رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل السادس 6 بقلم شروق مصطفي


 رواية جمر الجليد الجزء الثالث الفصل السادس 

كادت الأم أن ترد، لكنها أغلقت الحديث مع أمل عندما حضرت ابنتها، فجلست جانبهم، فصمتوا فجأة.
تحدثت مي بعدها بمرح:
“ها ها، هنتغدى إيه النهارده؟ أنا شامّة ريحة محشي، صح؟ ولا بيتهيألي؟ أوعوا تكونوا أكلتوا من ورايا، أزعل والله! وأجيب الناس اللي في الشارع اللي ورانا يزعلوا معايا!”

ظلّت تضحك معهما، وضحكا معها أيضًا.

قالت أمل وهي تضحك وتغمز لها:
“آه، محشي طبعًا، بإمارة إني جيت من بدري وساعدت ماما كمان! الناس اللي بتيجي تاكل على الجاهز دي، ها!”

تقمّصت مي شخصية درامية:
“آه، قلبي الصغير لا يتحمل… محشي! وأمل بنفسها تحشيه! إحنا أصلًا مش بنشوف المحشي إلا بوجودك يا أمولتي… الحب كله! ما تجيبي بوسة يا بت انتي!”

ابتعدت أمل عنها وهي تضحك، فقد اقتربت منها مي لتقبّلها غصبًا.
، خلاص، مش عاوز حاجة، خلاص، أنا جعت! مش هتأكلوني ولا إيه؟ أنا تعبانة فيه من الصبح!

هتفت مي أيضًا:
وأنا جعانة! يلا يا أمل نصبّر العيال الغلابة دول، وإحنا معاهم كمان.

نهضت مي وأمل سويًا…

مساءً، نهضت مي لتحضّر الشاي، وقد حضر هيثم، الذي فاتح والدته بخصوص عرض زواج صديقه بأخته، لكن والدته طلبت منه الصبر قليلًا لإعطائها المساحة الكافية لبدء تجربة جديدة، حتى لا تؤثر سلبًا على حالتها، فقلبها ما زال به جرح:

سيبها شوية يا هيثم، وهو لو مستعجل يشوف حد تاني. أنا بنتي مش مستعجلة تاني، خلاص، إحنا اتقرصنا مرة.

قال هيثم:
“يعني أقوله يستنى؟ ولا أقوله لأ؟”

ردّت نبيلة:
“هو شافها فين؟ أو يعرفها منين عشان يستنى؟ ممكن يكون عاوز يتجوز أي حد وخلاص! لو كده يا بني، قوله إحنا مش مستعجلين. البنت لسه خارجة من تجربة فاشلة، مش حِمل تجربة تانية، مش جواز وخلاص! نفسيتها مش هتستحمل.
أنا سايباها تشتغل وتفك عن نفسها وتثبت نفسها، ولما تقف على رجليها، وتلاقي اللي يستحقها، وقتها تبدأ من جديد.
بس دلوقتي… لأ. لو هو عايز يستنى، براحته. وهي بقى…
هس مش عاوزاها تسمع حاجة… أهي جاية.

انتهى اليوم، وغادر إلى منزله. خرجت مي إلى والدتها لتسألها بمكر:
“مامتي حبيبتي، هو إنتوا النهارده كنتوا بتنموا عليا في إيه؟ إنتي وأمولتي؟ جايبين لي عريس يا بوي ولا إيه؟”

تعجّبت الأم من معرفتها بالأمر:
“هي اللي قالتلك؟ ولا إيه؟”

قهقهت الأخيرة، ورفعت حاجبيها لأعلى:
“لا، أنا وداني بتجيب من العاشر! ها بقى، مين تعيس الحظ اللي أمه داعياله ده؟”

وكزتها والدتها بذراعها:
“بس يا بت! بطّلي مناهدة! هو إنتي عاوزة تدخلي في علاقة جديدة ولا إيه؟ راسيني برده، أحب يكون عندي علم.”

تنهدت الأخرى بنفي قاطع:
“لا طبعًا، أنا؟ يا عسل انتي! استحالة أدخل في تجربة جديدة بعد اللي شوفته.”

ابتسمت الأم بوجع داخلي، لكنها لم تُظهره لها:
“ليه استحالة؟ العمر قدامك، والفرص لسه موجودة. ده اللي ادك لسه مفتحش بيت!
بس أنا من رأيي إنك لسه عودك طري، ومحتاجة تشدي على نفسك، وتوقفي على رجلك، وبعد كده تفكّري براحتك.
أنا نفسي أشوف عوضك أوي… بس كله بأوانه، جميل.
يلا يا بت، قومي نامي، عندي شغل بدري.”

