رواية فوق جبال الهوان الفصل السادس والستون
فور أن استيقظت من نومها المريح الذي امتد إلى منتصف النهار تقريبًا، سارت "فادية" بخيلاء وغطرسة خارج غرفة نومها الفندقية، لتجد "راغب" لا يزال جالسًا مثلما تركته مساء الأمس على الأريكة، يرتدي نفس ثيابه، ووجهه ينضح بعلامات الغضب والحنق.
نظرت له باستعلاءٍ، وخللت يديها في شعرها المسترسل لتسويه متسائلة ببرودٍ مستفز:
-إيه ده؟ إنت لسه بهدومك؟
هب قائمًا ليلومها بنبرة تُدينها:
-الظاهر إنتي ناسية المصيبة اللي مهبباها.
لوت ثغرها تحذره بما يشبه السخرية:
-بلاش الأسلوب البيئة ده في الكلام معايا، وماتنساش نفسك.
رد في تحفزٍ، وهو بالكاد يقـــاتل ليضبط أعصابه:
-بيئة!! الشرف بقى حاجة بيئة!!
تنهدت مليًا، وتابعت تعليقها وهي تنظر إلى طلاء أظافرها البراق:
-أنا قولت إنت عقلت، وندمت على تصرفك السخيف بتاع إمبارح، بس شكلك لسه زي ما إنت .. متخلف ورجعي.
انتفخت أوداجه واشتعلت أذناه بالمزيد من أسلوبها المثير للأعصاب، وهدر بها وهو يكز على أسنانه:
-ده شرفي يا هانم، ولا الكلمة دي معدتش عليكي خالص!
اللغة الوحيدة التي بدت مفهومة كليًا بالنسبة لها، بل وقادرة على استخدامها بجدارةٍ هي لغة السلطة المطعمة بالمال، فناطحته الند بالند قائلة بعدم اكتراثٍ، وكأن ما قاله لم يهز شعرة واحدة من رأسها:
-وقبضت تمن المفروض سكوتك بجوازك مني، وارتبطت بعيلة مكونتش تحلم إنك تتعامل معاها أصلًا.
ليحتج في حنقٍ:
-ولا عمري كان يجي في بالي إن مراتي بنت الحسب والنسب تبقى مقضياها، لأ ومش عاجبها إني اكتشفت حقيقتها، وبتبجح كمان!!!
زفرت الهواء في سأم، وخاطبته في عجرفةٍ:
-كلامك البايخ ده بيعملي صداع على الصبح...
وقبل أن ينبس بكلمةٍ اعتراضية أخرى رفعت إصبعها في وجهه تحذره، وذلك التعبير القاسي يفترش كامل ملامحها:
-بلاش تنسى إن جوازك مني فيه مصلحة ليك، إلا إذا كنت عايزني أحكي لدادي على اللي حصل امبارح، وصدقني إنت اللي هتخسر مش أنا!
اشتعلت عيناه على الأخير، كما كور أصابع قبضته حتى ابيضت سلايماته، إلا أنه كظم في نفسه ما يريد البوح به مرغمًا، ليدمدم داخل رأسه:
-إزاي كنت عبيط ومخدتش بالي من التغفيلة اللي اتعملت عليا!!
.............................................
نظرًا لوجود أعمال صيانة بمحطة شبكة الإرسال الرئيسية في البلدة، تعذر عليه منذ مطلع النهار استقبال إشارة لهاتفه المحمول، فلم يتمكن من التواصل مع "وهبة" وتفقد أحوال من هوتها نفسه، فأصبح صريــع أفكاره الحيرى. ظل "غيث" يدور في حلقات مفرغة في الحديقة الخلفية للقصر، ليبدو متجهم الملامح، ونافد الصبر. لمحته والدته وهي واقفة بشرفة غرفتها العلوية، فراقبته مليًا، ونظرت نحوه بإشفاقٍ متحدثة بصوتٍ خفيض:
-فوتها ليه يا ولدي؟ مكانش بجى ده حالك!
لتقرر النزول إليه والحديث معه بصراحةٍ لتجربه على الاعتراف بذنب تسلاعه في إبعاد من عشقها بعيدًا عنه.
أقبلت ناحيته تسأله بصوتها الدافئ، وهي تشمله بنظرتها الحانية:
-مالك يا ولدي؟ من صباحية ربنا وإنت على دا الحال.
قال بتعبيرٍ تعيس، ونظرة إحباط تنعكس في حدقتيه:
-مافيش يا حاجة.
