رواية ظلال الخطيئة الفصل الخامس 5 بقلم دنيا الشملول


 رواية ظلال الخطيئة الفصل الخامس 

منحدر هادئ

دست سمية الهاتف أسفلها ما إن انفتح الباب، لكن هدى كانت قد رأت ما عرضته شاشة هاتفها، وحين تأكدت سمية من ذلك بعد رؤيتها لملامح الصدمة والخزي على وجه هدى، وقفت مسرعة تبرر بنبرة متوترة قلقة:
- هدى، هدى والله ما تفهميني غلط، دي.. دي صورة فتحتها بالغلط، حد بعت لي طلب صداقة ودخلت أشوف مين، فتحت صورته واتصدمت زيك، ما كنتش واخدة بالي من شكل الصورة من بره، صدقيني.
أنهت حديثها وهي تضع يدها على كتف هدى، لكن الأخيرة نفضت يدها مشمئزة، وحدجتها بنظرة تحمل الكثير من الضيق، سحبت ثيابًا من خزانتها، وخرجت في صمت تام ظاهري، لكن جسدها ينتفض من فكرة أن سمية ترتكب مثل هذا الذنب في الخفاء، ألا يكفي أنها ترسم ذوات أرواح، ودون رضا أبيها! والآن تشاهد صورًا مقززة لأشخاص في وضع مخل! تذكرت تلك الصورة التي طُبعت في ذاكرتها: شاب يقبل فتاة بشكل مقزز، تقرفت من استعادة ذكراها، وشعرت أنها على وشك الاستفراغ، فتحت صنبور المياه، وبدأت تغسل وجهها بسرعة وهي تتلفظ سريًا بالاستغفار، لكن جسدها ما زال ينتفض من فكرة أن أختها ترتكب مثل تلك الذنوب. هل عليها أن تخبر والدها؟ أم تنصح سمية نفسها؟ لكن من أين لها أن تضمن رجوع سمية عن هذا الطريق الوعر! ربما تقتنع ظاهريًا لتُسكتها، ثم تمارس ذنوبها في الخفاء. تاهت بين احتمالات عدة، ولم تعد تعلم ماذا عليها أن تفعل.

بقيت سمية في مكانها، يقتات عليها التوتر والقلق من أن تتحدث هدى مع أحد، أخذت هاتفها بسرعة، وقامت بحفظ الصورة في مكان آمن لا يمكن لأحد الوصول إليه، وقامت بإخفاء كل الصور التي تتعلق بالرسم، وحذفت بعض الدردشات من تطبيقاتها، ثم وضعته جانبًا تحسبًا لأن تتحدث هدى، ووقتها ستنكر كل شيء وتقلب عليها الطاولة، والدليل هو نظافة هاتفها الآن، والذي لا يحمل إلا أمورًا تخص الدراسة وبعض الدردشات العادية مع صديقاتها. لكن هدى بقيت صامتة، بل وتحاشت النظر إليها بقية اليوم، لم تكن تدري عن الحرب داخل أختها شيئًا، فاطمأنت قليلًا أنها ربما صدقتها، في حين أن هدى كانت فقط قد اتخذت قرارها أن تستشير من هي أعلم منها في هذا الأمر، ربما تهديها لسبيل لا ضلال فيه.

أذنت العشاء، وكانت هدى قد تحركت مسرعة تتوضأ، أدت فرضها وسنته، ثم استأذنتهم كي تنام، قالت أمها متعجبة:
- لسه بدري! هتنامي دلوقتي؟
- فيه شوية حاجات هخلصهم بس وأنام على طول.
دخلت الغرفة تنوي القيام بما أخبرتها به تسنيم، أخرجت الورق من حقيبتها، وبدأت تلمسه بيدها برقة كأنها تخشى عليه من قسوة ملمس أصابعها عليه، تنهدت بقوة، وبدأت تسترخي وتردد تلك الأدعية بصفاء ذهن ونقاء روح وصدق قلب. انتهت وفتحت عينيها لتشعر وكأنها خاوية من أي شعور سوى حب الله، وحبها له سيجعلها تسعى إليه، ولكن بنية صادقة ونفس مطمئنة.

