رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الرابع والخمسون
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
خرجت بخطواتٍ مشتعلة، وكأنَّ الأرض تضيق تحت قدميها من فرط الغضب، لم تكن تتوقَّع أن تأتي كارما إلى منزلها، خرجت وجدتها جالسة أمام والدتها، منكِّسة الرأس تفرك كفَّيها.
توقَّفت عند العتبة لحظة، ثم اندفعت الكلمات من بين شفتيها كسهامٍ مسمومة:
_ أهلًا يا مدام…يا ترى إيه سبب الزيارة المقرفة دي؟
ارتبكت رحيل، ونهضت مسرعة تقترب من ابنتها، تمسك بذراعها في محاولةٍ لتهدئتها:
_ اقعدي اسمعي لها يا رولا، شوفيها عايزة تقول إيه.
نزعت رولا ذراعها بعنف، واقتربت من كارما بخطواتٍ متعالية، نظرتها تقطر ازدراءً، وأشارت إليها بطرف أصابعها كأنَّها تتحاشى لمس شيءٍ مدنَّس:
_ والأشكال دي هتقول إيه يا ماما؟ واحدة جاية تتمسكن قدَّامنا عشان نسامحها، ولَّا يمكن الدكتور متِّفق معاها…قالَّها تيجي تعملنا مسرحية هنا عشان نرجع نصدَّقُه؟
جلست ببطء تضع ساقًا فوق الأخرى، وكأنَّها تُعلن قوَّتها أمام غريمتها، لكن أصابعها المرتجفة كانت تفضح العاصفة داخلها..وهي تتخيَّلها مع زوجها، أبعدت عيناها تحاول السيطرة على مشاعر الغيرة النارية داخلها:
_ أنا مش شايفاكي أصلًا يا خاينة…ولا إنتِ ولا الخاين اللي شبهِك.
ارتفعت أنفاس كارما، ورفعت رأسها أخيرًا تطالعها بنظراتٍ فيهما وجعٌ وشيءٌ من الذنب:
_الدكتور عمره ما خانك…ولا حتى فكَّر يخونك، إنتِ فاهمة الموضوع غلط. إحنا مش متجوِّزين، والمفروض تثقي في كلامه، والله مفيش بينَّا أي علاقة.
ضحكت رولا ضحكة قصيرة، لكنَّها خرجت مكسورة ممزوجة بالمرارة:
_ ثقة!! من مين، منِّك إنتِ، ولَّا من اللي باعتك؟!
ارتبكت كارما للحظة، لكن تقدَّمت خطوة، وقالت بصوتٍ مرتجف:
_من حقِّك تزعلي…ومن حقِّك تقولي اللي إنتِ عايزاه، بس مش من حقِّك تتهميه بالخيانة.
افهمي الموضوع…أنا كنت في مشكلة، وهوَّ ربِّنا يجازيه خير حاول يقف جنبي. ربِّنا مايكتب عليكي تكوني في يوم لوحدك من غير سند.
اشتعلت عينا رولا، واقتربت منها بحدَّة:
_امشي. اطلعي برَّة بيتي، وبلاش شغل السهوكة ده! أنا مش الدكتور بتاعك علشان أصدَّق دموع التماسيح دي وأجري زي الهبلة.
تألَّمت كارما من الكلمات، لكنها تماسكت واقتربت أكثر كأنَّها ترفض الهروب:
_همشي…بس انا مش بمثِّل زي ما بتقولي، لو فعلًا كنت زي ما إنتِ فاكرة، كنت ما صدَّقت إنه طلَّقك..لكن هوَّ ما يستاهلش كده..الدكتور بيحبِّك… بلاش تخسريه علشان ما ترجعيش تندمي، ولآخر مرَّة بحلف لك، مفيش أي حاجة بينا غير إنُّه راجل جدع، وقف مع واحدة حياتها كانت بتتسرق.
ساد صمتٌ ثقيل، خانق.
نظرت رولا إلى كارما طويلًا، نظرة مليئة بكراهية موجوعة، كأنَّها تتمنى لو تسقطها أرضًا بنظرةٍ واحدة..قلبها ينبض بعنف، لكن كبرياءها يمنعها من إظهار أي ارتباك.
بينما كارما ظلَّت ثابتة رغم ارتجاف أنفاسها، تنظر إليها برجاءٍ أخير، على أمل أن ترى في عينيها لمعةُ تصديق.
همست أخيرًا، بصوتٍ بالكاد يُسمع:
_صدَّقيني أنا مش عدوِّتك…أنا جاية أبرَّأه قدَّامك..
صدَّقيني دي الحقيقة…لو كان خانك ما كنتش جيت.
أنا جيت عشان أبرَّأه مش العكس.
ارتجف قلب رولا رغمًا عنها، لحظة ضعف خاطفة مرَّت في عينيها، لكن كبرياءها اندفع يغطِّيها كدرعٍ حاد.
فجأة قطع الصمت رنين هاتف كارما.
نظرت كارما إلى الشاشة…وجدت اسم بلال يضيء.
التقطت رولا الاسم بنظرةٍ ساخرة، وابتسامةٍ باردة ارتسمت على شفتيها، رغم نيران الغيرة التي أشعلت صدرها،فقالت
_تصدَّقي؟ كنت هصدَّق! برافو…تمثيلك تحفة فعلًا، وياترى الدكتور وعدك بإيه علشان تيجي تعملي عليَّا الشويتين دول؟
اهتزَّت يد كارما والهاتف ما زال يرن. حاولت أن تتكلَّم، لكن رولا اندفعت كالعاصفة، جذبت الهاتف من يدها بعنف وضغطت على زرِّ الرد.
وصاحت بصوت مرتجفٍ من شدَّة الغضب:
_ كالعادة…كلِّ مرَّة تثبت لي إنِّي كنت صح يا دكتور! مكنش له لزوم تبعت عشيقتك على بيتي، أنا قرفانة منَّك يا بلال…ابعد عنِّي، مستحيل أسامحك.. وأحسن حاجة إنَّك طلَّقتني وخلَّصتني من شخص خاين زيك!
في الطرف الآخر ساد صمتٌ ثقيل، وأنفاس متسارعة كأنَّ الكلمات أصابته في صدره مباشرة.
ألقت رولا الهاتف أرضًا بقوَّة حتى ارتطم بالبلاط وتناثر صوته الحاد في المكان، ثم التفتت إلى كارما، وعيناها تشتعلان:
_ برَّة يا زبالة! صيادة الرجالة، ماهو إنتي حقيرة وبتجري ورا الرجَّالة.
اندفعت تمسكها من حجابها بعنف، تجذبها وهي تصرخ بجنون:
_حيوانة جاية بكلِّ بجاحة لحدِّ عندي.
حاولت رحيل اللحاق بها، تمسك بذراع ابنتها:
_ رولا! سيبيها! إنتِ اتجنِّنتي؟!
لكن رولا كانت كأنَّها فقدت وعيها. دفعت كارما بقوَّة فسقطت على الأرضية الصلبة، صوت ارتطامها تبعه تأوُّه مكتوم تزامن مع صوت سيارة يزن تتوقَّف بالخارج.
ترجَّل يزن من سيارته، تجمَّد في مكانه وهو يرى ابنته بتلك الحالة، نظر لتلك التي تجلس على الارضية تبكي بصمت، ليس فقط من الألم الجسدي، بل من الإهانة التي مزَّقت كرامتها.
انحنت رحيل سريعًا تساعدها على النهوض، وعيناها تشتعلان غضبًا نحو ابنتها:
_ إيه اللي عملتيه ده؟!
صرخت رولا، وصدرها يعلو ويهبط بعنف:
_ الحيوانة دي لو فضلت دقيقة واحدة هنا، والله لأموِّتها!
_ إيه اللي بيحصل هنا؟!
هتف بها يزن بصوتٍ حاد، مع وصول طارق وأرسلان على صراخ رولا المتصاعد.
نهضت كارما تنفض كفَّيها، ونظرت إليها بوجع:
_أنا مش زعلانة منك، لأنُّه من حقِّك، بس والله الدكتور ما يستاهل كدا، دا لو بتحبِّيه.
هنا اندفعت مجدَّدًا تحاول جذب كارما من بين يدي والدتها:
_ أنا هموِّتك يا حقيرة!