حقًا إن تجاوز أزمة فراقها ليست بالأمر الهين الذي يمكن التعاطي معه بيسرٍ. رمقته "فاطمة" بهذه النظرة الكاشفة لأغواره، وسألته:
-على أمك بردك؟ ده أني عجناك وخبزاك...
ثم سكتت لهنيهة، ووجهت إليه سؤالها مباشرة:
-اتوحشِتك؟
أطبق على شفتيه مانعًا نفسه من التفوه بشيء، فواصلت عتابها الأمومي الرقيق:
-مكانش لازما تفوتها تباعد عَنِيك طالما رايدها.
وكأن طاقة سكوته نضبت فجأة، فانطلق يخبرها بألمٍ محسوس في نبرته:
-تفضل إمعاي بخُطرها يامه، مش لأن الظروف حكمت عليها بإكده!
علقت عليه بشيءٍ من المنطقية:
-وهي لو مكانتش ريداك من الأول يا ولدي حتى لو انطبجت السما على الأرض مكانتش جِبلت بيك.
أصبح زفيره ثقيلًا، وقد بدا محملًا بالهموم، رأفت "فاطمة" بحاله، ونصحته بتعاطفٍ حقيقي:
-ما تضيعهاش من يدك يا ولدي، دي بت حلال وغلبانة، روحلها صالحها، وطيب بُخطرها، وخليها تعاود إمعاك.
قال منهيًا النقاش بردٍ مائع قبل أن يهم بالمغادرة:
-ربنا يعمل اللي فيه الخير.
ودعته والدته بنظرته الحنون قبل أن تدعو له بصدقٍ:
-ربنا يصلح حالك يا ولدي ويرجعلك اللي غايب لحضنك
..........................................
لا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب، أو الندب على ما كان بين يديها وخسرته، أدركت "دليلة" أن إضاعة وقتها في التفكير فيمن تخلى عنها سيرهق قلبها أكثر، ويعــذب روحها، ويجعلها أسيرة أوجـاعها، فلما لا تنهي بيدها هذا الجحيم؟ لذا قررت أن تغلق الباب وتوصده على مشاعرها، لتنحي الأحاسيس المرهفة جانبًا، وتفكر من الآن فصاعد بمنطقيةٍ وعقل.
اندهشت "إيمان" من عزوف شقيقتها عن البكاء، وكأنها خاصمت الدمع فجأة، فبدت راضية بتبعات الانفصال المباغت عن رفيق الروح، كانت أقرب للأصنــام في جمودها وتبلدها عن البشر الطبيعيين، ظلت صامتة غالبية الوقت، شاردة في التطلع للسماء أو للفراغ من حولها، حاولت استدراجها لأكثر من مرة طوال مدة سفرهم على الطريق للتخفيف عنها ومشاطرتها ما يؤلمها، إلا أنها تجنبت التطرق لأي شيءٍ يخص "غيث"، وكأنها تقضي بذلك على شعورها بالألم من منبعه، وليتها تستطيع!
........................................
حرصًا على سلامتهن الشخصية، تم نقلهن للإقامة في مكانٍ آخر بدلًا من الانتقال إلى شقة "فارس" المعدة سلفًا، لتظل ثلاثتهن تحت أعين ومراقبة "وهبة" بناءً على تعليمات رفيقه إليه، لتمكثن في شقة بالعمارة التي يمتلكها ويسكن كذلك بها مع أفراد أسرته.
لكون الوقت كان ضيقًا ومحدودًا للغاية، لم يتمكن "وهبة" من توضيب مكان إقامتهن إلا بالمحدود والأساسي من الأثاث، فبدا المكان خاليًا، باردًا، ويفتقر بالطبع إلى اللمسة الأنثوية التي تضفي الحياة عليه.
لم تقل "عيشة" شيئًا، وجالت ببصرها على تفاصيل المكان، وهي تتنهد في تعبٍ، فيكفي أنها أمضت الساعات الماضية تنتقل مع ابنتيها من فندق إلى آخر، وعبر مسافات طويلة ظنت أنها لن تنتهي، ريثما تمكنوا جميعًا من المجيء أخيرًا إلى هنا، فيما تساءلت "إيمان مستوضحة:
-هو احنا ليه مروحناش على شقة "فارس" الله يرحمه؟
أجابها "وهبة" بقدرٍ من اللجلجة:
-في مشاكل إهناك، آ... عيجولوا شركة الغاز بتغير المواسير.