بينما قلب آخر تمدد الضلال فيه، فقد انتظرت صاحبته إلى أن نام أهل البيت كله، وتحركت في خفة دون أن تصدر أي صوت، وجلست خلف الخزانة أمام الشرفة بعد أن جذبت أشياء الرسم خاصتها، وأخرجت من خزانتها لوحًا خشبيًا خبأته جيدًا هناك، وفتحت هاتفها على تلك الصورة التي رأتها هدى، نظرت حولها تتأكد من نوم إخوتها، وما إن اطمأنت أخرجت هاتف باسم الذي أعطاها إياه لتستخدم إضاءة كشافه في الرسم، وبدأت تخط بمهارة فوق الورقة تلك الرسمة، وشغفها بإخراجها أفضل وأنقى من الصورة أعمى عقلها عن ماهية ما تفعل، فقط كل ما تفكر فيه هو ثمن تلك اللوحة، فقد تحدث إليها شاب منذ ثلاثة أيام يخبرها أنه سيتزوج خلال أيام، ويريد "بورتريه" لهذه الصورة التي تجمعه بحبيبته ليعلقها فوق فراشهما، كمفاجأة لها ليلة الزفاف، وعرض عليها ثمنًا لم تستطع معه أن تفكر مرتين فيما تخط اسمها عليه، بل راحت تتلذذ بما تفعل، فالمقابل سيكون أكثر من مرضٍ لها.

سهرت كل الليل كي تُنهي هذه الرسمة، وما إن وضعت لمساتها الأخيرة عليها حتى شعرت بنشوة كادت تجعلها تصرخ بحماس، لكن نوم أهل البيت، وسرية ما تفعل حالا دون ذلك. أخرجت ورق الهدايا، وبدأت تلف اللوحة بعناية، حتى إذا ما انتهت قامت بوضعها أسفل ثيابها في الخزانة، وحاولت ألا يظهر منها أي شيء إطلاقًا، رفعت هاتفها لترى الساعة. تشير للرابعة فجرًا، قررت النوم لبضع ساعات قبل أن تتحدث لصاحب اللوحة كي يقابلها ويستلم لوحته، وراحت في نوم عميق متجاهلة تمامًا صلاة الفجر، حتى بعد أن حاولت هدى إيقاظها لأداء الصلاة، وفي الواقع فشلت أن تجعلهن يستيقظن جميعًا، فتركتهن مع دعوة صادقة لهن بالهداية.
_____________________

بعد آخر لقاء بينهما، وبعد أن اعترفت بكل وضوح بما تكن له من مشاعر بقلبها، بينما بقي هو صامتًا كمن لا يعرف كيف ينطق الحروف ليُكَوِّن كلمات تعطي معنى مفهومًا، قرر أن يتغيب لبضع أيام عن الجامعة، سيشغل وقته في العمل بالفلاحة، يعيد لسمية مالها، ولأمه كذلك بعض من مال جمعيتها، والدافع الأهم هو الهروب من مواجهتها مرة أخرى. حاول شغل عقله بالكد في عمله، وتحمل ثقاله، حتى أنه يعود لبيته خائر القوى، منهك، فينقلب على فراشه لينام دون أي تفكير، هذا ما سعى إليه، وهذا ما حققه، حتى استيقظ صباح يوم عرف في ليلته أنه لا عمل لهذا اليوم، ولا دراسة كذلك، فقرر المكوث في غرفته يراجع مواده بجد ويشغل عقله عن التفكير في شيء، لكنها لم ترحمه، شغفت قلبه حبًا، وشغلت عقله بها، كاذب، كذب على نفسه طوال الأيام المنصرمة، إذ أنه كان يرى وجهها في كل امرأة تعمل معه في الحقول، ويسمع صوتها في نبراتهن، لم تخلُ أحلامه منها، ولم تكف عن شغل عقله، هرب من مواجهتها فدفعت به للجنون بها أكثر. تنهد وقد قاده عقله في تلك اللحظة إلى التحدث مع أمه في أمر الزواج، ربما وجد عندها بعض الراحة مما يقاسيه، ربما فتحت له دربًا يهون عليه مصاعب سبيله إليها، مائة ربما في عقله يعرف جوابها مسبقًا، لكن هوى نفسه غلب ودفع به إلى حيث تجلس أمه أمام التلفاز تقوم بفرط حبات البازلاء من أقماعها.

