يا يوسف.
_ بلال، إنتَ أكيد اتجنِّنت، إنتَ مش شايف حالة مراتك عاملة إزاي؟
ابتسم بلال ابتسامة خالية من الروح، وقال بحدَّة مفاجئة:
_ مراتي مين؟ لو تقصد بنت خالك… إحنا انفصلنا.
تنهَّد يوسف بعمق، وفرك جبينه محاولًا كبح أعصابه، تردَّد قليلًا، ثم اندفع قائلًا بما شطر قلبه:
_ طيب فكَّرت إنَّها ممكن تكون حامل؟ ينفع تاخد قرار مصيري زي ده عشان زعلانين من بعض؟
كانت الكلمات كالسكاكين…لم يقصد بها الطعن، لكنَّها أصابت مقتلًا.
اختنق صوت بلال، وتصلَّبت ملامحه، وقال بعد صمتٍ موجع:
_ للأسف…كان فيه، بس دلوقتي… مفيش.
انتفض يوسف من مكانه:
_استنى، تقصد إيه، رولا نزِّلت البيبي؟!
هزَّ بلال رأسه ببطء، يشعر باستنزاف ماتبقَّى منه، وهمس بصوتٍ مكسور:
_ رايح البيت…وراجع.
قالها ونهض مسرعًا، هاربًا من العيون، من الأسئلة، من ضعفه الذي لم يعد قادرًا على إخفائه.
تحرَّك بخطواتٍ غير متَّزنة، يتخبَّط في سيره، متَّجهًا إلى منزل والده…
لكن قدماه توقَّفتا فجأة،
حين اخترق سمعه صوتٌ ناداه باسمه…
_بلال 
التفت إليه…
اقترب آسر، وعيناه تطلقان سهامًا مشتعلة، توقَّف أمامه يحدِّق فيه بألمٍ عارٍ لا يحتاج كلمات.
خرج صوته مبحوحًا:
_ ليه؟!
قطَّب بلال جبينه بتساؤلٍ متصنَّع:
_ ليه إيه؟ مش فاهم.
دنا آسر خطوةً أخرى، حتى كادت أنفاسهما تختلط، وقال بنبرةٍ تهتزُّ بين الغضب والخذلان:
_ ليه اتجوِّزت رولا يا بلال؟
ابتلع بلال ريقه بصعوبة، حين شعر بغصَّةٍ تخنقه، هزَّ كتفيه وهو يشيح بنظره بعيدًا:
_ مش فاهم إنتَ بتسأل عن إيه…ماإنتَ عارف اتجوِّزتها ليه.
في لحظة انفجار، أمسكه آسر من تلابيبه، وعروق عنقه بارزة، وصوته خرج كالسوط:
_ بصِّلي كده واحترم عقلي، سؤال وعايز إجابة صريحة…
سكت لحظة ثم أكمل بمرارة:
_ إنتَ اتجوِّزت أختي ليه؟ وبلاش تستغباني، فيه واحد يحبِّ واحدة ويتجوِّز عليها قبل شهرين من جوازهم؟!
تراجع بلال خطوة للخلف، نفض ذراع آسر بحذر:
_ معنديش إجابة لسؤالك…
رفع عينيه إليه للحظةٍ خاطفة ثم قال:
_ وأتمنَّى تحترم الصداقة اللي بينَّا… عندي ميعاد مهم ولازم أمشي.
قالها وتحرَّك مبتعدًا، متَّجهًا إلى سيَّارته.
كان يمشي بثباتٍ زائف، بينما داخله يتهاوى..لا يريد أن يصرخ…لا يريد أن يبكي…لا يريد أن يضعف أمامه.
استقلَّ السيارة، وانطلق بها دون هدى، لا يعلم إلى أين يذهب..كلُّ مايعرفه أنَّ قلبه يحترق، يبكي دمًا،يكفيه مايشعر به،
يكفي قلبه الذي أُنهك، ضعُفَ، وتجرَّد من شخصيته قطعةً قطعة.
عاد إليه مشهد تمرُّدها كطعنةٍ قاتلة.
منذ يومين فقط..
حين ذهب إلى المنزل ولم يجدها.
وقف أمام باب الشقَّة طويلًا،
ينادي اسمها بلا صوت،لم يجدها فاتَّجه إلى منزل والدها يخطو إليها بخطواتٍ كان قلبه يسبقه، والخوف يلتفُّ حول صدره كحبلٍ يضيق مع كلِّ نفس.

وصل بعد دقائق إلى بيت يزن، كان جسده يسبقه بثقلٍ واضح، يجرُّ قدميه جرًّا من فرط الإرهاق، دلف إلى الداخل فوجد الجميع مجتمعين بغرفة المعيشة..ألقى تحيَّة المساء بصوتٍ خافت.
تجمَّدت عيناه عليها.
كانت تجلس إلى جوار أنس، ابن عمَّتها، تنحني على شاشة هاتفه، تضحك مرَّة، وتلكزه مرَّة، بينما ذراعه ممدودة فوق مسند مقعدها…مشهدًا كفيلًا بأن يُقنع أيِّ غريب أنَّها بين أحضانه.
نهض يزن يشير إليه بحفاوة:
_ تعال يا حبيبي، واقف ليه؟
لم تتحرَّك عيناه عنها، ورغم ذلك لم تعره أدنى اهتمام، حوَّل بصره إلى يزن وقال بإرهاقٍ صادق: 
_ تعبان والله يا عمُّو، عايز أرتاح…جاي آخد رولا.
_ يلَّا يا رولا، جوزك جه.
_ هبات هنا يا بابا…تمتمت بها دون أن ترفع عينيها، وهي مازالت غارقة في هاتف أنس، ضحكت ثم وخزته بمزاح.
_ رولا.
نطقها يزن بحدَّة، ثم أشار إليها: 
_قولت قومي روحي مع جوزك.
رفعت رأسها أخيرًا، بنبرةٍ مشحونةٍ بالغضب:
_ هوَّ حضرتك مش متحمِّلني في بيتك يا بابا، إيه أروح أبات عند الغُرب؟
التقت عينا آسيا وقوف بلال، فتدخَّلت بهدوءٍ مصطنع:
_ ما غريب إلَّا الشيطان يا حبيبتي، تعالي باتي معانا، ولا تزعل…
_ اخرسي يا بت إنتِ كمان!
تحرَّك يزن نحو ابنته، لكن بلال أوقفه بإشارةٍ هادئة، نبرته باردة لكنَّها قاطعة: 
_ لا، خلِّيها يا عمُّو…تبات براحتها.
حدجها بنظرةٍ تحمل ألف معنى، ثم أضاف وهو يتحرَّك للخارج: 
_ تعالي خدي هدومك يا مدام، يمكن تفتكري تلبسيها.
قالها دون أن يلتفت، غير عابئ بصياح يزن خلفه:
_ قومي روحي مع جوزك!
رمقته بصمت، وشعرت بالاختناق يطبق على صدرها: 
_ وأنا قولت هبات هنا.
هبَّت رحيل من مكانها واقتربت: 
_ حبيبتي، تعالي نتمشَّى شوية…
لم تتحرَّك..كانت عيناها معلَّقتين بوالدها وحده، سحبتها رحيل بلطفٍ قسري، وخرجت بها:
_ متزعليش من بابا، إنتِ شايفة جوزك تعبان قدِّ إيه، ولسه راجع من الشغل… لازم تكوني جاهزة لمقابلته، وده اللي حاولت أفهِّمه لك.
نزعت ذراعها من كفِّ أمَّها بعصبية، ثم تركتها ولحقت به.
دخلت المنزل، وجدته داخل الغرفة. اقتربت حتى صارت أمامه مباشرة: 
_ حلو اللي عملته ده، عايز توصل لإيه؟
سكتت لحظة ثم تابعت بسخرية: 
_خايف أكون رايحة أشتكيك، ولَّا خايف ماأرجعش تاني؟
لم يجب..التقط ملابسه واتَّجه إلى الحمَّّام.
صرخت خلفه: 
_ روحت قلت لبابا عن جوازك، ومقدرتش تواجهني يا دكتور؟
تقدَّمت ووقفت في طريقه: 
_عارف ليه؟ علشان تبقى في نظره راجل شهامة…وهو للأسف سقَّف لك.
اقتربت أكثر، صوتها يرتجف غضبًا: 
_ بس في نظري…إنتَ ولا حاجة..
وبجد، لو سألتني أبشع حاجة حصلت لك؟
هقول إنِّي قرَّبت من واحد خاين زيَّك.
كان يستمع بوجهٍ جامد، بلا انفعال. أزاحها بهدوءٍ موجع، ودلف إلى الداخل، مغلقًا الباب خلفه.
فاق من شروده على رنين هاتفه.
نظر إلى الشاشة..يوسف.
أغلق الهاتف بلا تردُّد، وألقاه جانبًا في السيارة.