أمسك طارق بذراعيها بقوَّة يحاول تثبيتها:
_ رولا! اهدي! إيه الجنان ده؟!
وقف يزن متجمِّدًا، بملامح صلبة لكنَّها مخذولة، فأشارت بازدراء ناحية كارما:
_ الخاين باعت الحقيرة دي بتمثيلية علشان أسامحه، اللي عامل منقذ..
ظلَّت رولا تصيح بكلماتٍ تتدفَّّق بلا توقُّف، متكسِّرة، بهستيرية…إلى أن دوى صوت يزن فجأة:
_ بااااس! كلمة واحدة كمان…وهنسى إنِّك بنتي.
تجمّد الجميع.. أشار يزن إلى طارق بصوتٍ آمر:
_ طارق، وصَّل البنت لبيتها.
اقترب أرسلان من رولا المنهارة، وقال بصوتٍ هادئ لكنَّه يحمل تحذيرًا واضحًا:
_ ابني عمره ما كان خاين، ولا له في تمثيليات رخيصة..لو كان زي ما بتقولي..مكنش برَّأك قدَّامنا وقال إنه مش صاحب فضل عليكي.
ثم أضاف بنبرةٍ أكثر صرامة:
_ابني كان معاكي راجل لآخر لحظة، عايزاه يعملِّك إيه وانتي بتقلِّي من رجولته، خلاص يا بنت يزن أهو طلَّقك، علشان تلاقي الراجل اللي تستاهليه، وهوَّ كمان من حقُّه يشوف اللي تسعده.
اقترب خطوةً منها وغرس عينياه بعينيها:
_الخاين هيتجوز رسمي البنت اللي بتحاول تثبت لك إنُّه مش خاين، دي لو واحدة بتاعة رجالة كانت جاتلك ليه، بتحاول تثبت براءته، واللي أصلًا مش محتاج حدِّ يثبتها، بس إزاي الباشمهندسة بتحسِّسني إنُّه متجوزها بوعود غرام وجوابات وورود حمرا، افتكري بلال اتجوِّزك ليه يا ستِّ رولا.
التفت إلى يزن:
_آسف يا يزن، بس مش هتحمِّل إهانة لابني تاني، مش بنتك تغلط وابني يدفع التمن.
إحنا دلوقتي خرجنا بالمعروف، وصدَّقني بلال مش بتاع حوارت، هوَّ خلاص هيكمِّل مع اللي تليق بيه، وشوف لبنتك راجل يليق بيها، بس ربِّيها الأوَّل.
ساد صمتٌ ثقيل، حتى شعرت بثقل تنفُّسها.
انهارت فجأة، ارتجف جسدها، وتحوَّل الغضب الذي كان يشتعل في صدرها إلى فراغٍ موحش…فراغًا يبتلعها ببطء.
رمقها أرسلان بنظرةٍ أخيرة، باردة كالحُكم، ثم تحرَّك.. دارت بها الأرض، وتمتمت بنبرةٍ متقطِّعة:
_ يقصد إيه بـاللي تليق بيه؟
قبض يزن على كفَّيها بعنف، وسحبها دون أن يلتفت لحالتها، دفعها بقسوة فسقطت على الأرضية.
شهقت رحيل صارخةً باسمه، فأشار إليها بسبَّابته محذِّرًا، فانكمشت في مكانها.
انحنى فوق ابنته، وعيناه تقدحان غضبًا:
_ إيه يا بنت يزن..الوقعة دي وجعتك؟ طب حسِّي بوجع اللي عملتيه!
أنا معرفتش أربِّي، أنا اللي الناس كانت تضرب بيَّا المثل في تربية إخواتي، تيجي بنتي والناس تقول عليها مش متربيَّة؟!
أشار إلى صدره بغضبٍ يشتعل:
_ على آخر الزمن يتقال عليَّا كده؟!
دنا منها أكثر، وقبض على خصلات شعرها بقسوة:
_ ده أنا أدفنك بإيدي! فوقي يا رولا… فوقي وافهمي إنِّك بنت مين، إيه محدش مالي عينيكي.
آخر تحذير..أقسم بالله بعدها ما تلوميش غير نفسك.
تركها فجأة، وازداد صوته حدَّة:
_ هتقومي دلوقتي…زي أي بنت محترمة ومتربية، وتروحي تعتذري من عمِّك أرسلان وإلياس.. سمعتيني؟
ظلَّت تنظر إليه بصمتٍ موجع…نظرة لم تكن عنادًا، ولا تحدِّيًا… كانت شيئًا انكسر ولن يعود كما كان.
صرخ بها:
_ قلت قومي، قدَّامك دقيقة واحدة… وبعدها ما ترجعيش تبكي.
ساعتها ما اتمنَّاش تشوفي وشِّ يزن السوهاجي، اسألي أمِّك عنُّه.
عند بلال…
كان يدور حول نفسه كوحشٍ جريح، أنفاسه متلاحقة، وعيناه تشتعلان بقرارٍ لم يعد يحتمل التأجيل.
توقَّف فجأة، التقط مفاتيحه، وانطلق نحو منزلها.
كانت قد وصلت منذ دقائق، جلست كارما بصمتٍ ثقيل، بينما وقفت كندا أمامها، يشتعل الغضب في ملامحها:
_ تصدَّقي إنِّك غبية ومتخلِّفة؟! أنا مش فاهمة عملتي كده إزاي!
أغمضت كارما عينيها بإرهاقٍ قاتل:
_ سبيني لوحدي يا كندا…
نهضت كندا، دفعت خصلاتها للخلف بعصبية، تدور في الغرفة:
_ غبية! فيه واحدة تعمل اللي إنتي عملتيه!! ده راجل ربِّنا بعتهولك نجدة…إزاي مش عايزة تفهمي؟
قطع حديثهما رنين جرس الباب.
تبادلت النظرات، ثم تحرَّكت كندا لتفتح.
لم تمر دقيقة حتى كان يقف داخل المنزل، حضوره يملأ المكان، وعيناه تبحثان عنها بشراسة:
_ فين كارما؟
أشارت للداخل بتردُّد:
_ جوَّا…بس هيَّ تعبانة و—
رفع كفِّه يأمرها بالصمت:
_ قولي لها إنِّي هنا.
أومأت، ودلفت للداخل.
خرجت كارما بعد لحظات، ملامحها شاحبة، وعيناها متورِّمتان من البكاء، لكنَّها حاولت أن تقف ثابتة.
اقترب خطوة، وصوته يحمل احتقانًا كاد ينفجر:
_ إنتي مفكًَرة نفسك مين، إزاي تتجرَّأي وتعملي كده؟!
ارتعش صوتها رغم محاولتها الثبات:
_ لأنِّي أنا السبب…بيتك اتخرب بسببي.
اشتعلت عيناه:
_ إنتي تخرسي خالص! فاكرة نفسك إيه؟!
لآخر مرَّة بحذَّرك، ما تقرَّبيش من مراتي.
كلماته سقطت على قلبها كحجرٍ ثقيل.
انكسرت عيناها فجأة، وانسابت دموعها بصمتٍ موجع، كأنَّها تحاول أن تبكي دون أن تُسمِع أحدًا ألمها.
رفعت رأسها بعد لحظة، تحاول أن تجمع شتات كرامتها، لكن صوتها خرج مكسورًا…كطعنةٍ مغموسةٍ بالذنب:
_قصدك…طليقتك يا دكتور.
اللي بسببي دمَّرت حياتها.
تصلَّب جسده، لحظة واحدة فقط… كان الغضب فيها أقوى من العقل، وأقسى من أي رحمة يمكن أن يملكها.
اشتدت ملامحه وهو يحدِّق بها:
_إنتي عايزة توصلي لإيه يا كارما؟
ليه مصمِّمة تبيِّني إنِّي انسان مش أمين…غادر…وببيع اللي معايا؟
هزَّت رأسها بسرعة، وكأنَّها ترفض حتى مجرَّد الفكرة..انسابت دموعها أكثر وهي تقول بصدقٍ موجع:
_أبدًا والله…بالعكس، إنتَ أنضف راجل قابلته في حياتي، وعشان كده بالذات مش عايزة حياتك تتهدّ بسببي.