جلس جوارها، قال دون مقدمات:
- ماما هو أنا فيه أمل أعمل حياة مستقلة قريب؟
تركت ما بيدها ما إن سمعت سؤاله، وقبل أن ينطق لسانها نطقت عيناها، لكنه كان وكأنه يعذب نفسه، أملى عقله الحقيقة عليه، ومع هذا أتى لأمه يسألها، فاضت عيناها بحقيقة الوضع وأيضًا بقي ليسمع قول لسانها، هو لا يفعل شيئًا سوى الضغط على قلبه الذي كاد يبكي بدلًا من عينيه. استمع لقولها المعروف والمُدرك مسبقًا، ثم أومأ مبتسمًا بتصنع ليضيف مازحًا:
- وأنا اللي كنت فاكرك زي باقي الأمهات هتزغردي وتقولي "ده يوم المنى والسعد يا ضنايا."! 
التقطت مزاحه فمازحته بدورها:
- يا خويا حد يجرب الجواز وينصح بيه!
ضحكا معًا على ما قالت، واستأذنها كي يتابع دروسه، سألت وهي تمسك بيده تمنعه من الذهاب:
- أنت فيه واحدة بتحبها؟
- حب إيه يا وداد! إيه الرفاهية دي! أنا مهندس قد الدنيا، أنا فاضي للكلام الفاضي ده! إوعي كده سيبيني، عايزة تجرجري قلبي للرزيلة!
ابتسمت لحديثه الذي يحاول أن يواري خلفه حقيقة قرأتها في عينه يوم هاتفته فتاة تسأل عن تغيبه عن الجامعة منذ فترة، لكنها ابتلعت تمثيليته، وشاركته بها ضاحكة دون قدرة منها على غير ذلك، فما بيدها من حيلة.

عاد لغرفته يجر خيبة خلف يأس، الأصلح للأمر برمته أن يتحدث إلى فاتن، أن يواجهها بحقيقة وضعه، وعليها أن تختار، بهذا يكون قد أخلى مسئوليته من اختيارها، وبرأ ذمته من تعلقها الذي ربما يكون في البداية وبحديثه ينتهي كل الأمر، وليتكفل ربه بقلبه.

ذهب إلى جامعته مع صباح اليوم التالي، بحث عنها في كل مكان يعلم أنها قد تتواجد فيه، لكنها لم تأتِ بعد، ناداه أحد زملائه ليشاركه طعامه، وافق على مضض، وبقي يبحث بعينيه عنها، ربما تمر في أي لحظة، شاركهما زميل ثالث، وبدأت أحاديث متشعبة تدور بينهم، وانتهت تلك الأحاديث بقول حازم. الذي انضم مؤخرًا لهم:
- فاتن عازماكم كلكم على خطوبتها. كلمتني وقالت لي أعرفكم إنها هتفرح بوجودنا معاها اليوم ده.
بارك الجميع وسعدوا لها أيما سعادة، بينما شحبت ملامح أحمد الذي ود لو يسأل حازم عن معنى قوله، فربما هناك معنى آخر غير الذي فهمه، أو ربما هو يهذي، أو قد تكون مزحة سخيفة منه، معروف حازم بسخافاته، لكنه لم يستطع قول كلمة، كل الكلمات تراقصت أمام عينيه فوق الطاولة، كأنها تسخر منه، أو تخبره بمدى جبنه ووضاعته، أضاعها كأنما لم تولد أي مشاعر بداخله لها، وكالأبله سيذهب لهذه الخطبة، سيذهب ليعطي درسًا قاسيًا لقلبه.
___________________

كانت ملامح التعجب والاستغراب ترتسم على وجهه، وعيناه تسألان في صمت عن سبب تغير محمد وأصدقائه تجاهه، فهم لا يتحدثون معه، ولا يلقون كلماتهم السخيفة أثناء مروره، بل حتى لا يحاولون أن تتواجه أعينهم بعينيه! ورغم تعجبه إلا أنه ألقى بالأمر كله عرض اللامبالاة، فهو قد استراح أخيرًا منهم ومن أسلوبهم الفظ. تعجب في هذه اللحظة من نفسه! ففي أحد الأيام كان مثلهم، بل وأكثر شغبًا، لا يعلم كيف تبدل حاله هكذا ببساطة! منذ تلك المرة التي تحدثت خالته معه فيها وقد تبدل شيء ما داخله، ربما للأفضل، المهم أنه ما عاد يسمع زعيق أمه في البيت بسببه، ولا دعواتها التي لا يعرف المراد من معظمها، لقد اكتسب بعض الصفات التي لم يتخيل يومًا أن تكون فيه، ولا أن تكون أسلوب حياته، هل عليه أن يشكر خالته؟! ربما عليه ذلك.
حمل حقيبته ما إن انتهى من دروسه، واتخذ وجهته إلى بيت جدته التي استقبلته بترحيب حار، وأبدت مدى اشتياقها له، سأل عن خالته فأخبرته أنها تشتري بعض الأشياء للبيت، آنس جدته في جلستها، وبدآ يتحدثان عن العائلة وحال كل واحد، حتى قالت جدته بحنين جارف:
- ما تخيلتش ييجي عليا اليوم اللي أحس فيه بالوحدة بالشكل ده، أهي حنان دي لو مش معايا هي وبناتها كان زماني ميتة مخنوقة من وحدتي.
- بعد الشر يا تيتا، احنا كلنا حواليكِ.
ابتسمت بحزن وهي ترد:
- أهي كلمة بنريح بيها نفسنا، كلنا حوالين بعض، بس كل واحد في دنيا غير التاني، كل واحد عنده مشاغل وهموم يا بني، الدنيا سارقانا من بعض، ومش بنفوق غير واحنا بنعيط على موتانا، وأيام وبنرجع تاني نسيب الدنيا تشغلنا، وأهو، أدينا عايشين وخلاص.

