رواية الصمت الباكي الفصل السادس والستون 66 والاخير بقلم ساره نيل


     رواية الصمت الباكي الفصل السادس والستون والاخير

رَمُوه بقَسوةِ القلب..!
أولا يعلمونَ، أنّ قلبهُ أوهَن القلوب، لتُصيبه تضرُع أحدهم بأن يكسر الله قلبهُ ليكون من نصيبهُ أنّ يُجتثّ قلبه..
بالمنتصف هو وقد أبدع الجميع في صُنع أنكالًا ثقيلة حول عُنقه، كأن الدنيا مُدبرة إدبارها في عينيه، بأي ذنبٍ من ذنوبه دقته الحياة دقًا وطحنته طحنًا..!!
اتجهت جميع الأنظار نحو ليلى التي طلتها تُد’مي القلب، واتجهت أنظار ليلى نحو الجميع..
مؤمن … أسوة .. صديقتها أسوة، ما الذي أتى بها إلى هُنا!!
عجبًا هُناك صفية أيضًا في هذا الركن البعيد..!
انتظر!! ذاك نفس القصر الذي أتت إليه من قبل لصفية.
إذًا هذا القصر يعود لشقيقها..
ما الذي يحدث، لماذا جميع الخطوط مُتشابكة؟..
أين هم أبي وأمي من بين هؤلاء؟!
كانت تبحث بلهفة حتى رأت سيدة تحمل الكثير من ملامحها تقترب منها، ارتعش قلبها وتسمرّت أقدامها وقد أيقنت أنها .. نعم أمّها..
والدتها التي لم تلمحها عينيها قط..
أمّا جميلة فكانت كمن تدور في حُلم، لا تشعر بأيّ شيء حولها، فقدت السيطرة على كل شيء بداخلها حتى أقدامها التي تحركت طوعًا نحو ابنتها..
قاسم كان يقف مدهوشًا وهو يرى بأم عينيه قطعة منه كان لا يعلم بوجودها، اقترب منها يأمل في تحققها فقط..
لقد أقبل الأمل ينبع في هذا القلب الحزين، أمر الله واجب النفاذ وها هم يرون معجزة .. حقًا معجزة..
وقفت جميلة أمام جسد ليلى الذي يرتعش وهي لا تُصدق، وليلى تنظر لها بأعين تفيض دمعًا بجنون، رفعت جميلة أناملها المرتعشة تسير بها على ملامح وجه فلذة كبدها بحذر وكأنها تخشى أن تكون سرابًا وتتلاشى..
أغمضت ليلى أعينها وانتفض جسدها، وتلك الرائحة تهاجمها بقوة، نعم إنها رائحة أمي..
لقد ظلّ قلبي محتفظًا بها مذّ أن ضمتني بينما لم أفتح عينيّ بعد.!
لقد أصبح لديها الآن عائلة، ستحظى بحنان الأم التي كانت تبحث عنه في أحضان صفية ونساء الملجأ..
وأب .. يا الله ألديها الآن أبٌ أيضًا..
ما هذا العطاء العظيم..!
أنا لم أكن منبوذة..
أنا لم أكن يتيمة..
أنا لم أكن وحيدة..
هناك أبي .. وتوجد أمي أيضًا .. بالتأكيد أخي..
انفجرت ليلى في البكاء وما مرت بهِ من طفولتها إلى الآن يقبع بعقلها أمام عينيها..
جذبتها جميلة لأحضانها لتبادلها ليلى وهي تتشبث بها بقوة بجنون كالغريق الذي يتشبث بطوق نجاته..
بكت جميلة بكاء يُقطع الأنياط وهي تطوق جسد ابنتها بحنان العالم أجمع وتُغرق رأسها ووجها بالقُبل وهي تشعر أنها ستفقد وعيها..
تأوهت ليلى بغير تصديق..
أنا الآن بأحضان أمي..
إنها أمي..
أمي .. أنا من الآن بأحضانها..
حقًا كلمات العربية لا تستيطع وصف ما بداخلهما يا سادة .. إنه لقاء بين فتاة عاشت حياتها يتيمة وأمّ قضت عمرها تبكي على فقدان وليدتها..
ليشاء المولى اللقاء ويعود الطوق المفروط للإنضمام..
كان مؤمن ينظر إليها بمشاعر شتى، مبعثرة ما بين السعادة لليلى شقيقته والحزن لأجل نفسه وقلبه وألمٌ يسكن قلبه يأبى أن يبرح..
وأسوة التي توزع أنظارها بين مؤمن المخادع الأكبر بحياتها، ووالديها التي التقت بهم للتو أيضًا!!
عقلها لا يكد يستعب شيء مما يحدث..
وصديقتها ليلى أيضًا..
هل هي شقيقة مؤمن!!
اقتربت أميرة من أسوة ببطئ لكن قبل أن تقف أمامها وقفت أمام مؤمن ثم رمقته بألم وعتاب وتعدته حتى وقفت أمام أسوة المنكمشة على نفسها وهي تنظر لظهر مؤمن بصدمة لم تُمحى بعد..
حتى الآن لا تصدق وجود أهلٌ لها!
كيف لها أن تتقبلهم، كيف لها أن تحيا بين ليلة وضحاها بين أُناس تراهم للمرةِ الأولى..
ليلى صديقتها تشاركها نفس القدر، لكن يبدو أن ليلى كانت تعلم بأمر وجود والديها وشقيقها والآن تتقابل معهم كانت مُهيئة بعلمها بوجودهم..
أمّا هي!
لا تدري حقًا كيف تتصرف..
حتى هو، هذا المخادع الكاذب، ليس بجانبها، لقد
خدعها .. كل هذه الأيام كانت تحيا داخل خدعة حازقة من صنعه..
هذا الحب الذي كانت يتصنعه في عينه والتصرفات البادرة منه .. كانت مجرد خدعة..
وماذا عن قلبها!!
وهل هان عليه قلبها، وتشتتها، وحيرتها، وتوقعها الأسوء، لقد كان ألمها أمام عينه وبين يديه والأفكار السوداء تلفُ بها الدوائر..
ووسط كل هذا كان يعلم من هي، والأكثر من هذا استتر على حقيقتها بل ومزق الخيط الذي كان سيوصلها..
سقطت دموعها بصمت وهي تشعر أنها ستفقد عقلها، أتسعد لعودتها إلى عائلتها التي ستتعرف عليهم لمرتها الأولى، الآن من الطبيعي أن تحيا بجانبهم وتشارك تفاصيل حياتها معهم..
أب وأم وشقيق .. انتظروا!
أهذا السمج الذي يقف خلف المدعو عاصم يؤازره ويناديه بأبي … أشاركه نفس الدم والرحم..
يكون أخي!
ما هذا .. لقد تشابكت الخيوط بعقلها.
أم تحزن لخيانة حبيب ظنّته وطن!
رفعت أعينها المتحجر بها دمعها تنظر نحو مَن يقولون أنها والدتها، إبتسامة بشوشة، وكمًا وافرًا من الدفء ينبثق من عينيها، ملامحها تُجبرك على السلام حتمًا..
همست أميرة بنبرة هادئة ممزوجة بغصة مريرة:-
– أنا فهماكِ .. أنا فاهمة تخبطك وحيرتك .. أنا فاهمة إللي إنتِ بتمري بيه، واتأكدي إن هكون معاكِ وفي ضهرك وهسندك ومش هسيبك أبدًا لغاية ما توصلي لبر الأمان..
بس عايزاكِ تعرفي حاجة واحدة بس..
أنا أمك إللي عاشت عمرك كله تتعذ’ب كل يوم وكل دقيقية..
أما أمك إللي من يوم ما أخدوكِ مني وأنا مانمتش ولا يوم براحة ولا هنا..
أنا أمك إللي على الرغم من كل السنين دي كلها والكل فقد الأمل قلبي كان حاسس ومتأكد إنك موجودة وقريبة..
أنا أمك إللي كانت كل يوم ترسملك مليون شكل في مخيلتها لكل يوم بتكبري فيه، وطلعتي في الأخر أجمل منهم كلهم..
أنا أمك يا نور عيوني وقلبي وحتة من روحي..
أنا أمك إللي هطيّب كل جروحك ومش هسيبكِ تضيعي مني تاني يا ملاكي..
كان كل حرف تلفظه أميرة يسقط معه دمعه من أعين أسوة ويسقط على قلبها كالطرب..
ارتعشت شفتيها وأعينها تبث من الدموع أمطارا، حاولت تجليّة صوتها وإخراج بضع كلمات من حلقها لتعبر عن ما يعتريها، فقالت بصوتٍ خرج هامس:-
– أنا ..يعني إنتِ أمي .. أنا يعني مش طلعت بنت شوارع زيّ ما بتول كانت بتقولي..
كانت هذه الكلمات عذ’اب السعير على قلب مؤمن، أغمض أعينه بألم وهو يقبض على يديه بقوة..
وأميرة فقد شعرت أنها انفصلت عن العالم بعد هذه الكلمات المهينة التي زرعتها تلك الحقيرة داخل فلذة كبدها..
وبأيدي مرتعشة تود أن تغمرها بأحضانها، أمسكت أيدي أسوة التي ارتجفت وهو تنظر لها، لتقول لها أميرة بوجه غارق بدموعه:-
– لا يا نور عيني إنتِ بنتي أنا..
وأشارت نحو عاصم المترقب بلهفة وأكملت:-
– ودا عاصم .. أبوكِ .. مش ساب مكان ألا ما دور عليكِ فيه من يوم ما أخدوكي مننا وهو بيدور عليكِ بلهفة العالم كله..
وأشارت نحو مصطفى الذي خيم عليه الحزن فقد كانت شقيقته الذي ذاب والده بحثًا عنها أمامه ولم يتعرف عليها..