في منزل إلياس..
اقترب إلياس من يوسف، وقد بدا الضيق واضحًا على ملامحه: 
_ إنتَ واقف هنا بتعمل إيه؟ روح قابل الناس، لمَّا أشوف إسحاق راح فين فجأة.
أجابه يوسف وهو يحاول ضبط نبرة صوته: 
_ حمزة ردّ عليَّ، قالِّي قدَّامه نصِّ ساعة وجاي.
زفر إلياس بغضب وهو يشيح بوجهه: 
_ لمَّا ييجي ده كمان…كتب الكتاب المفروض بعد المغرب وقبل العِشا، أهو العِشا هتأذِّن، والمأذون لسه ماوصلش!
_ المهمِّ يكون كويس يا بابا.
دار إلياس بجسده، وعيناه تجوبان المكان بقلقٍ لا يهدأ:
_ هوَّ بلال فين؟!
_ راح مشوار وزمانه جاي.
قالها بوصول ضي وهي تقترب منهما.
تحرَّك إلياس إلى الداخل بخطواتٍ متوتِّرة، توقَّفت ضي بجوار يوسف، تشبَّثت بذراعه، وعيناها تلاحقان حركة إلياس:
_عمُّو ماله، وليه حمزة اتأخَّر كده؟
التفت إليها يوسف ببطء، وقال بصوتٍ منخفض يخشى أن يسمعه احد: 
_ إنتِ كنتِ عارفة إنِّ رولا سقَّطت البيبي؟
شهقت ضي، وتراجعت خطوة، كأنَّ الخبر صفعها: 
_هيَّ كانت حامل! إزاي؟ ده لسه ماكملوش شهرين، إزاي وإحنا..
نطقتها دون وعي، ورغم أنَّها كلمات ولكنها  
كانت خناجر..طعنة واحدة كفيلة بأن تُسقِط ماتبقَّى منه.
ابتلع يوسف غصَّته التي اشتعلت مرارةً في حلقه، وتحدَّث بصوتٍ مبحوح، يشعر بأنَّ الحروف تُنتزع من صدره:
_ هشوف الناس…
قالها وتحرَّك سريعًا، ورغم اتِّساع المكان، شعر وكأنَّ الجدران تنكمش حوله، وكأنَّ الهواء صار أثقل من أن يُستنشق، كان كمن يُزَجّ به إلى قبرٍ مفتوح، يعرف أنَّه له، ولا يملك الهرب.
وصل إلى فريدة ومصطفى، ولم يدرك كيف انهار جسده على المقعد.
عيناه تهربان في كلِّ اتجاه، تخشيان التقاء أي نظرة، أي سؤال، أي شفقة.
لم يكن يخاف أن يُفتضح…بل أن يُكشَف وجعه.
لقد استوطن الألم صدره وحده، حتى أصبح ثقيلًا كوصمة، صامتًا كجريمة، وهو الشاهد والمتَّهم، ولا صوت يُسمح له أن يخرج، يعرف أن لا أحد سيتقاسمه، وأنَّ الصراخ جريمة أخرى تُضاف إلى قلبه.

عند حمزة.. 

استقلَّ سيَّارته متَّجهًا إلى منزل إلياس، وقلبه يسبق العجلات لهفةً..رفع هاتفه واتَّصل سريعًا:
عِمران، عَدِّي على المأذون اللي في شارع كمبوند الشافعي وخُده معاك، وأنا هسبقك.
اجابه عمران متردِّدًا قليلًا:
_حموزي أنا مع بابا، بنشتري هدية العروسة…هاته وإنتَ جاي.
_تمام.
قالها وأغلق الهاتف، ثم ضغط على دوَّاسة البنزين، وابتسامة عريضة تشقُّ ثغره، اليوم سيُتوَّج بملكة روحه. تخيَّلها بين ذراعيه، اسمها يرنُّ في صدره كأنشودة، فارتجف قلبه فرحًا.
قطع لحظته رنين الهاتف:
_أيوه؟
حمزة باشا…زي ماتوقَّعت، قابل الواد بتاع الكليَّة في مطعم على النيل.
تصلَّبت ملامحه فجأة، وتبدَّد الدفء من عينيه:
_هوَّ نفس الولد؟
_هوَّ يا باشا.
تمام…ابعت اللوكيشن.
أغلق الهاتف، وانحرفت السيارة عن مسارها، وكأنَّ الفرح انكسر فجأةً تحت عجلاتها.
بعد فترة، ترجَّل من سيارته بخطواتٍ ثقيلة، قابله رجلُه فأشار له بالتوقُّف. دلف إلى الداخل يجوب المكان بعينيه، حتى وقعت عيناه عليهما.. تقدَّم بخطواتٍ محسوبة، إلى أن وصل. سحب مقعدًا وجلس بلا استئذان، قائلًا بابتسامةٍ باردة:
_مساء الخير…مكنتش تعزمني يا صلاح على العشا؟ ده إحنا كان بينَّا عيش وملح يا راجل..كده أروح حفلة كتب الكتاب جعان؟
ارتجف الشاب الجالس جوار صلاح، وانكمش على نفسه، رمقه حمزة بنظرةٍ جانبيَّة حادَّة:
_إيه..جاي لصلاح يغيَّر لك على الجرح؟
هبَّ الشاب من مكانه، وتلعثم صوته:
_أنا…أنا كنت معدِّي صدفة و..
قاطعه حمزة ببرودٍ مخيف:
_اقعد يلا…بدل ماأعلَّقك مكان النجفة دي.
جلس الشاب بعيدًا، وجسده ينتفض كوترٍ مشدود، التفت حمزة إلى صلاح، وكأنَّ شيئًا لم يحدث:
_اطلب عشا، مش بقولَّك جعان؟
تقدَّم صلاح بنظره، حائرًا بين الدهشة والقلق:
_حمزة، ممكن أعرف مالك، وبتكلِّمني كده ليه؟
ثبتت عينا حمزة عليه، وابتسامته اختفت تمامًا… 
دنا بجسده حتى كاد أن يلتصق به، وهمس بهسيسٍ مرعب اخترق أذنه:
_اطلب عشا…بقولَّك جعان.
أشار صلاح للنادل، الذي اقترب بسرعةٍ متوجِّسة:
_تحت أمرك يا فندم.
رفع حمزة عينيه ببطء، وحدَّق في النادل نظرة جعلته يبتلع ريقه:
_عايز عشا محترم…أغلى حاجة عندك في المطعم، عايز الترابيزة دي مليانة.
توقَّف لحظة، ثم أضاف ببرودٍ قاتل:
_وجهِّزلي عشا أخده معايا للعروسة، يعني حوالي عشرين حمامة، وكلِّ أنواع السي فود اللي عندك…ودِّيهم للواقف ده.
_تحت أمرك يا باشا.
استدار النادل لينصرف، لكن حمزة أوقفه بإشارةٍ من يده:
_مش هتاكل يا صلاح إنتَ والحيوان ده؟
ابتلع صلاح غضبه وقال مقتضبًا:
_لا، مش جعان.
ابتسم حمزة ابتسامةً بلا روح:
_بس أنا جعان…ولازم تاكل، عارف بقى عريس ولازم أتغذَّى، قولُّه هتاكل إيه.
_قلتلك مش جعان يا حمزة.
اقترب أكثر، وصوته خرج حادًّا:
_وأنا بقولَّك هتاكل.
رفع صلاح عينيه أخيرًا، وطلب بعض أنواع اللحوم.
أوقفه حمزة: 
_هوَّ مكسوف بس، نزِّل كلِّ أنواع اللحوم اللي في المطعم، ومتنساش السلطات الحرَّاقة صلاح بيموت فيها. 
_أي طلب تاني يا فندم؟ 
رمق الجالس بجوار صلاح: 
_شوف الواد دا ياكل إيه، ولَّا خده أكِّله في المطعم وممكن يفيدك، إنَّما لو بتسأل عن الأكل معرفش، اسأل صلاح أصله هوَّ اللي عازمني. 
توسَّعت عينا صلاح بذهول: 
_أنا هدفع تمن الأكل دا كلُّه؟!
أشار حمزة للنادل بالتحرُّك، فَّتحرَّك النادل، بينما دفع حمزة المقعد وجلس عليه بعكسه، مفرِدًا ذراعيه كمن يملك المكان:
_الله مش عريس ولازمن توجِّب مع صاحبك، إنَّما إيه بقى، الكلام على إيه؟
زفر صلاح بضيق:
_إنتَ عايز إيه يا حمزة؟
اقترب حمزة حتى صارت أنفاسهما متداخلة:
_حقِّي…يا ابن الفيوم.
ضحك صلاح بتهكُّمٍ مستفز:
_إيه، لسه واجعاك؟
هزَّ حمزة رأسه ببطء، وابتسامته اتَّسعت:
_تؤ…حمزة الجارحي مابيتوجعش.
ثم مال عليه وهمس بنبرةٍ تقطر وعيدًا:
_هوَّ بيوجع…آه.
صمت لحظة، ثم أكمل بصوتٍ خفيض أشدُّ فتكًا:
_أقسم بالله لو قرَّبت من مراتي… لأكون مأكِّلك التراب..ومش بس كده، هعرَّفك اللي يقرَّب من أملاك حمزة بيحصل فيه إيه.
استقام في جلسته:
_دلوقتي… هتشوف عيّنة.
أشار إلى رجله، الذي فهم المقصود فورًا، ودلف إلى الداخل لبضع دقائق. تابع حمزة الباب بعينيه، ثم تمتم بسخرية:
عرفت سيادة العقيد مرشَّح يكون وزير؟
دنا أكثر، ونظر لصلاح نظرةً مظلمة:
_لازم أعملُّه دعاية.
عاد النادل، ورفع صوته موجِّهًا حديثه لروَّاد المطعم:
_كلُّنا نشكر صلاح باشا الفيوم على العزومة المجانية دي.
ثم أشار إليه مبتسمًا ابتسامة رسمية:
_صلاح باشا مصرّ، وده طبعًا كرم بسيط من والده…سيادة العقيد.
في اللحظة نفسها، كانت عدسات الصحافة تلتقط الصور، والزحام يملأ المكان، جزَّ صلاح على أسنانه، وحدَّق في حمزة بنظراتٍ مشتعلة:
متفكَّرش إنَّك بتلوي دراعي.
رفع حمزة كوب الماء، ارتشف منه بهدوءٍ متعمَّد:
سمعت إنِّ سيادة الوزير المستقبلي… إن شاء الله في المشمش، أعلن إفلاسه، وقاعد بفلوس مرات ابنه.
هزّ رأسه بأسفٍ مصطنع:
_تؤ… يا حرام.
وصل النادل، ووضع الطعام بعناية:
_الأوردر جهز يا فندم، زي ماحضرتك طلبت.
فرد حمزة محرمته، وأشار له بالانصراف، ثم بدأ يتناول طعامه براحةٍ مستفزَّة:
_الأكل طعمه حلو…رغم إنِّ فلوسه حرام يا أخي.
غمز له بخفَّة قاتلة:
شكرًا على العزومة، الموضوع مش مكلف أوي…يعني هنشوف كام دلوقتي؟

