رواية الصمت الباكي الفصل الثاني والخمسون 52 بقلم ساره نيل


     رواية الصمت الباكي الفصل الثاني والخمسون 

“فبراير العِشق”
ظل “صالح” يجوب الرُدهة رَيحةً وجيئةً بعد محاولات عديدة للطرق على الباب، بعد أن لفظ كلماته على مسامعها كان تبعات صدمتها أن وثبت ثم ركضت بأقصى ما لديها نحو أحد الغرف وأقفلت على نفسها لحماية ذاتها عن مضمار فكره..
لعن تحت أنفاسه فكم هي ساذجة.!
جثمت يده على الباب تطرق، وبدأ يصيح مرةً أخرى:-
_افتحي الباب يا سارة كفاية لعب عيال لغاية كدا، أنا صابر عليكِ خالص وقربت أجيب أخري .. فَـ افتحي الباب علشان مكسرهوش بقينا نص الليل وإنتِ قافلة على نفسك.
بالداخل كانت شرارات القلق والتوجس تلتهمها كما تلتهم النار الهشيم، لم تبرح عن دق الأرض بأقدامها وهي تجلس على طرف الفراش بينما أصابعها فأصبحت زادًا لأسنانها تقضمها وهي تكاد أن تبكي رثاءً لقلبها جراء تلك الصدمة..
صرخت بغضب باكٍ بينما تبقى خلف الباب الحصين مُتخذاه درعٍ لها:-
_مش هفتح يا متوحش، أنا وثقت فيك وإنت عايز تغرغر بيا هنا .. صحيح كلكم مش لكم أمان، متوقعتش تكون بالوقاحة دي .. أنا مش خارجة من هنا وأعلى ما في خيلك أركبه يابا.
تطاير الشرر من مقلتيه ونفرت عروق صدغه بشدة، وردد من بين أسنانه:-
_بدأت أفقد سيطرتي يا سارة .. أيه أغرغر بيكِ دي إنتِ مراتي يا هبلة، لأخر مرة افتحي الباب يا سارة وخلينا نقعد نتفاهم زي الناس العقلة..
قامت من محلها والتقطت بين يديها قطعة من زخارف الزينة وألقتها بعزم قواها نحو الباب وهتفت بصراخ غاضب مُماثل له:-
_مفيش بينا مواضيع نتفاهم فيها وعلى جثتي أقعد معاك..
وتابعت بعِناد:-
ومش فاتحة وأعمل إللي تعمله..
أوقدت غضبه فأخذ يضرب الباب بكتفه بقوةٍ وغضب حتى كشّت وانكمشت على نفسها وهي ترقب الباب بأعين متسعة لا تصدق أن يُحطم الباب على رأسها..
يا إلهي ماذا ستفعل لو نجح في تحطيمه!!!
أجفلت حينما بصرته أمامها بهيئة نارية وكأن جذوةً من نار استوطنت عيناه..
ارتعشت حدقتيها وتفاقم قلقها وسريعًا عمل عقلها في الهروب من أمامه وأطلقت لقدميها العنان وهي تركض يمينًا ويسارًا بنواحي الغرفة وتهرتل بالحديث:-
_إياك تقرب مني، والله أصوت وألم عليك إللي يسوى وميسواش يا صالح بيه..
تأمل أفعلها بسخرية وتركها تفعل ما تشاء ثم وحين غفلة كبلها بذراعيه وهي تتلوى صارخة تحاول الفكاك من بين مخالبه وقال:-
_وماله صوتي يا روح صالح .. صوتي ولمي علينا الناس علشان أقولهم بهزر أنا ومراتي حبيبتي شوية وبنلعب استغماية..
لم تُهمد حركتها وتابعت المعافرة في الفكاك لكن كان قد أحكم قيدها وحملها من ظهرها على حالتها ثم خرج نحو الرُدهة لتقول ما جعله يجفل للحظات ويتخشب داخله:-
_متعيدش إللي حصل قبل كدا ومتخلنيش أكرهك وأنا لسه بتعافى من الجروح القديمة.
أجلسها على الأريكة وجلس جانبها مُرددًا بحزم:-
_ممكن تهدي علشان نتكلم زي الناس العاقلة، إنتِ فهمتي إللي أقصده غلط.!
طالعته باستفهام ليُتابع ببرود وهو يُرغم داخله على الصلابة معها والحزم لينجح ما يُخطط له:-
_عمومًا من غير ما تعملي الهُليلة إللي عملتيها دي من غير حاجة أصلًا عمري بعد هروبك وبعد إللي قولتيه ما هقدر ألمسك دا مستحيل يا مدام، مستحيل أرغمك على حاجة وبذات الموضوع ده علشان أنا مش حيوان يا سارة.
تهدجت أنفاسها وهي تشعر بالحرج من منحدر تلك الكلمات وفحوى الحديث المُخجلة، لكن هدأت قليلًا وتسائلت بعدم فهم:-
_بس إنتَ قولت كدا، قصدك إنتَ أيه بالكلام ده!! أنا مش فاهمة حاجة..!
تكاسف على قلبه الهم لما سيقوله غير أنه تماسك لأجل ما سيأتي بعد، وأخبرها بعد صبغ صوته بالجدية البحتة والبرود التام الذي ماثل ملامح وجهه:-
_عادي جدًا يا سارة … هو إنتِ مش عايشة في الدنيا ولا أيه، بقى في أكتر من طريقة للحمل غير العلاقة الطبيعية.
انكمش ما بين عينيها بتعجب واستفهمت بصوت مُتأجج:-
يعني أيه .. مش فاهمة قصدك!!!؟
أكمل برباطة جأش ووقاحة:-
_تمام يا روحي هفهمك علشان حبيبتي لسه بريئة متفهمش في الكلام النوتي ده…