قالت مي:
“أحم أحم، هو أنا ماقولتلكيش؟ ولا إيه؟ أصل أنا أخدت إجازة تلات أيام كده من المستر، الصراحة، سيلا كلمتني النهارده وطلبت مني، وعلى الأخص إني أجيبك معايا كمان، محتاجاك أوي يا ماما، محتاجانا جنبها الفترة دي، هي في إسكندرية أصلًا.”

قطعت كلامها والدتها بسؤال مندهش:
“إيه اللي وداها إسكندرية يا بت في الجو ده؟”

“أحم، أصل هي شدّت مع عاصم شوية… بسبب الموضوع إياه. المهم، هي قاعدة لوحدها هناك، وطلبت أروح أقعد معاها، وقلت برده فرصة أغيّر جو أنا كمان. ومصممة تيجي معايا، محتجاكم أوي.
صوتها كان مخنوق أوي يا ماما شكلها تعبانة

قالت الأم بتردد:
“يا حبيبتي يا بنتي، بس مين هيودينا في الجو ده؟ ثم…”

فكرت مي قليلًا بعد أن ألمّ بها قلبها:
هو هيثم… هكلمه وأخليه يودينا بالليل بعد شغله حتى.

يلا قومي نامي، وبكره فرّحيها، وقوليلها هنكون عندك الفجر.

“حبيبتي يا أجمل أم… خدي بوسة!”
“بقى يا قمر إنتي.”

قبّلتها من وجنتيها بحب، وركضت إلى غرفتها، جذبت الهاتف لترى إن كانت هناك رسائل منه، لكنها لم تجد شيئًا.
تركت هاتفها بإهمال، متضايقة من ذاتها لحديثها مع ذلك الشخص الغريب. لم ترتح لعلاقتها به بتلك الطريقة. كان ضميرها يؤنّبها، لكنها بتلقائية تتحدث معه، وتنسى كل شيء، ثم تعود لتحدثه من جديد.
دثّرت نفسها جيدًا بالغطاء وذهبت إلى نوم عميق، لكنه لم يخلُ من بعض الكوابيس المزعجة مؤخرًا.

رأت نفسها داخل غرفة مغلقة مطلية بالأبيض، كل شيء بنفس اللون.

تدور وتبحث عن مخرج للخروج منها، لكنها لم تجد، ولم تستطع.
ظلت حبيسة بها، جلست القرفصاء تحتضن نفسها، وصوت شهقاتها العالية يزداد أكثر، حتى نهضت فزعًا، جبينها يتصبب عرقًا.
تحسّست جانبها، حتى تناولت كوبًا من الماء لتهدأ من روعها، ثم تلت بعض آياتٍ من القرآن، وغفت بعدها…

في صباح اليوم التالي، رحّبت بهم سيلا باشتياق كبير، وضحكت من مرح مي، ولم تترك حضنها، وبدأت تقبّلها من جميع الاتجاهات:

“حبيبي، حبيبي! شوفتي؟ مقدرناش نستنى الفجر إزاي؟ وجينا على طول!”

قالت سيلا بحب وهي تدفع مي جانبًا لترحب بوالدتها:
“أهلاً يا ماما… تعالي، البت دي رغّاية أوي، مستحملينها إزاي كده؟ وسّعي كده طيب!”

ردّت مي، وهي ترفع أحد حاجبيها بعدم رضا من كلامها:
“بقى ده الاستقبال اللي أنا مستنياه؟! لا، أنا هاخد نفسيتي وأمشي من البلد دي! ده أنا اتحايلت على هيثم مخصوص يجيبنا بدري… يا ندلة!”

“يخيبك يا بت، اسكتي! أبدًا، ده كان نص يوم، أول ما خلّص جه وأخدنا على طول!”

ابتسمت لهم سيلا وهتفت:
“تعالوا طيب، ادخلوا بسرعة، الجو شكله هيقلب.”

خرج هيثم من السيارة وألقى التحية على سيلا، ثم أخرج حقائبهم أمام الباب.

قالت له سيلا:
“تعالى يا هيثم، ادخل ريّح شوية، الطريق كان طويل.”

ردّ هيثم:
“معلش، عشان ألحق أرجع.”