قالها وسحب المحرمة يمسح بقايا الطعام عن شفتيه بتقزُّز، ثم أشار بكسلٍ إلى المائدة العامرة:
_خلِّيهم يوزَّعوه على المحتاجين… لازم أمشي دلوقتي، اتأخَّرت على عروستي.
انحنى يلتقط مفاتيحه، خطا خطوتين ثم توقَّف، التفت نصف التفاتة:
_ أبو صلاح…لو فلوسك مكفِّتش…
صمت لحظة، ثم غمز بعينه بسخريَّة قاتلة:
_ اغسل لهم المطبخ، ومتنساش السيلفي مع الأطباق…باي، أشوفك في عزومة تانية.
قالها وانسحب وهو يطلق صفيرًا مستفزًّا، بينما مسح صلاح وجهه بكفِّه وقد غلى الدم في عروقه:
_إيه اللي عرَّف الحيوان ده إنَّك من طرفي؟
_ معرفش والله اتفاجأت..أنا همشي، الواد ده مش بيهزَّر، وإنتَ شوفت عمل معايا إيه.
تحرَّك الشاب وهو يتمتم بتهديد:
_ ابعتلي باقي حسابي بقولَّك أهو… بدل ماأفضحك.
نفخ صلاح بضجرٍ مكتوم:
_وحياة أمَّك ماأنا عاتقك يا ابن الجارحي…
قاطعه صوت النادل باحترامٍ مصطنع:
_ حضرتك هتطلب حاجة تانية يا فندم؟
استدار صلاح فجأة، صرخ في وجهه:
_امشي من وشِّي!
تحرَّك النادل بخطواتٍ متردِّدة، لكن صلاح أوقفه بإشارةٍ حادَّة:
_ استنى…حساب الأكل كام؟
أخرج الرجل الورقة، نظر فيها، ثم رفع عينيه بثبات:
_ ميتين وخمسين يا فندم.
_ ميتين وخمسين إيه؟
_ ألف يا فندم.
تجمَّد صلاح في مكانه:
— نعم! ليه؟! إنتوا شكلكم حرامية!
ابتلع النادل ريقه، وتمسَّك بهدوئه:
_ لو سمحت يا فندم…إنتَ في مطعم محترم، ووالد حضرتك زبون دائم. حضرتك طلبت الليلة كلَّها على حسابك، وكمان سِت الخدم والبودي جاردات، وصاحبك خد أكل إضافي.
انفجر صلاح:
_ امشي غور من وشِّي!
ابتعد النادل، بينما سقط صلاح على الكرسي خلفه، صدره يعلو ويهبط بعنف، مدَّ يده المرتعشة إلى جيبه، أخرج هاتفه، نظر إلى الرصيد…
_خمسين.
ضحكة قصيرة خرجت منه بلا صوت، ضحكة مهزومة.
همس بأسنانٍ مطبقة:
_ ابن الجارحي كسرني قدَّام نفسي.
وفي تلك اللحظة، أدرك أنَّ العزومة لم تكن طعامًا…كانت رسالة.
بعربية حمزة، استمع إلى رنين هاتفه: 
_أيوة يا بابا.
_إنتَ بتعمل إيه، متنساش إنَّك ابن الجارحي.
نظر بمرآة السيارة، ثم ابتسم بسخرية: 
_مين قالَّك نسيت إنِّي ابن الجارحي، أنا كنت جعان، ورحت أتعشى، هوَّ الأكل حرام؟ 
_حمزة، إنتَ بتكلِّم إسحاق الجارحي. 
_أحسن راجل في الدنيا، على العموم، أنا شبعت وجاي لعروستي.
زفر اسحاق متأفِّفًا، ثم أغلق الهاتف واتَّجه لأحد الرجال يهاتفه:
_خرج من المطعم ولَّا لسة؟
خرج يا باشا، وفي طريقة لآل الشافعي. 
_عمل حاجة في الواد ابن الفيومي؟ 
_لا يا فندم اتعشُّوا مع بعض بس. 
أغلق المكالمة ينظر أمامه:
_ياترى بتخطَّط لإيه يا بن إسحاق؟ 