نظرت إليه بتشككٍ، وسألته في استرابةٍ:
-وده يستدعي إننا نفضل هنا؟
لكنه عمد إلى تغيير الموضوع متجولًا في أرجاء الصالة قائلًا:
-أني خابر إن المُطرح مش أد كده، بس يومين بالكَتير وهتلاجي كل حاجة موجودة فيه.
تدخلت "عيشة" هاتفة، وقد تداركت أنه أساء فهم مقصد ابنتها بشأن التواجد بهذا المنزل:
-لأ يا ابني هي ما تقصدش كده، كفاية إنك تاعب نفسك وملازمنا من أول ما سافرنا لحد ما وصلنا، واحنا مش عايزين نتقل عليك أكتر من كده، فكنا طلعنا على شقة "فارس" مرة واحدة.
رد عليه متصنعًا الابتسام:
-ده أني أشيلكم فوج راسي يا حاجة.
قالت مجاملة:
-كتر خيرك.
ثم أخذ يرافقهن أثناء جولتهن السريعة في أنحاء المنزل لتألفن تفاصيله، في الأخير اعترضت "دليلة" طريقه متسائلة بلهجةٍ جادة:
-معلش يا ريس "وهبة"، هو ممكن طلب بايخ شوية؟
هز رأسه مرددًا على الفور:
-أؤمري يا ست البنات؟
أخبرته بنفس النبرة الجادة:
-عايزين نشوف شغل لينا، أنا وأختي، يعني لو تعرف حد ثقة تتوسطله لينا يبقى خدمتنا.
تفاجأ بمطلبها الغريب، ونظر لها مصدومًا قبل أن يصيح محتجًا:
-وهو أني جصرت معاكو؟ ولا اللجمة الزيادة اللي عجيبها عتعملي أزمة وتجيلة علي؟
ردت عليه بعد حمحمة سريعة:
-مش كده، بس ماينفعش نشيلك همنا، وإنت وراك مسئوليات، وبعدين احنا قادرين نصرف على نفسنا، مش عِوالة يعني.
غامت قسماته بشكلٍ ملحوظ، وقال في وجومٍ وهو يتجه نحو باب المنزل تمهيدًا لمغادرته:
-ربنا يسهل.
إلا أنها لاحقته، وألحت عليه بإصرارٍ:
-ما تنسناش بالله عليك، وإلا أنا هشوف بنفسي.
أخبرها دون أن يلتفت نحوها:
-حاضر يا ست البنات، هشوف وأرد عليكي...
ثم سكت للحظةٍ، وقال وهو يلوح بيده:
-بالإذن، وشوية هيجيكم حد من جماعتي معاه الوَكل.
هذه المرة تولت "عيشة" الرد عليه، فقالت مجاملة:
-تسلم وتعيش.
انتظرت "إيمان" ذهابه، لتغلق الباب من خلفه، وتلتفت ناظرة إلى شقيقتها تخاطبها:
-شكله اتضايق من كلامك.
علقت عليها بجفاءٍ:
-يعني هيطلع من جيبه ويدينا؟ كان ولي أمرنا مثلًا؟ لازمًا نعتمد على نفسنا.
وافقتها الرأي في ذلك مرددة بغير ممانعة:
-معاكي حق.
وكأنها تبدلت لشخصية أخرى أكثر جمودًا، تحركت "دليلة" صوب والدتها لتتحدث إليها وهي تمد يدها لتستحثها على الاستناد على ذراعها:
-تعالي يا ماما ارتاحي، إنتي تعبتي من اللف والحركة الكتير.
تنهدت في إرهاقٍ متمتمة:
-ومين سمعك.
لتضيف "إيمان" باهتمامٍ وهي تمسك بحقيبة السفر تمهيدًا لحملها:
-ميعاد الدوا بتاعك جه، هجيبهولك عقبال ما تغيري هدومك.
شملتها بنظرة عطوفة، لتهتف داعية لكلتيهما:
-ربنا يريح قلوبكم، ويوقفلكم ولاد الحلال.
..........................................
تولت "تفيدة" مهمة مداواة جراح ومعالجة كدمات ضرتها التي اصطبغت باللون الأزرق، سحبت الغطاء على جسدها لتغطيها بعدما استلقت على جانبها بالفراش تنوح بحسرة ما ذاقته على يد زوجها جراء افتراء زوجته الجديدة عليها.
أشفقت عليها، وواستها بكلماتها التي جمعت بين المعاتبة واللوم:
-لساكي موجوعة يا خيتي؟ ما أني جولتلك من الأول، بلاها الروحة حداهم....
لتنفلت منها زفرة مهمومة قبل أن تتم جملتها:
-يا ريتك سمعتي حديتي، كان زمانك بخير.