تنهَّدت بعمق، ومسحت دموعها بيدٍ مرتجفة، ثم رفعت عينيها إليه بشجاعةٍ متعبة:
_متستاهلش ده منِّي.
أه…أنا مطلَّقة، لكن مش مؤذية.
ولو طليقي راعى ربِّنا فيَّ، ما كنتش اتطلَّقت، ولا كنت هربت منُّه.
أنا ما طلبتش غير الستر والأمان…وهو أخدهم منِّي.
ارتخت ملامحه قليلًا، سحب مقعدًا وجلس، ثم أشار لها بهدوء:
_اقعدي، عايز أتكلِّم معاكي في موضوع مهم.
تردَّدت لحظة…وكأنَّها تخشى ما سيقال، ثم همست:
_هقعد…بس أوعدني إنَّك ترجع لمراتك.
ابتسم ابتسامة باهتة، حزينة أكثر ممَّا هي ساخرة، وأشار لها مرَّةً أخرى:
_اقعدي يا كارما…فيه كلام لازم تعرفيه.
جلست ببطء، وعيناها معلَّقتان به في قلق.
زفر ببطء، ومرَّر يده على وجهه، محاولًا أن يكبح غضبه.
ساد الصمت بينهما لحظاتٍ ثقيلة…
قبل أن يقول أخيرًا:
_كارما…إحنا اتلعب بينا.
قطبت جبينها بعدم فهم، وهمست:
_يعني إيه؟
مررَّ يده في شعره بتوتر وقال:
_القضية اللي اتعملت، والجواز ده كلُّه..كان مترتِّب له.
_أنا معرفش كنت أنا المقصود ولَّا لأ… لكن اللي اتأكِّدت منُّه إنِّ كل ده حصل علشان نتجوز، وبعدها أطلَّقك… وطليقك يرجَّعك.
شهقت بقوَّة، ورفعت كفَّيها إلى فمها وكأنَّها تحاول حبس صرختها.
تابع بصوتٍ مثقل بالغضب:
_طبعًا إحنا كنا مرتِّبين إنِّك هتسافري بعد الجواز والقضية، لكن قضية السرقة اللي الحيوان عملها وقَّفت سفرك.
هزَّت رأسها ببطء، وما زال الذهول يسيطر عليها:
_برضه، مش فاهمة قصدك.
استدار قليلًا في جلسته:
_القضية دي اتعملت علشان متعرفيش تسافري.
وبعدها يضغط عليَّ بمراتي لمَّا تعرف بالجواز فأطلَّقك.
وكده كده كنت هطلَّقك، وهوَّ بقى يرجَّعك بطريقته.
اتَّسعت عيناها فجأة…وارتجف جسدها كأنَّ ذكر اسمه وحده يكفي لإخافتها.
هتفت بانهيار:
_ مش عايزة أرجع له، لو سمحت.
إنتَ قولت إنَّك هتساعدني أسافر، وأنا مش عايزة أرجع للشخص ده…أبدًا.
اهتزَّ صوتها في آخر كلمة، وانفلتت دموعها بلا قدرة على التوقُّف...رفع صوته مناديًا:
_كندا!
خرجت كندا مسرعة من الداخل، والقلق واضح في عينيها.
أشار لها دون أن يرفع نظره عن كارما:
_اعملي ليمونادا لبنت عمِّك.
أومأت سريعًا واختفت في الداخل.
أمَّا هو…فبقي جالسًا أمام كارما، يراقب انهيارها بصمتٍ ثقيل، كأنَّه يحاول أن يجد طريقة يهدِّئ بها خوفها، وفي الوقت نفسه يفهم حجم اللعبة التي أُقحم فيها كلاهما.
ثم قال بصوتٍ حاول أن يجعله أكثر هدوءًا:
_اسمعيني كويس، واهدي.
موضوعي أنا ورولا خلاص، جوازنا من الأوَّل كان غلط.
_يعني سواء طلَّقتك أو لأ، ده مش هيغيَّر علاقتي برولا.
توقَّف لحظة ثم أكمل بنبرةٍ أكثر لينًا:
_أنا عايزك تطمِّني…إنتي مش السبب.
هزَّت رأسها برفض، ودموعها ما زالت تلمع في عينيها:
_إزاي مش السبب؟ أيِّ حد مكانها كان هيعمل كده.
شدَّ بلال نفسًا طويلًا قبل أن يقول بحزم:
_كارما…علاقتي برولا مش عايزك تدخلي فيها.
ومهما حصل، أنا مش منتظر منِّك تقوليلي إيه اللي المفروض أعمله.
قاطعهما دخول كندا وهي تحمل كوب العصير.
اقتربت بهدوء ووضعت الكوب أمام كارما.
أشار بلال إلى الكوب:
_اشربي ده، هيدِّيكي شوية هدوء..علشان لازم نتكلِّم.
رفعت الكوب بيدٍ مرتعشة، فاقتربت كندا تساعدها على الشرب، ثم سألت بقلق:
_مالك، إيه اللي حصل؟
نظر بلال إليها بهدوء وقال:
_كندا…سبينا شوية أنا وكارما.
أومأت بصمت وخرجت.
_مرَّت دقائق قليلة، هدأت فيها أنفاس كارما تدريجيًّا.
تنهَّد بلال ثم قال:
أنا هسافر بكرة، وهقعد حوالي عشر أيام..
ولمَّا أرجع هنوثَّق جوازنا.
اتَّسعت عيناها بصدمة، لكنَّه أكمل بهدوء:
_الجواز هيبقى زي الأوَّل…مجرَّد إجراء.
بس ده هيخلِّي طليقك يقطع الأمل نهائيًا، خصوصًا بعد ما عرف إنِّي طلَّقت رولا.
مرَّر يده على جبينه قبل أن يتابع:
_ وفي الوقت ده بابا هيحاول يقفل موضوع القضية بطريقته، وتكوني إنتي حصلتي على الفيزا.
وقبل ما تسافري، ورقة طلاقك هتكون في شنطتك.
نظرت إليه طويلاً، وكأنَّها تحاول فهم هذا الرجل الذي يضحِّي بهدوء:
_طب…وإنتَ ذنبك إيه تضيَّع حياتك علشاني؟
ابتسم ابتسامة خفيفة باهتة:
_مش ذنب…ده قدر ونصيب.
واللي حصل ده كان هيحصل سواء بيكي أو من غيرك، يمكن ربِّنا بيرتِّب لحاجة…
ثم نظر لها بجديَّة:
بس اللي عايزك تتأكِّدي منُّه…إن ده كان هيحصل.
تردَّدت قليلًا قبل أن تقول:
_ممكن أسألك سؤال…ومتقولش عليَّ حشرية؟
ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه لأوَّل مرَّة منذ بداية الحديث:
_اسألي يا حشرية…ياريتك حشرية بس، ده إنتي حشرية وهبلة كمان.
أفلتت منها ضحكة حزينة:
_مقبولة منك.
رفعت عينيها إليه وسألته بهدوء:
_إنتَ…كنت بتحبِّ مراتك؟
ساد الصمت لحظة.
نظر إليها بلال، وفي داخله حرب شرسة بين قلبه وعقله..لكن القلب كان أسرع.
خرجت الكلمات بقلبه قبل أن يمنعها:
_أكتر من روحي.
عادت بجسدها تستند إلى الأريكة، تستمع إليه باهتمام.
أكمل بصوتٍ هادئ تغلِّفه الذكريات:
_أوَّل نبضة لقلبي كانت باسمها.
رولا ما كانتش مجرد بنت حبِّيتها…
التفت إليها وابتسم بحنينٍ واضح:
دي كانت السعادة بالنسبة لبلال.
ثم أضاف بصوتٍ دافئ:
_تعرفي إنَّها بريئة أوي، أه شعنونة، ومتهوِّرة…بس بريئة.
ضحك بخفَّة وهو يتذكَّر:
_بحسَّها طفلة.
شوفتي الطفلة لمَّا تزعل من حاجة؟ نفس الإحساس.
استندت كارما على كفِّها تستمع إليه بابتسامةٍ خفيفة..أخيرًا، خرج ما في قلبه.
كان يتحدَّث عنها، وعيناه تلمعان بالسعادة، كأنها المرَّة الأولى التي يعترف فيها بحبِّه.