ببساطة كدا حمل بالتلقيح الصناعي .. العلم أتقدم كتير يا روحي ممكن أحط بذرتي جواكِ عادي جدًا..!
تلبدت ملامحها واختنق لونها وقد عسعس الظلام على قلبها، بيننا عقلها الصغير بالكاد يفهم فحوى حديثه وما يرمي إليه، هذا كثيرًا على مثلها .. كثيرٌ على من قد دُفنت حيّةً وسط جُدران حارةٌ شعبية منزوية بين خدمات منزل يقع على عاتقها وقسوة أمّ لم ترحمها..!
*********
وقفت فراولة حائرة لا تدري المخرج من هذا الموقف الجسيم، دُنيا تقف تترقب الإجابة وأعينها تجوب ملامح ليث وليلى الماثلان أمامها, أوشك ليث على قول ما جُعبته من حديث والبوح بكل شي … إلا أنّ ~~~
لــيلـــى تقدمت وهي تجلس ببرود ثلجي على أحد المقاعد وتضع قدمًا فوق الأخرى ويديها مستندتان على ذراعي المقعد ورأسها شامخ بكبرياء لتُثير حيرة وتسائلات عديدة بجُعبة ليث لكن تابعها وهي تقول بصوتٍ رخيم ثابت:-
_كنت مع ليث باشا في القسم بأدلي بشهادتي وبمضي على بعض الورق الخاص بالقضية بتاعته إللي أنا شاهدة فيها.
رفعت دُنيا إحدى حاجبيها وهي تتأمل هيئتها وجلستها لتعقد ذراعيها على صدرها ثم جلست مقابلها تتحداها بنظرةٌ ثاقبة واضعة ساقًا فوق أخرى لتبرز عُري ساقيها الممشوقة أكثر، وتسائلت بنبرة لئيمة وقد قامت بقلبها الشكوك:-
_وتطلع قضية أيه إللي سيادتك شاهدة فيها!!
عفَ تعجرفها وذُري بأدراج الرياح وهبط هذا الهدوء الذي كان يسكن ملامحها وحلّ بدلًا عنه تكركُب جثيم حين أجابتها ليلى بصوتٍ قوي مُحتدّ بينما تتفرس ملامح وجهها:-
_دعـــــــــــارة بــعـــيــد عــنـــك يـا حـلـوة.
*********
كُشط قلبها وهي تراه أمامها مُدرجًا بالدماء، توافد الدمع ينهار من أعينها المتسعة على أخرها فقد كانا منذ قليل يتحدثان بهدوء وأخذت علاقتهما بالسير في طريق التحسن..
فقد أوشكا أن يخلدان للنوم يستوطن كُلًا منهما أحضان الأخر..
ماذا حدث..!!! وما الذي تراه الآن وكيف حدث هذا..؟!!!
ركضت بعزمها نحوه وهي تتعثر فتسقط ثم تقف وتواصل الركض بين الأشجار والزروع التي يحفها الظلام من كل جانب..
زادت في البكاء وهي تجأر بألم يُمزق قلبها وتسقط نحوه بلهفة تحمل رأسه على صدرها وهو يُنازع الألم وأنفاسه قد شارفت على الخلاص..
زاغت أنظارها وهي تُحيط وجهه تبكي صارخة:-
_لا .. لا مستحيل مش هيحصل .. يلا فتح عينك هتبقى كويس متسبنيش مش إنتَ وعدتي..
يلا بصلي .. خلاص الإسعاف هتيجي وهتبقى كويس مش هيحصل حاجة .. هتبقى كويس أصل انا مقدرش أعيش من غيرك..
أطال النظر داخل عينيها وجسده بالكامل ينتفض وأنفاسه تزهق، همس بلهاث وصوت متقطع:-
_متبكيـ..ش متخافيـ..ش .. وخدي بالك من نفسك..
ثم مسح بحنان على خدّها ليصتبغ مُتلطخًا بلون دمائه، ابتسم بألم لتهزّ رأسها بنفي مُسرِع وصرخت باكية وهي تضم رأسه لصدرها بشدة:-
_لا يا حبيبي بلاش الكلام ده .. إنتَ هتبقى كويس وهنعيش سوا وهفضل في حضنك العمر كله..
متمعلش فيا كدا يا مؤمن بالله…
عَلا صوت بكائها بشهقات حادة تُميت القلب:-
_يـــــــــــــارب…
زاد انتفاضة جسده وهي على وشك الجنون فرفعت يدها المرتعشة تضعها على موضع قلبه الذي تندفع منه الدماء بغزارة..
ردد بصوت متحشرج وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة:-
_خلاص يـا عــسـبـ…رة دي النـهـ…اية العـادلة والمتوقعة..
مع السـ..لامة … متـنـ…سنيش..
وذهب نور عيناه وسقطت يده لتُغمض عيناه للأبد بينما هي فلم يفصلها عن الجنون سوى شعرةً رفيعة..
فانخلع قلبها وجأرت بصرخة مصحوبة بصداها المُتردد بجنبات روحها الذبيحة وجدران قلبها ورأسه مستقرة على صدرها بين أحضانها تُشدد عليه بجنون ويدها الأخرى مازالت قابعة على قلبه لتُثبط من تدفق الدماء حتى انغمست هي بالكامل بدماءه وقد انهزم جسده فسكن لا حولٌ له ولا قوة وفاضت روحه بعد أن تجرعت شتّى أصناف العذاب والويل وحُرمت من نَيّل سعادة كانت على الأبواب…
_لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا.
وهبّت ريحٌ قوية وكأنها حزينة لأجل هذا وتُرثي، ثم عمّ سكون مهيب على المكان وحاق به ليلٌ صريم بشتاء نـوفــمبـر العِشــق.’

تعليقات