لحظتها احتقنت عينا "وجدان" وحدجتها بنظرة غاضبة للغاية وهي ترد عليها في غلٍ:
-أني جتتي جايدة نار من ساعة الشيطانة دي ما دخلت حياتنا.
طالعتها "تفيدة" بصمتٍ، لتضيف على نفس الوتيرة الحاقدة:
-فكرك هفوتها إكده ترمح مع راجلنا؟ تبجي غلطانة، هي حاسبت على عمرها.
لتحذرها ضرتها بخوفٍ:
-ما بلاها تُشبكي إمعاها تاني، لأحسن سي "محروس" يطلجك!
لكنها تجاهلت إنذارها قائلة بعنادٍ:
-ما يجدرش حتى لو كان رايد إكده، في مصالح مع أهلي، ما ظنش هيعاديهم علشان حُرمة منتنة زي دي.
في شيء من الفضول سألتها:
-وناوية على إيه إمعاها؟
اسودت نظرتها لتتماشى مع ذلك التعبير القاتم الظاهر على محياها وهي تتوعدها:
-هخليها تدوج المرار الطافح، تصبر علي أجف على حيلي، وهخلص منها الجديد والجديم.
أبقت "تفيدة" على تحذيرها إليها مشددة:
-ياخيتي أنا خايفة عليكي، خراب البيوت مش بالساهل!
اغتاظت "وجدان" مما اعتبرته خنوع ضرتها وارتضائها بالأمر الواقع، فوبختها بلسانها اللاذع:
-خليكي إنتي خانسة وراضية إكده، لحد ما هتركب وتدلل وعنكون احنا خدامينها بت الـ .... دي!
زمت "تفيدة" شفتيها قائلة قبل أن تسير نحو الخارج:
-أني عملت اللي عليا وجولتلك اللي فيه الصالح، وإنتي حرة بجى.
فيما بقت "وجدان" على كمدها متوعدة بقلبٍ مملوءٍ بالأحقاد:
-أجف بس على حيلي، وساعتها عردلك بدل الجَلم ألف!
........................................
بمجرد أن عاد هاتفه لالتقاط الإشارة الشبكية، سارع بالاتصال برفيقه للاطمئنان على أحوالها، فأبلغه الأخير بنيتها في البحث عن عملٍ تنفق به على أسرتها. ثارت ثائرة "غيث" وصاح في غضبٍ لا يخلو من الغيظ:
-اتخبلت دي ولا إيه؟ شغل إيه اللي ريداه ده كمان؟
رد عليه "وهبة" بهدوءٍ محاولًا امتصاص غضبه المندلع:
-أني عرفتك باللي جرى يا كبيرنا، واللي عتجولي عليه هنفذه بالحرف...
ليصمت للحظةٍ قبل أن يضيف في لهجةٍ شبه محذرة:
-بس خد بالك هي عنيدة، ومش بالساهل تجتنع.
رد عليه بامتعاضٍ، وقد كافح ليثبط من انفعالاته المهتاجة:
-إنت عتجولي، خابرها زين، راسها كيف الحجر الصوان.
ليتساءل بعدها مستوضحًا:
-والعمل؟
أخذ يفكر للحظاتٍ قبل أن يحسم رأيه مرددًا:
-سيبها يَامين إكده، ورد عليها إنك لاقيت حاجة حداك، تكون فيها تحت نظرك.
سأله مستفهمًا ليتأكد مما استنبطه من كلامه:
-يعني أخليها تشتغل إمعاي؟
أخبره بلا ترددٍ:
-إيوه، أي حاجة سد خانة إكده.
بغير اعتراضٍ هتف فيما يشبه الانصياع:
-أوامرك يا كبيرنا.
ليضيف "غيث" بعدئذ طالبًا:
-وبلغني بأخبارهم أول بأول لحد ما أجيلك.
أكد له بجديةٍ:
-ماتجلجش، هما في حمايتي.
علق في استحسانٍ:
-خابر، وده اللي مطمني.
أنهى معه المكالمة، وركل بقدمه حجرًا صغيرًا كان بالقرب منه، ليردد في ضيقٍ:
-الظاهر إن أمي إمعاها حق، مكانش لازم أفوتها تِبَعد عني واصل.
....................................