وأكملت أميرة ببسمة من وسط بكاءها:-
– ودا مصطفى أخوكِ يا حبيبتي، وأنا حامل فيكِ كان بيعد الأيام على وصولك ومش كان بيبطل يكلمك ويحكيلك كل تفاصيله..
وبعد جملتها الأخيرة رمقت مؤمن بنظرة ذات معنى وهو يقف تحسبه جامدًا وهو يمرُ مر السحاب..
رفعت يديّ أسوة وأخذت تقبل باطن كفها بدفء وحب وإلى هنا لم تستطع أسوة التحمل وتشبثت بوالدتها تتذوق دفء الأم للمرة الأولى..
حقًا شيء مختلف تشعر أن الأمان يحاوطها من كل جانب وهي دائمًا فقيدة الأمان..
ابتسمت أميرة وهي تربت على ظهرها وتزيد من قوة عناقها وكأنها تريد أن تُدخلها بين ضلوعها وتغلق عليها..
اقترب عاصم منهم وأحاطهم ثم قبل رأس أسوة وكأنه يعتذر عن كل ما مرّ..
وقال بندم قا’تل:-
– حقك عليا يا بنتي .. حقك عليا عن كل كلمة قولتهالك وأنا تايه عنك ..أنا رميتك في الزنزانة بإديا، والله حاسس إن قلبي هيتخلع من مكانه، بس حسبي الله ونعم الوكيل في إللي كان السبب..
نمت ضحكة باردة على ثغر مؤمن بينما تأملهم عن كثب، على يساره أخيرًا تلاقت ملاك مع عائلتها وأصبحت بأمان..
وعن يمينه قطعة من روحه .. ليلى تلاقت مع جلَادوه، والحمد لله أنهم أبدو رغبتهم بها .. أمّا هو الأمر لم يعد يهم .. الأهم هي وإلا قد أصبحوا الأثنين منبوذين، وليلى قد حُرمت الكثير وآن الأوان أن تعوض ما فاتها هي .. وفتاته .. عسبرة..
كانت جميلة تحتضن ليلى ويحاوطهم قاسم بحنان، رفعت رأسها تنظر له لتراه يقف وحيدًا بعيدًا منبوذًا في موضع أصابع الإتهام تُشهر نحوه، شعرت وكأن أسواط من نا’ر تهبط على قلبها وتدميه..
انسحبت ببطء واتجهت نحوه بقلب أم متألم على وليدها البكر، ولدها طفلها وإن رموه بجميع الأقاويل..
أخطأت وأوجعته وتتضرع إلى الله أن يضع كل يُذهِب كل أوجاعه ويُلقيها بداخلها..
وقفت أمامه بينما ينظر لها مؤمن نظرة جليدية مغلفة بالجمود، رفعت أناملها تقصد وجهه لتقف مصعوقة وهو يتحرك للخلف تاركًا يدها مُعلقة بالهواء..
ابتسم بسخرية وهو يحرك أكتافه بإستنكار وهتف ببرود:-
– ملكيش الحق ده يا جميلة هانم، متحاوليش تمثلي..
سقط قلبها لكن لم يسعفها الوقت للتحدث وهي ترى قاسم يأتي يدك الأرض دكًا ينفث النا’ر، وانقض قاسم على مؤمن يمسكه من تلابيبه يرمقه بنظره مليئة بالكثير من الإحتقار والقسوة ويجأر بصوت جهوري هزّ الأرجاء:-
– وإنت تطول يا حقير .. إنك لك عين تتكلم بعد كل الجرايم إللي عملتها، والله لأنتقم منك على كل إللي عملته في بنتي وتخفيها الفترة دي وتوهمها إن أهلها ماتوا، وعن إللي عملته في مراتي إللي خسارة تكون أمك، وعن كل إللي عملته في بنت عاصم وحر’قة قلبه هو ومراته..
هدفعك تمن كل ده غالي..
لو تعرف بحتقرك قد أيه .. لو تعرف أنا بستعر إنك شايل اسمي إللي لوثته بأفعالك القذ’رة..
أنا مش بتمنى من الدنيا إلا إن أسحب اسمي منك..
شهقت جميلة وأميرة، ثم تدخلت جميلة تترجاه ببكاء مرير قائلة:-
– علشان خاطري يا قاسم بلاش إللي بتعمله ده، بلاش القسوة دي عليه .. أبوس إيدك كفاية .. إنت بتعذب قلبي أنا..
ماذا يفعلُ رجلًا لم تكن الحياة به حفيّاً؟!
تلجم مؤمن بالصمت، وبقى فقط ينظر لوجه قاسم بأعين مليئة بأطنان من الخزي..
الخزي من أمنيات مناها لنفسه..
الخزي من تعلق قلبه المرضي به..
من يطعـ.ن قلبي هو أبي..
أبي الذي حيّتُ على ذكراه عشرون عامًا أتمنى لقياه حتى بالأحلام..
قال من بين أسنانه بنبرة متوجعة أكثر:-
– ياريتك ما طلعت عايش يا قاسم باشا..
ياريتك كنت موت حقيقي..
إنت بالنسبة ليا موت مرتين يا قاسم باشا..
نفضه قاسم بلامبالاة وأعط له ظهره ساخطًا ولم يدري ما الذي ا’شعله بقلب مؤمن، يكاد أن يُسقطه الوجع، ليس وجعه العضوي ولكن وجعٌ مبطن بكل ذرة بجسدة يرفضون الإستمرار ومواصلة العيش..
الناس يعيشون في الحياة ثم يموتون، أما هو فعيشه هو سكرات الموت إلى أن يموت، لهم عيش وموت، وله الموت مكرر.
على الرغم مما فعله لكن كان قلبها يرفرف كالطير الذ’بيح خلف ضلوعها وجعًا لتلك الكلمات التي أشد وَطْئًا من سابقيها والتي ألقاها قاسم بوجه..
لماذا هدم كل ما بينهم..
ما هذه السخافة، أما زلتِي بتلك الخدعة التي وضعك فيها أيتها البلهاء؟!
لقد تلاعب بكِ وكأنك لا شيء..
هو حقًا لا يستحق الشفقة، وقد قيل الجزاء من جنس العمل، وهذا حصاد زرعهُ..
بهدوء تحركت باتجاهُ حتى وقفت أمامه بعيون حاملة من الشرّ والغضب ما لا يقوى عليه..
ابتسم لها بهدوء وأعينه تصر’خ بعشقها لكن كانت عينيها بتلك اللحظة أعماها غضبها، هي الوحيدة التي يتطلع بها بهذا الشغف والحنان، هي أمله الأخير، وقد وعدته بالبقاء..
هو على أمل أنها تستطيع فهم ما يدور بداخله من عينيه..
رقصت شياطين الغضب بعينيها وهي تتذكر المواقف التي جمعتهم وهي تزيد في البكاء بين يديه وتسرد له مخاوفها وأفكارها التي تعصف بها حول أصلها وأهلها..
ومع كل هذا لم يُحرك ساكن واستمر في كذبه..
ما كل هذا الغضب الذي يقبع بعينيها زادت نظرة شغفه حين التقت أشجار عينيها الغاضبة الثائرة غصونها بعينيه الليلية الهادئة وهمس وهو ينظر لها بحب لاحظته بشدة أميرة المراقبة بدقة:-
– عسبرة …
قطعت كلامه وهي تشهر بأصبعها في وجهه وتتسائل بعذا’ب وألم، تود أن يُنكر، تتشبث بأخر حبل يفصلهما عن الحقيقية والأوهام، بين البقاء والفراق والرحيل:-
– إنت عملت كدا ولا لأ .. يعني قصدك أيه..
دا كله كان خدعة، إللي فات دا كله مجرد كذبه..
ابتسم لها بهدوء ليفاجئها ويفاجئ الجميع بشيء غير متوقع، يطوق خصرها ويسحبها نحوه بوقاحة وسط أنظار العيون المتجمهرة وهمس لها بلهجة ذات معنى:-
– بصي في عيني هتلاقي فيها الإجابة ملكيش علاقة بإللي بقوله..
صُدمت من جرائته أمام الجميع، لا تريد أن يجرفها إلى هذا المنحدر مرةً أخرى، لا تريد أن تُخدع وتضعف أمامه، وما كاد أن يُكمل حديثه حتى ابتعدت عنه ودفعته بقوة … وابتدرته بلطمة أظلم لها الجوُّ في عينيه تردد صداها بأرجاء قلبه قبل أرجاء القصر وتلتها شهقات من الجميع..
صاحت أسوة بغضب وعروقٍ منتفخة:-
– إياك تلمسني، عمري ما هصدق منك ولا أي كذبة تانية من أكاذيبك.. خليك واضح ولو لمرة واحدة..
إنت تستاهل كل إللي يحصلك، تستاهل كل حاجة وحشه، وتستاهل كل الوجع والذل..
كل إللي حصلك إنت تستحقه..
لازم تفضل كدا عالطول وحيد .. محدش حابب أصلًا إن يقرب منك وهتفضل دايمًا كدا … منبوذ لأنك إنسان معقد وكل إللي بيقرب منك بيتأذى..
دار العالم من حوله وهو يُكذب أذنيه فيما سمعت، أهذه الكلمات خرجت من عسبرته، كل هذا الكُره والغضب!
وجد في نفسه غضاضة وقد ثقلت أنفاسه ويشعر بأن قلبه يمضي في طريقه إلى مصرعه..
ابتلع غصة مريرة بحلقه وهو ينظر لها بعتاب صامت ولم يكد يستعب الموقف حتى تفاجئ بعاصم ينقضّ عليه ويقبض على تلابيبه ببأس ووجه غاضب قائلًا بغضب كبير:-
– إنت اتجننت ياض ولا أيه، إنت بتمد إيدك عليها قدامي بالوقاحة دي..خلاص بقت تحت جناحي ولا إنت ولا أمثالك تقدروا تقربوا منها ولا تمسّ شعره منها..