وصل بعد فترة إلى كمبوند الشافعي.
ترجَّل من السيارة، بنزول  إلياس الذي ألقى نظرةً سريعة إلى ساعته، ثم إليه، بإشارةٍ لا تخلو من عدم الرضا:
_ ينفع كده؟
تنفَّس بعمق، محاولًا السيطرة على توتُّره:
_ آسف…كان مشوار مهم، ولازم أحطِّ له حد.
التفت إلى الخلف، يشير بعينيه إلى سيارة المأذون التي توقَّفت خلفهم:
_ نصلِّي العِشا ونكتب الكتاب.
أومأ بصمت، خطا إلياس بعض الخطوات ولكنَّه توقَّف على صوت حمزة:
_ممكن أشوف عروستي قبل كتب الكتاب؟ 
استدار إليه يرمقه بنظرةٍ ثابتة: 
_إيه هترجع في كلامك؟
اقترب مبتسمًا:  
_هوَّ ليه حضرتك بتحسِّسني إنِّي عدوَّك؟
_الناس حوالينا، والنهاردة فرحتك، اتلمّ شوية. 
_تعرف حضرتك غالي عليَّ أوي، ومن زمان والله مش علشان شمس.
_أقعد حبِّ فيَّ يا بن اسحاق ونلغي الفرح. 
_لا نلغي إيه، مين اللي قال إنِّي بحبَّك أصلًا. 
قالها بمشاكسة ثم دلف للداخل. 
بغرفة شمس:
دخلت ضي بخطواتٍ فرحة وابتسامةٍ واسعة تسبقها:
_ حمزة جه…يلَّا يا شمس، اجهزي علشان تنزلي.
رفعت شمس عينيها بتردُّد:
_ شكلي حلو؟
اقتربت منها ضي، وقرصت وجنتيها بحنان:
_ زي القمر…لا، ده إنتِ الشمس كلَّها يا قلبي.
أخذت شمس نفسًا عميقًا، ثم زفرته ببطء:
_ مش عارفة خايفة ليه، قلبي بيدقّ أوي.
_ طبيعي يا حبيبتي، اهدي…ده كتب كتاب، مش دخلة.
في تلك اللحظة، طُرق الباب ودلف يوسف:
_حبيبتي جاهزة؟
خطت شمس نحوه بخطوةٍ متردِّدة:
_ أيوه…هوَّ لازم أكون موجودة دلوقتي؟
احتضن يوسف وجهها بين راحتيه، ونظر إليها بعينٍ يملؤها الحنان:
_ حبيبة أخوها، خدي نفس عميق، وانسي أيِّ حاجة، غير إنِّك شمس إلياس الشافعي.
هزَّت رأسها وقالت: 
_تمام؟
أومأت بهدوء، وهمست:
_ تمام.
أمسك كفَّها وتحرَّك بها، لكن ضي أوقفته:
_ إنتَ هتنزل بيها…وأنا لأ؟
توقَّف يوسف..وارتعش قلبه من نبرة الحزن في صوتها.
رغم أنَّه كان قد حسم أمره بعقله، لكنَّه لم يكن مستعدًّا لكسر قلبها.
صراعٌ صامتٌ دار في صدره، بين عقلٍ يُلحّ، وقلبٍ يرفض..وعيناه تتهرَّب من النظر إليها، بسط كفِّه الآخر:
_ تعالي يلَّا.
نظرت إليه، التقت بعينيه الهاربة:
_ مالك؟
لكنَّه سحبها وتحرَّك دون رد.
بالأسفل..
ماإن ظهرت شمس حتى سكن المكان.
توقَّفت الهمسات، وتعلَّقت الأنظار بها.
نهض إلياس من مكانه، واقترب يتأمَّل ابنته بنظرةٍ امتزج فيها الفخر بالألم:
_ تعالي يا حبيبتي.
قالها وهو يشير إلى مقعدها بجوار حمزة.
ضغط يوسف على كفِّ شمس، ثم أومأ لها.
تشبَّثت بكفِّ أخيها:
_ هقعد جنب يوسف.
ابتسم يوسف ابتسامة الأب الذي يسلِّم قلبه وتحرَّك بجوارها، مشيرًا بعينيه لوالده.
جلست شمس إلى جوار أخيها.
وبالمقابل جلس حمزة وإلى جانبه إسحاق.
وعلى الطرف الآخر إلياس وأرسلان.
وفي المنتصف، جلس المأذون.
وهنا..
لم يعد المكان كمبوندًا.
ولا الجمع عائلةً فقط…
بل قلوبًا محبوسة في لحظةٍ فاصلة،
لحظةٌ ستغيِّر حياة قلبانِ الى السعادة.

المأذون:
اسمك الكامل يا ابني؟
حمزة (بصوت ثابت يخونه الخفقان):
_حمزة إسحاق الجارحي.
دوَّن المأذون، ثم رفع رأسه:

يا أستاذ إلياس…
هل زوَّجتَ ابنتك شمس بنت إلياس الشافعي..على كتاب الله وسنَّة رسوله،
وعلى الصداق المسمَّى بين الطرفين؟
نظر إلياس إلى ابنته..
نظرة طويلة، ممتلئة بكلِّ مالم يُقال.
تنفَّس بعمق، ثم قال بصوتٍ ثابتٍ رغم ارتعاشه الداخلي:

زوَّجتُ ابنتي شمس…على كتاب الله وسنَّة رسوله،وعلى الصداق المسمَّى.
دوَّن المأذون، ثم رفع رأسه متَّجهًا إلى حمزة:
_يا حمزة…هل قبلت الزواج من الآنسة شمس  إلياس الشافعي
على كتاب الله وسنَّة رسوله،
وعلى الصداق المسمَّى بينكما؟
ساد صمتٌ ثقيل.
شمس لم ترفع عينيها، لكن يدها ارتجفت.
نظر حمزة إليها..نظرة واحدة…
كافية ليثبت كم هو لها عاشقًا.
فردَّ حمزة بصوتٍ أوضح، أعمق، بل ثقة ممزوجة بالرجل العاشق:
_قبلت.
ابتسم المأذون:
_قلها تاني يا ابني، للتمام.
أومأ برأسه: 
_قبلت الزواج من شمس إلياس الشافعي،
على كتاب الله وسنَّة رسوله.
التفت المأذون إلى شمس، صوته صار أحنّ:

_يا شمس..
هل قبلتِ الزواج من حمزة…
على ماذُكر؟...يعني موافقة يا بنتي؟
توقَّفت أنفاس شمس.
وشدَّت يد يوسف حول كفِّها دون وعي.
ضغط يوسف بحنان يهزُّ رأسه إليها.
فرفعت رأسها ببطء.
عيناها تلمعان…ليست دموعًا، بل رهبة.
نظرت إلى يوسف، ثم إلى أبيها،ثم… إلى حمزة..ابتلعت ريقها.
وقالت بصوتٍ خافت:
_قبلت.
خرجت الزفرة من صدور الجميع دفعةً واحدة..رفع المأذون يديه:

بارك الله لكما، وبارك عليكما،
وجمع بينكما في خير.
انفجر المكان من حولهم، زغاريد تخترق الهواء، تكبيرات تتلاحق، ضحكات باكية ودموعٌ فرِحة..لكن حمزة…لم يسمع شيئًا.
كان ينظر إلى شمسه فقط.
كأنَّ العالم كلِّه انكمش في ملامحها المرتعشة، في عينيها الواسعتين الخائفتين من الفرح..الآن أصبحت ملكه، لقد أقسم ووعد، والآن أصبحت شمس حمزة الجارحي، لقد بقي القليل لتصبح زوجته قولًا وفعلًا... التفَّ الجميع يهنِّئونها، وهي مازالت متوقِّفة بجوار أخيها، تتشبَّث بذراعه كطلفةٍ تبحث عن الأمان، سحبها إلياس بهدوء، وضمَّ وجهها يطبع قبلةً مطوَّلةً فوق جبينها، داعيًا من الله لها بالسعادة، ثم أشار إليها أن تقترب من فريدة ومصطفى، تحرَّكت وهي تسحب كفَّ يوسف، الذي ابتسم على طفولتها، يقول لوالده: 
_قولت لكم لسة عيِّلة.
نظرت إليه بتذمُّر طفولي، سحبها تحت ذراعيه وارتفعت ضحكاته، رغم أنَّها ليست من القلب ولكنَّه أقسم ألَّا ينتزع فرحتها. 
مالت إلى فريدة وقبَّلت يدها، وفعلت المثل مع مصطفى...داعين من الله عزوجل السعادة. 
ثم اتَّجهت إلى إسحاق وفاروق، اللذان هنَّأنها ببشاشةٍ وسعادة، أخيرًا استقرَّت أمام والدتها، التي توقَّفت تنظر إليها بعيونٍ مليئة بالدموع، وشريط ذكرياتهما مع بعضهما البعض، الآن أصبحت ابنتها ملكٌ لآخر.. ضمَّتها وبكت بكاء السعادة 
مع قبلةٍ حارَّة على جبينها، رفعها طارق يدور بها: 
_مبروووووك يا خالو وعقبال لمَّا نوصَّلك لبيت الكابتن. 
لمعت عيناها بالسعادة من فرحته، رفعت نفسها وقبَّلته على وجنتيه:
_أحسن خالو في الدنيا. 
_وأنا لأ يا شموس؟ 
استدارت لتجد يزن يفتح ذراعيه، اتَّجهت إليه تلقي نفسها بأحضانه:
_لا طبعًا إنتَ حبيبي. 
قبلةٌ عميقةٌ على جبينها: 
_ربِّنا يسعدك حبيبة خالو. 
دارت بعينيها في المكان: 
_فين بلال؟..اتَّجهت لأخيها: 
_معقول بلال محضرش كتب كتابي؟! 
هنا التقت أعين يوسف بعيني رولا، ثم قال:
_جاله شغل مهمّ حبيبة أخوها، هيكون موجود في السهرة. 
دلفت غادة بجوار مالك: 
_شموسة عمِّتها، آسفة حبيبتي اتأخَّرت عليكي. 
_حبيبتي يا عمِّتو، المهمِّ إنِّك جيتي. 
رفعت عيناها إلى مالك: 
_عمُّو مالك..ابتسم إليها:
_مبروك يا جميل، ربِّنا يتمِّم سعادتك على خير.
ارتجف قلبها فجأة، حينما شعرت بكفَّيه يحتضن كفَّيها ثم مال عليها، وهمس بصوتٍ منخفض:
_خلاص…بقيتي مراتي.
ارتعش جسدها بعنف،لم تكن كلمة،
شعرت وكأنَّ كهرباء سرت في أوصالها، فأفقدتها توازنها للحظة.
تراجعت وتشبَّثت بذراع يوسف الذي يتحدَّث مع مالك، نظر لذراعها الذي يحتضنه، ثم التفت فوجد حمزة بجوارها.
حمحم يوسف، واقترب من حمزة:
_مبروك يا كابتن. 
_شكرًا يا يوسف. 
ضمَّها يوسف إلى صدره، احتواها بذراعينِ مرتجفتين، وشدَّها كأنَّه يثبت لحمزة أنَّه سيظلَّ درعها الآمن.. 
_مش هوصِّيك عليها، لسة بدري على كدا، بس متأكِّد إنَّك مستحيل تزعَّلها. شمس بنتي يا حمزة مش أختي. 
_وشمس حياتي يا يوسف، وزي ماقولت مش محتاج توصية.. 
نظر لأخته التي تطالعه بمحبَّة، 
فانزلقت دمعةٌ شاردة من عينيه…
لا يعلم هل كانت دمعة فرحٍ لأنَّه سلَّمها للأمان،
أم دمعةُ ألمٍ لأنَّه يسلِّم قطعةً من قلبه لا تعود.
ربت على ظهرها وهمس بصوتٍ مبحوح:
_أكيد إنتي عارفة إنتي بالنسبالي إيه، أي وقت هتلاقيني جنبك.
احتضنته، بكت بصمتٍ قاتل، دموعها بلَّلت قميصه، كأنَّها تودُّ لو تختبئ داخله من العالم كلِّه.
راقبهما حمزة بصدرٍ يضيق،
لم يعرف لماذا انغرز شيءٌ حاد في قلبه وهو يراها تتشبَّث بغيره.
اقترب أخيرًا، ومدَّ يده بثباتٍ متعمَّد،
وضعها على كتف يوسف وقال بنبرةٍ منخفضة، لكنَّها قاطعة:
_اطمّن…شمس أمانة في رقبتي، غير إنَّها قلبي وروحي.
تلاقت عيونهما في صمتٍ ثقيل،
لحظةٌ مشحونة بكلِّ مالا يُقال:
تحذير أخ…ووعدُ رجل.
تنفَّس يوسف بعمق، مسح دموعه سريعًا،
ثم سلَّم يد شقيقته لحمزة ببطء،
كمن يسلِّم روحه. 
ارتجفت يد شمس بين يدي حمزة، أطبق أصابعه حولها، أدركت الحقيقة كاملة:
لم تعد تلك الطفلة التي تختبئ خلف أخيها…بل امرأة دخلت حياةً جديدة،
مليئة بالحب…والخوف…والمسؤولية.

تحرَّكت معه ببطء، بخطواتٍ متردِّدة.
توقَّف إلياس أمامهما فجأة حاجبًا الطريق، وصوته خرج حادًّا:
_ رايحين فين؟
ابتسم حمزة ابتسامة واثقة، فيها شقاوة المنتصر، وقال وهو يقترب منه:
_ إنتَ نسيت تبارك لي على فكرة…
ثم ضحك بخفَّة وأضاف:
_ على العموم ولا يهمَّك.
اقترب خطوةً أخرى، واحتضن إلياس بقوَّة:
_ الله يبارك فيك يا عمُّو، دلوقتي أنا مع مراتي، ساعتين وأرجَّعها لك، سلام بقى علشان العطلة.
لوَّح بيده كمن يودِّع الدنيا كلَّها، لكن إلياس انتفض:
_ استنى يا ولا! إنتَ اتجنِّنت، هتاخد البنت من غير إذني؟!
في تلك اللحظة وصلت فريدة إليهما، قالت بابتسامةٍ دافئة:
_ ربِّنا يسعدكم يا ولاد…
ثم سحبت إلياس من ذراعه بحزم أمٍّ لا يُجادل:
_ باباك عايزك، شكله تعبان.
تجمَّد للحظة، ثم قال بقلق وهو يتحرَّك مبتعدًا:
_ ماله بابا؟
_ روح شوفه.
قالتها وهي تدفعه برفق، قبل أن يلتفت حمزة إلى فريدة.
رفع كفَّها وقبَّله بمحبَّة صادقة:
_هوَّ أنا قلت لك بحبِّك قبل كده يا تيتا؟
ضحكت، وهزَّت رأسها بمكر:
_ أيوة…أقعد عاكس فيَّا لحدِّ مايرجع وياخد منَّك قمرك.
تورَّدت وجنتا شمس خجلًا، واقتربت فريدة منها، تضمُّها بنظرةٍ حانية:
_ حبيبتي…عيشي سعادتك.
خفضت صوتها وأضافت بصدقٍ موجع:
_ ولو هتسرقي السعادة، اتأكِّدي يا بنتي ده نصيبك من الدنيا، محدِّش له دخل فيه.
شدَّها حمزة إليه، ذراعه التفَّت حولها كأنَّها وطنه الوحيد:
_ بالنسبة لي ده أحسن نصيب يا تيتا…
ثم رفع عينيه للسماء:
_وياربِّ مايحرمنا من بعض.
ربتت فريدة على كتفه، وعيناها تلمعان:
_ يارب يا حبيبي…إنتَ معاك قطعة من قلبي يا حمزة.
تنحنح وهو يضحك، يحاول كسر التأثُّر:
_ ماخلاص يا تيتا!
نظر إلى شمس بمشاكسة:
_ هيَّ فيها كام قطعة بس، دي قدِّ كفِّ إيدي..يوسف يقول قطعة من قلبي، وحمايا نفس الكلام، حتى عمُّو أرسلان!
هزَّ رأسه ساخرًا:
_ إيه يا بنتي، موزَّعة نفسك على العيلة؟
ضحكت فريدة، وربتت على كتفه، فشدَّ شمس من يدها وتحرَّكا للخارج، كالملك المتوَّج.
تنهَّدت فريدة بعمق، وعيناها تتابعاهم، وخرج دعاؤها من القلب:
_ ربِّنا يخلِّيكم لبعض…والفرحة تسكن قلوبكم قبل حياتكم يارب.
قاطعها إلياس من خلفها بنبرةٍ مشكِّكة:
_ بتعملي مقالب يا مدام فريدة؟
استدارت إليه، ولكزته بخفَّة وضحكة ماكرة:
_ ماتسيبهم…الله! إنتَ صعب قوي.
لوَّحت بيدها باستنكار:
_خلِّي فرحتهم تكمل.
ثم مالت عليه هامسةً بمشاكسة:
_ وبعدين، الصراحة عرفت من يوسف إنَّك ناوي تبعت الولاد معاهم..لا يا حبيبي، الليلة خاصَّة بيهم.
غمزت بعينها وأضافت:
_ ولَّا نسيت يا ابن السيوفي عملت إيه في مراتك يوم كتب كتابك؟
أنهت جملتها، ورمقته بنظرةٍ ذات مغزى، ثم دلفت إلى الداخل، تاركةً خلفها ابتسامةً لا تُنسى.