قالت مبتسمة:
_يااه…ده إنتَ بتحبَّها أوي؟
التفت إليها، وأسند رأسه إلى المقعد، وتنهَّد من أعماق قلبه:
_أوي…
أنا ما عرفتش يعني إيه حب إلَّا وأنا جنبها.
تمتم بصوتٍ مختنق:
كنت شايف الدنيا كلَّها في عينيها.
سألته بهدوء:
_طب ليه طلَّقتها؟
فيه حد يحبِّ الحبِّ ده…ويبعد عن حبيبه، على فكرة هي مجنونة بحبك، بتحبك اوي، واللي بتعمله دا من صدمة قلبها فيك، ليه عملت كدا؟
ابتعد بنظره قليلًا، وغرق في شروده:
_علشان نصيبنا خلص لحدِّ هنا.
تأمَّلته لحظة قبل أن تسأل:
_تفتكر بعد الحبِّ ده…هتقدر تعيش؟
التفت إليها، وعيناه امتلأتا بالدموع:
_أه…لمَّا تحسِّي إنِّ الحبِّ أذاكي…
وإنِّك دايمًا في خانة التنازل.
قالت بهدوء:
_بس هيَّ معذورة.
أنا لو جوزي اللي بيحبِّني عمل فيَّ اللي إنتَ عملته، عمري ما هسامحه.
تنهَّد بلال، وكأنَّه أفاق من حالة الحنين التي غرق فيها:
_لو الشخص ده بيبادلك نفس الشعور.
قطبت جبينها:
_ يعني إيه! قصدك إنَّها ما حبِّتكش، لا طبعًا، انا بفهم بلغة العيون، ودي واحدة مقهورة من حبيبها؟
نهض من مكانه فجأة، لينهي الحديث:
_أنا أخدت الشقَّة اللي قدَّام.
مش عايز حد يعرف يا كارما إنِّي مش معاكي هنا.
ثم نظر إليها بجدية:
_وبحذَّرك لآخر مرَّة…بلاش تدخلي بيني وبين رولا.
توقَّف لحظة قبل أن يضيف:
وأنا فعلًا هسافر، بس فيه حد تحت،
لو حبِّيتي تخرجي ما تخرجيش من غيره.
قالها ثم تركها وغادر…
بينما بقيت هي مكانها، تنظر للباب المغلق…وقلبها مثقل بأسئلةٍ لا تنتهي.
بمنزل يوسف
انتهت من زينتها، ثم اتَّجهت إليه.
كان غارقًا في عمله، عينيه لا تفارقان جهازه.
اقتربت منه قائلة بتذمُّر خفيف:
_إيه ده مش هتيجي نروح لبلال؟
رفع رأسه أخيرًا ونظر إليها:
_بس بلال مش عامل حفلة… وبصراحة الوقت مش مناسب.
عقدت حاجبيها باعتراض:
_ومين قالَّك إنِّي مستنية حفلة، أنا هجيبه هنا، أخويا النهاردة عيد ميلاده يا يوسف…ومش عايزاه يحسِّ إنُّه لوحده في يوم زي ده.
نهض من مكانه واقترب منها، يحيط كتفيها بذراعيه محاولًا تهدئتها:
_إحنا مبقيناش صغيرين يا ضي… أقولِّك حاجة؟ بلال نفسه غالبًا مش فاكر ولا مهتم..خلاص بقى، انسي الموضوع.
ابتعدت عنه فورًا وربَّعت ذراعيها بعناد:
_لا…لازم تكلِّمه وييجي، سمعتني؟!اتصرَّف، مش إنتوا إخوات ولَّا شعارات؟
تأفَّف بضجر، فهو يعلم جيدًا أنها لا تتراجع إذا أصرَّت.
سحب هاتفه واتَّصل به:
_إنتَ فين؟
جاءه صوت بلال من الطرف الآخر:
_في البيت ليه، في حاجة؟
_أنهي بيت يا باشا؟
نزع بلال جاكيته واتَّجه نحو الخزانة..
وردَّ بضيقٍ واضح:
_يوسف، مش وقته خالص..عايز إيه؟
توقَّف يوسف قليلًا، ثم قال بقلق:
_مال صوتك؟
_مفيش حاجة.
ابتعد يوسف عن ضي واتَّجه إلى الشرفة:
_إيه اللي حصل؟
تنهَّد بلال، ثم قصَّ عليه ما فعلته كارما، وردِّ فعل رولا..زفر يوسف بغضب:
_هيَّ غلطانة يا بلال، إيه اللي خلَّاها تيجي..أي حد مكان رولا كان هيعمل كده.
ردَّ بلال ساخرًا:
_بتصالحنا…فاكرة إني طلَّقت رولا بسببها.
سكت يوسف لحظة قبل أن يقول بهدوءٍ ثقيل:
_طب ما دي الحقيقة يا بلال، سحبت ضي الهاتف من يده قائلةً بلهجةٍ آمرة:
_بلال، أنا مستنياك في جاردن الكمبوند، قدامك نصِّ ساعة، لو ماجتش هزعل منَّك.
قاطعها فورًا باعتراض:
_عندي سفر الصبح، وجاي تعبان. خلِّيها وقت تاني.
_أنا بقول منتظراك يا أخويا الوحيد… اعتبرني في مشكلة ومحتاجاك.
تنهَّد بلال، وصمت للحظات قبل أن يقول بصوتٍ متعب:
_تمام يا ضي، بس بلاش الجاردن. ممكن نتقابل في مكان تاني.
قطبت حاجبيها بعناد:
_لا، في المكان بتاعنا، ومن غير اعتراض.
قالتها وأغلقت الهاتف فورًا، ثم ناولته ليوسف بملامح منتصرة:
_أنا بقولَّك تكلِّمه ييجي…مش تدخل معاه في تفاصيل.
نظر إليها يوسف قليلًا ثم سأل:
_إنتِ كنتِ تعرفي إنِّ كارما راحت لرولا؟
التفتت له بسرعة:
_راحت فين؟
_عند خالو.
اتَّسعت عيناها بدهشة:
وهيَّ إيه اللي جابها هناك؟
أشار يوسف إلى ملابسه وهو يتَّجه للغرفة:
_هغيَّر…وننزل.
بعد فترة قليلة..
وصل آسر برفقة سدن وآسيا إلى الجاردن.
كان يوسف وضي بانتظار بلال.
ربت يوسف على كتف آسر مبتسمًا:
_برافو عليك…كنت متأكِّد إنك هتيجي.
مرَّت لحظات…
توقَّفت سيارة بلال عند المدخل.
أطفأ الأنوار، وترجَّل منها بهدوء، ثم اتَّجه للداخل يبحث بعينيه عن ضي.
أخرج هاتفه ليتَّصل بها، لكن صوته توقَّف حين أضاءت الشموع فجأة، وارتفع صوت ضي تدندن برقَّة:
_سنة حلوة يا جميل…
تجمَّد بلال في مكانه لحظة مع اشتعال الأضواء.
ركضت ضي نحوه واحتضنته بقوة:
_كلِّ سنة وإنتَ طيب يا حبيبي.
رفعها من خصرها وهو يبتسم بحنان:
_وإنتِ طيبة يا حبيبتي.
حينها سمع حمحمة ناعمة عند الباب:
_رغم إنِّي زعلانة منَّك، بس ما ينفعش يكون عيد ميلادك النهاردة وما جيش.
التفت بلال فورًا، وعيناه تلمعان بالدهشة:
_شموسة، وإنتِ طيِّبة يا حبيبتي.
اقترب منها بخطواتٍ هادئة:
_عارف إنِّك زعلانة، آسف ما تزعلِيش.
هزَّت رأسها بعنادٍ طفولي:
_لا…زعلانة، ولازم تصالحني.
رفع كفَّيه ليحتضن وجهها ناظرًا في عينيها:
_آسف…غصب عنِّي.
أنزلت يديه برفق وهي تبتسم:
ولا يهمَّك يا ببلاوي، المهمِّ كلِّ سنة وإنتَ طيب.
تدخَّل آسر ضاحكًا بابتسامةٍ مصطنعة:
هوَّ إحنا هنضيَّع الليلة كلَّها مع شمس؟
استدار بلال إليه ببطء…
ونظراته كانت تقول أشياء كثيرة..أسف، ندم، ووجع حاول إخفائه طويلًا.