على الجانب الآخر، في بقعة نائية، في قلب الصحراء، وتبعد عن الحضر مسافة مئات الكيلومترات، كان جالسًا على وسائد أرضية محشوة بالقطن، وموضوعة على بساطٍ من الكليم بداخل خيمةٍ متسعة، وذراعه ملفوف في جبيرة من الجبس. مال عليه أحدهم ليناوله كوب الشاي الذي فرغ من صبه بعدما غلت المياه وتقطعت على ألسنة اللهب المندلعة أمامه، ليأخذه منه دون أن ينطق بكلمة، فحادثه آخر على مقربة منه، حيث كان مفترشًا البساط بجسده فبدا أكثر استرخاءً وراحة عن البقية:
-احنا كلنا خدامينك يا ريس "زهير"، عنينا ليك في كل اللي تؤمر بيه.
نظر ناحيته بامتنانٍ، وخاطبه بنبرة ذات مغزى:
-وأنا مش ناسيك يا حاج "سَلمان".
رد عليه بثقةٍ ظاهرة:
-أد القول، قوم إنت بالسلامة، وكله هيتحل.
اقتضب في تعليقه عليه:
-تسلم.
ليشرد بالذاكرة إلى تلك اللحظات الحرجة التي سبقت فقدان السيارة لاتزانها، عندما كان بصحبة تابعه "عباس"، وآخر كان جالسًا بالخلفية يتبادلون إطلاق الأعـــيرة النـــارية مع أفراد قوات الشرطة، ليصيح "عباس" بصوته المرتفع وهو يكابد مشقة التحكم في عجلة القيادة، وفي نفس الآن التصويب على من يحاولون اعتراض طريقه:
-اهرب إنت يا ريسنا! مافيش وقت!
هدر "زهير" وهو يعيد ملء خزانة مســـدسه بالطلقــات:
-ولاد الكلب عملوا علينا كمين.
حاول "عباس" السير بمحاذاة طرف الطريق الصحراوي، حيث يتواجد ذلك التجويف الأشبه بالخندق على طول امتداده، منحه الفرصة للقفز هاتفًا بإلحاح:
-نط يا ريسنا، أوام قبل ما حد ياخد باله.
اتخذ "زهير" وضعية الاستعداد ليلقي بنظرة أخيرة على تابعه قبل أن يودعه في وعدٍ نافذ:
-مش هنسى وقفتك معايا يا "عباس"، ولو خرجنا منها على رجلينا هنتقم منهم.
التفت للحظة ناحيته، وقال:
-خد بحق الكل منهم!
رد مؤكدًا بما لا يدع أدنى مجالٍ للشك:
-هيحصل.
ليتمكن بعدها من القفز في لحظة غادرة من الزمن، ليسقط بداخل ذلك الخندق الضيق بقوةٍ أصابت ذراعه، وجعلته يدور لعدة مراتٍ قبل أن يسكن جسده، وتختفي سيارة "عباس" وما يلاحقها من مركبات أخرى.
تحمل الألم القــاسي الذي عصف بذراعه، وشق طريقه على قدر سرعته في قلب الصحراء، متحاشيًا السير بالقرب من الطريق الرئيسي، ظل يسير لساعاتٍ وساعاتٍ دون وجود أدنى دليل على وجود بشر في هذا الخلاء الشاسع، لوهلةٍ ظن أنها نهايته، أن تفنى حياته في العراء، خاصة بعدما تمكن منه العطش والإعياء.
لحسن حظه صادف مجموعة من الأفراد ممن يحبذون قضاء وقت فراغهم في إقامة رحلات السفاري، فأقبل عليهم لاهثًا ومستنجدًا بمساعدتهم، ليدعي كذبًا أنه تعرض للسرقة ومحاولة غاشمة للاعتــداء عليه من قِبل مجهولين، انطلت عليهم خدعته ببساطة، وعاجلوا بنجدته وإنقاذه، بل وتقديم يد العون له بإعادته إلى مسئول القبيلة المنوطة بمهمة تنظيم تلك الرحلات، من أجل إبلاغ الشرطة بما حدث.
جاراهم في نواياهم الطيبة نحوه حتى أصبح في مأمنٍ من الخطر، ليتمكن من مقابلة زعيمها، وعن طريقه استطاع الوصول إلى أحد حلفائه ممن ينتمون لتلك القبائل البدوية المقيمة في الصحراء، ليتولى مداواته ورعايته بجانب حمايته.
استفاق "زهير" من لحظات شروده، ووجهه ينذر بما لا يُحمد عقباه، تجرع ما في كوبه متحدثًا إلى نفسه، كأنما يجدد العهد الذي أقسم به منذ زمنٍ:
-مش هفوت حد إلا أما أطلع روحه بإيديا ................................. !!!!
