رواية اسيرة زعيم المافيا الفصل الثامن
اعتراف في قلب العاصفة
لم تكن الليلة عادية.
كان القصر ساكنًا على غير عادته، كأنّه يحبس أنفاسه انتظارًا لشيءٍ ما، شيءٍ يعرف أنّه قادم ولا يستطيع منعه.
كانت ليان في غرفتها، تقلب صفحات كتابٍ لم تعد تفهم كلماته، إذ كانت أفكارها مشغولة بسليم.
منذ حديث الشرفة، تغيّر شيءٌ بينهما… لم يعد الصمت مجرد فراغ، بل صار كلامًا مؤجلًا.
طرقات خفيفة على الباب.
"ادخلي."
دخلت إحدى الخادمات، قالت بهدوء:
"السيد سليم يريد رؤيتك في الحديقة الداخلية."
شعرت بقلبها يقفز، ثم وضعت الكتاب جانبًا ونهضت.
الحديقة الداخلية كانت مضاءة بمصابيح صغيرة تشبه النجوم.
كان سليم يقف قرب النافورة، يحدّق في الماء كأنه يبحث عن شيءٍ لا يظهر على السطح.
حين شعر بها، التفت إليها.
قال بصوتٍ منخفض:
"أردت أن أراكِ."
اقتربت بخطوات مترددة.
"هل حدث شيء؟"
هزّ رأسه:
"أردت فقط أن أتأكد أنكِ بخير."
ابتسمت بخفة:
"أنا بخير… طالما أنت بخير."
نظر إليها طويلًا، وكأنّ الجملة أثقل مما ينبغي.
قال فجأة:
"ليان، هل تؤمنين بالقدر؟"
تفاجأت بالسؤال:
"أحيانًا."
قال بهدوء:
"أنا لم أؤمن به… حتى دخلتِ حياتي."
في تلك اللحظة، انطفأت بعض الأضواء فجأة.
توقّف الزمن للحظة.
قال سليم بهدوءٍ مشحون:
"لا تتحرّكي."
مدّ يده إليها، جذبها خلفه، وعينه تراقب الظلام.
ثم جاء صوت عبر جهاز الاتصال في أذنه:
"انقطاع في النظام الأمني… الحديقة مكشوفة."
شدّ قبضته.
"أغلقوا كل المداخل فورًا."
لكن الوقت لم يكن في صالحهم.
من بين الأشجار، ظهرت حركة غير طبيعية.
رأت ليان ظلًا يتحرك بسرعة.
قالت بصوتٍ مرتجف:
"سليم…"
قال بهدوءٍ حازم:
"ابقِ خلفي."
تقدّم خطوة، ثم جاء صوت رجلٍ من الظلام:
"مساء الخير، زعيم."
عرف سليم الصوت فورًا.
"رائد."
ضحك الصوت:
"أردت فقط أن أرى الأسيرة الثمينة."
خرج رجلان آخران من الظلال.
الوضع صار محاصرًا.
قال رائد بسخرية:
"لم أتوقع أنك ستسمح لها بالتجول بهذا القرب منك."
رد سليم ببرود:
"ولا أنا توقعت أنك ستجرؤ على دخول أرضي."
اقترب رائد خطوة:
"كل شيء قابل للاختراق… حتى قلبك."
مدّ أحد الرجال يده نحو ليان.
تحرّك سليم بسرعة، دفعه بعيدًا، وأمسك بيد ليان بقوة.
قال لها بصوتٍ منخفض:
"اركضي نحو الداخل عندما أعطيك الإشارة."
لكنها لم تتحرك.
قالت بثباتٍ رغم الخوف:
"لن أتركك."
نظر إليها بدهشة.
في تلك اللحظة، وصل رجال سليم، وتحول المكان إلى فوضى منظمة.
أصوات أوامر، حركة سريعة، لكن دون فوضى حقيقية.
انسحب رائد ببطء، لكنه قبل أن يختفي، قال بصوتٍ عالٍ:
"سأعود من أجلها… فهي مفتاحك."
اختفى في الظلام.
بعد دقائق، عاد الهدوء النسبي.
كانت ليان تقف في زاوية الحديقة، قلبها يرتجف، بينما سليم يقف أمامها، ينظر إليها بصمت.
قالت بصوتٍ متقطع:
"قال إنّي مفتاحك."
قال بهدوءٍ ثقيل:
"هو يظنّ ذلك."
"وأنت؟"
صمت للحظة، ثم قال:
"أنا أعرف ذلك."
رفعت رأسها بدهشة.
قادها إلى جناحه، أغلق الباب خلفهما.
كانت الغرفة هادئة، لكن التوتر فيها يكاد يُلمس.
قال بصوتٍ منخفض:
"اجلسي."
جلست، لكنه لم يجلس.
وقف أمامها، كأنه يواجه معركة لا يعرف كيف يخرج منها.
قال فجأة:
"ليان… أنا رجل لا يعترف."
نظرت إليه بصمت.
"لم أعترف لأحد منذ سنوات."
اقترب خطوة.
"لكن الليلة… كدت أفقدك."
توقّف صوته للحظة، ثم تابع:
"وفهمت أنني لا أستطيع العيش مع هذا الاحتمال."
نظرت إليه بعينين متسعتين.
قال بصوتٍ واضح وصريح، بلا أقنعة:
"أنا أحبك."
سقطت الكلمات كالصاعقة في قلبها.
توقّف الزمن للحظة.
قال وهو ينظر إليها مباشرة:
"لا أعرف متى حدث ذلك… ولا كيف."
"لكنني أعرف أن وجودك غيّرني، وأن فكرة خسارتك تدمّرني."
وقفت ببطء.
قالت بصوتٍ مرتجف:
"سليم… أنت زعيم مافيا."
ابتسم ابتسامة حزينة:
"وأنا رجل."
ثم اقترب أكثر، لكنّه لم يلمسها.
قال بصوتٍ منخفض:
"أعرف أن هذا الحب ضعف."
"لكن لأول مرة في حياتي… أريد هذا الضعف."
اقتربت منه خطوة.
قالت بهدوء:
"وأنا؟"
نظر إليها، وقال بصراحة:
"أنتِ لستِ أسيرة بعد الآن."
"أنتِ اختياري."
سكتت للحظة، ثم قالت:
"أنا خائفة."
قال بهدوء:
"وأنا كذلك."
ابتسمت بخفة.
قال:
"لكننا في نفس الحرب الآن."
خارج القصر، كان رائد يراقب من بعيد، ابتسامة باردة على وجهه.
قال لنفسه:
"الآن بدأ اللعب الحقيقي."
وفي الداخل، كانت ليان تقف أمام سليم، وقد تغيّرت حياتها بجملة واحدة.
لم تعد مجرد أسيرة…
بل أصبحت المرأة التي أحبّها زعيم المافيا،
والسبب الذي قد يدفعه إلى خسارة كل شيء… أو إنقاذ كل شيء.