شعر آسر بكلِّ ذلك، فاقترب منه دون تردُّد واحتضنه بمحبَّة:
_كلِّ سنة وإنتَ طيب يا ببلاوي.
ظلَّ بلال ينظر إليه للحظات، كأنَّه يرى فيه عنيدته…كأنَّ روحه الضائعة تقف أمامه.
لكزه يوسف في كتفه مازحًا:
_إيه يا ابني، هتفضل باصص كده كتير ولَّا إيه؟
انتبه بلال أخيرًا وتراجع قليلًا معتذرًا، وفي تلك اللحظة اقتربت آسيا..
قالت بهدوء:
_آسفة، لازم أمشي..رولا تعبانة، ولو مش خايفة على زعل ضي ما كنتش سبتها.
توقَّفت لحظة وهي تنظر إلى بلال بعمق، كأنَّها تقصد شيئًا أبعد من كلماتها، ثم تقدَّمت ومدَّت يدها:
_على العموم…كلِّ سنة وحضرتك طيب يا دكتور، أتمنى الهدية تعجبك، وآسفة إحنا ما كنَّاش مرتِّبين.
صافحها بلال باقتضاب:
_وإنتِ طيبة..وشكرًا، ماكانش له لزوم.
فعلت سدن مثلها، لكن قبل أن يكتمل الحديث…
قاطعهم وصول غرام:
بلال…
استدار على صوت والدته، وقال وهو يقترب منها:
_ماما…
ضمَّته بحنان، وربتت على ظهره بأمومة:
_كده يا بلال، تيجي وما تعدِّيش عليَّ؟
قبَّل كفَّيها مبتسمًا:
_إزاي تقولي كده؟ أنا جيت أشوف ضي عايزة إيه…شوفي بقى فاجئتني بإيه.
اقتربت ضي منهما وعانقت ذراعه:
_على فكرة…ماما هيَّ اللي طلبت منِّي.
التفتت غرام حولها متسائلة:
_فين مراتك، ليه ما جبتهاش معاك؟ أنا عايزة أشوفها.
قطَّب بلال حاجبيه قليلًا:
_مراتي مين؟!
لكن يوسف قاطعه، لوجود آسر:
_طيب…هوَّ إحنا مش هنخلص من الليلة دي؟ أنا تعبان وعايز أنام.
احتوت غرام وجهه بين كفَّيها بحنان:
_علشان خاطري يا حبيبي…ارجع البيت. وحياة ماما عندك، بلاش تحسِّسني إنِّ تربيتي فيك ضاعت يا ابني.
هزَّ رأسه بسرعة:
_إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟ علشان خاطري متزعليش.
قال يوسف بتذمُّر:
_وبعدين إيه ده؟ دي حفلة يا طنط غرام…وأنا عايزها تخلص علشان أنام.
لكزته ضي بخفَّة:
_هوَّ إنتَ على طول عايز تنام؟
رفع حاجبه ساخرًا:
يعني متجوِّزك ومصاحب أخوكي… _منتظرة منِّي إيه؟
لم ترد عليه، واتَّجهت إلى آسيا التي كانت تستعدُّ للمغادرة.
_رولا ما جتش ليه، مش كنَّا متِّفقين إنك تقنعيها؟
تنهَّدت آسيا، وقصَّت لها ما حدث مع يزن.
اتَّسعت عينا ضي بدهشة:
_وليه عمُّو يزن عمل كده؟
اتَّجهت آسيا بنظرها نحو بلال، وقالت بحدَّة:
_أحسن إنَّها ما جتش، عارفة أخوكي ده؟ نفسي أموِّته بجد…شوفيه واقف بيضحك إزاي، وهيَّ مموِّتة نفسها عليه..غبية.
_ما تتهدِّي يا بنت، في إيه؟ قالتها ضي محاولة تهدئتها.
_أنا عملت الحفلة دي، وقلت المجنونة التانية هتيجي ونعمل التاتش بتاعنا.
صمتت لحظة، ثم نظرت إلى أخيها… وقد أصبح وجهه شاحبًا.
قالت بصوتٍ خافض:
_طيب حاولي تخرَّجيها بأي طريقة… حتى لو دقايق.
هزَّت آسيا رأسها:
_ضي، رولا مش طايقة أخوكي دلوقتي، فبلاش أحسن.
قالتها وغادرت دون أن تضيف شيئًا.
كانت سدن تستمع إليهما بصمت، وما إن رحلت آسيا حتى التفتت إلى ضي وقالت بهدوء:
_كان ممكن يكون فيه أمل… لكن بعد ورقة الطلاق، مبقاش فيه أمل ولا ثقة. أحسن حاجة دلوقتي إنُّهم يبعدوا عن بعض.. قالتها.. ثم تحرَّكت مبتعدة.
بعد فترة..في غرفة رولا.
دخلت سدن فوجدتها جالسة قرب النافذة، تنظر بشرود إلى القمر الساطع في السماء…وعيناها مزيَّنتان بطبقةٍ كريستالية من الدموع.
سحبت المقعد وجلست بجوارها:
مامتك زعلانة قوي عليكي يا رولا… الصراحة، كلِّنا زعلانين.
خفضت رولا بصرها ونظرت إليها:
زعلانين عليَّ…ولَّا منِّي؟
تنهَّدت سدن وقالت بهدوء:
_الاتنين.
سكتت لحظة ثم أضافت:
_بلال هنا…
رفعت رولا رأسها سريعًا، فأومأت لها سدن مؤكِّدة:
_ضي عملت حفلة عيد الميلاد، مش عارفة هتصدَّقي ولَّا لأ…بس اللي شوفته النهاردة مش بلال الفرفوش اللي نعرفه، أنا شايفة واحد مكسور.
توقَّفت لحظة قبل أن تكمل:
_إنتي عارفة إني درست فترة علم نفس، بلال مكسور يا رولا..ده مش شكل واحد خان وغدر.
اقتربت منها أكثر حين لاحظت نظراتها الضائعة:
_رولا…اقعدي اسمعيه، أنا من وقت اللي حصل وأنا واخدة وضع الصمت، بس سمعت كلِّ اللي حصل..وعلى فكرة، آسر قال إنُّه مظلوم، وأظن أخوكي مش ممكن يخونك، بلال بيحبِّك…واللي بيحبّ ما بيخنش.
ارتجف نبض قلبها، وأغمضت عينيها محاولةً أن تسيطر على اشتياقها… قاطعهم دخول يزن:
_سدن، سبيني شوية مع بنت خالك.
أومأت سدن:
_حاضر يا خالو…أنا كنت مروَّحة أصلًا.
خرجت من الغرفة، لمحت آسر صاعدًا إلى الأعلى، ركضت نحوه:
_آسر…
توقَّف واستدار إليها، اقتربت بخطواتٍ متردِّدة حتى توقَّفت أمامه تفرك كفَّيها بتوتر..قطَّب جبينه ينظر إليها بتساؤل نطقته عيناه.
_فيه موضوع مهم، عايزة آخد رأيك فيه.
نظر إلى ساعته، ثم رفع عينيه إليها:
_ينفع بكرة؟ أنا دلوقتي مش حاسس بجسمي…وإنتي عارفة، لولا إنِّي ما ينفعش أغيب عن حفلة ضي علشان ما يتفهمش غلط، ما كنتش رحت.
هزَّت رأسها بخفَّة:
_لا خلاص…نتكلِّم الصبح، بكرة هجيلك قبل ما تروح المكتب.
_سدن…أوقفها صوت إيمان التي وصلت إليهما، تراجعت سدن متَّجهة نحوها:
_كنت بسأل آسر على حاجة…يلَّا نمشي.
أومأت لها إيمان، ثم رفعت نظرها إلى آسر:
_تصبح على خير يا حبيبي.
ثم أحاطت كتف ابنتها وغادرت منزل يزن.
بمنزل إلياس..
كان إلياس ينتظره في مكتبه بعد أن علم بوجوده في الكمبوند، دخل بلال وألقى السلام:
_مساء الخير يا عمُّو.
أومأ إليه مشيرًا بالجلوس:
_كلِّ سنة وإنتَ طيب يا دكتور.
_وحضرتك طيب.