لم يجد ما يقوله لها، إنها محقة، فهو لا يدري متى آخر مرة قامت والدته بزيارتها، إنها لا تقطع الاتصالات، لكن الاتصال لا يغني عن زيارة أو جلسة تحمل رائحة الود والمحبة. لهذا السبب قرر أن يزيح. حزن جدته بفكرة حلت على عقله، لكنه لن يستطيع التعجل بها، فالامتحانات اقتربت، وتلك الفترة حرجة في جميع البيوت، لكنه اتخذ الأمر وعدًا على نفسه، وسينفذه ما إن تنتهي الاختبارات النهائية.

دخلت حنان تضع من يدها الأكياس التي أوجعت ذراعها، رحبت بباسم واعتذرت له على انشغالها، فعليها تحضير طعام الغداء قبل عودة بناتها، ابتسم لها بحب وهو يقول بتفهم:
- ولا يهمك يا خالتي، أنا جيت أتطمن عليكم بس، وطالما انتوا بخير فأنا همشي بقا، كمان أهلي ما يعرفوش إني هعدي.
- سلم على أمك وأخواتك يا حبيبي. فيك الخير يا بني والله، روح ربنا يفتحها في وشك ويكفيك شر كل ردي... 
ابتسم لدعوات جدته التي لا تنتهي إلا بلهاثها ثم، تختمها بقول "قادر يا كريم" قبل رأسها وعانق خالته ثم غادر، في بيت جدته يجد ما لا يجده في بيت أبيه، ربما التقدير! لا يدري تحديدًا، لكنه يحب القدوم إلى جدته، ولا يمنع تكرار ذلك بشكل يومي إلا مكوث بنات خالته معها، لو غير ذلك لاختار أن يعيش قرب دفء بيتها والسكينة التي تحفه ما دام بين جدرانه.

عاد للبيت بروح منتعشة، يشعر أنه يود لو يأكل كتبه الآن، وهذا الشغف بالدراسة لا يحل عليه كل يوم، فلينتهز الفرصة وينكب على أكبر قدر من دروسه فينهيهم اليوم، وعليه بترتيب جدول من أجل الدراسة النهائية قُبيل الامتحانات. كان عقله يحيك أفكارًا عن الدراسة، لكن حين فُتح باب البيت، وكانت أسماء هي التي تستقبله تعكر صفاءه كله، وبات كمن التقى بألد أعدائه على غير موعد. زفر بحنق ودخل، لكنها قالت باستفزاز:
- مالك يا خويا! شفت عفريت ولا إيه؟ إش حال لو مش عاملة زي الحارس الشخصي ليك. ومخلصاك من اللي بينغصوا عليك؟

التفت لها وقد ضيق عينيه في تساؤل عما تقصد، ما زالت بسمتها المستفزة تستقر فوق شفاهها، سأل:
- قصدك إيه يعني؟
- قصدي محمد وشلته يا حيلتها، ولا تكونش مش واخد بالك إنهم بعدوا عنك خالص!
- وأنتِ مالك بالموضوع ده إن شاء الله؟
اقتربت خطوتين قبل أن تمد أناملها إلى تلابيبه تنفض غبارًا زائفًا عنها وهي تقول بتعال:
- ما أنا اللي بعدتهم عنك يا بيسو، بكلمة مني بس.