ثم واصل حديثه يُفجـ.ر قنبلته وهو ينظر تجاه أسوة:-
– طلقها … ارمي اليمين يا حقير..
جحظت أعين أسوة ليلتفت مؤمن نحوها مبتسمًا بوجع هادئ .. نظراته لها توحي بالوداع..
تنهد وهو يقول بهدوء:-
– مستحيل يا عاصم باشا، محدش على وجه الأرض يقدر يجبرني أطلق مراتي وأنا مش عايز..
ريح نفسك خالص..
اِثبأجت عروق عاصم بالغضب السخين وكوّر يده بعنفوان قاصدًا لكمة ذات بأس لوجه مؤمن، لكن كانت له ردة الفعل الأسرع وهو يُمسك يده بتمكُّن ويبعدها بحنق وهو يقول بإنفعال:-
– هي خلاص كل من هبّ ودبّ ولا أيه..
فوق على نفسك يا عاصم باشا أنا لسه لغاية دلوقتي محترم فرق السن وإنك أبو مراتي وحمايا العزيز..
بس متنساش إنك بتكلم مؤمن باشا مش مؤمن الطفل..
كلماته بثت الحِنق في نفوس الجميع غير جميلة التي لا يستطيع قلبها الغضب عليه مهما كان الموقف، وأميرة التي ابتسمت بحنان وحُب الطفل مؤمن لم يُنزع من قلبها رغم الأزمان والأحداث..
هدر عاصم بصوت رخيم ثابت:-
– يلا يا أسوة اجمعي الحاجات الخاصة بيكِ المهمة علشان نمشي من المكان ده..
انتبه مؤمن بكل حواسه وتوجه بأنظاره يفترس تفاصيل وجهها منتظرًا إجابتها والمرجل يغلي بعقله، لتُضيق عينيها وترمقه بتحدي واضح وهي تُهمهم موافقة ليكتسى قلب مؤمن بالخيبة والحسرة، أغمض أعينه فلا مناص من الفرار .. لقد قررت المخادعة تركه بعد مئات من الوعود أمس أنها لن تتركه مُحال!.
التزم الصمت الملازم له كاللعنة وهو يشعر بأنهم سلُّوا السيف وكان قلبه المسكين غُمده..
عبس وجهه والأحداث تروح وتجيء في ذاكرته، نظر لها طويلًا في تفحص لا يخلو من توجس وهو يرى أن لا سبيل إلى انقشاع هذا الظلام الذي خيّم على حياته.!
ظلّ يُنقح مشاعر وهو يجاهد للثبات أمامهم ولو توارى عن الأنظار سيكون السقوط والإنهيار له حتمًا..
لم يعد يشعر بقلبه وهو يراها وافرة الهمة للرحيل عنه..
لكن على الأرجح لم تنتهي وصلة العتاب القاسِ بعد، اقتربت منه ليلى ترمقه بنظرات متوجعه فابتسم لها بشحوب وهو واثق بأنها ركنه ومن ستمسك بيده وسط هذه الجَمعه .. لكن يبدو أنها كومة أحزان عليه أن يجترها ويرحل..
غمغمت ليلى بصوتٍ مبحوح رغم شرارات الغضب التي تتناثر منه:-
– مكونتش غلطانة في أيّ كلمة قولتها عليك قبل كدا ولا ندمانة، إنت لعبت بينا كلنا وسبب حرماني من أيّ حاجة في الدنيا هو إنت..
إنت حقيقي مش تستحق ألا كل حاجة وحشة..
حرمتني من أهلي وكذبت عليا بعد ما عطتني الأمل..
كل يوم كنت بنتظر تفسير منك أو حتى زيارة ولا أي حاجة، لكن إنت رمتني زيّ الكلبة عند واحد صاحبك بعد ما جوزتني منه وكأني بلوة بتخلص منها..
حقيقي مش هسامحك أبدًا على إللي عملته معايا وقلبي أبدًا مش هيصفالك يا مؤمن..
إنت كنت عايزني أعيش العيشة إللي إنت عيشتها لغاية ما أوصل سنك صح .. عايزني أفضل منبوذة زي ما إنت منبوذ صح..
لكن ربنا كبير وحبط كل مخططاتك القذرة.
هي الأخرى خيبت رجاءه، قطب ما بين حاجبيه وهو يحاول لملمت روحه المُهشمة ثم أردف بنبرة مليئة بالنَصَب وأردف بإستغراب يُكرر:-
– مخططاتي القذرة!!!
رمقها بحنان وتنهد تنهيدة ثقيلة وهو يُدمدم بشرود:-
– عندك حق يا ليلى..
وربنا نصر الحق وأبطل مخططاتي القذرة..
تقدري تعوضي كل إللي فاتك وتعيشيه، استمتعي بحياتك وسط حنان جميلة هانم ودعم وسند قاسم باشا، ومتشغليش نفسك بِيّا خالص ولا كأني مريت بحياتك، اعتبريها يا ستي صفحة واقطعيها خالص..
تستاهلي الخير يا ليلى وأنا مطمن عليكِ وسط قاسم باشا وجميلة هانم..
زادت هذه الكلمات حنقها واقتربت منه بأعين تنفث النا’ر وهي تقول بفحيح مُحمل بأثقال البُغض:-
– أبرد إنسان قابلته في حياتي حقيقي..
أوعى تفكر إن منتظره وجودك في حياتي ولا أقبل بيك أصلًا مهما كانت الأسباب..
وإنت مش تستاهل حتى تكون صفحة في حياتي وانتهت .. لا إنت ولا حاجة..
اضطرب قلب أسوة من كم هذا الوجع المُوجه له وقد شاركت هي به، هي من كانت بجانبه وتعلم داخله أكثر منهم جميعًا ..
هم لا يعلمون شيئًا عنه، الكل يبكي على ليلاه ويرى الأمور من جهتهُ هو، لكن هناك أشياء لا مُبرر لها ولا حق لها أبدًا..
وزع أنظاره بينهم جميعًا وهم متأهبين للفتك به بإصرار عظيم، لقد اُنتزِع كل شيء ودُفِن الأمل تحت الثرى ولا عزاء له، انحلّت قوته وبقى ينشدهم الرحيل من أمامه كي يرحل هو الأخر بسلام ويُتاح له أن يسقط السقطة الأخيرة..
لقد أعرض الجميع ونأى بجانبه عنه وقد عجَف جسده وآن هلاكه بكلماتهم التي تلفح قلبه بلا أدنى رحمة..
فقط ينتظر أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ويُرضيه أن الله شاهدًا على هذا الطريق من بدايته .. هذا كافيه..
اقتربت ليلى من أسوة وهي تحتضنها هاتفة:-
– أسوة .. التقينا أخيرًا ومش هنفترق تاني..
بادلتها أسوة العناق وهي تقول:-
– وحشاني أوي يا ليلى، في كلام كتير أووي ناقص..
تعجب الجميع ورددت أميرة متسائلة:-
– إنتوا تعرفوا بعض..
أجابتها أسوة بهدوء:-
– أيوا عزّ المعرفة طبعًا، ليلى صديقة عمري..
صُدم الجميع ولم يسع أحد القول إلا “سبحان الله حقًا”
ترقرق الدمع بأعين أميرة وهي تُدرك أن رعاية الرحمن كانت تحفهم حقًا…لقد تجمع شملهم حتى قبل لقائهم..
حقًا رحمة وعناية فائقة من الله..
تحركت أسوة قائلة بهدوء ظاهري:-
– هجمع كتبي وحاجتي المهمة .. مش هغيب..
وسارت نحو الملحق تطاردها نظرات مؤمن الخاسئة..
شاهد الموقف صفية التي تمز’ق قلبها ألمًا على الجميع، وعزة الباكية على ما يحدث، ولا تعلم الحقُ بصحبة مَن!
ومُعتز الذي تفاجئ بحفنة الإتهامات الموجه لرب عمله مؤمن، والذي بحكم رفقته الدائمة لمؤمن منذ العديد من السنوات يعلم جيدًا كيف يُفكر، يُدرك أن الأمر به شيءٌ ما، لا يُصدق أيًّا مما قيل لأنه يعلم جيدًا من مؤمن، يحتفظ له بمواقفه المليئة بالإنسانية والرحمة والرفق بالآخرين..
أمّا ليث الذي التزم الصمت يُنكر تصرفات الجميع، تسرع ليلى وعدم تحكمها بذاتها، وقسوة قاسم الصياد وصديقه عاصم حتى وإن كان لديهم الحق في الغضب لكن هم رجُلا جيش وعليهم أن يكونوا أكثر حِنكة وتحكم بغضبهم..
يُنكر موقف جميلة واستسلامها المخزي لقاسم…
أما أسوة فقد أكتملت بها خيبة مؤمن..
هي الوحيدة الذي كان يعلم جيدًا سعي مؤمن في الكثير لأجلها فقط..
لكن حقًا قد تكون منيّة المُتمني في أُمنيته..
وهكذا سيكون إنتهاء مؤمن على يد من تمنى وجودهم من تمنى رؤياهم من سعى بكل طاقته لحمايتهم..
كان يختلس النظرات نحو الملحق، تحرك بإتجاهُ يريد الخلاص من هذه الاشواك التي تُحيط عُنقه، سار وهو مدحور ساهم النظرة وقد ضحلت كل آماله..
لاحظته أميرة بينما الجميع منشغل بطـ.عنهُ بالكلمات فسارت خلفه خفيةً بهدوء..
ولجت أسوة للملحق تشعر بإختناق يحاصرها، فكت حجابها وهي تحاول التنفس، أنفاسها مطرودة عنها..