استند إلياس على مكتبه، وتعمَّق بالنظر إليه:
_أظن عدَّا وقت كفاية إنَّك تهدى… ونتكلِّم راجل لراجل.
عقد بلال حاجبيه قليلًا:
_مش فاهم حضرتك…أنا هادي أهو.
تراجع إلياس في جلسته، لكن عينيه ظلَّتا تراقبانه بتمعُّن:
_بلال…إنتَ مش عبيط ولا غبي..وقبل ما تتكلِّم، اعرف إنِّ اللي قاعد قدَّامك ده إلياس الشافعي.
_معرفش حضرتك تقصد إيه..لو موضوع رولا يا عمُّو، فخلاص الموضوع انتهى، وأتمنى الكل يحترم رأيي.
لوَّح إلياس بيده بضيق:
_متأكِّد...أومال فين الحب اللي كنت بتقول عليه؟!
_موجود والله يا عمُّو، بس مبقاش ينفع.
_ليه مينفعش يا بلال، لو على كلامها، وقت غضب وكلِّنا بنقول كلام.
_عمُّو أنا ورولا خلاص مبقاش ينفع نكمِّل مع بعض، إحنا بنجرح بعض أكتر من حبِّنا.
_مش إنتَ السبب؟
_غلطت عارف، بس غصب عنِّي، طيب ماهيَّ غلطت.
انحنى الياس ينظر في عينيه:
_بس مكنش ينفع تطلَّقها يا متخلف، اللي بيحب بيضحِّي.
_يعني أضحِّي بكرامتي لواحدة مش شيفاني الراجل المناسب.
_أومال تروح تتجوز غيرها!.
_عمُّو...لو سمحت متطغطشِ عليَّ.. قالها وتوقَّف:
_اقعد يلا…كبرت على عمَّك ومش عايز نصيحته.
_أنا قولت اللي عندي حضرتك.
ابتسم إلياس بسخرية خفيفة:
_ميهمنيش قولت إيه…ولا كأنِّي سمعت حاجة، واحد غبي بيهبِّل بالكلام.
فجأة…قاطعهم دخول يوسف وضي إلى المكتب.
ابتسم يوسف ساخرًا وهو ينظر إلى بلال:
_ببلاوي…منوَّرنا.
تأفَّف إلياس وقال:
_أهو حزب الحلاليف كمل.
أشار يوسف إلى نفسه معترضًا:
_أنا حلوف؟ لاحظ حضرتك يا والدي العزيز.
ردَّ إلياس ببرود:
_وليه عزيز يا أخويا، خد مراتك واطلع…عايز النصِّ دكتور في موضوع.
لكزه يوسف بخفَّة وهو يهمس:
_عمَّك بيغلط فيك.
هزَّ بلال كتفيه بلا مبالاة.
قاطعه إلياس بلهجةٍ آمرة:
_يوسف…سيبني شوية مع بلال، وخد مراتك معاك.
اقتربت ضي من بلال وقالت بهدوء:
_هستناك برة لمَّا تخلص.
لم يرد عليها، وظلَّ جالسًا كما هو.
أشار إلياس إليهما بالخروج.
ما إن أُغلق الباب حتى استند إلياس إلى مكتبه وقال ببرود:
_شهر كامل سايبك تدور وتعمل اللي إنتَ عايزه…دلوقتي اسمعني يا دكتور، ناوي تعمل إيه؟
أجابه بلال ببساطة:
_زي ما قولت لحضرتك هتجوِّز.
ابتسم إلياس بسخرية باردة:
_مبروك…بالرفاء والبنين يا أخويا. وياترى مين الحزينة التالتة في حريم ببلاوي؟
اشتدَّت نبرة بلال:
_حضرتك عايز إيه يا عمُّو؟
ردَّ إلياس ببرود:
_تكمِّل الجدول يا ابن أرسلان.
قطَّب بلال حاجبيه:
_بتتريق؟
لوَّح إلياس بيده بضيق:
_اسمعني يلا…خلقي ضيَّق، واحمد ربِّنا إني صابر عليك إنتَ والمتخلفة التانية.
ردَّ بلال بحدَّة:
_ليه حضرتك مُصرّ، خلاص ما بقاش يربطني بيها حاجة.
رفع إلياس حاجبه:
_مش إنتَ اللي تقول.
نهض بلال من مكانه واستند بيديه على مكتب إلياس:
_ولا حضرتك من حقَّك تدخَّل في حياتي.
طالعه إلياس بصمتٍ لعدَّة لحظات… ثم نهض ببطء من مكانه:
_تمام يا ابن أرسلان…وإنتَ اللي حكمت.
اقترب منه خطوة وقال ببرود قاسٍ:
_بما إنَّك راجل قوي كده…وفارد ضلوعك على عمَّك، يبقى شوف الفيديو ده.
قالها وهو يخرج CD من درج مكتبه، ثم فتح كفَّ بلال ووضعه فيه.
وأشار بيده إلى باب المكتب:
_برّة…اللي ما يحترمنيش مالوش مكان في بيتي، ومش بيتي بس…أي مكان يخصِّني.
كلُّ هذا يحدث…وأرسلان يقف صامتًا عند باب المكتب، رفع CD:
_إيه دي؟
قالها بلال بحدَّة.
ولَّاه ظهره وهو يشعل سيجارته، وقال ببرود:
_ لمَّا تروح هتعرف…ودلوقتي اطلع برَّه، عايز أكمِّل شغلي.
في تلك اللحظة دلف أرسلان إلى المكتب، ملقيًا السلام:
_مساء الخير يا أبو يوسف.
استدار إليه إلياس، نظر له لحظة بصمت، ثم جلس يردُّ التحية:
_مساء النور.
التفت بلال إلى والده، فربت أرسلان على كتف ابنه وأشار له بالجلوس:
_اقعد يا بلال…عايز أتكلِّم معاك قدام عمَّك.
_لا...قالها إلياس بصرامة، وهو ينظر لأرسلان:
_ خد ابنك بيتك وقولُّه اللي إنتَ عايزه…أنا مش عايز أعرف حاجة.. ومبقاش له وجود في الكمبوند.
_إلياس…إحنا مش صغيرين.
ابتسم إلياس بسخرية مريرة:
_ولا ابنك صغير ولا تافه، ده كبير وواعي أوي يا أرسلان..ده دكتور، يعني عارف كويس بيعمل إيه.
_ بس هوَّ ما يقصدش.
_يقصد أو ما يقصدش…أنا قلت اللي عندي..ابنك عندك، ومشاكله إنتَ أولى بيها.
تنهَّد بلال وقال بهدوءٍ متعب:
_ أنا مقصدتش أزعَّل حضرتك يا عمُّو… آسف لو ضايقتك، بس أنا بجد في وضع مش مستحمل ضغط من حد.
أشار له إلياس بالخروج دون كلمة.
نظر بلال إلى والده، فأومأ أرسلان برأسه:
_استناني في البيت…شوية وجاي.
خرج بلال.
تنهَّد أرسلان وقال بهدوء:
_أنا سمعت كلامك مع بلال…ومش هقول إنُّه ما غلطش، بس إنتَ شايف اللي هوَّ بيمر بيه.
قاطعه إلياس بحزم:
_أرسلان…ابنك بيضيَّع نفسه، لازم يفوق.
اقترب أرسلان خطوة وقال:
_إلياس…إنتَ عاجبك اللي بنت يزن عملته؟
لوَّح إلياس بيده باعتراض:
_الاتنين مش عاجبني، دول ولاد الشافعي يا أرسلان…ما ينفعش يغلطوا في بعض.
ثم نظر له بحدَّة:
_هسألك سؤال واحد وجاوبني..
_لو يوسف راح اتجوز لنفس السبب… كان ردَّك هيكون نفس الرد دلوقتي؟
صمت أرسلان لحظة ثم قال:
أنا عارف إنُّه غلط..بس.
قاطعه إلياس:
_مفيش بس، رغم إنِّ رولا محتاجة تربية…لكن البنت معذورة.
اشتعلت عينا أرسلان:
_معذورة؟! شايف إنِّ كلامها وجرحها في ابني كلِّ شوية ده عذر؟ طب ما أبوها كان عارف!