بعد قليل، وصل حمزة إلى مكانٍ هادئ على ضفاف النيل.
المكان معزول عن ضجيج العالم، 
ترجَّل من سيارته أوَّلًا، أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم دار حول السيارة بخطواتٍ واثقة، وفتح بابها.
مدَّ كفَّيه لها، كأنَّهما وعدٌ لا سؤال.
وضعت يدها في يده، وتشابكت الأنامل.
لم تكن لمسة عادية..كانت لمسة مختلفة، كأنَّها المرَّة الأولى التي تسمح فيها لقلبٍ قبل العقل 
رجفة خفيفة مرَّت بكفِّها، وانتقلت إليه فورًا، فابتسم دون أن يعلِّق.
لفَّ ذراعيه حول خصرها ليقودها إلى الداخل، فانتفض قلبها قبل جسدها.
توقَّفت فجأة، وتيبَّست، وكأنَّ الهواء انسحب من رئتيها دفعةً واحدة.
شدَّ ذراعيه حولها دون ضغط، مجرَّد إحاطة…أمان.
ابتسم بحنان، تلك الابتسامة التي لا يراها أحد غيرها..يعشقها حدَّ الجنون…
طفلته البريئة، التي لو خُيِّر بينها وبين الدنيا لاختارها دون تردُّد.
_ حمزة…
قالتها بصوتٍ مرتعش:
_ شيل إيدك لو سمحت.
اقترب أكثر، حتى صار بينهما نفسٌ واحد، وهمس بمكرٍ دافئ:
_ تؤ…ثم أضاف بابتسامةٍ عاشقة:
_ واتعوِّدي على كده، مفيش حاجة هتبعدك عنِّي.
ارتبكت أكثر، وشعرت بقدميها تخونانها:
_ حمزة لو سمحت…
بلعت ريقها:
_ أنا مش عارفة أمشي.
لم يمهلها فرصة للاعتراض.
انحنى في لحظة، وحملها بين ذراعيه.
شهقت بقوَّة، وانتفض جسدها بالكامل، وعلَّقت أصابعها في قميصه بلا وعي:
_ حمزة! نزِّلني لو سمحت!
ضحك بخفوت، ضحكة مطمئنة لا تخيف:
_ شمس…
نظر لها بعينينِ تلمعان:
_ هزعل منِّك.
ثم أضاف بجديَّة محبَّبة:
_ أنا اللي بقولِّك لو سمحتِ بلاش تزعَّليني الليلة…إنتِ دلوقتي مراتي.
اتَّسعت عيناها، واعترضت بخفوت: 
_لا طبعًا…
هزَّت رأسها:
_ لسه، لمَّا أروح بيتك.
أنزلها بهدوء أمام باب المكان الذي حجزه، لم يبتعد، ظلَّ قريبًا بما يكفي لتشعر به، وقال بصوتٍ واثق:
_ لا يا حبيبي…
ابتسم:
_ الجواز إيه غير إشهار وموافقة الطرفين؟
ارتبكت أكثر، وعيناها تهربان من عينيه:
_ بس…
_ الكلِّ عارف إنِّنا كتبنا الكتاب.
دنا منها خطوة، دون أن يلمسها، لكن حضوره كان كافيًا ليزلزل دفاعاتها:
_ بس نيِّتي إنِّك مراتي.
خفض صوته حتى صار همسًا:
_ وإنَّما الأعمال بالنيَّات.
ارتجفت شفتيها، وشعرت بقشعريرة تجتاحها:
_يعني إيه…؟
تمتمت بخوفٍ بريء.
ابتسم على خوفها، مدَّ يده وسحبها برفقٍ إلى الداخل.
كان المكان غارقًا في إضاءةٍ خافتة، موسيقى رومانسية هادئة تنساب كهمس.
المكان خالٍ…سوى من عازف بيانو يعزف لحنًا حزينًا دافئًا، كأنَّه يعزف لهما وحدهما.
تقدَّم بها حتى الطاولة المطلَّة مباشرة على النيل.
سحب المقعد لها، وانتظر حتى جلست، ثم جلس مقابلها.
راحت عيناها تتجوَّلان في المكان بانبهارٍ طفوليّ، وابتسامة خجولة لا تفارق شفتيها:
_ المكان حلو أوي يا حمزة…
نظرت له بصدق:
_ عجبني أوي.
مال للأمام، وأسند ذراعيه على الطاولة، وقال بعشقٍ صريح:
_ المكان…ثم أضاف دون تردُّد:
_ وصاحب المكان، تحت أمر شمسي.
ضحكت بخجل، وشعرت بحرارة في وجنتيها:
_ خاصّ بيكم؟
هزَّ رأسه نافيًا، ونظر لها وكأنَّه يمنحها العالم:
_ لا…
ثم قال بصوتٍ جعل قلبها يقفز:
_ خاصّ بشمس الجارحي.
توَّردت وجنتاها أكثر، والتفتت حولها بفضولٍ ودهشة:
_ لا بجد…
ابتسمت:
_ المكان خاصّ بيكم؟
ضحك بخفَّة، تلك الضحكة التي تطمئنها:
_ لا…
ثم أضاف بهدوء:
_ خاص بعمُّو أرسلان.
سكتت لحظة…ثم نظرت إليه، شهقت، وعيناها اتَّسعتا بدهشةٍ طفوليَّة:
_ قول والله…ثم ابتسمت بخفَّة:
_ بس أوَّل مرَّة أشوفه.
ابتسم وهو يميل قليلًا للأمام:
_ معرفش…تنهَّد:
_ بابا قالِّي إنُّه خاص بعمُّو أرسلان، وكمان كاتبه باسم بلال.
توقَّف لحظة:
_ يمكن بلال نفسه ميعرفش.
انعقد حاجباها بحزنٍ واضح:
_ممكن…
ثم  قالت: 
_ أصل لو يعرف، كان أكيد جابني هنا.
تنهَّدت بحرقة:
_ زعلانة منُّه أوي…محضرش كتب الكتاب.
رفعت ذقنها بعناد:
_ هخاصمه، ومش هكلِّمه تاني.
اقترب حمزة واستند على الطاولة، صوته خرج أهدأ لكنَّه محمَّلًا بمعنى:
_ خلِّي بالك…ابتسم:
_ إنتِ كده بتتكلِّمي عن راجل تاني.
نظرت له باستغراب:
_ بس ده بلال.
رفع حاجبه بمكر:
_يعني مش راجل ده؟
اقترب أكثر:
_ ويحلِّ لك ولَّا إيه؟
ارتبكت، ثم قالت بصدقٍ عفوي:
_ لا…بس هوَّ ابن عمِّي، وأنا بحبُّه أوي.
رفع إصبعه ووضعه على شفتيها برفق، كأنَّه يخشى أن تجرحه بالكلمات:
_ بتغلطي يا شمسي…ابتسم بحنان:
_ وهزعل منِّك...تنهَّدت، وصمتت.
في صمتها كان اعتذارٌ كامل.
نهض من مكانه، وبسط كفَّيه لها بدعوةٍ صادقة:
_ إيه رأيك؟…نظر لعينيها:
_ نرقص مع بعض؟
أومأت بخجل، ونهضت...لفَّ ذراعيه حول خصرها، وقرَّبها إليه ببطء، حتى شعرت بأنفاسه تختلط بأنفاسها.
رفع كفَّيها ووضعهما على صدره.
هنا…سمعت قلبه، لم يكن صوتًا…
كان زلزالًا..رعشت بين ذراعيه، ورفعت عينيها إليه...حوار صامت دار بين عينيهما، كلمات لم يقدر اللسان على حملها.
قرَّبها أكثر…حتى وضعت رأسها على صدره.
أغمض عينيه، وارتفعت دقَّات قلبه بعنف، حتى ظنَّ أنَّها ستقفز من بين ضلوعه.
دفنت رأسها في صدره، وشعور غريب اجتاحها…هل هو أمان، أم راحة؟
لم تعرف…كلُّ ماعرفته أنَّها لم ترغب في الابتعاد أبدًا.
تحرَّكا مع الموسيقى…
لكن الشعور هنا أنَّ الموسيقى لم تكن العازف، بل دقَّات قلبيهما هي التي قادتهما.
همس لها، وعيناه مازالتا مغمضتين:
_ تعرفي…ارتجَّ صوته وهو يقول:
_حلمت كام مرَّة…واتمنِّيت كام مرَّة تكوني في حضني كده؟
رفعت رأسها ببطء، وتاهت في عينيه، ثم قالت بصوتٍ صادق يرتعش:
_ وأنا كمان…ابتسمت بدمعة فرح:
_ مبقتش عايزة غير إنِّي أكون في حضنك.
تنهَّدت:
_ أنا بحبَّك أوي.
كانت تلك الكلمات كفيلة أن يسقط كلُّ دفاعٍ داخله، اقترب ببطء…ببطءٍ شديد، كأنَّه يخشى أن يفزعها، أو ربَّما يخشى عليها من نفسه، لمس شفتيها بهدوء، لم يسرق القبلة…لم يهاجمها…
بل احتضن ثغرها بقبلةٍ ناعمة، مرتعشة، عاشقة..قبلة لم تكن شفاهً…كانت اعترافًا.
كانت حياةً بعد موتٍ طويلٍ في القلب.
ظلَّ يقبِّلها بحذرٍ شديد، مراعيًا جهلها، ارتباكها، رعشتها.
ارتخى جسدها بين ذراعيه، فشدَّها إليه يحميها، لا يملك سوى أن يكون لها سندًا.
ابتعد أخيرًا…حين شعر أنَّه إن اقترب أكثر، سيفقد السيطرة على مشاعره.
نظر إليها وأنفاسه متلاحقة، وعيناه تلمعان، لم يرد أكثر…يكفي أنَّه تذوَّق شفتيها، ويكفيه أنَّها جعلته يشعر…
أنَّه امتلك العالم.. 