شهقت وصدرها يعلو ويهبط ليهبط دمعها حُزنًا وألمًا وحسرة، هل هكذا ستكون نهايتهم، هل يستحق قلبها هذا الفراق..؟!
كيف لها أن تتحمل البُعد عنه، كيف لها أن تُشفى من وجعه!!
هل ستنزح إلى النسيان يومًا!
مُحال، فعشقه يسري داخلها مجرى دمها..
تلاحقت الدموع من بين جفونها وجعًا على حُبها المهدور، وجعًا عليه وعليها..
لم تشعر به خلفها يختلس النظرات إلى ظهرها الذي يرتعش من أثر البكاء..
تفاجأت به يطوقها من خلفها دافنًا وجهه بشعرها من الخلف وهو يهمس لها بعذاب:-
– طب ليه .. خليكِ معايا … اسمعي كلامه، اسمعي كلام قلبك..
ثارت بعنفوان تحاول الإبتعاد وهي تشهق قائلة:-
– أبعد عني .. مش قولتلك متلمسنيش.. أبعد..
سيطر عليها رغم قواه الهزيلة لكن كانت هي أيضًا تعاني من ذات الهزل، احتضنها إليه أكثر بوجع ثقيل يشتم عبير شعرها المنسدل على ظهرها الذي يُثمله رغم أنفه .. يضم ظهرها لصدره وهي تحاول دفعه، بينما أنامله تنساب بين خصلاتها يتلمس نعومته لمرته الأخيرة بحب حدّ الألم..
رائحتها رائحة الجنة التي سيُحرم منها وهمس بعذ’ابٍ واصب وملامحه سطرت عليها ريب المنون:-
-هشش سبيني لأخر مرة سبيني..
وأكمل همسه لائمًا:-
– من إمتى إبعد عني من إمتى يا عسبرة..
ليه القسوة دي كلها ليه..
هتمشي معاهم وتسبيني..
ثكلت ثباتها، كيف لها بالثبات بين يديّ حبيبها، ويُحيطها هذا الدفء الذي لا تحظى به إلا معه..
قلبها المسكين يضطرب بين ضلوعها وهمست هي الأخرى بوجع تقول في صوت مختنق متقطع لكلمات تقع من قلبه البائس موقع الجمر وأعينها تفيض دمعًا حار:-
– إنت إللي ليه .. ليه خدعتني وعملت كدا!!
دا أنا سلمتك أغلى حاجة عندي..
سلمتك قلبي وإنت كسرته.
ردّ بلوعة:-
– ياريت كنت أملكه .. ولا كان عندي كنت قدمتهولك ومن غير ذرة تردد..
بس أنا عطيتك إللي أغلى منه، إنتِ مالكة إللي أغلى من قلبي…
زادت شهقاتها شاعرة بأن روحها تهاجرها وقالت:-
– ربنا يكسر قلبك زيّ ما كسرت قلبي..
زاد من ضمه لها وهو يدفن رأسه بخصلاتها وسقطت دمعة وحيدة من عينيه حارة كانت مُحملة بكل معاني الخيبة والألم والحسرة لتتوارى بستائر البندق الذي لطالما لمعت عينيه في كل مرةً يراهم بها..
ثم هتف وهو يحاول التماسك:-
– متقلقيش هو خلاص انتهى مش لسه هينكسر..
رأى هذا المشهد بقلب مكلوم .. أميرة التي كانت تقف خلف النافذة ولم تستطع التمالك أكثر وهي ترى هذا المشهد الذي يُذيب القلوب أمامها..
هذا الحُب العليل، والعذاب الذي يتملّك الإثنين..
مؤمن حقًا يهيم ويعشق أسوة بصدق، هيئته تصرخ بحبها وهي الآن تيقنت أكثر أنه فعل هذا لأجلها .. لقد خبأ هذه الحقيقية عنها لأجلها..
لأجل دفع ضرر عنها بكل تأكيد ليس لإلآمها أو إنتقامًا كما يزعم..!
لقد رأت تلك الدمعة الثقيلة الحاملة للخيبة تتوارى بشعر ابنتها..!
انسلّت من بين يديه بصمت أوجع روحه وحملت أشياءها ورحلت بصمت يخالف الضوضاء المشـ.تعلة بروحها..
أطرق رأسه بسخرية سرعان ما استعاد رباطة جأشه وهو يقرر الصمود وإنهاء أمره المريج هذا، رفع رأسه شامخًا وهو يتقدم للخارج، فقد أُقيمت القُرعة وكان هو من المدحضين..
ضرب الدهر ضرباته وانسربت أيامُ ذلك الحُب من مساربها، وطوى الزمن هذه الأزمان ومازال سيطوي الكثير..
شاركه في عبوسه الجو، فقد كان الجوّ عابسًا وكأنه يشعر بما يدور، وقدم برِفعة وهو يرى ليلى تحتضن صفية ويبدو أنها قد أقنعتها بالرحيل معها..
وقف يشاهدهم .. أسوة التي أخذت يزيد أيضًا تحت تساؤلات الجميع عن ماهيته..
ابتلع ريقه وهو يشاهد موقفًا لم يكن يتوقع حدوثه أبدا..
أما عند هذه الجَمعه..
أمسكت صفية يد عزة وهي تقول بإصرار:-
– مش همشي في مكان وأسيب عزة يا ليلى، قدرنا نكون في مكان واحد .. هي أختي ومش هسيبها مهما حصل..
ابتسمت ليلى وهي تُمسك يد عزة وتقول بإصرار أكبر:-
– مين قال إن هسيب عزة أصلًا، أنا محتجاكم جدًا، محتاجة صافي ترجعلي بعد سنين، عندنا كتير نقوله ومحتاجة عزة تبقى أختي .. كمان أسوة محتجانا، إحنا في أشد الحاجة لبعضنا، ومش لازم نفترق أبدًا..
أيه رأيكم..
ابتسمت عزة وهي تنظر حولها وقالت:-
– أنا اعتبرت أسوة أختي من ساعة ما دخلت المكان هنا، ويشهد ربنا إن حبيتك إنتِ كمان يا ليلى..
حاليًا أنا وصفية هنيجي معاكم ومش هنسيبكم لغاية ما المحنة دي تعدي وتقدروا تقفوا على رجليكم من جديد..
لكن هنا مكانا .. هنا المكان إللي آوانا وليه الفضل علينا إللي عمرنا ما هننكره، هنرجع هنا تاني لأن دا المكان الوحيد إللي مش هنحس فيه إن إحنا عبئ على حد..
مقدرش أكون خاينة للمكان ده أبدًا..
لغاية ما كل واحدة فينا تمسك إيد جوزها وتبني بيتها وحياتها..
تفهمتهم ليلى وحركت رأسها بإيجاب وأيّدتها صفية الرأي..
أشار مؤمن لمعتز بعدما رأى رحيل الجميع، ثم قال له:-
– وصلهم يا معتز .. تقدر توصل خطيبتك وتكون معها تطمن عليها..
اعترض معتز بإحترام فهو لا يريد تركه:-
– بس يا مؤمن باشا …
قاطعه مؤمن بهدوء وحزم:-
– مفيش بس يا معتز .. خليك معاهم مسؤليتك سلامتهم..
حرك معتز رأسه بإحترام واقترب منهم يحمل حقائبهم..
أشار قاسم لسلوى ليمدّ يده لها بمظروف أمام وجه مؤمن وهو يقول:-
– دا عقد شقة ومبلغ تقدري تبدأي بيه حياتك بعيد عن المكان القذر ده يا سلوى .. كدا مهمتك خلصت..
قالت بإمتنان وهي ترى أنها لم ترتكب أي خطأ فتلك هي الصورة السيئة التي حاكها قاسم برأسها عن مؤمن، لتراه أنه مجرد شخص مُجرم لا غير..
سار قاسم بإتجاه مؤمن الذي يقف بشموخ واضعًا يده في جيبه .. تراه يرتسم على وجهه البرود واللامبالاة لكن بداخله تمور أمواجٌ من نا”ر تسري بعروقه لتحر’ق روحه وقلبه..
قوس قاسم فمه وهو يحرك كتفيه قائلًا بسخرية وهو ينظر حوله ثم هتف بما قَسم ظهر البعير:-
– دا مقامك .. كله مشى معدتش معاك حد، لا أهل .. ولا مستقبل ولا حتى أملاك..
إمبراطوريتك سقطت يا مؤمن باشا وطارت..
وأكمل وهو يُخرج بعض الأوراق يُلقيها بوجه مَن يكون وَلده وهتف بقسوة:-
– رسميًا شركات الصياد والقصر وكل ما هو ملك مؤمن الصياد بقى تحت تصرفي .. كل ما كان ملكك بقى ملكي يا باشا..
كانت ردة فعل مؤمن صادمة لقاسم ولم يستطيع أن يفطنها، لقد بقى جامد ساكن لم يرفّ له جفن كأنه اعتاد الصدمات..
لقد حطمت طفولتي يا أبي وقلبي ومحيت كل شيء لك بداخلي، لقد حرمتني الحُب والحنان..
فلا غرو أن تحرمني المال وإنجازاتي وكَدي وعرقُ جبيني وما سعيتُ له بكل أنفاسي لأكون شخصًا نافعًا يليقُ باسمك …اسم قاسم الصياد العظيم..
والآن لا شيء .. أن تسلب شقاء عشرون عامًا لا شيء..
أن تسلب أحلامي لا شيء..
ليتك أخذت كل شيء وبقيت أنت يا أبي..
وختم قاسم حديثه بعدما لم يرى جدوى منه:-
– يعني تشوفلك مكان تاني تعيش فيه…
لأن الأرض إللي واقف عليها دي مش ملكك..
نعم أبي … لم تعد ملكي فجسدي مَن سيضمه .. القبر..
عَله سيكون أدفأ من نظراتك .. ومن الحياة..