نهض من مكانه وقال بحدَّة:
_ابني ما اتجوزهاش عشق فيها من الأوَّل، ولو كنَّا عادلين يا إلياس باشا… كنَّا قلنا سبب الجواز الحقيقي بينهم. يعني من الآخر كده..مالهاش حق تعترض، حتى لو الجواز بقى حقيقي.
وقف إلياس في مواجهته مباشرة:
_طيب مدام بنطلَّع الأسباب كده، ما تنساش إنِّ الجواز كان اتفاق وعلى ورق.
اقترب خطوة، وعيناه تثبتان في عيني أرسلان:
_ليه كمِّل جوازه منها؟
هدأ قليلًا ثم قال:
_أقولَّك أنا…لأنه بيحبَّها وبيموت فيها.
صمت لحظة ثم أردف:
_ورغم اللي حصل…رضي يكمِّل معاها، ليه بقى يكسر قلبها؟
ردَّ أرسلان بحدَّة:
_هوَّ ما كسرش قلبها…وإنتَ عارف الموضوع كلُّه، الكلام ده سيبه لحدِّ تاني.
تنهَّد إلياس:
_خلاص يا سيدي..اعتبر أنا اللي كسرت قلبها، بس بدل ما نولَّع الدنيا، نفكَّر إزاي نراضي الكل.
ثم أضاف بجدية:
_ولَّا يروح يثبت للناس كلَّها إنها مش فارقة معاه، كان لازمته إيه الجواز والطلاق؟
ردَّ أرسلان بصوتٍ متعب:
_معرفش، بس ابني ضايع يا إلياس.. وأنا مش هسمح لحد يكسره مهما كان..غير متأكِّد من حبُّه لرولا، أنا خايف يكون عرف موضوع طليق زفتة التانية دي.
هزَّ إلياس رأسه ببطء:
_تمام..فهمت يا أرسلان، وأنا عمري ما أقبل الكسرة ولا الأذى..هدأ قليلًا ثم تابع:
_متأكِّد إنُّه عرف، وموضوع كتب الكتاب دا علشان ياخد حقُّه، حتى لو مش على مزاجه.
مسح أرسلان وجهه بغضب:
_إحنا كنَّا ارتحنا من المشاكل دي، ليه رجعنا لنفس الدايرة، الراجل دا سيء جدًّا وأنا خايف على ابني.
طالعه إلياس بصمت ، ثم سحب نفسًا وزفره ببطء:
_من إمتى وإحنا بنخاف يا أرسلان.
رفع أرسلان رأسه:
_عند الولاد والعقل بيغيب يا إلياس، تنكر إنَّك خايف.
استند إلياس على مكتبه ينظر إليه:
_اسمعني كويس، أنا مع بلال في اللي عايز يعمله، متنساش دا ابن أرسلان الشافعي، يعني صعب يتعلِّم عليه.. وفي نفس الوقت
أنا بتكلِّم بالعقل، بلال ما ينفعش ينفصل عن بنت عمُّه..لازم يراضيها.
حدجه بنظرةٍ مستفهمة..
_ولو حاسس إنِّ الموضوع جاي على كرامته بسبب اللي قلته، يبقى إحنا نعقلها ونلمِّ الدنيا بعقلنا..ونضرب ضربتنا مع الكل، الواد يعرف ياخد حقُّه من طليق البت، وفي نفس الوقت نعرَّفهم همَّ الاتنين إن الجواز رابط قوي مينفعش مهما يحصل يطلَّقوا.. بكدا، لا ده يزعل…ولا ده يزعل.
لحظاتُ صمتٍ طويلة، ثم قال أرسلان بهدوءٍ محسوب:
_عايز توصل لإيه يا إلياس؟
اعتدل إلياس في جلسته، وأطفأ سيجارته ببطء قبل أن يجيب:
_عايز أربِّيهم…هم الاتنين، وفي نفس الوقت أوقف أسامة دا عند حدُّه، ميقدرش يرفع عينه في حد من الشافعية، المهمِّ بلال يرجَّع رولا وبطريقة للاتنين مفيش فيها تنازل.
رفع أرسلان حاجبه باستغراب:
_طيب ليه دا كلُّه؟
رد إلياس بصوتٍ أكثر جدية:
_علشان أخلِّيهم يعرفوا يعني إيه حب… وإزاي يحافظوا على بعض مهما قابلتهم مشاكل.
ظلَّ أرسلان ينظر إليه لحظات، ثم قال ببطء:
_تمام كده فهمت…
ابتسم إلياس ابتسامة خفيفة، ثم أشار إلى المقعد أمامه:
_طيب اقعد…وهقولَّك تعمل إيه مع ابنك..لأنِّي متأكِّد مش هيكمِّل موضوع الجواز دا.
_لا متخافش مُصرّ.
_تؤ...بلال بيحبِّ رولا وممكن يتراجع، وخاصَّةً البتِّ التانية مش موافقة على الجواز، وبعد جيِّتها هنا، رولا مش هتسكت، وهتتجنِّن على بلال، وطبعًا ابنك هيضعف، فاسمعني، اقترب قليلًا وأردف:
_من غير ما تحسِّسه بحاجة…وفي نفس الوقت ما نخسرش حد.
بمنزل يزن..
نهضت رولا من مكانها فور دخول والدها.
أشار إليها بيده أن تجلس.
جلست أمامه بصمت…صمتًا ثقيلًا بينهما للحظات..كان يزن يحدِّق فيها طويلًا،
أخيرًا تكلَّم بصوتٍ هادئ، لكنه مثقل:
_أنا مش بلومك…لأنِّي غلطِّ زيك.
رفعت عينيها إليه.
فأكمل:
_يمكن قصَّرت…ويمكن إدِّيتك ثقة زيادة، لكن في الحالتين النتيجة مؤلمة.
انسابت دموعها بصمت.
تنهَّد يزن وسألها بمرارة:
_ليه عملتي كده؟
_إيه اللي يوصَّلك تبقي أنانية بالشكل ده؟
رفعت عينيها الباكيتين إليه وقالت بصوتٍ مكسور:
_وليه حضرتك بعتني؟
ضرب يزن الطاولة بكفِّه:
_غبية! ثم تابع بغضبٍ مكبوت:
_متهوِّرة…ومش عارفة بتقولي إيه.
بس الحقِّ مش عليكي، الحقِّ عليَّ أنا.
صمت لحظة ثم قال:
_لازم تعرفي إنِّ محدش وصَّلك لكده… إنتي اللي وصَّلتي نفسك.
شهقت رولا وهي تقول:
_أنا اللي وافقت إنِّ جوزي يتجوز عليَّ وأنا لسه عروسة؟
استند يزن على الطاولة وحدَّق فيها بعمق.
ثم قال ببطء:
_أيوه، لأن جوازكم وقتها كان مجرد ديكور يا أستاذة.
ارتجفت ملامحها..فأكمل يزن:
_لو كنتي قولتي الحقيقة حتى لو يوم الفرح…كنت هفكَّر مليون مرَّة.
تنهَّد وأردف:
_وقت ما جالي وحكى الموقف…كنتي منتظرة منِّي أعمل إيه؟
_أقول له ما ينفعش وأنا عارف إنُّه بيسترني؟
اشتدَّت نبرته:
_دلوقتي لمَّا هوَّ وقع في مشكلة… أقول له لا، ما تتجوزش بنتي؟
ثم تابع بمرارة:
_وإنتِ أصلًا جوازكم كان صوري.
توقَّف لحظة يستردُّ أنفاسه، ثم قال بصوتٍ متعب:
_أوَّل مرَّة في حياتي عيني تتكسر.
رفع عينيه إليها:
_وكان السبب…بنتي.
أشار إليها بحدَّة:
_كان عقلك فين وإنتي بتروحي أماكن ما تعرفيهاش؟
كان عقلك فين وإنتي بتسمعي كلام واحدة الكلِّ واخد منها موقف؟
ردَّت رولا بصوتٍ مرتجف:
_الغلط مش غلطي بس يا بابا…الغلط من حضرتك وماما.
نظر لها بدهشة.
أكملت بدموع:
_ما حاولتوش تفهِّمونا سبب العداء اللي بينكم…
كنتوا منتظرين إيه من طفلة عندها عشر سنين؟
اجاب يزن بصرامة:
_كنت منتظر ثقتك في أمِّك تكون مالهاش حدود.
