رواية اسيرة زعيم المافيا الفصل التاسع 9 بقلم حنين محمود


 رواية اسيرة زعيم المافيا الفصل التاسع 

 عندما يتكلم الصمت


كان القصر غارقًا في هدوء مريب، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها خوفًا مما سيأتي.
جلست ليل على الأريكة الكبيرة في جناحها، تحدّق في الفراغ، بينما يدها تعبث بخاتم فضي تركه لها سليم دون قصد على الطاولة قبل ساعات.
دخلت عليه الذكريات كضربات متلاحقة، اعترافه، نظرته، صوته حين قال إنه لم يعد يراها مجرد رهينة.
كانت تلك الكلمات أثقل من القيود نفسها.
انفتح باب الجناح بهدوء، فرفعت رأسها على الفور.
كان سليم يقف هناك، طويلًا، صامتًا، وملامحه جامدة كعادته، لكن في عينيه شيء لم تستطع تجاهله.
قال بصوت هادئ لكنه يحمل توترًا واضحًا:
"لم تنامي."
أجابت وهي تحاول إخفاء ارتباكها:
"وكيف ينام من يعيش في قصر مليء بالأسرار والسلاح؟"
اقترب منها ببطء وجلس أمامها، واضعًا مرفقيه على ركبتيه.
"ليست الأسلحة ما يبقي الناس مستيقظين، بل الأفكار."
نظرت إليه مباشرة وقالت بحدة:
"وأي أفكار لديك أنت؟ هل تفكر في الحرب القادمة أم في الأسيرة التي لا تعرف لماذا ما زالت هنا؟"
لم يتهرب من نظرها، بل قال بصراحة نادرة:
"أفكر في الاثنين."
سادت لحظة صمت ثقيل، ثم نهض واقفًا واتجه نحو النافذة.
"المافيا ليست كما ترين في الأفلام، يا ليل. إنها شبكة من الولاءات والخيانة، وكل خطوة خاطئة تعني النهاية."
اقتربت منه وقالت بنبرة منخفضة:
"وأنا أين من كل هذا؟"
التفت إليها وقال بوضوح:
"أنتِ نقطة ضعفي."
تجمدت للحظة، ثم ابتسمت بسخرية خفيفة:
"زعيم مافيا يعترف بنقطة ضعفه؟ هذا إما شجاعة أو جنون."
اقترب منها خطوة أخرى حتى صار قريبًا جدًا منها.
"ربما الاثنين."
ثم أضاف بصوت أخفض:
"لو كنتِ مجرد رهينة، لما جلست هنا أشرح لك شيئًا. كنتِ ستكونين مجرد ورقة ضغط وانتهى الأمر."
نظرت إلى عينيه، ورأت فيهما صراعًا لم تره من قبل.
قالت بهدوء يخفي اضطرابها:
"وما الذي تغير؟"
أجاب دون تردد:
"أنتِ."
قطع حديثهما صوت إطلاق نار بعيد، تبعه صوت صفارات إنذار داخل القصر.
تحول وجه سليم إلى الصرامة التي تعرفها، وأمسك بيدها بقوة.
قال:
"هجوم تجريبي… يريدون اختبار رد فعلي."
صرخت بخوف:
"وماذا سيفعلون بي؟"
أجاب وهو يسحبها خلفه عبر الممرات:
"لن يصل إليك أحد ما دمت حيًا."
دخلا غرفة محصنة خلف مكتبه، حيث كانت الشاشات تعرض كاميرات المراقبة ورجاله ينتشرون في الساحة الخارجية.
قال عبر جهاز الاتصال:
"لا تقتلوا أحدًا، أريد أن أعرف من يرسل الرسائل."
نظرت إليه بدهشة:
"رسائل؟"
أجاب وهو يركز على الشاشة:
"العدو لا يبدأ حربًا بلا رسالة. هذه مجرد مقدمة."
اقتربت منه وسألته بصوت منخفض:
"وهل أنا جزء من هذه الرسالة؟"
توقف للحظة، ثم قال بصراحة قاسية:
"نعم. وجودك هنا يعني لهم أنني تغيرت، وأنني قابل للضغط."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
"إذن أنا خطر عليك."
التفت إليها فجأة، وأمسك بوجهها بلطف لم تتوقعه منه.
"أنتِ أخطر شيء حدث لي، لكنني لا أندم."
انتهى الهجوم بعد دقائق، وعمّ القصر صمت ثقيل مرة أخرى.
خرج سليم من الغرفة، لكنها بقيت خلفه، وعقلها يعج بالأفكار.
قالت فجأة:
"سليم."
التفت إليها.
"ماذا؟"
"إذا كانت الحرب بسبب وجودي… لماذا لا تتركني أرحل؟"
حدق فيها طويلًا، ثم قال بصوت خافت لكنه حاسم:
"لأنني إن تركتكِ، سأخسر الحرب… وسأخسر نفسي."
اقتربت منه، وقالت بصوت يكاد يكون همسًا:
"وأنا؟ ماذا سأخسر إن بقيت؟"
ابتسم ابتسامة حزينة:
"ستتعلمين أن القلب قد يكون أخطر من أي سلاح."
وفي تلك اللحظة، أدركت ليل أنها لم تعد مجرد أسيرة في قصر زعيم المافيا، بل أصبحت جزءًا من حرب أكبر… حرب بين القوة والمشاعر، بين العقل والقلب.

تعليقات