في الجهة الأخرى كانت أسوة بالكاد تقف وهي تختلس له النظرات وهي تعلم تمام العلم ما خلف هذه النظرات الباردة الجامدة..
أغمضت أعينها وداخلها يتصارع وأباجلها مليئة بالألم..
شعرت بمن يجتذب يديها لترى يزيد الذي يصرخ وهو على حافة البكاء:-
– ماما أسوة .. هو إحنا هنمشي ليه، وبابا مؤمن مش هيجي معانا ومين الناس دول..
ماما أسوة أنا مش عايز أسيب بابا مؤمن خلينا معاه..
أغمضت أعينها ورغمًا عنها سقط دمعها، يا ويلها لقد نست أمر يزيد…
جلست على أعقابها أمامه وهي تحتضنه بحنان قائلة برفق:-
– حبيبي يزيد .. إحنا هنروح مكان جميل وهيبقى عندك جدو وتيتا كمان، وإنت هتيجي هنا تاني .. وهو كمان هيجي يشوفنا .. نخلينا حلوين ونسمع الكلام..
وكمان تعرف مين هيجي معانا صفية وعزة كمان..
رفع رأسه لها بحزن ثم جذب يده وهو يقول ببراءة:-
– طب أنا هسلم على بابا مؤمن..
ولم ينتظر ردها ثم ركض نحو مؤمن بسرعة يحتضن أقدامه وهو يتشيث به بحب برىء صادق..
نظر مؤمن لأسفل ليرى من هذا الذي مازال باقي على حبه ويريد وداعه قبل الرحيل..
ابتسم له بحب أبوي صادق وهو ينحني ليحمله فيتشبث يزيد به ويطوق عنقه وقال باكيًا:-
– مش إنت قولت إنك بابا ومش هتسبني أبدًا وهتخليني أبقى قبطان..
أنا مش عايز أمشي من هنا .. قول لماما أسوة تخلينا..
قبله مؤمن من وجنتيه ورأسه مداعبًا شعره بحنان وهو يتصنع المرح، هو حقًا يُحب هذا الطفل واعتبره جزءً من حياته..
قال بهدوء وهو يمسح دموعه:-
– هي الأبطال بتعيط ولا أيه يا بطل..
كدا أنا أزعل منك، وبعدين مين قال إنك مش هترجع هنا تاني، مش إحنا قولنا إن وعد الراجل واجب النفاذ..
وأنا وعدتك إني هفضل معاك ومش هسيبك وهساعدك تبقى قبطان كمان، ودا دين في رقبتي ومش هخلف بيه أبدًا..
هتسمع كلام ماما وتبقى راجل كدا وتاخد بالك منها لغاية ما ترجع .. وعد يا بطل..
فرد له كفه ليضرب يزيد فوقه وهو ينسى كل شيء سيء ويقول:-
– وعد طبعًا يا بابا … هكون راجل وهخليك ترفع راسك وتفرح بيا وأنا قبطان..
قبل مؤمن رأسه بحنان وهو يجذب رأسه لأحضانه وهمس له:-
– أوعى تنساني يا بطل .. ولا تنسى وعودك دي..
على الأقل هناك أحدٌ سيكون بانتظاره، هناك قلبٌ مازال لا يبغضه .. هناك قلبٌ حزينٌ لفراقه..
مازالت هناك يدٌ متشبثةٌ به..
– تعالَ ندخل جوا هتاخد حاجة تخصك..
وسار للداخل وغاب قليلًا بعدما أحضر ظرف ووضعه بجيب سترة يزيد وهو يقول:-
– دا تحافظ عليه وتسلمه لماما ولما تكبر هتعرف فيه أيه..
حرك يزيد رأسه بطاعة ليبتسم له مؤمن وأمسك يده للخروج وهو يقول:-
– أخدت معاك بدلة القبطان..
أجابه يزيد بحماسة:-
– طبعًا أخدتها مش هسيبها أبدًا..
شاهد الجميع موقف يزيد مع مؤمن لتنهار أسوة باكية شاركتها دموعها جميلة وأميرة وهم يتأملان أن الأمور ستتحسن..فقط بعد بضع أيام..
ابتسم له مؤمن وقال:-
– يلا يا بطل مع السلامة..
– سلام يا بابا.
وسار بحزن نحو السيارات .. لكن توقف قليلًا وهو ينظر للخلف وينظر في الأرجاء ليرى من اتخذه أباه سيبقى فقط وحيدًا..
لم يبقى أحد معه والقصر ساكن..
ركض عائدًا له واحتضنه بقوة وهو يقول ببراءة:-
– مش تغيب يا بابا .. أنا هستناك..
تمالك مؤمن نفسه بصعوبة وهو يجاهد الثبات ويشعر أن مقدورته على التحمل تقارب على النفاذ، ألم قلبه يكاد أن يُميته بلا رحمة، لم يعد يشعر بنبض قلبه..
رحل يزيد دون أن يُعطيه أباه وعدًا بالعودة..
استدارت أسوة راحلة وأمسكت أميرة يدها تدعمها وباليد الأخرى تُمسك يزيد..
قلبها يطرق بعنف وهي تدرك من تركت خلفها..
إنه ساكن الروح….
بينما وقف مؤمن بثبات كاذب وهو يشاهد رحيلهم القاسِ ولم يُكلف أحدهم ذاته الإلتفات..
لم تتمالك نفسها وهي تعصر عينيها تحبس دموعها..
التفتت .. التتفت لتلتقي عينيها بعينيه في رحلة طويلة من الذكرى والعشق والشوق والألم..
التفتت أليس لها حق الإتفات .. إنه حبيبها..
أمّا هو كان يود أن تطول هذه الإلتفاته ليغرق هو أكثر..
ليحصد ذكرى أكثر..
لكن لكل شيء نهاية وسرعان ما انتهى لقاء الأعين..
واستدارت أسوة واختفت داخل سيارة والدها..
أما عند ليلى اقترب ليث الصامت منها ليدعمها لكن نفضت يده بقوة وهي تقول بغصب من بين أسنانها:-
– إياك إنت في نظري زيه بالظبط، إنت شريكه في كل حاجة وساعدته في لعبته القذرة..
عجز ليث عن الرد .. لكن قبل أن يفوته حق الرد قال لها بنبرة ذات معنى:-
– دا تهور وتسرع .. صدقيني يا ليلى هتندمي عليه..
– وإنت مين إنت علشان تهدد بنتي وتقولها تندمي..
لتكون هتندم عليك، أوعى تصدق نفسك وتصدق العكة إللي عملتها إنت وشريكك..
إنت لسه جزاءك مجاش وأنا مش ناسيك..
عايزك تنسى الجوازة الهبلة إللي مشاها صاحبك وبكل هدوء كدا تطلق بنتي..
نظر لليلى ليراها جامدة لم يطرأ عليها أي مشاعر فتنهد بهدوء وهتف ببرود واقتضاب صدم ليلى:-
– إن شاء الله..
أغلق الجميع سيارتهم وأشار مؤمن لليث ليظلّ خلفهم ليطمئن لوصولهم بخير..
ليرحل ليث هو الأخر وتخرج السيارات معلنة رحيلها عن قصر الصياد …. ليبقى هو كما كان دائمًا .. وحيدًا..
وأخيرًا يستطيع لفظ أنفاسه، فقد توازنه ليستند على جدران الدرج الرخامي بينما علت شهقاته وهو يحاول سحب أنفاسه، فك أزرار قميصه والإختناق يحفّه بلا رحمة..
سقط بضعف على درجات السلم بينما يسعل بشده وهو يمسك موضع قلبه بألم..والدوار يلفه بعنف..
غيمت الدنيا في ناظريه شاعرًا بأن تأتي نحوه تخنقه..
لكن قبل الرحيل هناك مهمة أخيرة عليه أن ينجزها..
أخرج هاتفه مُنجزًا آخر شيء يقبع على عاتقه بينما يلفظ أنفاسه الأخيرة..
********************
كانت الضحكات تضج بالأرجاء وقد سقطت كل الحواجز بينما يحتضنها تاره وتسارع في خطف قطع الفواكه التي يقطعها تارة أخرى..
– على كدا بقاا هنخلص إمتى يا سرور..
قبلت وجنته وهتفت وهي تضع قطع الفراولة بفمها:-
– بعشق الفراولة يا صالحوتي..
جذبها إليه ودلالها هذا سيقـ.تله حتمًا، أغدق وجهها بالقُبل وهو يهمس بعشق:-
– وصالحوتك بيعشقك يا عصفورتي..
نظرت له بأعين مليئة بالحُب وتحسست لحيته بحب وهي تقول بحب:-
– مش مصدقة الفرحة يا صالح .. وأخيرًا الحزن والكدر ده انتهى .. مش مصدقة إن ندى أخيرًا هترجع النهاردة..
بص عملت كل إللي هي بتحبه، ناقص بس أعملها عصير الفراولة بالبن والموز .. ونلبس ونخرج نجيبها..
اممم فرحانة أووي يا صالح..
احتواها بأحضانه وقلبه يرفرف من سعادته .. وأخيرًا قد وصلوا لمرفأ الأمان..
قبل رأسها وهو يهمس بحب:-
– عصفورتي إنتِ تستاهلي كل الخير والسعادة إللي في الدنيا دي، وأنا هبذل كل غالي وثمين علشان أشوف ضحكتك دي واللمعة إللي في عيونك يا سروري..
بادلته العناق وهمست بإمتنان:-
– ربنا يديم وجودك يا حبيبي..
في هذه الأثناء كان جرس الباب يعلو مُعلنًا عن وفود ضيفًا جديدًا … ربما سيقلب الموازين وستتحول مخططات كنت تحسبها نهائية..
فتحت سميرة الباب بهدوء لتتفاجئ بفتاة أقل ما يُقال عنها وتُوصف بها .. الوقاحة..