ثم ركب سيارته وغادر…

دلفتا سويًا إلى الشاليه، وهو عبارة عن باب خارجي يتبعه ممر ضيق يؤدي إلى باب الشقة الداخلي. أدخلت سيلا الحقائب داخل إحدى الغرف، فهتفت مي لوالدتها:

“ارتاحي شوية يا ماما، شكلك تعبانة من قعدة العربية.”

“آه، هريح رجلي شوية كده…”
ثم تركتهم ودلفت إلى الغرفة لترتاح من طول الطريق.

جلست مي مع صديقتها بالخارج وسألتها:
“ها يا ستي، إيه الأخبار معاكي؟”

تنهدت سيلا بحزن وهي ترجع خصلات شعرها للخلف:
“مفيش أي أخبار يا بنتي… زي ما أنا.”

“إزاي؟! ما اتصلش بيكي خالص؟ بقالكم عشر أيام على الحال ده! ولا إنتي حاولتي تكلميه؟”
صمتت مي قليلًا، ثم هتفت:
“ليه يا سيلا تضيعي كل اللي بينكم في لحظة شيطان؟ والله عاصم راجل وبيحبك! لحقتي تنسي كل اللي عمله عشانك؟ ووقوفه جنبك في مرضك؟ بجد حرام العلاقة تنتهي لمجرد تفكير من طرف واحد!”

ردّت سيلا بتأثر:
“يا بنتي أنا ما أنكرتش وقفته معايا، سواء لما ماما وبابا ماتوا، ولا جلسات علاجي. هو عطاني كتير أوي، أوي… بحس لما عينه تيجي على أطفال بيلعبوا، أو لما همس تيجي مع وليد، بحس بإحساس صعب أوي… إني حرماه من أقل كلمة: ‘بابا’.
“عاصم… مهما قلت هو إيه بالنسبالي مش هكفيه. بجد حتى كلمة ‘حب’ قليلة عليه. أقولك إيه يا مي؟ أنا أصلاً مدمرة وأنا بعيدة عنه…”

كانت مي على وشك الرد، لكنها انتفضت فجأة حين جذبتها والدتها من يدها لتنهض وتجلس هي مكانها:
“قومي يا بت من هنا، قعديني مكانك أشوف البت دي.”

ضحكت مي بدهشة:
“الله يا ماما! فجعتيني! طيب كحي ولا اعملي ريأكشن حتى!”
قالت ذلك مازحة، بينما خرجت والدتها لتعقلها، ثم قالت:
“معلش يا ست البنات، ريّحي على جنب كده، عاوزة أتكلم مع بنتي شوية.”

ضحكت سيلا من هيئتها وهي تتمتم، ثم جلست على المقعد الجانبي وتركت لهن الركنة:
“اشبعوا بيها، حتى مش مريحة، هقعد على البتاع ده… الشازلونج، أريح أعضاء جسدي شوية.”

قالت سيلا ممازحة:
“مش هتكبري أبدًا!”

ردت مي بمرح:
“أنا أصلاً عاوزة اللي يكتشفني، يلا، سبنا لكم الجد يا ختي.”

“بس يا بت، منك ليها، سبوني أتكلم.”
قالت الأم، ثم نظرت إلى سيلا وقالت:
“قوليلي يا سيلا، أنا سمعت كلامك وأنا جوه، بس استوقفني كلامك وحبك ليه، وقد إيه إنك موجوعة من الغياب ده. وهو الكل عارفه، ومعروف برجولته وشهامته. راجل شرقي وغيور، وبيحب من قلبه، وجدع.
“وعجبني كلام الموكوسة بنتي، ليه تدخلي الشيطان بينكم؟ مقدرتش أقعد أكتر من كده، قلت أقولك بقى، مبدهاش. ليه يا حبيبتي تخربي بيتك بإيدك؟”

هتفت سيلا بألم: يا طنط والله مش بإيدي أنا مش…
لاحَ الضيقُ على قسمات وجهها، قاطعةً حديثها، ثم هتفت:
ـ كتر البُعد يعلم الجفا، وشكله من كتر الزن والضغط عليه في الموضوع ده بالذات اتخنق. الرجالة مش بتحب الزن.

ـ يا ماما، نفسي أحقق له حاجة، ويكون أب، أقل حاجة ممكن أقدمها له… مستحيلة.