ثم أضاف:
_ماشي…هقول كنتي طفلة، بس الطفلة دي ما كبرتش؟
اقترب قليلًا:
_ليه سيبتي نفسك لشيطانك؟
انهارت بالبكاء:
علشان غبية يا بابا…
قالتها بانهيار، ثم همست:
_علشان ما وثقتش في اللي المفروض أثق فيه.
تراجع في مقعده وهو ينظر لها بألم:
وزي ما إنتي ما وثقتيش في أمِّك زمان…
أنا دلوقتي مش واثق فيكي يا بنت يزن.
شهقة خافتة خرجت من بين شفتيها،
فقالت بمرارة:
_ده كلُّه علشان حاولت أحافظ على كرامتي.
اقترب منها فجأة، ونظر في عينيها مباشرة:
ده علشان ضيَّعتي راجل زي بلال.
ساد الصمت للحظة.
ثم قال:
_أنا كلِّ يوم بكتشف حاجات جديدة…
بلال كان بيحبِّك قبل الجواز يا رولا… صح؟
خفضت عينيها ولم ترد..فابتسم بسخرية مريرة:
_طيب تعرفي إنُّه كان بيحارب علشان جوازكم يفضل، رغم إنُّه ماكنش عارف حاجة..رفعت رأسها بصدمة..
هزَّ رأسه وتابع:
_هوَّ جالي، وقتها طلبت منه يطلَّقك.
لكن قال إنُّه مش ناوي يطلَّقك وعايز يكمِّل...تجمَّدت ملامحها.
فتابع يزن:
قال لي: المرة اللي فاتت اتجوِّزتها علشان حضرتك والعيلة…لكن دلوقتي جاي أطلبها علشان قلبي.
ارتجفت شفتاها.
فأكمل بمرارة:
_قال لي إنُّه بيحبِّك…ومش عايز يطلَّقك.
ثم قال بهدوءٍ موجع:
_وجي يطلبك للجواز من جديد…
وهوَّ فاكر إنِّك اتعرضتي لأسوأ حاجة ممكن تحصل لبنت.
نظر لها مباشرة: إنتي عملتي إيه؟
صمتت للحظات ثم قالت أخيرًا بمرارة:
_لو كان بيحبِّني…كان من حقِّي أعرف الحقيقة.
ردَّ يزن بحدَّة:
_كان ممكن تعاتبيه، مش تكسريه قدَّام الكل..شوفتي وصلنا لإيه؟
ما بقاش عندي عين أبصِّ لأرسلان…
وأخوك بطَّل ييجي البيت بسببك…
ويوسف قال لي ماليش بنت خال.
نظر لها طويلًا:
إيه رأيك في إنجازاتك يا باشمهندسة؟
رفعت رأسها بعنادٍ مؤلم:
_أنا سعيدة بإنجازاتي دي يا بابا…
ومش ههدى غير لمَّا آخد كسرة قلبي منه.
ثم قالت بانكسار:
_أنا حبِّيته، وهوَّ كسرني مليون حتة.. ماليش دعوة بكلِّ اللي قولته.
تنهَّد يزن ببطء وقال:
_طيب اسمعي قصة…وبعدها خدي حقِّك منه.
قام بقصِّ عليها قصِّة زواجه من رحيل…
من اللحظة التي عرف فيها حقيقتها، وحتى إنجابها هي وآسر..كانت تستمع إليه بذهول..همست أخيرًا:
_مين المجرم اللي عمل كده؟
ابتسم بسخرية مُرَّة وأشار إلى نفسه:
_أبوكي..ثم قال:
أنا اللي استخدمت أمِّك للانتقام.
انحنى قليلًا وقال بجدية:
_بلاش أقلب عليكي يا رولا…
أي غلطة تانية مش هسامحك.
اعتدل واقفًا:
من بكرة هتنزلي الشركة…إنتي ما خدتيش هندسة علشان تقعدي في البيت.
وأشار إليها:
_وعيني عليكي، ولو عقابي طالك… هيحرق قلبك بجد..قالها ثم خرج دون كلمة.
ظلَّت رولا مكانها…
تحدِّق في الباب الذي خرج منه،
وصوته ما زال يتردَّد في أذنيها كصوتِ رعد.. لحظات بل دقائق مريرة، الى أن نهضت الى الشرفة، تشعر بدوران الأرض بها، توقفت تنظر إلى النجوم في السماء
_النهاردة أول عيد ميلاد محضروش.. همست بها، ثم دارت بعيناها بالمكان، الى أن وقعت عيناها على سيارته تقف أمام منزل إلياس.. رجفة اثارت جسدها، لم تفكر كثيرًا، سحبت حجابها ووضعته بطريقة عشوائية على رأسها وخرجت متجهة الى السيارة بخروجه من منزل إلياس..
تجمد بمكانه وهو يراها أمامه.. خطت الى وقوفه
_مرحب يادكتور
لم يرد عليها ظل بمكانه كما هو، اقتربت خطوة وخطوة الى أن أصبحت أمامه مباشرة، وعيناها تتلتهم تفاصيله
_جاية اشكرك على ورقة الطلاق، وابص في عيونك واقولك شكرًا لأنك خلصتني منك.. ياااه كان حمل تقيل أوي، اصل التمثيل في الحب صعب، وانت وقفت جنبي وكان لازم تاخد حق وقوفك دا
كلمات ماهي سوى كلمات، ولكن وقعها على قلبه كسهام مسمومة كادت تمزقه دون رحمة... دنا اكثر من اللازم
_يعني كنتي بتمثلي انك بتحبيني
ابتسامة ساخرة، لمعت بعيناها رغم انهيارها الداخلي من صوته الحزين، ولكنها اجابتها بكل قسوة
_طبعًا... هو فيه حد بيحب حد فجأة كدا
هزة عنيفة كادت أن تلقيه أرضًا، للأول مرة يشعر بالضعف الذي اوشك على انتهائه
_ليه.. وانا حبيتك أكتر من روحي
استدارت متحركة قبل أن تضعف، وهي التي يجب عليها أن تثأر لقلبها
_معنديش اجابة يادكتور لسؤالك.. توقفت واستدارت بنصف جسدها
_بس منكرش حاولت احبك، بس مقدرتش، سوري يادكتور القلب مالوش سلطان
تحركت بعض الخطوات بقلبًا كاد ان ينتفض من هيئته فقالت
_عرفت انك هتكتب رسمي، متنساش تعزمني، ويارب تطلع بتحبك وماتقتلش ابنك هي كمان
دارت به الارض، وشعر بانسحابها من تحت قدميه، استند على السيارة حين شعر بضعف جسده الذي اوشك على السقوط، لحظات بانفاس مختنقة، يشعر بانسحاب انفاسه، فتح باب السيارة بصعوبة، وهوى بجسده الذي شعر بثقله، ملقيًا ال CD بالسيارة، وتراجع بجسده مغمض العينين، بينما هي ركضت الى غرفتها ببكاء تغلق الباب خلفها، وجسدها ينتفض كالذي اصابه حمى.. اتجهت الى الحمام ووقفت تحت المياه بملابسها، تبكي بانهيار، دقائق مميتة تشعر بأن حياتها انتهت للابد، خرجت بثيابها المبللة، كأنها لا تشعر بشيئا وتمددت متكورة على الفراش، تتمنى من الله ان يسحب انفاسها
وصل الى المبنى الذي يقطن به، ينظر الى شقة كارما، لحظات صامتة، بأنفاس مرتفعة، الى أن ترجل من السيارة، وتوجه الى شقتها، فتحت الباب بعد أن رأته من خلال الكاميرات... حلف ينظر
مالك فيه ايه، وايه اللي عامل فيك كدا
سحب كفيها واتجه إلى غرفتها
انت مراتي ودلوقتي عايز تكمل جوازنا
قالها وهو يغلق الباب خلفه، يطالعها بنظرات دون رجعة
انت بتقول ايه... اقترب وهو يسحبها اليه
بقولك هستمم جوازنا يا كارما والليلة... ايه مش موافقة، ولا أنا مستهلكيش
هزت رأسها ولمعت عيناها
انت احسن راجل في الدنيا.. ابتسم واقترب من شفتيها وووووو