فتاة طويلة القامة ممشوقة القوام ترتدي فستان فضي يصل لركبتيها وحذاء مرتفع يدق مع كل خطوة تخطوها على الأرض اللامعة..والمُلفت أكثر أن بصحبتها فتاة صغيرة..
تعجبت سميرة من هيئتها وطريقة اقتحامها المنزل فتسائلت بهدوء:-
– حضرتك مين يا مدام .. وعايزة مين..!
نظرت لها بإحتقار من رأسها لأقدامها وعَلا صوتها وهي تقول:-
– بيتي وأدخل بالطريقة إللي تعجبني..
فين صالح باشا .. أكيد اشتاقلي..
وصل صوتها المرتفع إلى صالح وسارة في المطبخ، خرجوا بقلق لتتأمل سارة هيئة تلك الزائرة بتعجب..
هتف صالح بحاجبيّ معقودان:-
– إنتِ مين يا آنسة..؟!
استدارت له وانفرجت أساريرها وهي تركض نحوه تلقي بجسدها في أحضانه وهي تقول:-
– صالح حبيبي وحشتني..
أنا جيت أخيرًا.. أنا مراتك يا بيبي إنت نسيت ولا أيه..
ثم نادت الطفلة بلطف وهي تقول:-
– تعالِ يا طيف .. تعالِ يا حبيبتي سلمي على بابا..
جحظت أعين سارة وارتعش بدنها وهي تنظر لصالح بصدمة..
صالح الذي صاح بغضب وهو لا يصدق هذا الإبتلاء:-
– مرات مين يا ست إنتِ .. وبنت مين..
إنتِ مين وعايزة أيه..
ربعت يديها أمام صدرها وهي تتجاهل دفعه العنيف لها، وتتوعد داخلها بالكثير والكثير .. مازال طريق الإنتقام ببدايته..
قالت بهدوء ينافي العاصفة القائمة بين ضلوع سارة:-
– أنا عُلا المصري … معقول لحقت تنساني..
ودي طيف بنتنا إللي مقدرتش أتخلى عنها بعد ما إنت اتخليت عني..
ما هذا الذي يحدث!!
ارتدت سارة للخلف بينما نظر صالح لها بصدمة وهو يُحرك رأسه بنفي:-
– لا لا .. مستحيل..
**********************
في بلادٍ بعيدة ..
كانوا يجلسون بترقب، في انتظار التعليمات الجديدة..
ارتفع رنين الهاتف ليلتفوا جميعًا حول الهاتف بينما رفع قائدهم الهاتف وضغط على زِر الإجابة وهو يفتح مكبر الصوت..
في ظلّ هذا الأثناء لم يكن الطرف الأخر سوى سيدهم .. مؤمن الصياد..
– اتفضل يا باشا .. أظن الأخبار وصلت حضرتك، عصابة dark انتهت .. منتظرين تعاليم حضرتك الجديدة والدور على مين..
كان مؤمن يتكأ على الدرج الرخامي هزيل ضعيف أبىَ الهواء أن يخترق صدره، برد جسده وأصبح ينافس الجليد في برودته، ووجه وجسده غارق في عرق بارد..
ينهج بقوة بينما يسعل لتتساقط الد’ماء من فمه وأنفه، ويُمسك موضع قلبه دون جدوى..
أتى الصوت الذي يترقبه ليحاول الثبات وقال:-
– تسلموا يا أبطال .. قضيتوا على شرّ كبير..
كنتوا جاثوم على كل موزعين ا’لسم ده..
المعلومات الجديدة بعتها على الإيميل السري..
كل التجار إللي بيوزعوا داخل مصر، مش هتسيبوا حد يا أبطال هتفضلوا تحاربوا للنفس الأخير..
جوا مصر في المدارس والمستشفيات والجامعات..
مش هيفلت منكم حد لا أصحاب مناصب ولا غيره..
خلصوا المراهقين والشباب وانقذوا الأُسر..
واحتفظوا بهويتكم السرية .. حقيقية الجاثوم محدش لازم يعرفها..
هتكملوا الطريق بيا ومن غيري .. هتفضلوا تحاربوا الموزعين والتجار..
قال أحد الشباب الذي من ضمن فريق الجاثوم والذي تم شفاءهم من الإدمان:-
– مش هننسى أبدًا إللي عملته علشانا إحنا وأهلنا يا مؤمن باشا، إنت الإيد إللي اتمدت لنا وقت ما كنا خلاص على حواف النهاية..
دعوات والدتي ووالدي هتفضل تلاحقك في كل مكان ومعروفك مش هننساه أبدًا..
رد أخر بامتنان:-
– الله يباركلك يا باشا ويرزقك، بعد ما كنا شباب ضايع صايع لقينا هدف شريف نسعى فيه..
لقينا هويتنا .. شكرًا يا باشا..
ووعد هنكبر فريق الجاثوم..
قال آخر وهم لا يدركون ما يعانيه مؤمن خلف الشاشة:-
– رقبتنا سدادة يا مؤمن باشا، وهنحارب في الطريق ده لغاية ما هنمحي نسبة الإدمان في مصر والعالم..
نهج صدر مؤمن مبتسمًا بفخر وقال بهوان:-
– وأنا واثق يا أبطال..
كنت عايز أقولكم إن في أبطال جديدة نجحوا واتحدوا الإدمان وعندهم إرادة وعزيمة من حديد إنهم يقضوا على المخدرات ويكملوا معاكم الطريق..
هينضموا لكم في خلال أيام ومعاهم بردوه شوية معلومات مهمة..
شدوا الهمة يا شباب وأوعوا تقفوا وتبطلوا الحرب دي، في إيديكم مصير شباب ومراهقين وأطفال كتيرة معتمدين عليكم..
انقذوهم يا شباب وأبواب المستشفى مفتوحة..
نعم هذه حقيقية الجاثوم..
هم فِتية تمت معافاتهم من الإدمان ليقرروا شقّ طريقًا لمحاربة شبكات العصابة الموزِعة والمُصنِعة للأفيون وكل مشتقاته آملين نشر التوعية، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مخلب الإدمان..
هم من تخرجوا من مشفى مؤمن لعلاج الإدمان..
هم الأبطال الحقيقيون..
انتهت المهاتفة وقد تطمئن قلبه من هذا الجانب..
كان صدره يعلو ويهبط بشدة وهو مُلقى على الدرج هامد الجسد لم يقوى حتى على الحِراك..
القصر فارغ فقط الطيور التي تُحلق بعيدًا، كُتب أن تكون نهايته على أعتاب القصر وحيدًا فقط..
نظر للسماء وهو يبتسم بيما برزت جميع عروقه وانتفض جسده بقوة..
أصبحت رؤياه مشوشة وطوائف من الذكرى تلف عقله..
طفل يُقت’ل والده بين يديه وتغرق الدما’ء جسده وملابسه … سجن الأحداث .. العذ”اب الجسدي والنفسي .. نزع خصلاته .. ضربه المتكرر على جسده العاري … حتى قد تعذ”ب بالكهرباء..
شوقه للطفولة .. شوقه لوالده .. شوقه لأمه التي قت”لته ثلاث مرات..
عسبرته .. حبيبته .. وعروق قلبه .. وروحه المهلكة..
اللحظات التي جمعتهم .. هذا الشيء الجيد الذي خرج به.. دون كلماتها المؤلمة التي تصدّع لها فؤاده ونظراتها التي تُعلِن بها عن كُرهه..
وليلى شقيقته التي تراه عدوها اللدود..
لقد وصلتَ لنهاية السبيل يا مؤمن وآن وقت الرحيل فالتُسلّم روحك بسلام..
وفي وسط انهزامه لم يُدرك أن هناك أيدي أخرى تتشبث به، هناك روحًا أخرى مُتعلقة به.
مُصعب الذي يركض إليه على أعصاب من نا’ر..
إنه يعتبره سببًا للعيش ولن يستطع البقاء بدونه مهما كان المقابل لهذا..
يركض إليه ركض المجنون وصلت إليه أنفاسه قبل جسده..
هبط من السيارة وقفز نحوه وقد هَالهُ ما رأى..
سقط على ركبتيه بجانبه وهو يحمل رأسه على صدره وأعينه أخذت تفيض بالدمع كأنه طفل يحتضن والده..
أخذ يُحرك رأسه بجنون وهو يقول بلهفة:-
– لا لا … مستحيل، خلاص أنا جيت .. متعملش كدا..
مؤمن .. مؤمن متسبنيش أنا أعمل أيه من غيرك مقدرش من غيرك .. لا لا ..
فتح مؤمن عينيه ينظر له بوهن وسعل بينا يحمل مصعب رأسه على فخذية ويطالعه بلهفة ممزوجة بالرعب، هتف مؤمن بضعف:-
– شكلها النهاية يا مصعب، كل حاجة هتبقى كويسة..
خد بالك من نفسك وكمل طريقك..
أوقفه مصعب يجأر بينما يضعه أرضًا ويُشبك أصابعه معًا ويضغط بهم فوق قلبه محاولًا إنعاش القلب ليتحمل لوقت أطول..
– متتكلمش.. إهدى .. أنا خلاص لقيت القلب المناسب وهنسافر وتعمل العملية..
أنا مش هسيبك أبدًا، هفضل معاك زي ما كنت معايا للنهاردة، مؤمن استحمل علشاني أنا..
إنت أبويا وأخويا وكل عيلتي، أنا مليش غيرك في الدنيا دي .. هتسبني لمين يا مؤمن..
إحنا مع بعض من البداية وهنفضل سواا للنهاية..
كان مصعب في حالة مرزية جنونية وثب يروح ذهابًا وإيابًا وهو يصر’خ في الهاتف:-
– فين عربية الإسعاف .. الإسعاف غابت ليه كدا..