هتفت نبيلة بعدم اقتناع بحديثها الأخير:
ـ إنتي أنانية إنك تفكري من طرف واحد وتقرري وتنفذي كمان. أسهل حاجة عندك الهروب. لسه زي ما إنتي، ما اتغيرتيش يا بنتي. خراب البيوت مش بالساهل. يعني إنتي خربتي بيتك عشان كلام من دكتور ولا اتنين ولا حتى تلاتة، قالوا إنك مش هتنفعي تجيبي عيل؟ تقومي تسيبي بيتك وتهربي وتقولي للراجل “مش عاوزاك”؟ يرضي مين ده؟

حاولت سيلا أن تبرر، لكنها أوقفتها مرة أخرى:
ـ سيبيني أكمل، هسمعك في الآخر.

ـ إنتي فين عقلك؟ يعني مش واثقة في قدرة ربنا، ووثقتي في كلام كام دكتور؟ أنا ما قولتش إنهم مش بيفهموا، بس فين يقينك بربنا وصبرك يا بنتي؟ إحنا في الدنيا دي عايشين ببركة ربنا ودعاءنا، ومدى تحملنا وقوة صبرنا على ابتلاء ربنا. ربنا لو أحب عبدًا يبتليه ويختبره، يعني عشان يشوف مدى حبه ليه.

ـ طيب، ما هي مي بقالها خمس سنين تقريبًا، والكل أجمع إن ما فيهمش مانع للإنجاب، بس برضه ربنا لسه مش رايد، لحكمة ما عنده. كله بإيد ربنا، هو بإيده كل حاجة. طالب منكم تقربوا منه أكتر، تدعوا له، تقيموا الليل، تتضرعوا له، تنادوه وتدعوله، تستغفري. عملتي كده؟ ولا أول ما عرفتي، جريتي تزني وتعيطي للراجل، لحد ما كل واحد فيكم بقى في مكان. بدل ما توقفوا مع بعض وتقربوا من بعض، ربنا لا… باعد، واللي بتعمليه ده مش هيفيدك بحاجة.
ربك لو رايد حاجة، يقول لها “كن”، فيكون. نسيتي قصة مريم؟ لما محدش لمسها، ونُفخ في رحمها، وخلفت! سبحان الله، كله تحت إيده، وكله بالصبر.

ياما ناس فضّلوا 15 سنة، وربنا بعد صبرهم رزقهم، وفيه زي مي، ماكانش عندها أي مشكلة، وماكانش رايد وقتها. وكانت بتجيني منهارة كل شهر، تستنى وتقلب البيت نكد وزعل. بس أنا بهدلتها.
إحنا عايشين، الدنيا دي رحلة قصيرة، ليه نعيشها في زعل ونكد؟ ونبعد عن ربنا؟ وندخل باب شيطان؟ والفراق بينا؟
طيب، مي نصيبها كده، ما طلعش راجلها سند وأمان، ربنا يسهل له الحال بعيد عنّا.
إنتي… عاصم نعمة السند. واصبري. اصبري يا سيلا على ابتلاءه وناجيه، كلميه، افتحي له قلبك.
ربنا كل يوم بالليل بينزل ملائكة، وينادي عبده عشان يسمعه وهو بيدعي.
الحقِي عمرك، ما تضيعهوش في الهجر والبعاد.

رأتها تبكي في صمت، جذبتها داخل أحضانها، فهي تحتاج لذلك الدفء الناعم.
هتفت مرة أخرى:
ـ عيّطي، طلّعي اللي جواكي، خرّجيه، يمكن ترتاحي. عيّطي.

هتفت بألم:
ـ بحبه أوي، مش قادرة… روحي بتخرج من غيره، واحشني أوي يا طنط.

أبعدتها، تربّت على وجنتيها برفق، وكانت مي أيضًا تستمع لحديثهما، شهقت بصوتٍ عالٍ تبكي، فهي تمرّ بذات الفراق، لكن باختلاف الأسباب.

هتفت نبيلة لها وهي تربّت على وجنتيها:
ـ أنا أمك يا حبيبتي، قوليلي يا ماما. يعلم ربنا إني بعتبرك زي مي وهيثم بالظبط. اسمعي كلام أمك وكلميه. إنتي… هو مجروح منك، ماكنش متوقع تعملي كده. كلميه، وقوليله: “تعالى، كفاية بُعد، خليك جنبي وما تسبنيش.”

هتفت سيلا، وهي تمسح عبراتها وتنظر للأسفل بتوتر وتيه:
ـ أكلمه؟… بس هو ما حاولش يكلمني حتى، ولا مرة يطمن عليّ.

نبيلة بابتسامة محببة تطمئنها:
ـ جربي إنتي تكلّميه. الست الشاطرة… هي اللي تعرف إزاي ترجع جوزها.

قاطعتهم مي فجأة ب….


تعليقات