بعد فترةٍ عاد الى المنزل، بعد عدَّة اتِّصالات من إلياس، ترجَّل من السيارة واتَّجه إليه ضاحكًا:
_والله لو أخدتك معايا كان أحسن.
_دا كلُّه.
نظر حمزة بساعته وقال:
_دول ساعتين بس يا عمُّو.
استأذنت شمس:
_بعد إذنكم هطلع.
أطبق حمزة على كفَّيها ونظر إلى إلياس:
ممكن أدِّي مراتي الهدية وأمشي بعدها؟
_لو سمعتك بتقول مراتي تاني مش هدخَّلك البيت.
قهقه وهو يسحبها للداخل...بينما خرج إلياس يبحث عن ميرال...بعدما خرج الجميع إلى الحديقة الرئيسية.
وجدها تجلس بالحديقة تنظر للقمر، جلس بجوارها: 
_مش قاعدة معاهم ليه؟ 
_بحبِّ المكان دا أوي، تمدَّد على العشب واتَّخذ ساقيها وسادته: 
_الليلة كانت حلوة أوي، إحنا محظوظين أوي بحمزة يا إلياس. 
تنهَّد وقال: 
_بيحفروا وراه يا ميرال، وحقيقي خايف عليه. 
قطبت جبينها متسائلة:
_مين دول؟ 
_أصحاب النفوس المريضة، المهمّ قرَّبي من شمس أوي وفهِّميها دا كتب كتاب، خطيب بنتك حلوف. 
ضحكت تمسِّد على خصلاته: 
_حرام عليك إنتَ مدِّيله فرصة. 
اعتدل ينظر إليها: 
_الواد باسها قدَّامي، وبيقولِّي إنتَ مش مكسوف منِّنا!!
قهقهت تضرب كفَّيها ببعضهما:
_بحبِّه أوي.
_لا يا شيخة، لمعت عيناها بالعشق:
_إيه غيرة دي ولَّا إيه؟ 
اعتدل جالسًا:
_الواد عملُّكم إيه، سيطر على حريم البيت دا حتى أمِّي بدافع عنُّه، تشبَّثت بعنقه:
_ماردتش غيران منُّه ولَّا إيه؟ 
تعلَّقت عيناه بعينيها:
_وإنتي متستهاليش الغيرة يا ميرو؟
قاطعهم أحدهما بالخلف:
_جيمس بوند أنا مروَّح، علشان متقوليش بتِّ عندكم. 
ابتعدت ميرال، بينما توقَّف إلياس: 
_إنتَ لسة مروَّحتش، يعني كنت فوق مع البنت؟! 
اقترب منه يغمز إليه:
_الله مش الليلة ليلتنا؟ 
_يا بني إنتَ فاهم كتب الكتاب غلط..
ليلتك في بيتك مش في بيتي. 
_يا عمُّو مش هتفرق بيتي من بيتك أهي كلَّها بيوت. 
ارتفعت ضحكات ميرال:
_خلِّي الواد دا يمشي من هنا، بدل ماأطلَّقهم.
اقترب حمزة قائلًا
_ بلاش..تلعب معايا، بنتك مراتي دلوقتي، متخلِّنيش أطلع أخدها وأمشي ومش هتقدر تعمل حاجة.
_شوف الواد بيقول إيه؟! 
_خلاص بقى يا إلياس.
_خلاص يا حمايا صعبت عليَّا، المهمّ هسافر بكرة، يعني مش هرجع القاهرة قبل أسبوعين، مراتي في أمانتك. 
_ليه رايح فين؟
_متقلقش، شغل يا عمُّو...يالَّه أسيبكم، تصبحوا على خير. 
_وإنتَ من أهل الخير حبيبي. 
تمتمت بها ميرال، ثم نهضت من مكانها: 
_يالَّه نروح برَّة عند الباقي. 
أومأ وعيناه على خروج حمزة: 
_إلياس..واقف كدا ليه؟ 
تحرَّك دون رد. 
بأحدِ الأركان كان يقف، يحاول الوصول إليه، ولكن هاتفه مغلق، اقتربت منه ضي:
_لسة ماردِّش عليك؟ 
هزَّ رأسه بالنفي...اقتربت تقف أمامه: 
_مش غريبة دي يا يوسف؟! 
قطب جبينه متسائلًا:
_تقصدي إيه؟ 
_يعني إحنا اللي متجوِّزين بقالنا أكتر من سنة، وهمَّ لسة يادوب شهرين.
هزَّة عنيفة أصابته، حتى فقد النطق للحظات: 
_ضي...الحاجات دي بإيد ربِّنا، إيه اللي بتقوليه دا؟! 
كانت تنظر إليه بشك فتمتمت:
_أتمنى تكون بإيد ربِّنا يا يوسف، لو حسِّيت إنَّك مخبِّي حاجة، أو بتستغباني صدَّقني مش هبقى حتى على الحبِّ اللي بينَّا.
_ممكن تسكتي لأنِّك بتغلطي، قولت لك الموضوع بإيد ربِّنا، أنا مش بإيدي حاجة، لكن مصرَّة كلِّ شوية تحرقي دمِّي، زي مايكون إتجوِّزنا بس علشان نجيب ولاد. 
_أومال اللي بيتجوِّزوا بيتجوِّزوا ليه؟
_ضي اسكتي..لأنِّي هزعَّلك.
_والله...يعني كمان أنا اللي بقيت غلطانة دلوقتي، كالعادة، أنا الغلطانة، تمام يا دكتور، هسكت ماأشوف أخرتها معاك إيه.