– إحنا خلاص قدامك يا دكتور مصعب..
وبالفعل لم يكد يُغلق حتى رأي سيارة الإسعاف أمامه، وفي أقل من دقائق كان مصعب ومُسعف يحملان جسد مؤمن الذي فقد الإتصال بالوعي..
وبدأ مصعب في تمزيق جزء من ملابسه ويوصل لجسده الأجهزة التي تُبقيه على قيد الحياة لحين وصوله..
ينظر لجسده برجاء ويقول بنبرة تقطع القلب:-
– يارب يارب أنا رضيت بكل قدر كتبته ليا وعيشت راضي مع كل العذا’ب إللي شوفته..
يارب أنا مليش غيره في الدنيا دي .. هو عيلتي..
احفظه يارب .. يارب متسبهوش زي ما كل مرة بتبقى معانا … يا حنين يارب..
كان يترجى المولى في حالة من يرثى لها وهو يجأر ببكاء كالأطفال..
كانت السيارة كالرياح وقد يسر الله طريقها نحو المطار وبممر خاص كان يركض مصعب بجسد مؤمن الهامد المحمول على الأسرّة المتحركة نحو الطائرة الطبية التي أمر مصعب بتجهيزها..
أقسم أنه سينقذه ليعود بقواه ويقف شامخًا مرةً أخرى ليرد حقه واعتباره المهدور..
وأقلعت الطائرة تشق الرياح قاصدة اراضي الولايات المتحدة حيث طوق النجاة الأخير والقلب الجديد..
***********************
انبلجت شمسٌ جديدة في حياتهم الجديدة..
منزلًا عريقًا واسعًا كان مزين بالورود والأنوار إحتفالًا بعودة أسوة وليلى، وكأنه ميلادٌ جديد لهم..
المشاعر شتى، هناك القلوب السعيدة التي تكاد أن ترفرف من فرط سعادتها..
وهناك الحزينة..
وهناك التي تحمل هذا وذاك..
معالم الإحتفال تعم المنزل وقد امتدت الموائد..
جلست أسوة التي يشوب وجهها الألم والحسرة وقلبها بين نا’رين…
لم يتوقف عقلها في إلقاء كل الذكرى التي جمعتهم، والتساؤلات التي لا حصر لها..
أين هو .. وماذا يفعل .. وما هي حالته..؟!
تننهدت بثقل فسعادتها مشوهة …لا شيء لها يكتمل إلا به.. هي أوجعته مثلهم وهو أيضًا أوجعها..
لا تعلم أن حبيبها بينما باتت تُعدد أخطاءه كان يرقد ينازع الموت وسكراته تحتضنه..
جلست ليلى بجانبها ولم تكن أفضل حالةً منها..
بينما قاسم وعاصم لا أحد اليوم مثلهم..
وجميلة اختارت زاوية ولازمتها وصورة ولدها الحبيب لا تفارق ذهنها وتشعر بقبضة قوية على قلبها..
لقد باتت الليلة تبكي هاجرة قاسم بعد أن اتهمته بالقسوة وجمود القلب..
لا تملك حيلة سوى الدعاء … وهل سيصل الدعاء إلى قلبه الميت..!!
وفي ظلّ انشغال الجميع بالسعادة، عمّ الهرج الأرجاء وفجأةً امتلأ المكان بأفراد الشرطة..
أتى عاصم يركض وهو يقول لقاسم:-
– قاسم .. سعادة الوزير يا قاسم، الوزير هنا..
انتفض قاسم وهم يرون اقتحام الوزير للمنزل وأصبح في مواجهتهم..
رحب قاسم به بثبات وإحترام:-
– سعادة الوزير نورت يا باشا..
كان وجه الرجل متغضن بالغضب وصا’ح بصوت جافٍ:-
– فين مؤمن الصياد يا قاسم..
تعجب قاسم من سؤاله وأجابه وهو يُضيق عينيه:-
– مكان ما هو موجود يا باشا .. أكيد في بيته..
بس الأكيد إن هو مش هنا..
رمق الوزير الأرجاء ليلمح كُلًا من أسوة وليلى، حرك رأسه بتفهم وقال بسخرية:-
– شايف إن مؤمن كشف عن الحقيقية وعرفكم طريقهم..
عقد قاسم حاجبيه وتسائل بتعجب:-
– قصدك أيه يا باشا …مش فاهمك..!!
أشار نحو الفتاتانِ وقال:-
– بنتك ليلى … وأسوة بنت عاصم..
تصاعد همزهم ولمزهم ليقول عاصم هذه المرة بعصبية:-
– لا يا باشا إنت حضرتك فاهم الموضوع غلط، الكلب ده هو إللي أخفى بناتنا عنّا، وهو إللي زور تحليل بنتي بعد ما كنت خلاص لقيتها..
وإحنا عرفنا من خلال الدكتور إللي ضميره صحى..
ومن الظابط إللي قرر يعترف بكل حاجه إللي كان متجوز ليلى..
ابتسم الوزير بسخرية، وقال:-
– قصدك ليث..
تعرف يا عاصم بالرغم من إنكم ضباط وكمان رتبكم عالية وأصحاب إنجازات إلا إنكم في منتهى الغباء..
لا يا باشا إنت وهو إللي متعرفوش ولا حد يعرفه..
إن الدكتور قالك الحقيقية بأمر من مؤمن نفسه..
وهكذا ليث..
هو إللي كان مسيطر على كل حاجة..
استشاط قاسم غضبًا وجاء ليصب جام غضبه لكن قاطعه الوزير بحزم وهو يقول:-
– قبل ما تتسرع يا قاسم زي عادتك أحب أقولك حاجة وأقولكم عمومًا..
إنتوا هتندموا أشد الندم ولو حصل حاجة لمؤمن هيبقى ذنبه برقبتكم..
سقط قلب أسوة وأغمضت عينيها وهي تعلم ماذا ستسمع .. حقيقة من حقائق حبيبها وفضيلة من فضائلهُ..
قال الوزير بحسم:-
– بما إن كل حاجة انتهت … يبقى مفيش داعي أخبي عنكم الحقيقية..
تعرف يا قاسم باشا إن مؤمن كان في أمر بتصفيته من عصابة عالمية..
ويا سعادة الضابط يا حصيف برأيك كان في وقت زي ده لما يعرف إن ليه أخت في وقت زي ده يبقى واجب عليه أيه، يخفيها ويخفي هويتها ويمحيها، ولا يقول يا ناس أنا لقيت أختي وهو متراقب..
عرفت ليه مؤمن خبى ليلى بنتكم عن الأنظار..
وحول نظراته لعاصم والصدمات تتوالى على قلوبهم وقد أصبح صاحب الذنب مظلوم، والجاني هو الضحية
– أما إنت بقى يا عاصم باشا بالنسبة ليك ولبنتك أسوة..
كان عندك علم يا باشا إن عصابة dark بتسبقك بخطوتين وبدور على بنتك معاك وكانوا عايزينها بأي تمن لأن كانوا عارفين إن دي أكتر حاجة هيوجعوك بيها لأن كان مطلوب تصفيتك يا بيه لأجل العرقلات إللي بتعملها لهم في توزيع شغلهم في مصر فكانوا عايزين يتخلصوا منك أو يهددوك بيها..
عرفت ليه مؤمن خبى ملاك عاصم الشامي في صورة أسوة محمد الخطيب وقدر يتلاعب بعقولهم ..
عرفتي ليه زور التحليل يا دكتورة أسوة..
وأكمل بلا شفقة معاتبًا:-
– إنتِ المفروض أكتر واحدة عرفاه وسط الناس دي كلهم .. كان المفروض تفهميه من نظرة عينه..
عمومًا العصابة وقعت وانتهت ومفيش أي خطر على حياتكم .. تقدروا تعيشوا بسلام..
علشان كدا مؤمن لمّ وجمع شملكم..
وقال قبل أن يرحل:-
– بس للأسف مؤمن اختفى .. كأنه اتبخر..
دورنا عليه في كل مكان بس مفيش فايدة…
وإللي مخوفنا أكتر إن مؤمن مريض بالقلب وفي المراحل الأخيرة ولازمله زراعة قلب..
وهو شخصية تهمنا..
وقال وهو ينظر لقاسم وعاصم بسخرية:-
– لأنه عمل إللي محدش فيكم قدر يعمله..
ورحل وسط رجاله بعد أن ف’جّر الكثير من الصدمات..
ران الصمت بين الأرجاء ووقف الجميع كأن على رؤسهم الطير..
لفت الأرجاء بأسوة التي سقطت في بئر الصدمة والندم وأخذ عقلها يسترجع كل ما حدث وكلماتها السا’مة التي قذفتها بوجهه..
وضعت يديها على رأسها وتشعر بأن الدوار يحاوطها وانفصلت عن الواقع ولم تدرك جميلة التي سقطت فاقدة لوعيها..
رفعت طرف ثوبها وأخذت في الركض خارج المنزل وقلبها يسبقها بخطوات ودموعها تبث خوفها وهي تدمدم بغير ترابط:-
– حبيبي أنا آسفة .. أنا أنا انتهيت .. لا من غيرك لا..
قلب .. قلب .. المراحل الأخيرة .. ليه ليه تخبي عليا..
خلاص أنا جيالك .. مش هسيبك..
أنا جايه..
صرخ عاصم خلف أسوة وخرج خلفها مصطفى الذي استطاع اللحاق بها وإمساكها وهو يحاول السيطرة عليها قائلًا:-
– رايحة فين يا أسوة .. استني بس اهدي..
كان تضرب ذراعيه بجنون وقد أصابتها حالة من الانهيار وتصرخ بعذاب:-
– أبعد عني.. أهدى .. حبيبي بيموت أهدى إزاي ..