ضايقه أسلوبها، واستفزته طريقة حديثها، وشغله ما يمكن أن تكون قد فعلت، بل وظن أن علاقة تجمعها بمحمد ذاك! عند هذا الخاطر وكز على أسنانه غضبًا، وفجأة استغل قربها وقام بجذب خصلاتها بقبضته بعنف، وسأل من بين أسنانه:
- كلمة إيه يا بت أنتِ! وإيه علاقتك بالواد ده من أصله؟
صرخت في يده وحاولت أن تبعده، نجحت في ذلك، وقالت بضيق أشد منه:
- علاقة إيه يا روح أمك! أنت فاكرني هبلة ولا عبيطة؟ ولا عشان ما عرفتش توقفه عند حده جاي تسترجل عليا أنا!
ازداد غضبه، وانفعل أكثر وهو يرفع كفه لينزل عليها بلطمة جعلتها تصرخ بغل وألم. أتت والدتهما على صوتها، وقالت بينما تحول بينهما:
- فيه إيه؟ بتضربها ليه يا باسم؟ هو انتوا لسه عيال!
لم يجبها أيهما، بل ازدادت نظراتهما لبعضهما حدة، ثم غادرت أسماء والتوعد له لا يفارق لسانها، أما هو فبقي ينظر في أثرها بأعين تحمل غضبًا جمًا. حاولت أمه أن تعرف منه ما حصل، لكنه تجاهلها بدوره وغادر إلى غرفته يبدل ثيابه، وما إن انتهى حمل كتب الرياضيات وذهب إلى سمية التي كانت تتصفح هاتفها، ما إن طرق الباب حتى قامت سمية بغلق دردشة ما، وأغلقت الهاتف وتصنعت المذاكرة، دخل باسم بوجهه الأحمر الغاضب، ألقى بكتبه فوق الفراش لتسأله سمية عما به، قال بضيق:
- أنا جبت آخري من أسماء دي، والله لو مسكتها لأعجنها.

ابتسمت قبل أن تقترب منه قائلة بنبرة غير مهتمة:
- ليها روقة.
مدت يدها في جيب حقيبتها، أخرجت بضع ورقات من المال، قدمتها له وهي تقول غامزة بعينها:
- خد يا أسطى روق دمك، ولا تشغلك الأوزعة دي، دول حلاوتك عشان وقفت جنبي واديتني تليفونك أستعمل الكشاف بتاعه عشان أخلص الرسمة الأخيرة.

رفرفت أهدابه بفرحة، وانفرج ثغره عن ابتسامة ازدادت وهو يمسك بالمال يعده، نظر لها وللمال ولم يجد ما يقوله، قبل وجنتها وركض مسرعًا متجهًا لمجمع الألعاب الإلكترونية، هناك حيث لم يذهب منذ مدة لعدم أخذه مالًا يكفي للعب فيه، لكن اليوم سيلعب إلى أن يمل اللعب بهذا المبلغ القدير! بينما ضحكت سمية عليه، وعادت تجلس إلى الفراش، وفتحت تطبيق الدردشات مرة أخرى، لتقرأ رسالته التي لامست قلبها فأردته صريع حبه للمرة التي لا تعرف عددها: "هتجنن وأقضي معاكِ وقت، نفسي نقعد ناكل في مكان حلو، نتكلم سوا شوية، يا بت أنتِ بتاعتي خلاص، والبُعد ده قاتلني."

فكرت قليلًا، مرات كثيرة رفضت أن تذهب معه لأي مكان، وما زاد عن حده انقلب ضده، فعليها أن ترخي الحبل قليلًا، وعليها استغلال ذلك بأن تحتل قلبه كليًا، فلا تترك له مجالًا للفكاك. كتبت: "حدد معاد ومكان بكره، هنكنسل الكلية والكورسات كمان، من باب التغيير."
"ده أحلى تغيير في الدنيا ده ولا إيه! شوفي هعيشك حتة يوم تحلفي بيه العمر كله، بحبك يا بت."
قرأت رسالته مرارًا وتكرارًا، وكل مرة تزداد ابتسامتها حتى تحولت لضحكة سعيدة حالمة، مدت يدها تتلمس جيب حقيبتها المنتفخ بالمال، وكتبت له: "وأنا بموت فيك."
انتهت الدردشة، وقامت بالتقاط بعض لقطات الشاشة للمحادثة كاملة، ثم حفظت تلك الصور في خزانة آمنة بالهاتف، وبعدها حذفت محتويات الدردشة فورًا قبل أن تحتضن الهاتف بحب حقيقي تمكن من قلبها لشاب التقته صدفة بالجامعة، كان هذا منذ عام مضى، وتطورت علاقتهما شهرًا فالآخر حتى اعترف لها بالحب، سقطت في بحور ذكرياتها معه، تتذكر محادثاتهما الليلية عبر دردشات الإنترنت، ونظراته لها في الجامعة، وبعض الدروس التي يتشاركانها، سيكون الغد هو أول لقاء حقيقي لهما، لتبدأ رحلتهما مع هذا اللقاء الذي لن يكون غير لعنتها الأبدية. 

تعليقات