  بالخارج…
كانت تجلس وحدها، تحدِّق في البعيد، وتحدِّث نفسها بسخريةٍ لاذعة تخفي وجعًا لا يُحتمل:
_ ياترى إيه اللي يخلِّيك ماتحضرش كتب كتاب بنت عمَّك يا دكتور؟
ضحكت بمرارة وهمست:
_ ولَّا روحت  عندها؟
شعرت بجسدٍ يجاورها، وذراعٍ يلتفُّ حولها فجأة، يجذبها إلى أحضانه:
_ قاعدة لوحدك ليه، فين جوزك؟
انتفضت، سحبت نفسها بعنف، وابتعدت بنظراتها عنه، ثم أشارت حولها وهي تضحك ضحكةً خالية من الروح:
_وأنا لقيت حد أقعد معاه ومقعدتش؟
التفتت تشير:
_ شوف يا حضرة المهندس العظيم… رغم الدوشة والزحمة، بنتك وحيدة.
صوتها انكسر:
_ رغم العيلة الكبيرة…بنتك مالهاش سند.
_ إيه اللي بتقوليه ده؟
قالها بذهول، فين بلال؟ 
اقترب يوسف فجأة، انحنى بجسده حتى صار وجهه قريبًا من مقلتيها، ونظر إليها باشمئزازٍ صريح:
_ أقولَّك أنا يا خالو.
ثم قال بقسوةٍ جارحة:
_ أنا مكسوف إنِّك بنت خالي، وبضرب نفسي بالجزمة إنِّي السبب في جوازك من بلال..ازداد صوته حدَّة:
_ إنتِ ماتستاهليش بلال..والله لو أنا مكانه، أقسم بالله أرميكي برَّة حياتي.
ابتعد قليلًا وأضاف بمرارة:
_شخصية ناقمة على حياتها.
_ يوسف…إنت اتجننت؟! احترمني يا أخي!

اعتدل بجسده، مازال يرميها بنظرات اشمئزاز، وفي تلك اللحظة اقترب إلياس وميرال، فتابع يوسف بلا رحمة:
_ بنتك المحترمة راحت قتلت ابنها… قبل ماأبوه حتى يعرف بوجوده.
تزلزلت الأرض تحت قدمي يزن، اتَّسعت عيناه بصدمة، وحدَّق بابنته:
_ إنتِ…عملتي كده؟
قهقه يوسف باختناق، وصوته يرتجف حتى ترقرقت الدموع بعينيه:
_ ردِّي على أبوكي يا محترمة.
صرخ:
_ ردِّي وقولي له، قتلت ابني يا بابا! قتلت طفل مالوش ذنب غير إنِّ أمُّه شخصية غبية، ماتعرفش قيمة نعمة ربِّنا.
شهق وهو يكمل:
_ في ناس بتدفع ملايين علشان ربِّنا يرزقهم بطفل، وناس بتدعي ليل نهار ماتتحرمش من نعمة الأولاد!
سكت لحظة، ثم همس بانكسار:
_ ليه..عمل إيه علشان تعملي فيه كده..قصَّر معاكي في إيه؟
_ يوسف…
تمتم إلياس محذِّرًا، ثم أشار إليه بحدَّة:
_ شوف ابن عمَّك فين، هاته من تحت الأرض.
خفض صوته:
_ومش عايز كلمة قدَّام عمَّك دلوقتي.
كان يزن يحدِّق فيها بنظراتٍ لو كانت تقتل، لقتلها في مكانها:
_ بنتي قاتلة…
هزَّ رأسه بذهول:
_ إنتِ قتلتي ابنك!! للدرجة دي يوصل بيكي الحال؟
هبَّت من مكانها صارخة، وانفجرت بالبكاء، التفتت إلى والدها وهي تصرخ من أعماقها:
_ بتحاسبني على إيه؟!
أشارت إليه بمرارة:
_ وإنتَ أوَّل واحد كسرتني! عرفت إنُّه اتجوز عليَّ، ورغم كده سيبته يقهر بنتك.
صرخت:
_ أنا فين؟! كلُّكم اتَّفقتوا عليَّ.
صوتها ارتج:
_جوزي اتجوِّز عليَّ في شهر جوازي… وعايزني أصفَّق له؟!
صرخت بحرقة:
_ كرامة بنتك فين يا بابا؟!
اقتربت أكثر، والدموع تنهمر:
_ دوست على بنتك، وجاي دلوقتي تحاسبني؟
هزَّت رأسها بجنون:
_ صدَّقت كذبه، ده واحد كذَّاب.
شهقت:
_ اتجوِّزني علشان ينتقم منِّي، لأنِّي رفضته زمان، ولمَّا خلَّص انتقامه، راح يتجوِّز اللي بيحبَّها!
التفتت إلى يوسف بحدَّة:
_ لمَّا إنتَ حقَّاني كده يا دكتور، ماتقولُّهم الحقيقة.
صرخت، قولُّهم إنُّه اتجوِّزها علشان بيحبَّها!
اقتربت منه:
_ والحوار اللي قاله ده كلُّه علشان يكسب عطفكم.
ضحكت بمرارة:
_ إيه..اتخرست ليه..ولَّا قرفان إنِّي بنت خالك؟
ازداد صراخها  بانفجار:
_ وأنا قرفانة منكم كلُّكم.
نظرت للجميع باحتقار:
_ عيلة كلَّها كذَّابة، بتجري ورا مصلحتها.
قهقهت بمرارة:
_ زي ماعمِّتو قالت زمان، المهمِّ المنظر قدَّام الناس.
هزَّت رأسها:
_ إنما أخلاق وكرامة وقيم؟ مصطلحات تافهة، أشارت حولها بجنون:
_دلوقتي عرفت ليه طنط ميرال هربت، وليه عمُّو اتجوِّز واحدة أقلِّ من مستواه، وليه الخاين راح اتجوِّز واحدة تافهة زيُّه…
ثم أشارت إلى يوسف:
_ وحتى ده…قالتها تشير إلى يوسف:
_ ليه بيخدع مراته ورافض يخلِّف منها؟
ضحكت بسخرية:
_ لأنُّكم كلُّكم كذَّابين، التفتت إلى ضي: 
_بيضحك عليكي مش عايز منِّك عيال، أنا سمعته بيقول لبلال، مش جاهز دلوقتي وبكرة يخونك كمان، ماهو متجوِّزك غصب هوَّ كمان.. 
صفعة قويَّة دوت في المكان.
شهقت ميرال وهي تسحبها من أمام يزن:
_ يزن!
كان ينظر إليها بعينينِ دامعتين، يبعد ميرال عنها وهو يهمس بصدمة:
_ إنتِ مين؟
هزَّ رأسه:
_ أنا كنت أعمى؟..صرخ:
_ إزاي شوفتك ملاك وإنتِ شيطانة كده؟:
_ البتِّ دي مش بنتي، مستحيل تكون بنتي!
ضحكت بهستيريا وهي تصرخ:
_ مايمكن مش بنتك…صح؟!
رفع يزن كفِّه مرَّةً أخرى، لكن توقَّف أحدهم أمامها، وصفعة ارتدَّت على وجهه هو.
شهق الجميع..التفتت بذهول…
كان بلال، وقف أمامها كالجدار،  ضحكت بسخريَّة موجعة:
_رجل الشهامة والمواقف وصل!
صفَّقت باستهزاء:
_ صفقة يا جماعة، بونت للدكتور!
دفعته بقوَّة، وداخلها بركان يحرقها:
_ابعد عنِّي.
صاحت بغضب وغيرة ناريَّة:
_فاكر لمَّا تعمل كده هاخدك في حضني؟!
دفعت صدره بانهيار:
_ أنا بكرهك يا بلال!
شهقت وهي تتخيَّله يفعل مع الأخرى مثلما فعل معها..اشتعل قلبها... 
_عمري ماشوفتك الراجل اللي اتمنِّيته.
صرخت بوجع:
_ ولو فعلًا راجل…طلَّقني، أنا مش طايقاك.
نظر إليها لحظة، ثم قال بصوتٍ باردٍ قاتل:
— إنتِ طالق يا رولا.
كلمات رغم أنَّها كلمات إلَّا أنَّها انفجرت كالرصاص واخترقت الصدور

تعليقات