أبعد عني .. ابعدوا عني سيبني أروحله .. سيبني.. وديني عنده بالله عليك يا مصطفى وديني عنده .. هناك .. واديني أبوس إيدك..
كانت في حالة من البكاء الهستيري والإنهيار فلم يستطع سوى أن يرضخ لها وهو يفتح باب السيارة..
كانت كمن يجلس على الشوك .. تضع رأسها بين يديها ووجها غارق بالدموع، حزن لأجلها ليمُد يده يُمسك يدها وهو يقول يُطمئن قلبها:-
– هيبقى كويس إن شاء الله بس إنتِ لازم تبقى أقوى من كدا..
تشبثت به بلهفة وهي تقول برجاء:-
– بجد .. يعني هيسامحني .. هيبقى كويس..
تنهد بحزن ليُحرك رأسها وهو يدعو الله أن يمر الأمر على خير..
وصل للقصر الذي كان مثل ما تركوه، أبوابه مفتوحه على مصرعية والهدوء سيطر عليه … فقط الصمت..
هبطت بلهفة كادت أن تتعثر وهي تركض بقلب ملهوف لكن وقفت بصدمة وهي ترى الد’ماء المتجلطة على درجات السلم، سقطت على ركبتيها تتلمسها بأصابع مرتعشة وعيون كان الجمر لها موطنًا..
– حبيبي..د’م … لا ..
إنهارت قواها وهي ترى المكان خرابًا، شعرت بالأرض تمور من تحت أقدامها والسماء تدور من حولها، وقفت لتصرخ بإنهيار:-
– لا……. لااااااااا … آآآآآآآآآآه…
لا يعلم مصطفى كيف يُسيطر عليها وهي متكومة تبكي بهذا الإنهيار وتتحسس دمه بجنون، يخشى أن يصيبها شيء ولا يدري كيف يتصرف!!
وفجأ ركضت للأعلى تبحث بالأرجاء وهي تنادي باسمه:-
– مؤمن … مؤمن .. مؤمن حبيبي..
أنا هنا .. أنا جيت يا حبيبي .. أنا أسوة..
عسبرة جيت يا كلفي رُد عليها..
مؤمن .. رد عليا..
مؤمن رد عليا .. إنت زعلان مني..
طب أنا غلطانة ووحشة..
يعني أهون عليك .. تهون عليك عسبرة..
طب يعني شوف دعيت ربنا يكسر قلبك بس أنا قلبي إللي اتكسر ..
يعني كنت بتقول ياريت تملك قلبك علشان تقدمهولي..
وأنا زي الغبية مش فهمتك..
إنت قولتلي متصدقيش كلامي .. وشوفي عيوني بتقول أيه..
أنا الكذابة أنا إللي وعدتك وأخلفت..
طب حقك عليا يا حبيبي..
طب روحت فين يا مؤمن..
كان تدور في القصر وتُردد هذه الكلمات بلوعة كمن مسّه طائف من جنون..
وصلت لغرفته لتدخل إليها بقلب يرتعش وتظل تدور بها تتلمس أشياءه بلهفة وحب..
ثم سحبت سترته وتكورت على فراشه تشتم رائحته بنهم والدموع تُغرق وجهها..
احتضنت سترته وهي تبكي وتبكي وتُحدث نفسها بلا توقف..
ومصطفى فكان يدور حول نفسه ولم يجد حلًا سوى أن يُخبر والده ووالدته..
******************
كان الجميع يقف حول جميلة التي فارقت الوعي منتظرين ماذا سيقول الطبيب..
– خير يا دكتور مالها..
تسائل قاسم بلهفة وقد سقطت قسوته وجموده..
أجابهم الطبيب بتعجب:-
– بصراحة المدام دخلت في غيبوبة والله أعلم هتفوق إمتى.
همد جسد قاسم على المقعد القريب بينما شهقت ليلى ببكاء مرير فهي بالكاد تعرفت بوالدتها..
وكأن مؤمن كان حاجزًا في بداية عِقد وعندما انفرط انفرط الجميع واحدًا تلو الأخر خلفه..
*********************
في أحد مشافي الولايات المتحدة..
وعلى أعتاب المشفى بعد سفر دام لساعات تحت وطاة الخوف والقلق والترقب كان مصعب يركض صارخًا بينما يدفعون جسد مؤمن وحالة من الفوضي أصابت المشفى..
كان جسده مُخبأ خلف أجهزة جمة، وأنابيب متصلة به من كل جانب لتُبقيه على قيد الحياة..
أمام غرفة العمليات كان ينتظر الطبيب نوح وفريقه الطبي الّذين هرعوا عند رؤيتهم يقتربون
تم سحب مؤمن لغرفة العمليات ومصعب يشعر أن روحه قد سُحبت منه..
تمسك بذراع معلمه الطبيب نوح وقال بترجي بالإنجليزية:-
– أرجوك أتوسل إليك طبيب نوح .. أنقذ أخي..
أفعل كل ما بوسعك لا تدعه يتركني..
كانت حالته يرثى لها لذلك لم يسمح له الطبيب نوح بدخول غرفة العمليات، هتف الطبيب الأجنبي بحزن:-
– عزيزي مصعب تماسك قليلًا وادعوا الله أن ينقذه..
لم أعتد رؤيتك بهذا الضعف .. تماسك يا رجل..
ورحل للداخل ليقف مصعب أمام الزجاج وهو يراهم يمزقون ملابسه وأصبح جسده الذي لطالما تحمل لأجله الكثير مُحاط ومغطى بالأجهزة الباردة والأنابيب المتباينة..
سند رأسه على الزجاج وهو يبكي ولم يخجل من بكاءه وهو يقول بألم:-
– لكنه أخي يا طبيب .. أخي وما تبقى ليّ في هذه الحياة..
**************************
ركضت أميرة للأعلى حين أخبرها مصطفى بحالة أسوة، ولجت للغرفة لتتجمد حين رأت وضعها هذا..
متكومة على الفراش وتحتصن ملابس مؤمن بينما جسدها فينتفض متشنجًا بشدة..
اقتربت منها تحاول إيقاظها والسيطرة على تشنجاتها الشديدة لكن بلا فائدة..
والأفظع من هذا حين بدأت في الصراخ والبكاء وكأنها تُجابه أحد الكوابيس..
– لا مش تسبني .. أنا هنا .. أنا آسفة …ارجعلي..
************************
في غرفة العمليات وبعد مرور عدة ساعات ومصعب مازال في مكانه لم يبرح عنه..
نظر الأطباء لبعضهم البعض وأمر الطبيب نوح بصراخ:-
– هيا استخدم الصعق.. انعش القلب .. جسده سيلفظ العضو..
بدأ الطبيب يرفع مستوى الڤولت لصعقه ويضعه على صدر مؤمن لينتفض جسده بقوة للأعلى، وظلوا يكرروا الأمر دون فائدة والصعقات تتوالى..
صرخ مصعب من خلف الزجاج وهو يتشبث به
– مؤمن .. متسبنيش يا مؤمن .. مؤمن فوق .. قاوم وحارب وارجع من جديد .. عملتها كتير وهتعملها كمان..
أمّا بعيدًا وسط ضباب أحلامه كان يقف بانتظارها ليراها تأتي نحوه وخصلاتها ترفرف خلفها بفتنة..
اقترب منها وأخذ يديها بحب وحنان وهو يقول بعتاب:-
– مش قولتي مش هتسبيني .. إنتِ وعدتني..
لكن فجأة صفعة قوية سقطت على وجهه واستدارت ترحل من أمامه، ظل يلاحقها يدور حولها وسط الضباب، اتعبه البحث والتبرير ليقرر الرحيل هو هذه المرة..
وعندما جاء ليستدير وجدها أمامه تبكي تترجاه في الإقتراب والعودة..
لكن خلفها كان يقف قاسم وعاصم وجميلة والجميع ينظر له بغضب..
عاد للخلف وأولى لها ظهره لتصرخ برجاء وهي تبكي:-
– لا متسبنيش ارجعلي..
دار برأسه لها وابتسم بألم وقال:-
– للأسف معدش ينفع الرجوع يا عسبرة..
سلام..
جأرت بكل صوتها وهي تحاول التحرك لتلحق به لكن قوة خفية تثبت أقدامها..
ظلت تبكي وتناديه:-
– متسبنيش متسبنيش .. لاااااااا
لكن هُنا استدار راحلًا بوجعه وألمه وأيقن أن الحياة حربٌ ضروس وما المودة فيها إلا حيلة من حيّل الحروب فلاقى الزمان محاربًا لم يحني رأسه لعاصفة وإنما يقف كالطود الأشم..
ضاع صوتها في الضباب وهي تبحث عنه صارخة:-
– من غيرك مقدرش .. هموت بالبطيء….
ارجع يا حبيبي .. مــــــــــــــــؤمـــــــــن
أنا بـــحـــبــك يا كـــــلــــــــفـي..
وهنا صرخت أسوة صرخة زلزلت القصر وهي تقفز من نومتها شاهقة…
– لاااااااااااااااااااا مستحيل..
بينما عند مؤمن لم يستطع أحد السيطرة على مصعب الصارخ ببكاء وهو يجثم فوق جسد مؤمن يحاول إنعاش قلبه…
وفجأة شهق بقوة وأعلنت الأجهزة عن صفير متواصل بكئابة لينظر الأطباء إلى بعضهم البعض بصدمة..!
يا ليت من يدري!! فإن الكتاب الذي نقلنا عنه القصة لم يذكر من هذا شيء، بل قطع الخبر عندما انقطع الصفع..
وأيقن أن الحياة حربٌ ضروس وما المودة فيها إلا حيلة من حيّل الحروب فلاقى الزمان محاربًا لم يحني رأسه لعاصفة وإنما يقف كالطود الأشم..
《تمت بحمد الله وفضله》
..الـــــــــنـــــــهــــــــايــــــة..

تعليقات